
رواية القيادي الفصل الخامس والخمسون 55 والأخير بقلم إلهام رفعت
أخذ قراره بعدم مغادرة البلاد حتى لا يشك أحد في أمره كونه أرتكب تلك الجريمة أو هو من إفتعلها فعدم رؤية أحد له جعله غير مرتابًا كثيرًا، علم رغيد من أحد رجاله المرابطين له بداخل المشفى بأنه ما زال على قيدِ الحياة، أمرهم بمواظبة مراقبته لمعرفة تطور حالته الصحية وإخباره بعدها، بتفكيرٍ شيطاني وقلبٍ ميت أمرهم رغيد بالتخلّص منه حين تسنح لهم الفرصة لتنفيذها وبدون ترددٍ وعقلٍ واعٍ تحجر قلبهُ، جلس على الاريكة يتنفس بصعوبةٍ وقلبه يرتجف من نبضاته الخائفة فقد أوقع نفسه في معضلةٍ موثوقة بالطبع لم ينكرها ولم يجحف خوفه من كشف أمره، دفن وجهه بين راحتية وقال بأنفاسٍ مضطربة معنفًا نفسه:
- إيه بس اللي خلاني أعمل كده، كنت ناقص مصايب أنا
ثم تخضّبت ملامحه من ارتباكه الشديد وقد صوّر له عقله بأن عنقه معلقًا في حبل المشنقة فارتعد بدنه ليبعد يديه عن وجهه ناظرًا أمامه بجموحٍ وعرقه يتصبّب على وجهه، زكّا بذلك وهو يقنع نفسه المتزعزعة:
- هو اللي هددني، كان لازم أعمل كده علشان أحمي نفسي وأحمي أبويا و...
بتر جملته حين ذكر إسم والده، طرأت على ذهنه فكرة ما، أجل لما لا يخبر والده عله يساعده في نكبته تلك وهدأت أنفاسه متخذًا ذاك القرار، قال رغيد بتأملٍ وهو يتطلع أمامه كأنه وجد مخرجًا لورطتهِ:
- بابا لازم يساعدني، هو أنا كنت عملت كدة ليه، ما هو علشانه
ثم نهض عازمًا على إخباره ولكن صدح هاتفه ليتوقف لاعنًا بصوت خفيض، تنهد بضيقٍ وتوجه له ليرى مَن بتعابيرٍ عابسة نافرًا من التحدث مع أحدهم، كان أحد رجال رغيد الدائبين بالمشفى القاطن به رؤوف يهاتفه، أجاب رغيد بحماسٍ علّهم تخلّصوا منه، جاء صوت الرجل بالخبر المُفرح ليُبشره بأنه لا داعي لقلقه المدروس بشأن كل ذلك فقد إنتهت دون عناء، لم يتفهم رغيد عن ماذا يتحدث وتحيّر، استفهم بنبرةٍ شغوفة:
- فهمني بالظبط الموضوع إتحل إزاي؟، مات يعني؟!
نفى الرجل بشدة ووضح ما توصل إليه من معلوماتٍ مؤكدة، انفرجت شفتا رغيد بفرحةٍ أذابت خوفه معلنةً حياةً جديدة حماسية سيركض فيها بكل شيطنته التي لم تنتقص من عقله البذيئ وقال باغتباطٍ وهو ينظر أمامه متشفيًا:
- يلا بالسلامة، عقبال ما نخلص منه قريب، كده بقى محدش هيقدر يقف في طريقي ويمنعني أعمل كل اللي عايزوه ......
________________________________
بصرخة أشجت القلوب وهزت الأوصال بقشعريرةٍ حزينة لمن حولها قد أخرجتها سالي من أعماق قلبها لينبعث منها الهياج فور علمها بما أصاب والدها.
حيث أفاق رؤوف من غيبوبته المؤقتة بجسدٍ غير قادرٍ على تحريك حتى إصبعه بعد الفحص الشامل الذي قام به الأطباء فقد ارتابوا في أمره وتأكد صدق حدسهم بأنه أُصیب بالشلل نتيجة صدمة ما قد مر بها فقط سالي هي من تعرفها معلنة في نفسها بأنها السبب الرئيسي شاعرة بالذنبِ حیاله، وقف الجميع حول فراش رؤوف بأعينٍ لمع فيها الحزن يتطلعون عليه بشفقةٍ وهو يحرك شفتيه بكلماتٍ متعثرة عليه مستصعبًا نطقها ليتيقّن الجميع بأنه شُل.
سقطت دمعة من عينه وهو يتأملهم من حوله غير موسرًا على التعبير عن ما يعجفه بداخل نفسه التي حزنت هي الأخرى عليه واكتفى بالمشاهدة عاجزًا بمعنى الكلمة عن وصف ما يشعر به وبما يريد إخبارهم به.
