رواية القيادي الفصل الاول 1 بقلم إلهام رفعت


رواية القيادي الفصل الاول 1 بقلم إلهام رفعت




في إحدى القرى المصرية ، أشرقت شمس يوم جديد ، أظهرت جمال الأشجار المُصطفة والمُزدانة وهدوء مياة النيل ، وبداخل إحدى المنازل العصرية إلى حد ما ، صعدت الدرج سيدة ما يبدو عليها الوقار في مقتبل الأربعين من عمرها وولجت إحدى الغرف ، ارتسم على وجهها ابتسامة هادئة وهي تطالع تلك الفتاة الغافية ثم توجهت للشرفة وقامت باقصاء الستائر جانبًا تاركة المجال لأشعة الشمس في التسلل وبالتالي تسلطها على وجه الراقدة على الفراش والتي عبست بملامحها مُتذمرة ما أن سقطت عليها اشعة الشمس ، دفنت وجهها في الوسادة قائلة بانزعاج : 

- اقفلوا الستاير دي وسيبوني انام شوية .

ابتسمت عمتها لها واقتربت منها وازاحت الغطاء قليلاً من عليها وحدثتها بنبرة حنونة وهي تجلس بجانبها : 

- اصحي يا حبيبتي بقى ، كل يوم بتقولي الكلمتين دول ، ويلا علشان متتأخريش على المستوصف 

تأففت وأزاحت الغطاء بعنف واعتدلت جالسة وردت مغمضة العينين : 

- صحيت أهو .

ضحكت الأخيرة عليها ثم دنت منها أكثر وربتت على ظهرها بحنان قائلة : 

- كل يوم هتتعبي عمتو كدة ، وريني العنين الزرقا اللي بتسحرني دي .

فتحت عينيها ووجهت بصرها نحوها قائله بفتور :

- حتى في الأجازات بتعلم، وانا اللي فاكرة أن الجامعة دي يعني راحة .

نهضت الاخيرة وهتفت بمعنى : 

- انتي مش زي غيرك ، انتي هتبقي دكتورة ولازم تشدي حيلك علشان تبقي متفوقة ، استأنفت بنفاذ صبر : 

- يلا قومي بقى هتتأخري ، وزمان بنت عمك جهزت هي كمان 

اومأت برأسها ونهضت لتجهيز نفسها ونظرت لها عمتها واردفت: 

- انا هروح اجهز الفطار على ما تخلصي لبس..


بعض وقت وجيز انتهت رسيل من ارتداء ملابسها وبدا عليها النشاط ، هبطت الدرج بخفة متجهه للغرفة الخاصة لتناول الطعام ، ووجدت عمتها بانتظارها ، رمقتها الأخيرة باعجاب ، ثم جلست رسيل وشرعت بتناول الطعام على عجالة قائلة : 

- اما الحق افطر، قبل ما سي عمرو يسمعني كلمتين ، مبيبطلش يقولي نتجوز ، لحد ما زهقت .

زمت عمتها شفتيها متفهمة حالتها ومدى فرض تحكمات اخيها عليها في الماضي وانتهى المطاف بابنه ليفرض سيطرته هو الآخر على ابنة عمه ، اخرجت سميرة تنهيدة عميقة قائلة للتهوين عليها : 

- متخافيش ، ميقدرش يغصبك على حاجه طول ما انا موجودة 

صمت قليلا ًوهي تعلم في نفسها انها ضعيفة امامهم فهي لا تملك سوى بعض الكلمات الغاضبة التي تلقيها عليهم للتنفيس عن ضيقها ،زفرت بقوة وتابعت بضيق : 

- مش كفاية وقف حالي ومانع حد يتجوزني ، وعمري راح وكله علشان الفلوس والناس طمعانة فينا.

تغيرت تعابير رسيل للحزن على عمتها ، وخشيت ان تحظى بنصيب مثلها وكادت ان تتحدث ولكن اصوات ابواق سيارته التي تصدح من الخارج استوقفتها ، فتفهمت رسيل ونهضت وعلى وجهها تأفف ملحوظ من مجرد رؤيته ضمن روتينها اليومي ، حدثت عمتها وهي تقبل رأسها : 

- سلام بقى يا عمتو .