بكت سالي بحرقةٍ فأمسكها إسماعيل يواسيها بدفءِ أحضانه حين ضمها إليه بقوةٍ مرسلاً إليها الطمأنية فالموت أفضل له مما هو فيه ولكن ما أضنى سالي شعورها بالذنب فقد ظنّت بأنها السبب لوصوله لهذا الوضع المتأزم لتخرج الكلمات منها حارقة معاتبة، هتفت سالي بصوت يفطر القلوب مبكتة نفسها الضائعة:
- أنا السبب، بابا حصله كده علشان زعلان مني، عمري ما هسامح نفسي، أنا مجرمة وكان لازم أموت
لم ينتبه الجميع لحديثها وظنوها تُخرف من إملاق ذلك المصاب المُباغت فشدّد اسماعيل من ضمها وقد اغرورقت عيناه هو الآخر حزينًا عليه فقد أحبه واضحى مقربًا إلى قلبه، دنا مروان من صديق عمره وقد إنجلى الحزن في نظراته وهيئته السمحة التي مررها على جسد رؤوف العاجز وجلس على طرف الفراش امامه، نظر مروان لوجه رؤوف وحرك رأسه قائلاً ليهون عليه:
- متخافش يا رؤوف، أنا جمبك ومش هسيبك غير لما تقف على رجليك تاني، هسفرك أحسن بلد تتعالج ومش هرجع بيك غير وإنت كويس
ثم بكى مروان في صمت فلم يتحمل رؤية صديقه يعاني هكذا، ابتسم له رؤوف برضى كأن القناعة بما كتبه الله ملأت صدره وتقبل الأمر، بنظرة واحدة من عينيه وبسمة صغيرة من ثغره أجذل رؤوف بقضاءهٍ وأحس به مروان الذي وجد نفسه ينحني ليقبل يده المتصلبة، قبل بعدها رأسه ليرسل حبه له فهو أغلى ما جلبه طوال عمره فاغتبط رؤوف وابتسم ليُشعره بأنه بخير فابتسم مروان له بحزن، تركت سالي أحضان اسماعيل وتحركت نحو والدها تجُر قدميها متحسرة على حالته، بأعينٍ توهج فيها اللون الأحمر من كثرة البكاء تأملت سالي وجه والدها البشوش فهو كما السابق بطلعته الحسنة ولكن بجسدٍ عاجز، دنت سالي من والدها مُقربة وجهها من وجهه ودموعها مُنسابة على وجهها، قالت بألمٍ:
- سامحني يا بابا، يا ريت كنت أنا
حرك رؤوف شفتيه لينفي وتعابيره تريد تريد نفي ذلك أيضًا ولم يستطع، زاد بكاء سالي وهي تنظر إليه بأسى وقالت كي تجعله يصمت:
- كفاية يا بابا متوجعش قلبي أكتر من كدة، أنا من النهاردة خدامتك وهعيش بتمنى رضاك عليا علشان ترجعلي بسرعة وتقولي سامحتك يا سالي، مش هرتاح ولا هعيش مبسوطة غير لما أسمعها منك وأشوفك زي الأول
بداخل رؤوف حَزَن عليها وتماسك كي لا يبكي ويُشعرها بالذنب تجاهه واكتفى برسم ابتسامة صغيرة أمامهم وعبر عن ارتضاءه بها؛ ثم شرد بفكره فيما سيحدث قادمًا فقد عجز عن الوقوف بجانب ابنته ولكن بداخله عزيمة تأججت من تلك اللحظة بأنه لن يستغنى عن قول ما يكبته فما أراحه وجود ذلك الحب من حوله وابتسم شاعرًا بالأمل في القادم ......
__________________________________
ولج حارس الغرفة المرابط لها حاملاً لبعض الطعام الشعبي الذي فرحت به رسيل لتأكله بشراهة مشتهية تناول المزيد منه وهي تتلذذ بتذوقه.
التقط أيهم منه علبة من السجائر وقداحة وشكره حيث أعطاه الكثير من المال الذي وجده بحوزته فاتسعت ابتسامة الرجل شاكرًا ثم قام بتوصيله للباب، توقف الرجل قبل أن يدلف إلى الخارج وقال مبتسمًا بمغزى وقد غمز بعينيه وهو يلقي نظرة على رسيل التي تأكل غير مبالية بمن حولها:
- إنت تؤمرني يا باشا، محدش هيعرف إنها باتت هنا علشان فيها جُنح وممكن هروح في داهية بس علشان خاطرك
زيف أيهم ابتسامة ممتنة له وقال بشكرٍ واجب منه:
- متشكر قوي، ولما أمشي من هنا إن شاء الله ليك الحلاوة
امتدت ابتسامة الرجل لأذنية وقال بفرحةٍ عارمة:
- إن شاء الله هتخرج من هنا يا باشا دا أنا هفضل واقف قدام الباب أدعيلك من قلبي
ابتسم أيهم له بصعوبةٍ إلى أن خرج واوصد الباب خلفه، زفر أيهم بقوةٍ منزعجًا من وضعه واستدار ليجد رسيل تأكل بنهم، قطب بين حاجبيه مستغربًا وتحرك نحوها، جلس أيهم بجانبها على الاريكة وهو يمرر أنظاره عليها وهي تأكل، قال بتعجب:
- إنتي جعانة قوي كدة؟!
هزت رأسها كرد منها وهي تكمل طعامها الموضوع على تلك الاريكة الصغيرة امامهم، فتنهد قائلاً بمعنى:
- بتحبي الأكل ده؟
قال ذلك وهو يشير على الطعام بعدم رغبة في تناوله، نظرت له وقالت وهي تلوك الطعام الذي ملأ فمها:
- مين مش بيحب الفول والطعمية، دا عشق كل واحد
زاد أيهم من عقد حاجبيه مستنكرًا حديثها فلم يشتهي تناول مثل ذلك الطعام يومًا ولم يتناوله، مط شفتيه بلا مبالاة وأشعل سيجارة وأخذ نفسًا طويلاً منها ونفث دخانها كأنه كان محرومًا منها، نظرت له رسيل وسألته باستغرابٍ وهي تتناول الطعام:
- مش هتاكل معايا ولا أيه؟
حرك رأسه نافيًا وقال مبتسمًا بعذوبة:
- كلي إنتي يا حبيبتي واتغذي عايز صحتك حلوة
قالها وهو يمرر يده يدلك ظهرها برقة فابتسمت هي بحياء، توقفت عن تناول الطعام و نظرت له قائلة بحزنٍ زائف وهي تعاتبه بدلال:
- أنا كويسة بس إنت بتعاملني وحش وقاسي قوي
ابتسم بمكر وهو يتجول بأنظاره على وجهها فتوترت، قال:
- أعمل أيه بحبك قوي
ابتسمت للطفه معها، ثم انتبه لما ترتديه، مد يده ليزيح غطاء (الإسدال) من على شعرها وتابع باقتطابٍ:
-على الأقل شيلي ده عاوز أشوفك وأشبع منك قبل ما تمشي وتسیبیني، ولا أنا مش هوحشك
ابتسمت رسيل باستحياءٍ وتركته ينزعه عنها، ابتسم أيهم وفك شعرها المعقوص للخلف لينسدل على كتفيها وظهرها، نظر لها بحب وقال بمكرٍ وهو يتطلع على (الإسدال):
- أحسن حاجة عملتيها إنك جيتي بالبتاع ده
لم تسعد رسيل بذلك ولكنها تذكرت تلك الفتاة السمجة واغتاظت ، تعجب ايهم من تبدّل تعابيرها فهتفت هي بحنقٍ:
- هو أنا جيت بمزاجي، دي بنت عمتك الرذلة دخلت أوضتي وأخذت كل هدومي علشان معرفش أجيلك وملقتش غيرُه قدامي
دُهش أيهم من ذلك واستنكر مذهولاً:
- معقول "لمى" عملت كدة!
اماءت برأسها مؤكدة بوجهٍ عابس وهي تنظر له بغيظ، ابتسم لها بمحبةٍ وهدأها حين قال وهو يتأملها بعشق ويده تُفرك فروة رأسها من الخلف بلطف فاغمضت عينيها متنهدة بهيامٍ أعجبه منها:
- المهم إني بحبك يا عمري ومبسوط إني شوفتك، وكويس إنك لابساه علشان بغِير من أي حد يبص على الحتة بتاعتي .
فتحت رسيل عينيها وحدقت به قائلة بتقزز:
- أيه الحتة بتاعتي وجو الصياعة بتاعك ده ما تلم نفسك كده
اغتاظ ايهم قائلاً وهو يحدجها بعدم رضى:
- صياعة!، إنتي شيفاني صايع يا بت إنت
أزاحت يده بوجهٍ مقتطب وتوجهت لتُكمل طعامها، قالت بتبرم:
- سيبني أنا عاوزة آكل وجعانة قوي ومكلتش من امبارح .
إمتعض أيهم من قلة رومانسيتها معه ولسانها السليط قائلاً بغيظ وهو يضربها على مؤخرة رأسها بقوة "قفاها":
- طيب كلي ياختي
سقط وجه رسيل في طبق الفول من شدة ضربته فشهقت فاغرة فاهها بعدم تصديقٍ وصدمةٍ معًا، كتم أيهم ضحكه فرفعت رأسها ناظرة إليه والشر يتطاير من عينيها ووجها مغطى بالفول.
نظر لها أيهم وانفجر ضاحكا على هيئتها ليشتد غضبها أكثر وهي تتطلع عليه بحنق، أحس ايهم بها وكتم ضحكته وقال بندم:
- آسف يا حبيبتي إيدي تقيلة شوية
صرت رسيل اسنانها وبدت مزعوجة منه وهي تنظر له بوجوم، ندم أيهم بالفعل على ذلك وحاوط وجهها بكفيه وقال بأسف أشد:
- سامحيني يا حبيبتي متزعليش مني والله ما أقصد
تنهدت رسيل بضيق وعبست كالأطفال فدنا بوجهه منها وقال بحبٍ سافر ظهر في نظراته العاشقة:
- أنا قررت من النهاردة آكل فول علشان خاطر حبيبتي
ثم شرع في لعق ما غطى وجهها من الفول برقة فاقشعر جسد رسيل من طريقته، ابتعد مسافة شبه معدومة وقال بوله مزيف:
۔ الفول طعمه حلو قوي یا رسیل من علیکي
ابتسمت رسیل وقالت:
- بتحبني؟
قالتها رسيل بنعومة هائمة في كثرة العشق الذي يُغدقها فيه، ابتسم أيهم وقال باستنكار:
- لسة بتسأليني يا مجنونة بعد كل اللي بتشوفيه مني
ضغطت على شفتيها السفلية قائلة بتذمرٍ طفيف:
- بس إنت بتبقى عاوز تضربني وبخاف منك بجد لتتهور عليا في أي لحظة وأنا ضعيفة مش هستحمل
ضمها أيهم لصدره فغرقت في دفء أحضانه وشعرت بالأمان، قال متنهدًا بحرارة:
- مش قادر أضربك، بزعل من طولة لسانك بس قلبي بيقولي أوعى تعملها، إنتي الحتة الطرية اللي في حياتي يا رسيل
ابتعدت رسيل عنه على الفور وهتفت بضيق:
- تاني حتة والقرف ده، إنت غبي يا ابني
شهقت بفزعٍ حين ضغط على فكها، ازدردت ريقها بارتباكٍ وقالت ببراءة:
- أيهم متتهورش عليا حبني وبس
تصلّبت نظراته الغامضة التي استنبطت منها تعنيفه لها، قالت:
- هتروح من ربنا فين أنا مراتك
تجاهل ما هي فيه وقال بصلابةٍ متأهبًا لتأديبها:
- إنتي اللي بتجبيه لنفسك.....
__________________________________
عاد بعد وقتٍ طويل قضاه في الخارج باحثًا عنها ولم يستدل من أحد على مكانها فأيهم محبوسًا فكيف سيستفهم منه.
تراكمت عليه الأحزان شاعرًا بالألم حيالها وقلبه يؤلمه يريد الإطمئنان عليها، صعد مصطفى الدرج متوجهًا لغرفته ناكسًا رأسه بألمٍ وقلبه يؤلمه بقوةٍ وتعابيره باهتة غير متأهبًا للحديث مع أحدهم، تفاءل خيرًا فربما هي في مكان ما وستظهر قريبًا، لمحته راما واثنت ثغرها بابتسامةٍ واثقة متشفية فيه فقد أبلغها صديقها بأنه لم يتوصل إليها حتى الآن، لم تذهب هي خلفه وتركته حاليًا فليس الوقت المناسب للعب معه فيكفي حالته التي أصابتها بالراحة فكم سخر منها وأهانها وإبتلعت ذلك مجبرة ومنتظرة لفرصتها، قالت راما بنبرةٍ مستهزئة:
- ولسة هوجع قلبك كمان عليها، هرجعك ليا ذليل وبشروطي وهتكون هي السبب في إني أحقق ده
قالتها راما بتوعدٍ له ليظهر ضيقها منه، تنهدت بعُمقٍ وتحركت تاركة الفيلا لتُرفه عن نفسها مستمتعة بكل ما أنجزته حتى تلك اللحظة وعقلها منشغلاً بما ستفعله مستقبلاً ..
ارتمى مصطفى على التخت بثقل جسده واغمض عينيه ورغم ذلك إنفلتت دمعة من عينه فحياته متوقفة عليها.
نعم هذا هو الحب بل العشق فلم يشعر أحد بما يعانية الآن، خشي مصطفى عليها بأن تكون أصيبت بسوءٍ واستنجدت به حينها ولم تجده، سرح بفكره ليعاود الرجوع للخلف فلم يتركها سوى يومًا واحدًا فماذا سيحدث في تلك الأثناء وتأرجحت الظنون في رأسه وطرقت أوتار قلبه ليتألم، تعجب مما حدث لها فأين هي إذا؟، ألزم نفسه بأنه سيبذل قصارى جهده في البحث عنها ولو سيركض باحثًا في جميع الأماكن لعودتها إليه واعتزم التنفيذ فلن يكل ولن يمل من ذلك فلن يهدأ قلبه إلا حين رؤيتها.