ابتسمت لها سميرة وردت بنبرة هادئة :

- مع السلامة يا بنتي ، خلي بالك من نفسك . 

دلفت للخارج وجدته مستندًا على سيارته وعلى وجه ابتسامة جانبية مستفزة وهو يتطلع عليها كليًا ، تقدمت منه محاولة تجنبه ولكنه اعتدل في وقفته قائلاً : 

- صباح الجمال .

رمقته بتأفف واتجهت صوب السيارة لتستقلها ، تتبعها بضيق وزفر بقوة ، ثم ولج للداخل هو الآخر ، واستقل مقعد السائق ، ادار عمرو رأسه لهما وهما جالسات في الخلف ، هتف بامتعاض : 

- حد قالكم اني السواق بتاعكم ، واحدة فيكم تيجي تقعد جمبي. 

أشاحت رسيل وجهها ناظرة للخارح بعدم اكتراث ، بينما اضطرت اخته زينه للترجل على مضض والجلوس بجانبه رغم ضيقها الداخلي وخوفها منه ، ثم ادار سيارته متجهم التعابير من سوء معاملتها واقنع نفسه بالصبر ....


عند مطلع احدى الأراضي الزراعية ، تقف فتاة شابة في منتصف العشرينات مستندة بظهرها على احدى الأشجار ، ممسكة بورقة ما وتدون فيها بعض الملاحظات .

زوى بين حاجبيه أحد الفلاحين المحدق فيها وسألها بنبرة راجية متوسلة: 

- خلاص يا ست ملك ، هتجيبلنا المبيد لأحسن الزرع يروح مننا 

نظرت له بعبوس واجابته بنبرة جدية وعملية مستنكرة ما تفوه به: 

- دا شغلي ، هو هنا بلعب يعني . 

هتف مصيلحي بنبرة ممتنة وهو يلوح بيديه : 

- ربنا يخليكي لينا يا ست المشمهندسة ، مش عارفين من غيرك كنا هنعمل ايه .

نظرت له وكادت ان تتحدث ، ولكنها التفتت برأسها عفويًا ناظرة لتلك السيارة المالوفة لها ، ظهر على محياها ابتسامة عذبة ، ثم استدارت تجاه الفلاحين وهتفت وهي تهم بالذهاب :

- خلاص يا رجاله ، كل اللي عايزينه انا هجيبه ، سلام عليكم .

ثم اسرعت بخطاها ووقفت امام السيارة ولوحت بيدها كي تقف ، وبالفعل اوقفها عمرو لمعرفته بشخصها ومدى صحوبيتها مع ابنة عمه ، تقدمت ملك من رسيل ودنت من النافذة وحدثتها بابتسامة محببة : 

- صباح الخير يا رسيل ، عاملة ايه ؟ .

ردت رسيل بنبرتها الهادئه : 

- صباح الخير يا ملك ، تابعت زامة شفتيها للجانب : 

- هعمل ايه يعني ، رايحة المستوصف .

ادار عمرو رأسه نحوهما وحدث ملك متطلعًا عليها بنظرات مهينة لها : 

- صباح الخير يا بشمهندسة ، مش عيب برضو توقفي العربية كدة ، انتي خدتي علينا قوي . 

شعرت ملك باحتقاره لها ، فهي لم تتعجب تكبره المُعتاد مع الجميع ، اعتدلت في وقفتها ورمقته بثقه ولم تتزحزح عن اعتزازها بكرامتها حين ردت بحنق : 

- انا بسلم على صاحبتي ، ولا انت عندك مانع . 

ابتسم بسخرية ونظرت له رسيل بانزعاج من تعمده استفزاز الآخرين ولم يهتم هو لنظراتهم المُنزعجة ونظر امامه وعلى وجه ابتسامة توحي بثقته الزائدة في شخصه ، وبحقارة منه ادار السيارة دون سابق إنذار وسار بها ، فشهقت ملك وتراجعت للخلف خيفةً من دعسها ، بينما صرخت فيه رسيل باهتياج جلي : 

- ايه اللي عملته ده ، انت اكيد مجنون ، كان ممكن يحصلها حاجة يا بني آدم أنت . 