من تلك اللحظة الفارقة في حياته التي تمنى رجوعها إلیه سيترك جميع ما حوله خلف ظهره من أجلها، أجل سيستغنى عن ما حوله وستبقى هي، فتح مصطفى عينيه وحدق في الأعلى وقد خانته عبراته حین ملأت عينيه ومن ثم نزولها، تنهد بألمٍ قائلاً بنبرةٍ ضائعة:
- يا ترى إنتي فين يا رانيا، إنتي فين يا حبيبتي؟....
_________________________________
إنصرم أكثر من شهر في حياة كل واحد تسللت حينها بعض الظروف مُحدثة تغيرًا جذريًا في حياتهم، تم في تلك الأثناء الإفراج عن أيهم بعدما تولى محاميه السيد مدحت إحضار شخصًا تم موافقته على الإعتراف بأنه إرتكب ذلك الجُرم، لم يُحبذ أيهم ذلك وكذلك والده السيد مروان رغم موافقة هذا الرجل على تحمل شيئًا لم يقترفه، ولذلك أمر محاميه بضرورة كشف خيوط ما حدث بأسرع وقت وها قد مر شهر وأخفقت محاولاته وما زال مستمرًا فالقضية متعثرة.
كل ذلك جعل أيهم يُعيد بناء مصنعه تحت إشرافه الدقيق وسيتم الإنتهاء منه قريبًا ليبدأ في تأسيس مصنعه الأول لصناعة الأجهزة الطبية الحديثة، ذلك ما أسعد رسيل لتستغله فيما بعد كونها ستصير طبيبة.
ظلّت حياتهم بمرحها ولم تخلو من مشاحناتهم بسبب لسانها السليط، رغم ذلك عشقها بجنون ليعلن قلبه حبًا لم يمر به من قبل، أحبته رسيل هي الأخرى من قلبها كونها يهتم بها مانحًا إياها ما حرمت منه.
واظبت رسيل في تلك الفترة على حضور جامعتها لتتأقم مع أصدقاء جُدد إنشغلت معهم في دراستها وأضحى لها رفقة تؤنس بهم وحدتها.
تولى أيهم ذلك اليوم إقالها لجامعتها فقد زاد من تشديد الحراسة عليها، لم تكن رسيل على علم بما يدور من حولها ليجعلها تعيش حياةً سويةً دون إخلالٍ، استقلت السيارة بجانبه وابتسمت له ولم تخجل من الإقتراب منه، زادت رسيل جُرأة معه فقد غيّرها اللعين كثيرًا، ولم لا هي زوجة أيهم فكيف لها أن تكون هادئة.
انطلق أيهم بسيارته وما هو إلا وقتٍ قليل حتى وصل للجامعة متحركًا للداخل حتى يطمئن على سلامتها، أوقف سيارته وأدار رأسه لها قائلاً بحب:
- هتوحشيني
ضحكت رسيل بمرح قائلة وهي تداعب وجنته:
- أيه الجديد، طول عمري بوحشك
قال بنبرة موحية ماكرة وقد أظلم عينيه:
- طيب حاولي ترجعيلي بدري علشان فيه كلام مهم قوي عاوز أقولهولك، المصنع اخدني منك ومبقتش قادر على البُعد ده
عضت اصبعها مدعية التفكير ونظرت له قائلة بمراوغة:
- طيب أنا عندي وقت، قول عاوز أيه دلوقتي
علم أيهم بأنها تعبث معه، فاجأها بمكره حين رد:
- طيب كويس، يلا نطلع على الفندق بتاعي علشان أقولهولك
قام بعدها بجدية بتشغيل سيارته متهيئًا للإنطلاق بها، صرخت رسيل قائلة برفضٍ وهي تستوقفه:
- أيهم مش هينفع عندي محاضرة مهمة لازم احضرها يا مجنون
توقف أيهم عما يفعل وقال مدعي الضيق:
- مش قولتي عندك وقت، بتلعبي معايا ليه بقى
ردت متوسلة وهي تمسك ساعد يده:
- أما أرجع خلاص يا حبيبي، ومش هلعب معاك تاني
كشر أيهم بوجهه مدعي زعله فابتسمت قائلة بنبرتها الناعمة:
- مش هغيب وهرجعلك يا بيبي علشان فيه كلام عاوزة أقوله أنا كمان، ووحشتيني الفترة اللي إنشغلت فيها عني
ابتسم أيهم بعدم تصديقٍ من حديثها وتصرفاتها التي باتت تقتله لتمنحه عشقًا فوق عشقه لها، قال متنفسًا بهدوء:
- طيب إنزلي، وخلي بالك من نفسك
ابتسمت قائلة برقة متهيئة للترجل:
- طيب يا عمري يا حبيبي
ثم ترجلت من السيارة واوصدت الباب خلفها وتحركت عدة خطواتٍ فقط ثم استدارت بجسدها، حركت شفتيها قائلة:
- هستناك
أظلم عينيه نحوها ونظر لها في وله، شعرت رسيل به وزيفت ابتسامة له وسريعًا أكملت طريقها نحو الداخل قائلة:
- أما أمشي من وشه دا مجنون ويعمل أي حاجة
تعقبها أيهم بنظراته وقال:
- طيب أخطفها دي ولا أعمل أيه دلوقت.....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
ولجت رسيل لداخل مقر جامعتها متجولة بأنظارها على المكان كأنها تبحث عن شيءٍ ما، رٶوها رفقاءها من بعيد فلوّحوا لها كي تراهم، تحركت رسيل صوبهم فور رؤيتها لهم وابتسمت بسعادةٍ، دنت منهم قائلة بمرح:
- صباح الخير يا شباب
ردوا عليها في لحظةٍ واحدة وحدثها بعدها عبد الرحمن بمعنى:
- إتأخرتي ليه؟ مستنينك من بدري ومش راضين نفطر من غيرك
ردت مختلقة تبريرًا ما:
- معلش سامحوني أصلي صحيت متأخر
غمزت فاتن قائلة بمغزى:
- هنياله يا عم، الست متجوزة بقى ومش فاضية
ارتبكت رسيل وقالت بتعنيفٍ زائف:
- على فكرة عيب كده، أول مرة تشوفوا واحدة متجوزة
تدخلت ألاء قائلة بجدية وهي ترجع نظارتها النظر بطرف اصبعها للخلف:
- سيبك منها يا رسيل، دي واحدة هتموت وتتجوز ابن عمها اللي مش معبرها وغيرانة منك علشان عارفين إن جوزك هيموت وبيتجنن عليكي يا بختك
قالتها الاء بهيامٍ فهي فتاة معدومة للجمال إلى حد ما وتنتظر فارس أحلامها المجهول ولكنها مجتهدة في دراستها، في حين شهقت فاتن بغيظٍ قائلة:
- على فكرة هو كمان بيحبني
نظرت لرسيل وقالت بنبرة تحريضٍ:
- على فكرة يا رسيل هي اللي بتحسدك ونفسها تكون مكانك، دي كانت بتقولي شوفي جوز رسيل قمر إزاي
اغتاظت الاء قائلة وهي تجعل رسيل تنظر إليها حين مدت يدها تلامس ذقنها بحركةٍ مستفزة:
- أوعي تصدقيها يا رسيل، دا أنا كنت بشكر بنية صافية
قالت فاتن سريعًا لتكذبها:
- كدابة يا رسيل دا هي....
هنا صرخت رسيل قائلة بهيئةٍ اكتفت من هراءهن:
- حرام عليكوا، كل أما تشوفوني تقولولي الكلام ده
صمتن الفتيات فتنهدت رسيل ثم وجهت بصرها لعبد الرحمن الصامت، سألته باستغراب:
- مالك يا عبد الرحمن ساكت ليه؟!
نظر لها عبد الرحمن وقال بنبرةٍ مزعوجة:
- هقول ايه في الجو ده، كل يوم نفس الكلام
هزت رسيل رأسها بتفهم وقالت بحدة وهي توزع انظارها عليهن:
- على فكرة إحنا زودناها قوي، لازم تعرفوا إن معانا ولد في المجموعة بتاعتنا ونحترم وجوده
حركن رؤوسهن بانصياعٍ فغمزت لعبد الرحمن قائلة باستفزاز:
- شوفت ظبطهوملك، قوم بقى هات لينا فطار على حسابك
انصدم عبد الرحمن فوافقنها الفتيات بنبرة تشجيع:
- الله عليكي يا رسيل، هو دا الكلام .......
_________________________________
في تلك الفترة الغابرة ظل مروان دائبًا لزيارة رؤوف بعدما عاد من الخارج وقد تحسنت حالته إلى حد ما حين بدأ تحريك أطرافه والتعبير بوجهه عما يريده، ضجر رؤوف من كثرة العلاج وقرر العودة للبقاء بجانب ابنته فهو يخشى عليها من هذا الخسيس فالجميع جاهلاً لما مر به وأنشغلوا بمرضه، قامت سالي برعاية والدها القعيد بنفسها بمساعدة إحدى الممرضات للإهتمام بحالته الصحية وعمل جلسات للعلاج الطبيعي له، كما واظبت على الذهاب للشركة برفقة إسماعيل لمباشرة اعمال والدها وبدت سالي أكثر نشاطًا وتفهمًا لعمل والدها وقد عاونها اسماعيل وعمل سويًا لبقاء اسم والدها خالدًا لحين إتمام شفاءه، ولم تخلو مساعدات السيد مروان لهم في أمورٍ جمة وهذا ما جعل اسم والدها في عالم الأعمال مستمرًا بفضل تدخل مروان وعقد صفقات شراكة كثيرة بينهم، سعد رؤوف بما يفعله مروان الصديق الوفي له وباهتمام ابنته به وقربها منه في تلك الفترة ورؤيتها صلبة كأنها تناست أو بالأحرى تجاهلت متعمدة ما حولها فمرض والدها بث بداخلها القوة لتتحامل على ما حولها من صعاب، لم تهتم بأي شيءٍ سوى والدها فقد اضحى اهتمامها الأكبر وتسعد حين تناوله طعامه بيدها ورؤية البسمة البشوشة على محياه، وكذلك مروان يساعده في بعض المهام مستمرًا في مهاتفة أفضل الاطباء لتفحص حالته ولكن يمل رؤوف من كل ذلك وأخذ وقتًا للراحة وسيداوم بعدها ...
جلست سالي على طرف الفراش حاملة بيدها طبقًا من الحلو لتطعم والدها بكل حنانٍ وهي تبتسم برضى له، أكل رؤوف الكثير وقد شبع بعدها ليعبر بوجهه عن ذلك، ابتسمت سالي له قائلة بنبرةٍ محببة:
- طيب يا بابا براحتك، يهمني أشوفك كويس ومبسوط، متعرفش ببقى فرحانة قد أيه لما أشوف الابتسامة بتاعتك دي
ابتسم لها رؤوف وحرك شفتيه ليتحدث يريد إخبارها بشيءٍ ما ويتعثر عليها فهمه، قطبت سالي بين حاجبيها وقالت بحيرة:
- بابا مش فاهمة عليك سامحني، الفترة اللي فاتت كنت عاوز تقولي حاجة وأنا بجد مش فاهمة عاوز تقول أيه سامحني
تنهد رؤوف بحزنٍ اكتسى طلعته وهز رأسه ليصبُر عما يريد إخبارها به، حزنت سالي على حالة والدتها وظنّت بأنه يريد الإطمئنان عليها، قالت له بجدية وهي تمسح على كف يده برقة:
- أنا بخير يا بابا متقلقش عليا، خلاص أنا إتغيرت ومش هسمح لحد يلعب بيا، ولو كان على الزفت ده خلاص مبقاش يهمني، هو لو فكر يأذيني هيلاقيني واقفة قدامه .
جاء اسمه فقط فاهتاج رؤوف من الداخل وتشنجت تعابير وجهه وانتفض جسده بشدةٍ ليعبر عن استياءه منه، فزعت سالي من حالة والدها المتشنجة وتفهمت ضيقه، حرك رؤوف شفتيه يريد الإفصاح عما بداخله وخفق فبكى، دمعت عينا سالي وقالت مهدئة إياه بنبرةٍ حزينة:
- إهدى يا بابا أنا حاسة بيك، صدقني أنا كويسة وبخير
اغمض رؤوف عينيه ليهرب من حالته تلك وصدره يعلو ويهبط شاعرًا بالعجز فبكت سالي في صمت مشفقة على حالته، دنت الممرضة لتهتم بأمره معطية إياه حقنةً مهدئة ليغفا قليلاً، في حين ارتابت من أمر هذا الحقير فحين يتم ذكر اسمه تضحى حالة والدها بهذا الشكل فماذا حصل إذًا واحتارت وجلست تتابعه بتعابير مكفهرة.......