ضحك عمرو بصوت عالي ورد عليها بلا مبالاة : 

- أهو محصلهاش حاجة 

أحدت رسيل النظر اليه كاتمة غيظها وانفعالاتها التي التي ثارت بداخلها ، ولاحظها عمرو عبر المرآة الامامية وحدثها لاستفزازها اكثر : 

- كان حصل ايه يعني ، المفروض تعرف ازاي تعامل اسيادها كويس .

لم ترد عليه فاستأنف بابتسامة سخيفة:

- نفسي بقي تحني عليا ، وتسيبك من الناس دي بقى ، أقبلي اتجوزيني وهتلاقيني ملك ايدك وبعمل اللي انتي عوزاه 

لوت ثغرها بابتسامة ساخرة وردت بنبرة عنيدة واثقة : 

- دا بُعْدك 

اثنى ثغره للجانب مبديًا ضيقه منها ورد عليها بعناد اشد وملامح مكفهرة : 

- خلاص خليكي كدة ، ومحدش هيقربلك ابدًا طول ما أنا موجود .

لم ترد رسيل واكتفت بالنظر للخارج زائغة في وضعها السيئ ، ضغطت زينه على شفتيها منزعجة من افعال اخيها الفظة ، بينما هو أكمل طريقه وهو يزفر بقوة.......

_____________________________ 


ولجت والدته غرفته كي توقظه ، حدقت فيه محركة رأسها بقلة حيلة ، ثم اقتربت منه ودنت من اذنه صارخة بنبرة مباغتة:

- اصحي يا اسماعيل ، مهجة برة وعوزاك . 

انتفض من نومته ووثب من على الفراش مهرولاً وهو يردد بلهفة : 

- هاتي ياما جلبيتي خليني اطلعلها .

ضحكت عديلة عليه بصوت عالي ، فنظر لها باستغراب قائلاً باستفهام : 

- بتضحكي علي ايه ؟ .

عديلة محاولة السيطرة على ضحكتها وهي تنهج : 

- هي البت دي هتفضل مجنناك كدة الله يخيبك . 

تفهم اسماعيل خدعتها وصر اسنانه مغتاظًا منها ، هتف بانزعاج :

- كده ياما ، تعملي كدة فيا . 

ردت بلا مبالاة وهي تنفض الفراش : 

- روح يا واد يلا ابوك مستنيك برة علشان تروا الزرع.

نظر لها شزرًا وزفر بقوة وهو يلتقط جلبابه الموضوع على الأريكة الشبه متهالكة ، ثم ارتداها بعنف وهو يلعن عيشته النكرة ، هدج للخارج وهو يسب من بين شفتيه .. 

وجد أبيه جالسًا على الأرضية ويتناول افطاره ، فتوجه اليه وجلس بجانبه عابس الملامح ولم يتفوه بكلمة واحدة ، نظر له والده بتعجب وحدثه وهو يسأله : 

- مالك يا واد انت على الصبح كدة ؟ .

تجهمت تعابيره وهو يرمق ما حوله باستهجان مستحقرًا تلك الحياة الدونية التي اضحت نصيبه الحتمي ، والتي تعيق زواجه رغم تقدمه بالعمر ورد على والده منزعجًا : 

- انا هتجوز امتى بس يابا ؟ ، انا تعبت وعايز اتجوز واتلم . 

هتف عبد الصمد باستغراب من لهفته الزائدة :

- ومستعجل كده ليه؟ .

اسماعيل وهو يحدجه بضيق جلي ، هتف بامتعاض :

- يابا انا كبرت ، وعايز اتجوز مهجة ، انا بحبها .

تقدمت والدته منهم حاملة لبعض الأطباق بيدها ، فالتقفها منها ووضعها امامهم ، ثم تربعت على الارضية بجانبهم وتشدقت بعبوس :

- اهمد يا واد شوية وخليك ناشف كدة ، اكبر منك ولسه متجوزوش ، وان شاء الله ربنا هيسهلهالك من عنده .

ابتسم اسماعيل بسخرية ورد شاردًا امامه :

- ان شاء الله ياما ، أديني مستني ، هو انا ورايا حاجة .....