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
إلى حد ما في تلك الفترة إنشغل اسماعيل عن زوجته مهجة التي تتذمر من ذلك وتهاتفة عائبة عليه وتلومه، كما استخدمت تهديدها بتركه وعودتها للقرية ولكنه يُطيعها ويذهب إليها فقد اندمج في أعمال الشركة خاصةً لمرض والد زوجته المفاجئ ولكنها لم تكترث لكل هذا فزواجه من أخرى يقتلها أيًا كانت حالتهم، أجاب عليها وهي تهاتفه طالبة رؤيته فقال وهو يتحرك في الرواق ذاهبًا لغرفة رؤوف:
- خلاص يا مهجة هجيلك النهاردة، ليه مش مصدقة إني بجد مشغول ومش فاضية حتى للتانية اللي بتغِيري منها
تذمرت متجاهلة كل هذا فقال متنهدًا بقلة حيلة وهو يقف أمام باب الغرفة:
- طيب يا مهجة جاي يا حبيبتي، استنيني الليلة
انهى الإتصال وفتح الباب وخطا بقدمه ليتفاجأ بسالي تبكي، تحرك نحوها متسائلاً بقلقٍ:
- خير يا سالي بتعيطي ليه؟
نظرت له بأعينٍ باكية فهي لا تريده يعلم بكل ما تضمره، قالت مبررة:
- هكون بعيط على أيه، بابا صعبان عليا
هز راسه بتفهم وضمها لصدره قائلاً بجدية هادئة:
- أنا معاكي يا حبيبتي متقلقيش، وبإذن الله هيتحسن ويبقى كويس، إحنا كنا فين وبقينا فين
نظرت سالي لوالدها الذي غفا بشفقةٍ وقالت بحسرةٍ داخلية:
- فعلاً، كنا فين وبقينا فين ....
_________________________________
استاءت سميرة من حظها العثر فور علمها بما حدث لذلك الرجل الذي طلب الزواج منها وتفائلت خيرًا فربما يحمل لها القدر الأفضل، جلست منزوية في مكان ما في حديقة الفيلا ناظرة للفراغ أمامها، لم تحزن سوى لسوء حظها وتمنّت من الله الشعور بها فهي لا تنكر رغبتها في الزواج من أحدهم وتتمنى من زمن مرورها بذاك الإحساس فهي إمرأة، لم لا يحق لها فأصغر منها اضحى لهم أولادًا كبارًا، رضيت بقسمتها ونصيبها وتقلّدت بالصبر فهو حليفها تلك الفترة، لم تخلو ايامها من حديثها مع رسيل فهي برقتها ونبرتها المريحة من تهون عليها، هي ابنتها وتُغنيها عن كل شيءٍ افتقدته في حياتها وتتمنى من قلبها بأن تُرزق بفتاةٍ مثلها وابتسمت لتغزو الأحلام رأسها ..
انتبه لها فريد اخيها الأكبر فتحرك تجاهها فمنذ اخبرها بما حدث لرؤوف وهي تختلي بنفسها هكذا غير راغبة في الحديث مع أحد ، حیث قام مؤخرًا بعمل زيارة ليطمئن على حالته فوضعه ما زال سيئًا، تنهد بحزنٍ عليها وعليه ودنا منها مزيفًا ابتسامة، تنبّهت سميرة لحضوره وقالت بشبح ابتسامة:
- تعالى يا فريد اقعد
بوجهٍ بشوش قال بمرحٍ مصطنع:
- أومال انا جاي ليه
ظلت محتفظة بابتسامتها تلك فجلس فريد بجوارها على الأريكة الخشبية وتنهد متسائلاً وهو يتطلع عليها:
- ليه على طول قاعدة لوحدك كده؟، قوليلي مالك يا سميرة؟
زيفت ابتسامة وقالت بنبرةٍ راضية:
- مافيش يا فريد، حبيت أقعد لوحدي شوية مافيهاش حاجة
نظر لها وسألها بحذرٍ جم:
- طيب زعلانة علشان....
قاطعته حين تفهمت علية قائلة باستنكار:
- هزعل ليه يا فريد، هو أنا كنت أعرفه قبل كده ولا عاشرته علشان ازعل، ربنا يشفيه إن شاء الله لإنه رجل محترم وميستهلش يحصله كده، وكمان أنا زعلانة من نصيبي اللي مش عاوز يمشي حاله ده
قالتها بمزاحٍ كي لا تُشعره بضيقها، رغم ذلك شعر فريد بها وابتسم لها، قال بشغفٍ ليسعدها ويخرجها مما هي فيه:
- مش عمرو كلمني من شوية وسألني عليكي....
_______________________________
تم شفاء عمرو إلى حد ما وعاد من فترة معقولة للفيلا، خلال تلك الفترة تحسّنت علاقته بجيسي ورغم تأزُم تلك الفترة من مشاحنات إلا أنها لحظة فارقة في حياة جيسي لتتوطد علاقته معه وباتت تغفو في فراشه ويعيشان معا كزوجٍ وزوجة، ما يُرهبها عناد عمرو الذي لم يستمع لحديث والدها بمغادرة البلاد وظل يشاكس هذا بيتر وابيه بالتعاون مع والدها الذي اشتد عضده به، أراد عمرو الإنتقام لما فعله بيتر معه بطريقةٍ غير مباشرة في عالم الاعمال، إنزعج بيتر ووالده السيد جايك وانتووا لهم، لحسن حظ عمرو انضمام الشرطة لهم في القضاء على مثل تلك الاعمال المنافية للقانون، ناهيك عن قروب الانتخابات الأهلية التي يريد جايك الفوز بها محسنًا من تصرفاته في تلك الفترة ولكنه لم يتناسى إنتقامه منهم لتعثيرهم عددًا هائلاً من أعماله ذات الربح العالي، تلك الفترة كانت في صالح عمرو الذي أخذ حقه ممن حاولوا قتله هو ووالد زوجته، رغم ذلك لم يرتاح كارم لوجود عمرو وما زال يُلح عليه بضرورة الرحيل ولكن عمرو رفض ذلك كونه سيتركه بمفرده يحارب في معركةٍ شرسة كهذه، اعجب كارم برجولته واضحى ابنه بل وأكثر ..
عاد عمرو من عمله مجهدًا وهو يضع يده على صدره ليشعر بألم خفيف، توجه لغرفته ليجدها واقفة أمام المرآة تنتظره ومتهيأة له بكامل أناقته وتتجمل، لوى عمرو ثغره للجانب فلا داعي لما تفعله ولن ترى منه شيئًا مهما فعلت له فهو متعبًا، تحرك باجهادٍ ناحية الفراش وارتمى عليه مغمض العينين.
تركت جيسي أحمر الشفاة التي تضعه وكشرت بوجهها كونه لم يكترث لها، تحركت ناحيته ووقفت أمام الفراش محدقة به بضيق، قالت جيسي بنبرةٍ مزعوجة وهي تضع يديها على خصرها:
- مش شايفني ولا أيه، ولا تكون مخاصمني؟
فتح عينيه قليلاً ورفع رأسه من على الوسادة لينظر لها، قال بنبرةٍ مجهدة:
- اللي عوزاه مش هيحصل، أنا تعبان
قالها ثم عاود لوضعيته الأولى، شهقت جيسي باغتياظ ودنت من الفراش وجلست عليه بجواره، قالت بحزن وهي تهزه من كتفه:
- بجد يا عمرو هتنام وتسيبني، دا أنا مستنياك من بدري
لم تجد ردًا منه فعبست أكثر حزينة، دنت منه وهمست متوسلة:
- عمرو أصحى وحشتيني قوي، معقول هتسيبني وتنام
لم يرُد تلك المرة ايضًا لتتأمله بهيئة منزعجة كاسفة، تنهدت جيسي بهيئتها تلك وقررت تركه، جاءت لتنهض فوجدته يمسك ذراعها بقوة ويجذبها لترتمي عليه، ابتسمت جيسي بفرحة ونظرت له بحب، فتح عينيه وقال متنهدًا بتعب:
- بقولك تعبان، حسي بيا، أنا بحبك وعاوزك بس مش قادر
تأملته بعشق وقالت:
-بس أنا مستنياك، معنديش خاطر عندك
استنكر جراءتها وقال:
- جاسمين عيب الكلام ده، فيه ست ...
قاطعته غير مقتنعة بحديثه:
- إنت جوزي ومن حقي اقول اللي أنا عوزاه
تنهد قائلاً بنفاذ صبرٍ:
- طيب سيبيني أرتاح شوية وهقوم كويس
نظرت له بعبوسٍ قائلة برفض:
-لأ، مش كفاية حارمني أنزل مصر معاك وأشوف كنت عايش فين
- قريب
قالها بفتورٍ جم وقد نعست عيناه، صرت اسنانها قائلة بتبرم:
- كل شوية تقول قريب، بس المرة دي هفضل وراك لحد ما ننزل مصر ونعيش في أمان سوا، أنا مش مستغنية عنك .
زفر بقوةٍ فقد ملّ من الحديث معها، نظرت له جيسي مبتسمة بنعومة لتُكمل ما تريده منه، ملست على صدغيه بحركةٍ مغرية فنظر لها مسلمًا أمره، قال عمرو بقلة حيلة:
- مافيش فايدة.......
__________________________________
استقرت حالة ايهاب مع سيرين مع وجود بعض الخلافات البسيطة كأي زوجين، كانت والدتها تمدّها بما تطلبه منها وترسل لها الخادمات ليقومن بأعمال المنزل كما وعدتها من قبل، كانت سيرين تأخذ حذرها بعدم رؤية ما ترسله له والدتها من ملابس وأموالا لتجلب ما تريده، لم ينتبه ايهاب لذلك لكثرة إنشغاله، عاودت إليه بعض الأفكار ليُعاود التفكير في حياته مع زوجته ليخدعه عقله بالتفكير في رسيل، عنّف نفسه عدة مراتٍ على ذلك وهل للحُب لينسى بتلك الدماثة، تنهد مزعوجًا من نفسه وجاهد ليتناسی ولكن هل سيسلم القدر فيما بعد....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
تهيأ مازن للزواج من خلود بعد إلحاحه على والده المعترض كونه لا يعاونه في أعماله ولكن وعده الأخير بفعل ما يريده، سيتم زواجهم قريبًا ولذلك عادت خلود للقاهرة لتتأهب هي الأخرى لزواجها القريب منه، قضت تلك الفترة مع زوجة أخيها ملك التي تعتبرها أعز رفيقة لها كسيرين وتقف بجوارها لحين الزواج، سعدت ملك بذلك الخبر فسوف تعود لقريتها ومن ثم رؤية من اشتاقت لهم، باتت هي الأخرى علاقتها مستقرة مع ماجد الذي يريد فرض سطوته عليها ولكنها تتعامل معه بطريقتها المُحنكة ممتصة ما يفكر فيه من رعونة لا داعي لها ....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
قطنت رانيا في مكان آخر بعدما عادت من الخارج واتمام شفاءها ويكتفي فقط معرفة هل ستنجب أم لا وذلك بزواجها، تعلم أنها متزوجة ولكنها ستجعله يتركها لتبدأ الإنتقام منه، لم تتناسى للحظة ما مرت به ولم تخبر أحدًا أين أختفت حتى هذا مؤيد كان جاهلاً عن مكانها، ارادت السفر بمساعدة أيهم سرًا لتتعافى كليًا وتعود بثقةٍ وقوةٍ أكبر عن ذي قبل، تجاهلت رانيا ما حولها لتبدأ حياةً جديدة سترسمها بيدها ولن تضعف مطلقًا بسبب رعونتها ورخصها القديم الذي لم يعد موجودًا، بكل مكرٍ ستستغل من حولها ومنهم هذا مؤيد الذي لم ترتاح لإحتكاكه الدائم بها ولكنها برصانتها غدت واحدةً أخرى غير القديمة نازعة إياه من قلبها وهذا ما اقنعت نفسها به فهل هذا أكيدًا .....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
خفق في معرفة مكانها ولكن طمأنه أيهم بأنها بخير وهذا ما اراحه، اخبره بأنها لا تريد معرفته بمكانها وهذه رغبتها، شعر مصطفى بالضياع بدونها وبات من حين إطمئنانه عليها حبيس غرفته، نبتت لحيته واصبحت حالته كئيبة بائسة، كانت راما تشتعل غضبًا وحقدًا من الداخل لحُبه العميق لها وما يفعله من أجلها، فعلت ما بوسعها لتتقرب منه ولكن لا جدوى معه، تريّثت لحين زواج الأخيرة وطلاقها منه فهذا سيفتح السبيل أمام علاقتها به وحينها فقط لن يجد غيرها، ستغدقه بكل ما يتمناه ليبقى لها فقط وستحظى به متمنية ذلك من قلبها ...