________________________________


هبط الدرج رجل كبير تملك الشيب من رأسه ، وبهيبته المعتادة ناظرًا امامه بتكبر ومن غيره فريد الزيني الذي يخشاه من يعمل تحت وطئته فهو معروف من قبل الجميع بساديته في القرية ، نكس الواقف في بداية الدرج رأسه ما أن رآه معبرًا عن احترامه وحدثه بخوف داخلي ونبرة مهزوزة :

- صباح الخير يا فريد بيه .

نظر له فريد مشمئزًا من هيئته وتوجه للأريكه في ردهة فيلته وجلس عليها ، ثم حملق في ذلك الواقف وهتف بتأفف : 

- انطق عاوز ايه ؟ .

رد الخفير بنبرة سريعة : 

- مش انا يا سعادة البية ، دا بيومي المحامي هو اللي عايز حضرتك ، صاح فريد بوجه كالح وهو يسأله : 

- وهو فين ده يا غفير الزفت انت ؟ .

رد الخفير بنبرة مرتعدة : 

- و..و واقف برة يا سعادة البية . 

حدجه بانزعاج وهتف معنفًا إياه بانفعال : 

- دخلو فورًا يا بهيم ، ازاي تسيبه وافق بره ، أما غفير غبي . 

ارتعد الخفير وحرك رأسه عدة مرات بطاعة وهرع للخارج ليأتي به ،وفي لحظات قليلة ولج المحامي بيومي للداخل وعلى وجهه ابتسامة راضية ، تقدم من فريد الناظر له وهو يحدثه مشيرًا بيده : 

- تعالى يا بيومي أقعد ، معلش على وقفتك برة ، كله من البهايم اللي بيشتغلوا عندي . 

ابتسم بيومي ورد بنبره هادئه :

- عادي يا فريد بيه محصلش حاجة 

اومأ برأسه وهتف وهو يسأله بجدية :

- تشرب ايه ؟ .

رد بيومي ناكسًا رأسه بامتنان :

- أي حاجة يا فريد بية .

صاح فريد بصوت اجش وهو ينادي على الخادمة : 

- سعدية ..انتي يا سعدية .

هرولت اليه وردت بطاعة وهي تجفف يديها في جانبي جلبابها:

- تحت امرك يا فريد بيه .

حدثها فريد بنبرة آمرة : 

- هاتي أتنين قهوة مظبوط ومتتأخريش .

اومأت رأسها بطاعة وتوجهت للمطبخ راكضه ، ثم وجه فريد بصره له واستطرد مستفهمًا : 

- خير يا بيومي ، ايه الجديد ؟. 

تنحنح بيومي ورد بنبرته العملية : 

- الجماعة اللي مأجرين الأرض جابوا الفلوس

انصت له فريد باهتمام وقال:

- فلوسهم جاهزة يا بيومي على طول.

حرك بيومي رأسه بتأكيد ورد :

- جاهزة يا فريد بيه والمحصول السنة دي عندهم عال العال .

مط فريد شفتيه باطراء ورد وهو يوضح بمعني :

- أصل الأراضي نَفَسْها حلو في الحشيش

قهقه بيومي عاليًا وهو يوافقه الحديث :

- أصلها قريبة من النيل والحشيش بيشرب وبيزيط وزبطنا معاه.

ضحك فريد هو الآخر وهو يردد :

-أهم شيء ملناش دعوة، هما بس مأجرين الأرض ومعندناش فكرة بيزرعوا أيه

-اطمن يا فريد بيه ملناش علاقة

طمأنه بيومي بنبرة واثقة فتنهد فريد قائلًا:

- الله يرحمك يا أخويا ، كان ناصح قوي لما أشترى الأراضي دي ، استأنف بحنق :

- بس يا خسارة بتاعة بنته .

زم شفتيه للجانب بتبرم بينما هتف بيومي بنبرة ماكرة ذات مغزى :

- وخسارة ليه يا فريد بيه ، ما أنتوا فيها ، جوزها لعمرو بيه ويبقى هو المالك لكل حاجة.

كاد فريد ان يرد ولكن دخول عمرو بملامحه المنزعجة منعه من ذلك ، هتف عمرو متنهدًا بضيق :

- سلام عليكو .

نهض بيومي على الفور ومد يده ليصافحه ورد باكتهاء :

- وعليكم السلام يا عمرو بيه .