___________________________________
في احدى الأيام بداخل النادي في غرفة الصالة النسائية بدأت رسيل بمزوالة رياضة المشي على المشاية الكهربائية كعادتها للحفاظ على رشاقتها وذلك ايضًا لتتقوى عن السابق لسخریة ايهم من ضعفها.
واظبت على الحضور في أوقات فراغها لتنتوي له، رغم عُنفه الدائم معها إلا أنها تعشق ما يفعله وتحمد الله على حُبه لها، شعرت بالإجهاد وبدأت في مسح حبات العرق بالمنشفة الصغيرة المعلقة على كتفها، لم تتنبه رسيل بتلك الأعين الثاقبة التي تتفحصها بدقة، دنت تلك الفتاة بنظراتها الماكرة منها والتي تخترق ظهر رسيل من الخلف، وقفت بجوارها لتضطرب رسيل من وجودها المفاجئ ، قالت الفتاة بإرهافٍ مصطنع:
- أسفة لو كنت خضيتك
ابتسمت رسيل وقامت بإيقاف المشاية الكهربائية، نظرت لها وقالت وهي تلتقط انفاسها:
- هاي نجلاء، بقالك يومين مش بتيجي
ابتسمت بتصنع وقالت بتبريرٍ مختلق:
- كنت في شرم الشيخ عندي شوية شغل
اومأت رسيل رأسها بتفهم، فاكملت نجلاء بحذر:
- كنت عاملة حفلة لعيد ميلادي، اتمنى تشرفيني ، إحنا مش بقينا أصحاب الفترة اللي فاتت ولا أيه؟
قالتها نجلاء بمكرٍ داخلي منتظرة بتلهفٍ داخلي سماع موافقتها، فكرت رسيل في حديثها وقالت بمعنى:
- معنديش مانع، ليه لأ
اتسعت ابتسامة نجلاء وقالت باغتباط:
- دا أنا ليا الشرف إنك هتشرفيني، وكمان علاقتنا تتطور للأفضل بإذن الله
ابتسمت رسيل برقة جاهلة لخبث تلك الفتاة، قطع حديثهم هذا ايهم الذي يشير لها من عند الباب لتأتي، ابتسمت له ونظرت لها مستأذنة بهدوء:
- عن إذنك، لازم أمشي دلوقتي
قالت نجلاء بنبرةٍ غير ممانعة:
- إتفضلي يا حبيبتي وهستناكي في عيد ميلادي
ابتسمت لها رسيل وأكدت حضورها، تحركت رسيل لتغادر الصالة وسط نظراتها الخبيثة إلى أن دلفت للخارج.
انتفضت نجلاء فجأةً حين خبطها الأخير على كتفها، استدارت لتجده من خلفها يبتسم لها بمغزى، تنفست بهدوء مهدئة من حدة اضطرابها، قالت وهي تلومه بدلال:
- أخص عليك يا رغيد خضتني
دنا منها وحاوط خصرها بوقاحة، قال وهو يعتصرها بين ضلوعه:
- هتيجي؟
ابتسمت قائلة بنبرةٍ مغترة واثقة:
- أكيد
تنهد رغيد بارتياحٍ لقروب لحظة إلتقائه بها؛ فقالت هي بدلال زائد وهي تطوق عنقه:
- مقولتليش بقى هتجيبلي أيه في عيد ميلادي المزيف
ضحك بسخافة ونظر لها بقتامةٍ قائلاً بمغزى:
- أما يعدي عيد ميلادك على خير هتلاقيني بقولك شبيك لبيك
مطت شفتيها شاردة فيما يفعله، سألته بفضول:
- قد كده هتموت عليها وعاوزها؟
رد بنبرةٍ حازمة:
- خليك في اللي بطلبه منك وبس، ولو حصل اللي نفسي فيه هتلاقي كل اللي تطلبيه تحت إيدك .....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
قام أيهم بتشغيل سيارته مغادرًا النادي، نظرت له رسيل قائلة بنبرةٍ حماسية:
- ممكن يا حبيبي اروح عيد ميلاد واحدة صحبتي؟
القى نظرة عليها وابتسم مرحبًا:
- اللي تحبيه يا حبيبتي، المهم تكوني عرفاها كويس
ردت بجدية وهي توضح:
- أها عرفاها كويس، إحنا بقينا أصحاب من فترة وهي كويسة
وجه بصرها لجسدها وقال بنبرةٍ ماكرة وهو يعاود القيادة:
- لعبتي رياضة كويس؟
تفهمت رسيل عليه وردت بمغزى:
- اومال بلعب رياضة علشان مين؟
ثم مالت عليه في نعومة لتطع رأسها على كتفه وتابعت:
- ما هو علشان أعجبك ومتتريقش عليا
اوقف السيارة بحركةٍ مُباغته في أحد الجوانب فشهقت مضطربة، هدرت رسيل بهلع:
- أيهم فيه ايه؟
لم يرُد عليها ولكن برز من نظراته أنه يريد تقبيلها، شهقت قائلة في إنكار:
- يا نهارك أسود، إحنا في العربية
نظر من حوله وقال عاضًا على شفتيه بمكر:
- متخافيش مفيمة
شهقت رافضة وهي تدفعه بكل قوتها حين اقترب منها:
- إنت إتجننت إحنا في الشارع وممكن حد ياخد باله
كأنه فقد حاسة السمع وباتت هي غير قادرة على ردعه، نظر لها قائلاً وهو يتهيأ لتنفيذ فعله الوخيم معها:
-العربية حلوة....
تمت بحمد الله
لقراءة جميع فصول الرواية من هنا
وأيضا زرونا على صفحة الفيس بوك
وايضا زورو صفحتنا سما للروايات
من هنا علي التلجرام لتشارك معنا لك
كل جديد من لينك التلجرام الظاهر امامك
وايضا زورو صفحتنا سما للروايات
من هنا علي التلجرام لتشارك معنا لك