صافحه عمرو ثم جلس بجانب بوجه محتقن ، فنظر له فريد وسأله بتعجب :

- ايه يا عمرو مالك على الصبح كدة ؟! .

رد بتأفف ملحوظ :

- مافيش يا بابا حاجة .

تدخل بيومي وهتف بتفهم :

- أنا همشي أنا يا فريد بيه .

اومأ فريد برأسه ورد بهدوء:

- طيب يا بيومي روح أنت وأبقى بلغني بالجديد .

رد مؤكدًا بطاعة :

- امرك يا فريد بيه ، استأذن أنا .

ما أن هدج للخارج حتى وجه فريد بصره لابنه وسأله بجدية :

- قولي بقى مالك ، وايه اللي قالب وشك كدة ؟ .

هتف الأخير بتجهم بائن :

- هيكون مين غير الست رسيل ، معاملتها ليا بقت بتضايقتي، ومش راضي اعملها حاجة علشان عمتي بس.

رد فريد بتفهم :

- ما هو أنت لو عدل كان زمانها بتجري وراك ووافقت على الجواز منك ، بس هقول ايه .

زفر عمرو بقوة وهتف بانزعاج :

- انا كويس ، مالي يعني ، انا ممكن اتجوزها غصب عن الكل ووقتها محدش هيمنعني ، بس مش راضي لحد دلوقتي اعملها حاجة ومستحمل عنادها وطريقتها معايا .

عنفه والده بشدة وهو يرمقه بانزعاج :

- انت اتجننت ، عايز الناس تقول ايه ، دا كفاية عمتك لوحدها ، دا هتبقى أول واحدة هتقف قصادك ، هي خلاص مبقاش يهمها حاجة من ساعة ما كرهت الجواز وشالته من دماغها .

هتف عمرو بابتسامة ساخرة على زاوية فمه :

- ولا تقدر تعمل حاجة ، كانت عملت لنفسها لما كنت بترفض اللي بيتقدمولها .

تأفف فريد وهو يردد بنفاذ صبر :

- سيبك من الكلام دا ، اللي بتفكر فيه مش هيحصل غصب عنها وانا مش هوافق على كدة .

رد عليه بحنق :

- وأيه الحل بقى .

رد فريد بعدم اكتراث :

- اهدى انت وهبقى اشوف حل .

جاءت سعدية بالقهوة ووضعتها امامهم، نظر لها فريد بعبوس وهو يقول بتبرم:

- وانتي مستعجلة عليها ليه ، كنتي هاتيها بكرة.......

____________________________


سار إلى حيث يوجد والده بعدما انهى عمله بداخل الأسطبل ، وما أن لمحها قادمة حتى رفع جلبابه للأعلى قليلاً وركض نحوها وهو مسلط انظاره المتلهفة عليها ، رأته هي الأخرى قادمًا نحوها فنكست رأسها بخجل ، وقف اسماعيل امامها وهو يلهث وحدثها بانفاس متقطعة:

- وحشتيني قوي يا بت ، بقالي يومين مشوفتكيش .

عضت شفتيها السفلية بخجل وردت بتردد :

- عيب يا اسماعيل حد يشوفنا .

ابتلع ريقه ونظراته الراغبة فيها تكاد تخترق جسدها ، همس بهيام :

- انا ميهمنيش اي حد ، أنتي بس اللي تهميني .

ضحكت بخجل وردت بتوتر :

- وانت كمان وحشتيتي يا اسماعيل .

اتسعت ابتسامته الفرحة وهو يقول بتنهيدة حارة :

- امتى بقى نتجوز ؟، انا خلاص معنتش قادر اصبر اكتر من كدة.

لوت شفتيها للجانب وقالت بسخرية :

- ماتشد حيلك انت ، دا حتة الأوضة اللي هنتجوز فيها مش عارف تجهزها لحد دلوقتي .

شعر اسماعيل بالخزي من حديثها وحرك شفتيه ليرد عليها ولكن صوت والدتها وهي تدنو منهم قاطعهم حين هتفت بعبوس :

- صباح الخير ، موقف البت كدة ليه يا اسماعيل ؟.

التفت إليها اسماعيل بتوتر استحوذ عليه ، بينما انتفضت مهجة في مكانها ولم تجد ردًا على والدتها ، فتشدق اسماعيل بتلعثم:

- صباح الخير يا حماتي ، عاملة ايه .

هتفت مهجة باضطراب :

- انا همشي انا بقى اروح لأبويا.

ظلت نظرات والدتها تتابعها بحنق ، بينما نظر اسماعيل لها شزرًا لإفسادها لتلك اللحظة ، نظرت له تحية وقالت باستهزاء بائن يحمل التهديد :

- مستعجل شد حيلك واحنا مجهزينها ، وإلا هتروح لغيرك.

تجمد اسماعيل للحظات غير مستوعبًا ما تفوهت به ،ثم انتبه لها ورد عليها بانزعاج جلي :

- مهجة مش هتبقى مرات حد غيري واللي هيقربلها هيبقى آخر يوم في عمره ، تابع بتأفف :

- وايه موضوع شد حيلك دي ، انا والله شادد حيلي ومستعد اتجوزها دلوقتي .

ضحكت تحية عاليًا وهتف بمعنى وهي تلكزه في كتفه :

- اللي مصبرني عليك لحد دلوقتي خفة دمك دي يا واد .

هتف اسماعيل بنبرة مرحة لكسب ارتضاءها :

- يا حلاوتك يا حماتي ، ايوة انا عايزك تحني عليا كدة .

زمت ثغرها للجانب وهي تقول بتهكم :

- انا حنينة على طول ، بس مضمنش لحد امتى ، انا بنتي اللي بيتقدمولها ياما .

امتعض اسماعيل من حديثها فاستكملت بسخرية وهي تستدير للذهاب :

- اشوف وشك بخير يا ..يا جوز بنتي .

تعقب ذهابها بنظرات منزعجة واخرج سباب من بين شفتيه ثم انتبه لوالده الذي ينادي باسمه :

- تعالى يا اسماعيل ، انت واقف بتكلم نفسك.......

__________________________


في القاهرة باحدى النوادي الرياضية الكبرى ، تمعن النظر إلى تلك الكرة الصغيرة ووزع انظاره عليها وعلى تلك الحفرة الصغيرة ، ثبت عصاه خلفها وحين أتت لحظة دفعه لها فعل ذلك بتمكن حتى سقطت في مكانها السليم ، لوى زاوية فمة مبتسمًا بانتشاء ثم ادار رأسه تجاه صديقه الذي هلل باطراء :

- برافو أيهم ، أنا راهنت عليك وكسبت .

ابتسم له ايهم بتباه ثم استدار بجسده ليذهب نحو اصدقاءه الجالسين على احدى الطاولات متابعين لما يدور امامهم باعجاب بائن ، رأته سالي وهو يتقدم منهم وسارت لتقابله بابتسامة ناعمة وهي تهتف باعجاب ونظراتها هائمة فيه :

- برافو يا حبيبي ، ما فيش حاجة صعبة عليك .

ثم قبلته من وجنته فابتسم لها بعدم اكتراث وتنهد ليتابع سيره تجاه رفاقه ، زمت سالي شفتيها وعبست ملامحها من معاملته لها. 

تنفست بهدوء وحاولت ان تساير الموقف فهي ليست لتغضب امامه فهو بالتأكيد سيسعد بذلك خبر ، تأنت سالي في كسب ارتضاءه عليها وسارت خلفه راسمة ابتسامة زائفة وهي تجلس بجانبه . 

هتفت رانيا صديقتهم المقربة بابتسامة ذات مغزى:

- بصراحة يا ايهم انت ممتاز ، مافيش مرة خسرت فيها 

رانيا صديقتهم رغم الفارق الإجتماعي بينهم فقد اضحت صحوبيتها عن طريق مصطفى عندما صدمها بسيارته ولم يحدث لها شيء حينها سوى اعجابه بها وتحول ذلك لصداقة بينهم وبين بقية رفاقة وتوطدت العلاقة بينهم من عامين مضوا " ، ابتسم لها ايهم بامتنان وهو يرد :

- ميرسي رانيا .

وجهت رانيا بعدها بصرها لمصطفى الجالس بلا مبالاة وهتفت بتهكم وكلمات مقصودة :

- خلي الناس تتعلم منك .

تفهم ايهم ما ترمي اليه وضحك عاليًا وهتف :

- لأ خليني انا لوحدي .

نظر لها مصطفى مضيقًا عينه بغيظ وحدثها بحنق بائن :

- قصدك ايه بالكلام دا يا رانيا ، ردت بلا مبالاة أغاظته أكثر :

- مقصدش حاجة .

تنهد بضيق مكتوم ولم يعلق ، بينما دنت سالي من أيهم لتهمس له في اذنه :

- بحبك قوي .

ابتسم لها ببرود ولم يرد عليها فابتسمت بحزن ونظرت امامها ، وعن مصطفى تأفف وهو يقول بضيق :

- احنا عاوزين نسهر النهاردة ، انا متضايق قوي وعايز اغير جو .

رانيا بنبرة حانقة وهي تنظر إليه بسخرية :

- طبعًا انت وراك حاجة غير السهر .

اشاح بوجهه بعيدًا عنها متعمدًا ذلك فهو يعلم ما يزعجها منه وسببه حبها له والذي يقابله ببرود لعدم طاعتها له في التمادي في علاقتهم مرتدية لقناع الشرف ، فأردف ايهم وهو ينظر لماجد الصامت :

- ايه يا ماجد انت ساكت كدة ليه.

نظر له ماجد ورد بسخرية :

- بتفرج عليكم ، رد ايهم بابتسامة منزعجة :

- يلا يا ماجد انا ورايا شغل مهم قوي .

نهض ايهم وخلفه ماجد فهتفت سالي بلهفة وهو تمسك ذراعه :

- هشوفك الليلة ، صح يا ايهم .

رد بجمود وهو يهم بترك المكان :

- ان شاء الله .

تابعته سالي بابتسامة راضية حالمة ، هتفت رانيا ساخرة مما تراه :

- بايخة قوي يا سالي وانتي بتجري وراه كدة وهو مش مديكي وش ولا حتى شايفك.

التفتت لها سالي واثنت ثغرها بابتسامة منزعجة وردت بنبرة ذات مغزى :

- على اساس انا لوحدي .

تفهمت رانيا ما ترمي إليه ووجهت بصرها تلقائيًا لمصطفى وردت عليها بثقة لا متناهية وهي تنظر إليه :

- والله انا بحب بس مش مستعدة أرخص نفسي علشان أي حد ، اللي عاوزني يبقى لازم يبقى متجنن عليا.

ازدردت سالي ريقها لمعرفتها بركضها خلف أيهم طمعًا بأن تحظى به ويتزوجها وها هي تنتظر تلك اللحظة، وعن مصطفى ابتسم لها بجمود ثم نهض من مقعده ، هتف بضيق داخلي وهو يجمع متعلقاته:

- انا همشي انا ، سلام .

راقبته رانيا بنظرات حب ولوم في ذات الوقت ثم تنهدت بهدوء متأملة للخير في القادم....

____________________________


وقف امام ذلك المبني الخاص بعيادة هذا الطبيب داخل المستوصف مستندًا على سيارته ومسلطًا بصره على تلك البوابة الحديدية ، نظر عمرو في ساعة يده منتظرًا خروجها، حيث فرض عمرو سيطرته بعد والده الذي بدأ يرق في معاملته عن ذي قبل وأمسك هو زمام الأمور مما جعل الجميع يمقت التعامل معه لتعجرفه الدائم على من هم أقل مستوي منه ، لم يكترث لأحد مما حوله سوى رسيل ابنة عمه لطمعه في الحصول عليها وبالكاد الحصول على جميع الأملاك لتضحى تحت وطئته ، زفر بقوة من عنادها ومعاملتها السيئة معه ، هدأ من نفسه فهي لن تصبح ملكًا لأحد غيره فالجميع يخشى التقدم لخطبتها وهذا ما يسعده في الأمر ويجعل حصوله عليها سهل المنال ، تنهد بضجر وهو ينظر حوله ، فهو ينتظرها منذ وقت ، لمح خروج عدد قليل من زملائها ودقق فيهم النظر ليراها بينهم وهي تدلف للخارج ، رأته رسيل فتأففت على الفور واشاحت بوجهها لتنظر في جميع الأماكن إلا وجهه الذي يسبب لها التقزز بسبب افعاله الدنيئة معها ، تحركت لتستقل السيارة وسط نظراته الماكرة وابتسامته المستفزة مجبرة على ذلك فلا أحد في القرية يمتلك سيارة سوى هما وعمدة القرية فقط ، وقف امامها ليحيل دون ركوبها فنظرت له باستغراب ، ضمت ذراعيها حول صدرها وهتفت بعدم فهم :

- عاوزة اركب ، فيه حاجة ؟! .

ابتسم بمغزى وقال باحترام مصطنع وهو يفتح لها الباب :

- دا واجب عليا يا مراتي المستقبلية .

نظرت له بثقة وردت وهي تبتسم بسخرية :

- اطلع بقى من احلامك ، انت لو آخر واحد مش هفكر فيك

كانت كلماتها كالسياط بالنسبة له مما جعله يزداد غضبًا، أمسك عضدها ضاغطًا عليه بقوة ليقول بتحذير :

- اعرفي الكلام قبل ما تقوليه وتندمي عليه ، انا لحد دلوقتي بعاملك بأدب علشان مش عاوز ازعلك .

تشنجت تعابير وجهها وهي تزيح يده ، هتفت بامتعاض :

- ابعد ايدك دي عني ، انت بتستقوى عليا علشان بنت .

اومأ رأسه فهي محقة ، نفض يدها ثم قال متنهدًا بهدوء :

- ماشي يا رسيل ، الأيام بينا وهنشوف هتبقي لمين .....

_____________________________


استمر في الإطلاع على تلك الأوراق التي ارسلها له محاميه وتخص شراء الأراضي التي سيحتاجها لتنفيذ مشروعه الذي يزمع تنفيذه في الفترة القادمة فقد بات ذلك حلمه وعليه الآن تحقيقه ، حدق أيهم في الأوراق وبدا مستاءً من وجود بعض الاراضي المفروض شراؤها لم تنتهي حتى الآن من التخليص فيها ، زفر منزعجًا وألقى الاوراق امامه باهمال ، فدخل ماجد عليه بعدما طرق الباب ليقول وهو يتقدم منه :

- أيهم فيه.....

اشار بيده ليصمت فتعجب ماجد، هتف ايهم بحدة منزعجًا:

- ازاي بقية الأراضي دي يا ماجد لسه مخلصتش ، هو انا ناقص اتعطل أكتر من كدة ، وفين المحامي اللي بعتلي الورق ده ولسه فيه اراضي مش خلصانة .

ماجد وهو يقف امامه ، رد بجهل :

- انا لسه مش عارف يا أيهم ، اللي اعرفه انه لسه بيشتري في الأراضي علشان نبدأ المشروع .

هتف ايهم بنبرة مهتاجة :

- انا قولت يدفع اللي هما عايزينه علشان اخلص من الموضوع ده ، ازاي لحد دلوقتي مخلصش اللي طلبته منه ، بيعمل ايه هو ؟.

كاد ان يتحدث فأشار أيهم للمقعد المقابل له ليجلس ، جلس ماجد ثم سأل بتردد :

- طيب ايه المطلوب مني يا أيهم ؟ ، اللي فهمته منه أن الأراضي اللي باقية اصحابها فلاحين وعايشين في قرية كدة ، يعني مش هياخد وقت معاهم وبالفلوس هيوافقوا على طول .

رد بجدية حادة :

- كلملي الموظفين اني هعمل اجتماع مهم قوي بكرة لأني النهاردة متضايق ومش في المود ، عايز اخلص بقى من الموضوع دا وابتدي انفذ المشروع ، مش هوقفه على حاجة متستهلش .

أومأ ماجد رأسه بتفهم ثم سأل بحذر :

- طيب ما تروح تسهر النهاردة ، زمان الجماعة...

قاطعه بنظرة قوية اسكتته حين تفهم مقصده ، تنهد وهو يرد بمغزى :

- بكرة هسهر ، النهاردة ماليش مزاج لأي حد .

زم شفتيه ثم تابع بتساؤل وهو ينظر إليه بقتامة:

- إنت قولت القرية اسمها أيه؟ .....


                  الفصل الثاني من هنا 

         لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة