
رواية القيادي الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم إلهام رفعت
تهيأ للذهاب لمقر بناء مصنعه وارتدى ملابسه غير الرسمية بل بدا على طبيعته فسوف يذهب قبلها لدفن والدة رانيا ولن يأخذ الأمر الكثير من وقته وذلك بعد انهاءه الإجراءات اللازمة لذلك في الفترة الماضية بمساعدة احد المسؤولين الذي هو على علاقة بهم.
هندم ايهم ملابسه أمام المرآة ورفع اكمام كنزته السوداء ليظهر ساعديه بالكامل ، لمحها عبر انعكاس صورتها في المرآة لا تكترث لوجوده ومنشغلة لما بيدها ، كبت انزعاجه واستدار نحوها وعيناه عليها ترمقها بنظرات غير مفهومة.
تحرك نحوها ليستفهم منها ما بها ، وقف ايهم امامها وزفر بقوة لتنتبه له، تجاهلته رسيل متعمدة واكملت دراسة في أحد كتب جامعتها بعدما توقفت عن حضور الدروس الخاصة كونها تزوجت وسيغدو تعليمها في الجامعة ، قطب هو بين حاجبيه فلم يعجبه الأمر ، سألها بعبوس :
- قد كدة الكتاب واخدك ؟
قررت في نفسها إغاظته كونه يعاملها بجفاء، ردت مختلقة سبب سيجعله بالتأكيد يغار حين نظرت له مزيفة الحزن :
- كنت بفكر في عمرو ، اصلي عرفت انه سافر وزعلانة قوي ، فقولت امسك كتاب واشغل وقتي .
زاد ضيقه فقد غار بالفعل، مد يده ليسحب ما بيدها ويلقيه ارضًا ، شهقت رسيل مصدومة من حركته الوقحة وهي ترى كتابها ملقي امامها ، رفعت بصرها نحوه وحدجته بنظرات غاضبة فما مقصده من ذلك ؟ ، في حين تعامل هو مع الموقف ببرود استفزها ، هدرت رسيل باهتياج :
- انت ازاي ترمي كتابي بالشكل ده ، تقصد ايه باللي عملته ؟.
ظل على وتيرته الباردة التي زيفها امامها ورد بانزعاج داخلي:
- كنت عملت ايه يعني ، حتة كتاب زعلتي عليه قوي كدة ليه ؟.
تصلبت نظراتها المحتقنة بالغضب عليه ، بينما استطرد هو باستفهام اظهر ضيقه من تجاهلها له:
- مالك ؟ ، بتعامليني كأني مش موجود قدامك وماسكة الزفت ده من وقت ما صحيتي حتى مكلمتنيش ، ولما اسألك تقولي انك بتشغلي وقتك علشان الاستاذ سافر ، قد كدة زعلانة عليه ، مش دا عمرو اللي كان بيضايقك وكنتي بتشتكي منه .
ابتسمت بتهكم فقد غار كونها تجاهلته وتفكر في غيره ، ردت باستفزاز :
- محصلش أني اشتكيت من ابن عمي لحد غريب ، كل الناس عارفة هو بيعاملني ازاي وعمري ما هخلي حد يقف قصاده ، وإنت اكتر واحد عارف كدة .
كانت رسيل تتحدث بمصداقية فليس من عاداتها اخبار الأغراب عما يخص حياتها الخاصة ، في حين تذكر أيهم بأنها كانت تلتزم الحدود في الخوض في حياتها حين كان يستفهم منها ، استفزته رسيل أكثر كي يمحي قناع الغرور الذي يرتديه :
- وقول كدة بقى ، انت واحد مغرور ومضايق اني مش معبراك ، المفروض تتعود على كدة معايا لأني دي طبيعتي في التعامل ، وكتابي اللي انت رميته ده يهمني اكتر منك .
تجمدت أنظاره المزعوجة عليها من عدم اهتمامها بوجوده وتفضيل هذا الشيء عليه ، كما أنه لم يعلم سوى الآن بأن كتابها هذا خاص بجامعتها فقد ادركه كتابًا عاديًا ، ابتسمت هي بثقة وتابعت بمغزى:
- انت المفروض تبقى مبسوط انك متجوز واحدة زيي ، كلها كام سنة وهتبقى دكتورة .
تجهمت تعابيره وهو ينظر لها بامتعاض ، هتف بضيق :
- يعني ايه الكلام ده ؟ ، عايزة تقولي اني مش قد مقامك .
ردت بتعال شديد وهي تنظر له بثقة :
- ايوة انا هبقى دكتورة ، انت بقى ايه ؟ .
التوى تغره بابتسامة جانبية مزعوجة ، تنهد بعمق ودنا منها ليستند على طرفي مقعدها المتحرك فارتبكت وخشيت تطاوله عليها فقد تخطت حدود التعامل مع زوجها ، نظر لعينيها وسألها بنبرة جامدة تحمل السخرية :
- ولما أنا مش قد مقامك ، اتجوزتيني ليه يا دكتورة ؟ .
نظرت له بأعين مهزوزة لا تعرف ماذا تجيب عليه ، فابتسم هو باستهزاء من صمته الآن ، استأنف هو بانفعال مكبوت :
- اتجوزتيني علشان أنا اللي هخليكي تعيشي في المستوى اللي كنتي بتحلمي بيه ، اتجوزتيني علشان أنا اللي وقفت قدام اللي محدش يقدر يقف قدامهم واتجوزتك وعملت كل حاجة علشان تبقي في مكان زي اللي انتي فيه دلوقتي غيرك بيحلم بس يبص عليه ، انا كده مش قد مقامك علشان الست هتبقى دكتورة .
شعرت رسيل باحتقاره لها كونها يتيمة ضعيفة يتلاعب بها الآخرين ، كما حرمت من أبسط الاشياء رغم امتلاكها ما يُغنيها عن اللجوء للغير ، ابتلعت كلامه المريع ولم تعلق عليه ، بل قالت بملامح شاحبة حزينة وهي تنظر له لم تخشى حتى اقترابه الشديد منها :
- سيبك من كل ده ، انت عارف كنت بتعمل ايه علشان تتجوزني ، عملت المستحيل بس علشان حاجة عاوزها مني ، لو كنت محتاجاك علشان تعملي حاجات انت كمان كنت محتاجني علشان تكمل شغلك ، حاجة قصاد حاجة ، ولا انت نسيت سبب جوازك مني .
نظر لها أيهم لبعض الوقت فهي صائبة في حديثها ، ولكنه لعن غبائها كونها لم تدرك إلى الآن انه لم يعاملها كما السابق فقد احبها بالفعل واعترف بذلك ولكنها كما هي ، بينما نظرت له رسيل كأنها لم تبال بكل ما حولها فلم تهتم للحظة بامتلاكها للمال ، استطردت حديثها بهدوء ظاهري :
- مش خلاص اخدت كل اللي اتجوزتني علشانه ، مستني ايه ؟ ، يلا طلـ ....
بترت رسيل جملتها حين تذكرت تهديده السابق لها بعدم التفوه بتلك الكلمة مرة أخرى ، في حين بدا الإنزعاج في نظرات أيهم نحوها التي جعلتها ترتبك منه كونه قريب منها ولا مفر لها من الهرب فهو يحاوطها بذراعيه ، حدثها من بين اسنانه:
- سمعيني كدة كنتي هتقولي ايه ؟ .
ازدردت رسیل ريقها بتوتر ورمشت عدة مرات وهي تنظر له ، ردت بصوت مضطرب :
- مكنتش هقول حاجة ، سيبني عاوزة اذاكر .
ظل الصمت لفترة بينهما يحدق هو بها فقط مما اربكها بشدة ، انزعج بأنها خائفة منه ولكن محى ذلك حين اعادت قول تلك الكلمة اللعينة ، كتم انفعاله لا يريد تعنيفها فوضعها الآن يمنعه، حاول الهدوء واعتدل في وقفته ليبتعد عنها فشعرت هي بالراحة ، ونظرت له بترقب ماذا سيفعل معها؟.
لم يتفوه أيهم بكلمة واحدة ولكنه التفت لكتابها الذي القاه على الارضية وتوجه ناحيته ، انحنى بجزعه والتقطته ثم اعتدل ، ساوى صفحاته واستدار ناحيتها ليمد يده به لها ، قال بجمود :
- خدي كتابك اللي هو احسن مني يا دكتورة .
نظرت له لتستشعر ضيقه مما تفوهت به فهي تتعمد مضايقته ولكن تطور الأمر بينهم وهذا ما احزنها لم تعلم تأزم الوضع لهذا الحد فقط ارادت محو غروره هذا ليعاملها بلطف ، تنهدت بهدوء وتناولته منه دون ان ترد عليه ، بينما توجه هو لجلب مفتاح سيارته وهاتفه ثم دلف للخارج وسط نظراتها نحوه.
عنفت رسيل نفسها:
- مكنش لازم اقول كدة، يعني هتنبسطي لو طلقك ؟!....
____________________________________
هبط الدرج يريد التفريغ عن ضيقه فلم يعتاد ملازمة الفيلا لوقت طويل ، قرر مصطفى الخروج فقد ضجر من المكوث في غرفته كالمحبوس فيها ، هذا ما اقنع نفسه به ، ولكن بداخله يقتله شوقه على رؤيتها فاليوم ستذهب لإستلام جثة والدتها وبالتأكيد ستتواجد كي يتم دفنها ، كاد مصطفى أن يخرج من باب الفيلا ولكن صوت والده الصارم والحاد جعله يلتفت على الفور له ، هتف شاكر بنبرة صلبة وهو يسأله :
- رايح فين ؟ .
استدار مصطفى ناحيته وازدرد ريقه بتوتر ، تحرك بحذر ناحيته وهو يجيبه :
- انا هخرج شوية يا بابا ، عايز اشم شوية هوا متضايق من القاعدة في اوضتي .
وقف مصطفى امام والده الذي يعلو ثغره ابتسامة غير مفهومة ، رد شاكر بصوت اجش :
- ايه رأيك في راما ؟ ، البنت بتشكر فيك قوي ، وكويس انك معاملتهاش بقلة أدب لما جات عندك .
لم يعرف مصطفى لما استشعر فظاظة تلك الفتاة ، لم يحبها قط من رؤيته الأولى لها أو حتى الحديث معها ، كانت تكذب بالفعل حين مدحته امام والده ، ايقن بأنها ليست سهلة كي يتعامل معها ولابد من تخطيط محنك ليتعامل معها ، رد مصطفى على والده بحذر جم :
- بس انا مش بفكر في الجواز يا بابا .
اخرج شاكر ضحكة ساخرة جعلت مصطفى ينظر له بتجهم ، قال شاكر بازدراء:
- اومال بتفكر في الحرام وبس .
صمت مصطفى وابتلع كلامه فما فعله لن يشفع له الآن ، بينما اكمل شاكر حديثه بنبرة صارمة :
- جوازك من راما كمان يومين ، يعني تجهز نفسك من دلوقتي ، ومتقلقش من حاجة ، انا اتفقت مع ابوها أن جوازك منها هيبقى معانا في الفيلا هنا .
نظر مصطفى له بانزعاج غير راضي بالمرة بحديثه ولا بالموضوع ككل ، هتف باعتراض:
- بس انا مش عاوز البنت دي ، انا مش بحبها علشان في يوم وليلة اتجوزها وتبقى معايا .
- مالها راما أن شاء الله ؟ .
هدرت والدته عفت بهذة الكلمات ممتعضة من حديث ابنها غير المسؤل ، التفت لها مصطفى وهي تدنو منهم ، انضمت هي لهم ونظرت لمصطفى بتعابير كالحة ، استأنفت بضيق :
- راما دي بنت ناس ، مش زي بنت الخدامين اللي كنت عايز تتجوزها ، انت مفكر أننا ممكن نقبل بالاشكال دي تبقى من مستوانا ، انت ناسي ابوك من عيلة ايه ، ولا برستيجي انا لما يسالوني مصطفى اتجوز بنت مين ، عاوزني ارد واقول ايه؟ ، يلا رد عليا .
نظر مصطفى لها بوجوم وتعابير مكفهرة فلم يلتمس احد الغذر له كونه مقيد في اخذ قرار بشأن زواجه ، لم يحب سوى واحدة فقط ولن يحب غيرها ، وضع في موقف تصعب عليه الإختيار ، وزع انظاره على والديه ورد بهدوء مقلق :
- أنا عايز اخرج شوية ، ممكن ؟ .
فتحت عفت شفتيها لترفض فقاطعها شاكر بنبرة غير ممانعة:
- سيبيه يا عفت يخرج براحته ، احنا مش حبسينه .
نظرت عفت لزوجها بتقاسيم عابسة غير راضية على قراره هذا ، بينما استدار مصطفى وتحرك نحو الخارج وسط نظراتهم له ، ما أن دلف للخارج حتي التفتت لزوجها لتسأله بامتعاض :
- ليه بس كدة يا شاكر ، افرض راح للبنت و....
قاطعها شاكر بنبرة واثقة وهو يبرر :
- متخافيش يا عفت ، دا ابني وعارفة كويس ، هيرجع تاني حتى لو راحلها ، مصطفى ميقدرش يسيب حياته اللي اتعود عليها ومستواه ده علشان أي حاجة ........
____________________________________
بلغ بسيارته التي وجدها في الفيلا وهي خاصة بأيهم إلى النادي الذي اعطاه كارم عنوانه، تطلع عمرو على اللافتة الخارجية للنادي ودقق النظر جيدًا فيها وايقن انه هو المنشود فبفضل تطبيق تحديد الموقع وصل إلى وجهته بالتمام ، تحرك عمرو نحو الداخل وبالتأكيد لم تخلو نظراته من تأمل ما حوله ، فالمكان راقي بشكل خرافي ، وصل للجراج الخاص به وصف سيارته ، تهيأ عمرو للترجل حين ارتدى نظارته الشمسية والتقط حقيبته الرياضية صغيرة الحجم ، ترجل عمرو من سيارته مرتديًا قميص من اللون الأزرق السماوي فاتح اللون ابرز عضلات صدره بطريقة جذابة ، وبنطال من اللون الأبيض السمني ضيق إلى حد ما ليظهر طوله بالكامل ، لم يختلف عمرو عن ملامح ابنة عمه رسيل في توارث الملامح الأجنبية.
زادت طلعته بشاشة حين غادر القرية كأنه يمقت العيش فيها وتجعله طوال الوقت صارم مع الجميع راسمًا لقناع الجمود.
تحرك نحو الداخل وهو يحمل حقيبته على كتفه ويتجول بانظاره في جميع الاماكن ليبحث عن كارم الذي وعده بأنه سيلتقي به اليوم ، لم ينتبه عمار في بادئ الأمر بمن يلوح له ، للحظات قليلة التفت عمرو لصوت بالكاد يسمعه لفتاة صغيرة تنادي باسمه ، تمعن النظر فيها ليجد كارم بجانبها يلوح له ليأتي ، ابتسم عمرو واخذ يتحرك نحوهم بخطوات شبه سريعة بل رشيقة ، طالعه كارم بابتسامة بشوشة وكذلك الفتاة التي بجانبه والتي لم تخفي نظرات الإعجاب به وهو يقترب منهم.
كانت مايا ابنة كارم الصغرى ، فتاة في الرابعة عشر من عمرها وتحمل الهيئة الأجنبية الخالصة وذلك لأن والدتها ايطالية الجنسية تزوجها كارم حين تعرف عليها هنا وانجب ابنته الكبرى جاسمين " جيسي" ، والصغرى هي مايا ، توفت زوجته منذ فترة طويلة بعد انجابها لمايا وتولى هو تربية بناته ولم يغفل عن توريثهم بعض العادات والأخلاق رغم ميولهن الغربية وتقليدهم لما يرتدونه فقد ترك لهم حرية الإختيار ، دنا عمرو منهم وابتسم بعذوبة وهو يمد يده بالمصافحة لكارم ، صافحة كارم بحرارة وهو يردد بترحيب محبب اظهر سماحته :
- اهلاً عمرو بيه ، انت نورتيني .
ابتسم عمرو له وامتن بشدة :
- شكرًا لحضرك ، كلك ذوق .
أشار له مكرم على ابنته التي تحدق به بوله شديد بطريقة مضحكة ، قال كارم بمزاح حين رآها هكذا :
- واللي معجبك بيك دي بنتي الصغيرة مايا .
تنبهت مايا له وكشرت تعابيرها كالأطفال مغتاظة من والدها ، في حين زيف لها عمرو ابتسامة فهو ليس له ميول للفتيات ، نظرت له مايا وصحفت من هيئتها لتبدو لطيفة ، حدثها عمرو بتافف داخلي :
- اهلاً ، اتشرفت بيكي .
مدت يدها لتصافحة حيث لم يفعلها هو ، قالت بابتسامة رقيقة :
- هاي عمرو ، ياريت نبقى اصحاب ، وعايزاك تتأكد أني هكون صاحبة تجنن واني اجمل بنت ممكن تشوفها .
- عيب تكدبي يا مايا .
قالت جيسي بثقة وهي تتحرك بخطوات بطيئة ملفتة للأنظار ، توجهت أنظار عمرو عليها في حين تسلطت أنظارها هي عليه ولم تزيحهما رغم انضمامها لهم ، ردت على اختها مرة اخرى ونظراتها عليه :
- مش عيب يا مايا تقولي كدة ، يعني أنا وحشة .
ردت مايا عليها ببراءة غير مدركة ما بين عمرو وبينها :
- عادي يا جيسي ، أومال اقوله أن أنا وحشة .
نظر لها عمرو بنظرات تفهمتها توحي بأنه لا يهتم بأمرها ، كانت النظرات لها فقط لتتفهم تجاهله لها ، اغتاظت جيسي في نفسها ولم تبين ورسمت ابتسامة بصعوبة وهي تنظر إليه ، انتبها الإثنان لصوت كارم وهو يحدثهم :
- هنفضل واقفين ولا أيه ، يلا تعالوا نقعد كلنا .
تنحنح عمرو وتقدم ليجلس بجواره على أحد المقاعد متجاهلاً إياها بالكامل كأنه لم يراها حتى أنه لم يعتذر لما بدر منه حين علم بأنها ابنة ذلك الرجل.
تتبعته نظرات جيسي المنزعجة خاصةً بعد حديثه معها بالأمس ، انكرت حينها أمام والدها ما قاله كونه وصفها بالعاهرة ، تكتمت على ما حدث في ليلة امس ليضحى الأمر سري بينهم.
أقسمت بداخلها بانها ستنتقم منه وأنها لن تتناسى اول لقاء لها به ، جلست لتختلس له النظرات المتوعدة من تجاهله لها وتفكيره بأنها مثل هؤلاء الفتيات ، حدثت نفسها بسخرية :
- حلو يا واد يا تقيل ، بس اصبر عليا....
___________________________________
في أحد المدافن وقف ايهم برفقة رانيا التي تبكي في صمت وهي تتطلع على هؤلاء الرجال وهم يقوموا بردم التراب على جثة والدتها ، عانت ويلات الأمر وهي ترى والدتها هي الأخرى تتركها ، لم تتخيل صعوبة الموقف قدر ما شعرت به الآن من حزن ومعاناة لفراقها فهي السبب في كل هذا ، تركت احزانها تستفيض على هيئتها حين انسابت عبراتها لتهطل بغزارة على وجهها وتتساقط على ملابسها ، بكت رانيا هذة المرة بحرقة وهي ترى صعوبة الفراق امام اعينها ، لعنت القدر باقذع الالفاظ كونه لم يشفع لها خطيئتها فقد كان قاسيًا في الحكم عليها ، ليس لها شأن في كل ما مرت به فهو ايضًا من ألقى بها في ذلك المستنقع البشع لتضحى علاقتها به محرمة وتظل إلى فقدانها اعز ما لديها وهي والدتها المغدورة صاحبة السيرة الحسنة والأخلاق الطيبة ؛ وعيت لنفسها حين حدثها ايهم بنبرة هادئة للغاية :
- يلا يا رانيا ملهاش لازمة الوقفة ، ادعيلها بس .
نظرت له رانيا بأعينها الباكية وحركت رأسها بإماءة خفيفة لتمتثل لحديثه ، تحرك ببطء لتتحرك هي الأخرى بجواره تاركين المكان ، تركت رانيا والدتها خلفها بقلب ينفطر ليكسو السواد مستقبلها لا تريد العيش هي الأخرى في هذا العالم وفكرت بالإنتحار عدة مرات ، تأنت في نفسها بأن لا تكفر أيضًا فيكفي ما افتعلته فالأمر لا يتطلب المزيد، الزمت نفسها بأن تعيش بقية حياتها بنقاء كما تريد وان تتناسى كل ما مر عليها ؛ وقف ايهم امام سيارته ليستقلاها ، تنهدت رانيا بعمق وكفكفت دموعها بكفي يدها ثم وجهت بصرها له ، حدثته بصوت مبحوح باكي:
- هتعملي امتى اللي طلبته منك يا أيهم ؟ .
نظر لها ورد بعقلانية :
- هعملك كل اللي طلبتيه يا رانيا ، بس مش دلوقتي .
زوت بين حاجبيها كأنها تستفهم ، استأنف هو موضحًا :
- خليكي معانا شوية على ما رسيل تخف حتى ، انتي عارفة انها لوحدها ومحتاجة حد تتكلم معاه ، دا لو مش هيضايقك .
نفت بشدة :
- ايه الكلام ده يا أيهم ، ربنا يعلم انا ارتاحتلها قد ايه ، خلاص زي ما انت حابب انا هقعد لحد ما هي تخف .
ابتسم لها بإمتنان وتفاجأ الإثنان بمصطفى الذي انضم إليهم ولكن لم يتحدث، دنا من رانيا وغمرها في احضانه وهو يعتصرها بقوة بذراعية معبرًا عن مدى اشتياقه لها ، لم يستطع ايهم منعه فهو يعرف جيدًا حبه العظيم لها، ابتعد عنهم بضع خطوات والتزم الهدوء ، في حين ازدادت ضربات قلب رانيا فهي لم تكرهه ، هو حبيبها وسيظل ولكن ليس كما السابق ، رسمت حدود للتعامل من تلك اللحظة ، بقلب قاس ابعدته عنها حين حاولت التملص منه ، امتثل مصطفى لذلك وابتعد ، نظر لها بأعين تتحدث عن الكثير ومنها توسله لها بأن تسامحه ، في حين نظرت له مدعية الجمود رغم عدم رغبتها في التفوه بكلمة واحدة مما ستقولها الآن ولكن عليها ذلك ، حدثته رانيا بنبرة هادئة ظاهريًا:
- لو سمحت يا مصطفى انا مش عايزة اتكلم في حاجة فاتت ، من النهاردة انت من طريق وأنا من طريق ، كل اللي بينا تنساه ، انا مش عايزة أي حاجة تفكرني بيك تاني .
حدق مصطفى بها بذهول وعقله يرفض استيعاب كلماتها القاسية تلك ، حرك رأسه باعتراض شديد ونبرة حزينة :
- لا يا رانيا ، انا بحبك وانتي بتحبيني ، معقول بالسهولة دي تبيعي حبنا ، انا اموت لو بس بعدتي عني ، انا بحبك اكتر من اي حاجة في حياتي ، انا عايش بس علشانك .
ابتسمت بسخرية وهي تنظر له باستنكار ما تفوه به للتو ، فلو كانت اغلى ما يملك لترك ما حوله من اجلها ولكنه مصطفى المدلل لم تغفل عن شخصيته ، تنهدت بفتور فقد ملت من كثرة التفكير الغير مجدي في الموضوع ، قالت بنبرة قاسية :
- احنا متجوزين على الورق ، طلقني دلوقتي علشان ارتاح .
ابتلع مصطفى ريقه بصعوبة من كلماتها الجافة لها، تفهم حزنها ولكن ليس إلى هذا الحد فهي تحبه لماذا البُعْد الآن ، رد عليها بتعابير متجهمة :
- لا يا رانيا ، انا عمري ما هبعد عنك ، انا بحبك وبموت كمان .
زفرت بنفاذ صبر ، هتفت بنبرة حانقة :
- بقولك مش عايزاك ، انت معندكش دم .
انفجر الغضب بداخل مصطفى ولم يعي ما يفعله فقد باغتها بأنه سحبها من عضدها بعنف لتشهق هي بصدمة ، قربها منه وقال بنبرة منفعلة ونظراته الغاضبة عليها :
- مش هيحصل يا رانيا ، انتي ليا ، ولو حد فكر بس يقربلك حياتك وحياتي وقتها هتكون التمن .
ارتبكت رانيا من تهديده الصريح لها ، ونظرت له لا تعرف كيف تبعده عنها ، انقذها من هذا الموقف المتأزم بينهم ايهم حين تدخل فالموقف استدعى ذلك ، اقصى ايهم يده بعيدًا عنها بعنف وسحبها ناحيته ، نظر له مصطفى كاتمًا ضيقه ، بينما حدجه أيهم بنظرات مهتاجة ، حدثه بتعنيف :
- كمان مش عامل احترام لوجودي ، بتقولك مش عايزاك ، وطلقها بالذوق احسن لك بدل ما اقفلك انا ، ووقتها غصب عنك هتبعد عنها ، ومش انا اللي هغصبك ، ابوك اللي هيعملها ، اصلك متقدرش ترفضله طلب .
حملت نبرة أيهم في آخر حديثه السخرية منه فهو تعمد التفوه بها ليُشعره بأنه لن يفعل من أجلها أي شيء ، بينما وقفت رانيا خلف أيهم تتطلع عليه بازدراء فحديث أيهم هو الصواب وعلى حق.
في تلك اللحظة ادرك مصطفى بأنه بالفعل لم يستطع اثبات تفانيه في البقاء معها ، الزم نفسه بأنه سيفعل من اجلها ما يقدر عليه فهو بالفعل ضعيف في ترك ما اعتاد عليه فقد ولد في رفاهية يستصعب عليه تركها ، مرر انظاره عليهم وحدثها هي بهدوء مقلق :
- انا هسيبك دلوقتي على ما تهدي ويبقى لينا كلام تاني .
قال مصطفى جملته وتوجه لسيارته المصفوفة على بعد خطوات منهم ، تتبعته نظراتها الساخرة ولم تعلق ، تنهد ايهم بقوة واستدار ناحيتها ، حدثها بتفهم :
- ولا يهمك كل حاجة قالها ، الجواز العرفي معرفش بيبقى فيه طلاق او لأ ، بس انا هحاول اشوف الموضوع ده .
اومأت رانيا رأسها متفهمة فاستطرد بمعنى:
- يلا اركبي زمانك عاوزة ترتاحي.....
____________________________________
وقفت امام المرآة تتطلع على هيئتها النهائية بعدما انتهت المصممة من وضع لمساتها الأخيرة على فستان زفافها، ابتعدت المصممة خطوة للخلف وحدثتها وهي تتطلع على الفستان باعجاب:
- ايه رأيك سالي هانم ؟ ، حاجة مافيش كلام ، والفستان هياكل منك حتة كأنه معمول علشانك .
وزعت سالي انظارها على هيئتها عبر انعكاس صورتها في المرآة وابتسمت برضى ، قالت باقتضاب:
- حلو ، روحي انتي .
اطاعتها المصممة ودلفت للخارج ، استدارت سالي للجانب لتتمكن من رؤية الفستان من الخلف ، "كانت ترتدي سالي فستان زفاف قصير يصل لأعلى ركبتيها من الأمام ، ومن الخلف يتدلى منه ذيل طويل يصل إلى الأرضية ، عاري الكتفين وكاشف عن صدرها بعض الشيء بفتحة مثلثة كبيرة وحزام خصر من اللون الأبيض مرصع ببعض الفصوص البراقة ، رفعت شعرها للأعلى على هيئة كعكة منمقة راقية مع بعض الخصلات المتدلية من الأمام ، وضعت بعض مساحيق التجميل ولكن هادئة اظهرت جمالها الأصلي فقط "..
تنهدت سالي بصوت عالي واعطت ظهرها للمرآة لتنظر امامها بنظرات ماكرة مع ابتسامة خفيفة لشعورها بالغبطة فاليوم كانت خطتها بتقديم موعد الزواج كي تهرب من التقاءها بهذا الخسيس كما وعدته ، شعرت بانقباضة طفيفة تريد ان ينتهي عقد قرانها فهي بتلك الطريقة ستهرب من تهديداته لها كما تعتقد ، تأففت سالي وتنبهت لمن يدخل الغرفة عليها.
ولج اسماعيل الغرفة مرتديًا لحلة سوداء اللون وازال لحيته التي جعلته يبدو اصغر بالعمر ، ابتسمت له سالي وهي ترمقه باعجاب بائن واخذت تتقدم منه ، بينما امتعض اسماعيل وهو يتطلع على هيئتها الفاضحة ، كلحت تعابيره وهو ينظر لها فاستغربت سالي منه ، وقفت امامه ممكسة بكف يده وسألته بعدم فهم :
- ايه يا حبيبي ، مش عجباك ولا ايه ؟ .
زم شفتيه ونظر لها بوجه مقتطب ، رد بتبرم :
- لأ مش عجباني ، ايه البتاع اللي انتي لبساه ده ؟ .
ثم مرر بصره على ما ترتديه بازدراء بائن ، نكست سالي بصرها لتتطلع على هيئتها بحيرة ، رفعت بصرها نحوه وردت باستنكار:
- فيه ايه الفستان مش فاهمة ، وكمان انت عارف الفستان اللي مش عاجبك دا بكام .
انزعج اسماعيل من ردها هذا عليه ، هتف بانفعال :
- ماليش دعوة بالكلام ده ، اللي اعرفه أن مراتي تحترم جوزها في أنها تلبس محترم ، ولا عايزة الناس تقول عليا ايه .
تذمرت سالي من تحكماته منذ البداية حين بدأت تتفهم عليه فقد ظنت تحكمها هي فيه ولكن اتضح العكس ، لم يعجبها الأمر ولذلك هتفت باحتجاج :
- بس أنا مش هقلع الفستان يا اسماعيل ، دا يوم فرحي اللي بحلم بيه من زمان ، مش معقول هروح البس فيه اي كلام ، عايز اصحابي يتريقوا عليا ، ومتنساش مركزي ايه ولازم يكون لبسي عامل ازاي .
استمع لحديثها بوجه كالح غير راضي بالمرة ، رد بسخرية:
- وعلشان سيادتك بنت ناس ، تقومي تقلعي ، مافيش ولاد ناس محترمين ولابسين ، هو دا فكرك ؟!.
نظرت سالي له بتقاسيم عابسة لا تعرف ماذا تفعل معه، قررت استخدام دلالها عليه ربما يغير فكره ، دنت منه ووضعت يديها على اكتافه فنظر لها اسماعيل بغموض كأنه تفهم عليها، همست هي باغواء مخادع في اذنه :
- آخر مرة هلبس كدة ، الليلة دي بس يا حبيبي ، دي ليلة دخلتنا يعني لازم نكون فيها مبسوطين ، عاوز تزعلني وانيمك برة .
كان في نفسه ينتوي الرفض مهما افتعلت ولكن كان لواقع حديثها عليه اثرًا، تنهد اسماعيل بهدوء ظاهري بعكس ثورة مشاعره التي تأججت بفضلها ، رد بموافقة :
- الليلة بس يا سالي ، علشان أنا مش عاوز ازعلك .
ابتعدت عنه لتكسو الفرحة معالم وجهها ، هتفت بحب بعدما اختطفت قبلة حب وامتنان من ثغره :
- حبيبي انت ، وهعمل بعد كدة كل اللي انت عاوزه .......
____________________________________
تأففت بوضوح والقت الكتاب الممسكة به أمامها على الطاولة ، لم تستطع رسيل استذكار كلمة واحدة فعقلها انشغل بالتفكير به.
شعرت بوخزة في قلبها وهي تتذكر هيئته الهادئة رغم الحزن الذي لمحته في عينيه ، تطاولت معه هذة المرأة كونها لم تبادله الإحترام في الحديث ، كانت تتعجب من قوة صبره معها فهي تخطت الحدود معه في تفضيل دراستها عليه ، لا بالطبع ليس ذلك ما انغرس بداخلها ، هو الأفضل بالتأكيد وليس سواه.
تنهدت رسيل بضيق لا تعرف ماذا تفعل بعد الآن وكيف ستكون علاقتها به ؛ ملت من كثرة التفكير ليأتي على ذهنها عمتها ، تأففت رسيل فهي لم تهاتفها منذ غادرت ، نظرت حولها لتبحث اين وضعت هاتفها ، رأته مسنودًا على الطاولة بجوار المزهرية ، تحركت نحوه بالمقعد المتحرك إلى أن وصلت إليه ، التقطته رسيل لتهم بمهاتفة عمتها ولكنها تأنت في عدم اخبارها بمصابها هذا ، حيث وضعت في اعتبارها سفر عمرو وبالطبع عدم تخليها عن عمها وابنته الصغيرة ..
جاء صوت عمتها المألوف والمحبب على قلبها برزانته المعتادة ، فاجابت رسيل عليها بنبرة متلهفة :
- عاملة ايه يا عمتو؟ ، وحشتوني قوي .
التزمت سميرة الهدوء فهي ليس بحالة جيدة حين رحل عمرو وعلمها بما كان يضمره بداخله ، رد سميرة بنبرة حنونة:
- احنا كويسين يا رسيل ، طمنيني عنك انتي يا حبيبتي .
ردت رسيل بنبرة راضية :
- الحمد لله يا عمتو ، انا بس من وقت ما عرفت ان عمرو سافر وانا قلقت عليكم وبسأل نفسي عاملين ايه .
ردت سميرة بعقلانية :
- ربنا يوفقه يا رسيل ، احنا عايشين كويس وعمك في وسطنا ربنا يديه الصحة .
تنهدت رسيل لتكمل سميرة مستفهمة بفضول :
- طمنيني عنك انتي وايهم ، عايشين كويسين والحمد لله ؟ .
ردت رسيل بفرحة زائفة :
- انتي مش شوفتي بعينك حلوين ازاي .
ابتسمت سميرة برضى ممزوج بالغبطة الداخلية التي ملأت قلبها ، ردت بامتنان :
- الحمد لله يا رسيل ، ربنا يسعدك يا حبيبتي واشوفك مبسوطة على طول ، ربنا يطول في عمري لما اشيل ولادك بين ايديا .
انتفضت رسيل لترد بلوم :
- هيطول في عمرك ان شاء الله ، انتي لسة صغيرة والعمر قدامك .
ردت سميرة مبتسمة بعدم اكتراث :
- خلاص اخدت نصيبي من الحياة وأنا راضية بيه والحمد لله .
حزنت رسيل على عمتها ، قالت بتمني :
- ربنا يطول في عمرك يا عمتو وتربي انتي ولادي .
دعت سميرة في نفسها بأن يأتي هذا اليوم في القريب العاجل فهي لن ترتاح إلا إذا حملت طفلها منه ، فكما تعلم بأن وجود الأطفال يخلق جوًا من الألفة والترابط بين الزوجين ، سألتها سميرة :
- هو ايهم معاكي ولا في شغله ؟ .
ردت كاتمة غيظها من نفسها :
- لأ في شغله ، تلاقيه دلوقتي في المكان اللي هيبني فيه المصنع......
___________________________________
مد يده داخل سيارته ليلتقط علبة المناشف الورقيه وبدأ في تجفيف حبات العرق من على جبينه ووجهه ، تأفف أيهم من شدة حرارة الجو في هذا المكان وكشرت قسماته ، كان ماجد خلفه ينظر لما يفعلوه العمال بوجه متجهم وذلك بعدما أجل سفره لطلب يد ملك مرةً أخرى ، حيث طلب أيهم ضرورة حضوره معه لمقر انشاء مصنعة ، وقف أيهم بجانبه وحدثه بعبوس :
- هي الشمس النهاردة عمودية على المكان دا ولا أيه ؟.
ثم زفر بصوت مسموع ، بينما ضم ماجد شفتيه بضيق لا يريد الحديث ، تعجب أيهم ونظر له ليكمل باستفهام :
- مالك يا ابني انت مش بكلمك ؟ .
تنهد ماجد بضيق وادار رأسه ناحيته ، رد متذمرًا :
- كمان بتسألني فيه ايه ، بقولك وافقت تتجوزني وهروح اطلب ايديها سيادتك تقولي بعدين وتعالى عاوزك ، وعايزني ابقى كويس يعني بعد ما وعدتها أني هروحلها وارجع اتأسفلها ، تفتكر زمانها بتقول ايه دلوقتي عليا ولا بتفكر في ايه ؟! .
نظر له أيهم باستنكار لهفته تلك ، رد بسخرية :
- خلاص لو متجوزتهاش هتموت ، عيب على فكرة تسرعك ده ، حتى لو بتحبها خليك راجل شوية علشان ماتتحكمش فيك من اولها لما تلاقيك بتجري وراها كدة .
نظر له ماجد ورد بعدم اقتناع :
- دا اسمه حب ، يعني لما اعمل كدة ببين حبي ليها .
رد أيهم باستهزاء لما تفوه به :
- حب ايه اللي هتبينهولها من اولها كدة ، اوعى تكشف ورقك قدامها في أنك تقولها بحبك ولا انتي الهوا اللي بعيش عليه ، صدقني انا هتسوق فيها معاك ، ما هي خلاص ضمنت حبك ليها ، اسأل مجرب واوعى تعترف بحبك .
قطب ماجد جبينه واظلم عينيه المسلطة عليه ، سألها بمغزى:
- أسأل مجرب ، هو انت ...
لم يكمل حديثه حيث نظر له أيهم بنظرة جعلته ألا يتمادى معه ، فلذلك صمت ماجد ، في حين لعن ايهم نفسه في حديثه عن ما يخصه هو وزوجته كما أنه اظهر ضعفه امامها لهذا الابلة ، زفر ايهم بقوة وقال لتغيير الموضوع :
- تعالى نشرب حاجة ، أنا حاسس اني راسي هتنفجر....
___________________________________
وقف أمام حوض السباحة يرتشف من المشروب البارد الذي بيده وهو يتطلع حوله بسخرية كأنه ليس في نادي بل في احدى بيوت ممارسة الرذيلة.
فالجميع لا يستحون مطلقًا مما يفعلونه على الملأ ، تأفف عمرو من هذا الجو الذي اشعره بالتقزز مما حوله واستدار ليعود ادراجه.
وقف فجأة حينما نثر عليه شخص ما بعض المياه ليبتل قميصه وبنطاله من الخلف ، انزعج بشدة من تلك الحركة المستفزة والتفت لمن يفعل ذلك ، تجمدت انظاره الحانقة عليها حين علم بأنها هي من افتعلت ذلك ، حدجها بنظرات غاضبة وعنفها رغم انخفاص صوته:
- انت ازاي تعملي كدة ، انتي بنت قليلة الأدب .
تجاهلت جيسي انزعاجه واستفزته اكثر بحركات وجهها وبنظراتها نحوه ، ردت باستهزاء وهي تسبح في الماء وتقترب من حافة حوض السباحة لتبدو المسافة ضئيلة بينهم :
- مكنوش شوية ماية ، وجعوك على كدة .
ثم ابتسمت بضيق لتتذكر حديثه معها بالأمس ، بينما رمقها عمرو بنظرات منزعجة ولم يعلق ، استندت هي على حافة حوض السباحة واستطردت بغيظ ونظراتها عليه:
- اومال اعمل ايه أنا في الكلام اللي سمعتهولي امبارح ، انا مرضتش اقول لبابي ، لأن باخد حقي بإيدي ، والكلام اللي وصفتيني بيه هدفعك تمنه .
اثنى عمرو ثغره بابتسامة ساخرة من تحديها له ، تحرك نحوها غير مبالي بنظراتها الغاضبة تلك ، وقف امامها ووضع يديه في جيب بنطاله ، قال باستهزاء ونظراته التي يمرر على جسدها الذي اخفته المياه بعض الشيء كلها ازدراء :
- طول عمري عارف أن اللي بتلبس بالشكل المقرف ده بتبقى حاجة واحدة ، عايزة تفهميني أنك مش مقضياها من ورا ابوكي وماشية على مزاجك ، ما اصل العالم هنا مفتوح .
حدجته بنظرات نارية وهتفت بشراسة :
- انت بني آدم جاهل وحيوان وقليل الادب ، انت متربية احسن منك ومن اللي جابوك .
اغتاظ عمرو من سبها العلني لأهله وتطاير الشر من عينيه ليستفيض على هيئته ككل.
بحركة مفاجئة جثا على احدى ركبتيها ليصل لمستواها ، شهقت جيسي ولم يمهلها الفرصة لتفكر ماذا سيفعل معها حتى هوى على وجهها بصفعة جعلتها تبتعد عن الحافة ، اعتدل عمرو ونظراته الغاضبة ما زالت عليها ، هتف بحدة :
- علشان تتعلمي تتكلمي معايا كويس ، انتي بتتحديني بس أنا هوريكي هعمل معاكي طول ما هطولي لسانك معايا .
ثم استدار بعدما ألقى عليها نظرة ساخرة ، تركها من خلفه تقتفي أثره بذهول من تطاوله عليها ، لم يتجرأ أحد على ذلك حتى والدها ، حيث بدا تعامل عمرو معها غير لائق وصلب ليخرج منه الرجل الشرقي حين تطاولت عليه ، وضعت جيسي يدها موضع صفعته التي آلمتها إلى حد ما ، اغرورقت عيناها بالدموع لتتساقط بعد ذلك مختلطة بالمياه ، مسحتها بكفي يدها وهناك ما هو بداخلها يحرضها ضده ، صرت اسنانها بغضب ولم تنطق كلمة واحدة في نفسها حتى تاركة أفعالها من ستتحدث عنها حين تلقنه درسًا لن يتخيله منها......
__________________________________
عاد بعد يوم شاق قد اجهده بالفعل لتضحى علامات الإرهاق بادية على تقاسيمه ، ولج أيهم الفيلا كأن رأسه لن تتحمل المثابرة أكثر من ذلك يريد الراحة ، تنهد باجهاد وهم بصعود الدرج ببطء
قابله مروان على الدرج يهبطه برزانة ويبدو أنه يستعد للخروج حيث كان يرتدي حلة من اللون الأسود ، نظر له مروان ليسأله بقلق حين تأمل هيئته المتعبة :
- أيهم ، انت تعبان ولا أيه ؟ .
نظر له ايهم مدعي القوة بصعوبة ورغم ذلك من شدة ارهاقه استفاض على هيئته ، رد بنفي ونبرة ضعيفة :
- لا يا بابا أنا كويس ، انا بس كنت في المكان اللي هنبني فيه المصنع والموضوع طلع متعب قوي .
قال مروان بعقلانية :
- وليه يا حبيبي تروح وتتعب نفسك ، المهندسين هيبعتولك التصميم لحد عندك وانت تختار اللي يعجبك من غير ما تروح في اي مكان .
رد ايهم بتبرير وهو يتنهد باجهاد:
- اصل يا بابا دا اول مشروع هعمله بنفسي وحابب اطمن على الشغل فيه ، خايف يحصل اي حاجة وكدة تبوظه .
دنا مروان منه ومسح على شعره بلطف ، قال له بنبرة محببة مع ابتسامة خفيفة زينت ملامحه البشوشة :
- ربنا يحميك يا حبيبي ، انت اطمن بس وكل حاجة هتتعمل زي ما انت عاوزها بالظبط .
نظر له ايهم وابتسم بهدوء ، تأمل بعدها هيئتها واستفهم :
- طيب وانت لابس كدة ورايح فين ؟ .
ابتعد مروان عنه واعدل من سترته ، رد بمعنى :
- رايح عند رؤوف ، اصل سالي هتتجوز النهاردة .
دُهش أيهم وهو ينظر له ، سأله باقتطاب :
- بسرعة كدة ، يعني معزمتش حد ولا أنا حتى اعرف .
رد ماطًا شفتيه بعدم اكتراث :
- محدش يعرف اصل الموضوع جه بسرعة ورؤوف علشان صاحبي عزمني أكيد ، بيقول اصحابها بس .
زم ايهم ثغره للجانب ، رد بتهكم داخلى :
- ربنا يوفقها ان شاء الله .
تنهد مروان وحدثه بجدية :
- سيبك انت من الموضوع ده ، اطلع ارتاح كدة علشان شكلك مش عاجبني .
اومأ ايهم برأسه واطاعه حين تنهد قائلاً:
- حاضر يا بابا ، اتفضل حضرتك انت .
ابتسم له مروان ومسح على خده بلطف ثم اكمل هبوط الدرج.
تتبعه ايهم للحظات ثم تابع صعوده فهو مجهد بشكل كبير يحتاج للراحة ، سار لغرفته وهم بفتحها وولج بهدوء ، انتبهت رسيل لعودته فقد ظلت طوال اليوم جالسة بانتظار قدومه ، تحرك أيهم نحو الداخل وتوجه للمرحاض دون حتى النظر ناحيتها فهو ليس بمزاج جيد.
تعقبته رسيل بنظرات قلقة فهيئته ليست على ما يرام ويبدو عليه الإجهاد ، خشيت في نفسها أن هذا سببه ما حدث الصباح بينهم ، تنهدت بضيق وعبست ملامحها واخذت تنتظر خروجه بهيئة مشدودة .
داخل المرحاض وضع ايهم رأسه تحت الصنبور وفتح المياة لتتصبب على رأسه ليفيق قليلاً من ذلك الصداع المتملك منه ، لوقت لا بأس به ظل هكذا ولكن لا فائدة شعر بأن هناك خطب ما لا يعرف ماهيته ، اغلق الصنبور ومسح شعره بكفي يده ليعتدل بعدها.
نظر لهيئته في المرآة بأعين مجفلة مشوشة فوجهه مجهد للغاية ، زفر بضعف ومد يده ليسحب المنشفة يجفف بها رأسه ، ابتلت سترته فأقصى المنشفة وشلحها ليبقى فقط بالبنطال ، اخذ المنشفة مرة أخرى ووضعها على عنقه ثم هدج للخارج بتقاعس ..
التفتت رسيل ناحية باب المرحاض لتراه يخرج منه ، تجمدت انظارها عليه لخروجه هكذا ، كانت اعينها تخونها بالنظر إليه ، في حين تحرك ايهم نحو خزانة ملابسة ليسحب كنزة خفيفة منزلية يرتديها ؛ القى المنشفة وبدأ في ارتداءها وسط نظراتها المسلطة عليه.
انتهى أيهم واستدار ليتجه للفراش بصمته المقلق هذا ، فحتى لم يلتفت نحوها كأنها ليست موجودة معه ، ادركت أنه يتجاهلها بسبب ما حدث بينهم ، تبدلت تعابير رسيل للتجهم وهي تنظر إليه حين القى بثقل جسده بالكامل على الفراش ليستلقى على ظهره.
نظر للاعلى لوقت قصير ثم اغمض عينيه ؛ زاد قلق رسيل عليه فشكله يدل على انه ليس بخير، احتارت في أمره وتحركت بالمقعد المتحرك متوجهة ناحيته ، دنت رسيل منه ووقفت عند طرف الفراش لتنهض من جلستها وتجلس عليه ، نظرت له وحدثته بقلق جارف واعينها تتأمل وجهه :
- ايهم انت كويس ؟ .
صمتت لتنتظر رده عليها ولكنه لم يفعل وظل كما هو ، ابتلعت رسيل ريقها واعادت سؤالها هذة المرة ويدها تمسح على شعره:
- أيهم انت حاسس بحاجة ؟ .
هنا فتح عينيه بتقاعسٍ جم واقصى يدها بعيدًا عنه ، نظر لها بأعينٍ بالكاد مفتوحة، رد بنبرة قاسية رغم ضعفها الشديد:
- متحطيش ايدك عليا ، يهمك قوي ابقى كويس او لأ ؟! .
نظرت له بأعين حزينة وردت باستنكار :
- يعني ايه الكلام ده ، انت جوزي ومن حقي اسأل عليك ، وانت شكلك تعبان قوي .
اغمض عينيه وتجاهل حديثها ، اغتاظت رسيل منه ولكن لقلقها عليه مدت يدها كأنها تحثها لتحسس حرارته وهي كدَارِسة للطب استنبطت مروره بوعكةٍ صحية.
وضعت يدها اعلى حبهته لتشهق بصدمة ، فتح عينيه مرة أخرى وهتف بضيق وهو يبعد يدها :
- قولتلك ملكيش دعوة بيا ، عايز ايه من واحد مش قد مقامك .
نفضت رسيل حديثه الاهوج هذا كأنه لم يتفوه بكلمة وظلت على وتيرتها القلقة وقالت بقلقٍ شديد :
- أيهم متبقاش عنيد ، انت سخن قوي يا حبيبي ، انت كنت فين علشان تبقى كدة ؟.
ابتسم بوهنٍ لقلقها عليه ، تعمد عدم الرد عليها واغمض عينيه بتعب ، رد بهدوء لا يتحمل الجدال:
- سيبيني ارتاح وهبقى كويس .
لم تقتنع رسيل بحديثه والزمت نفسها بضرورة التصرف سريعًا فكما استنبطت بحسها أنه دخل في حمى شديدة ، هذا الواضح امامها.
سحبت رسيل المقعد المتحرك لتجلس عليه وتبحث عن ما تحتاجه لعمل كمادات باردة لتنزيل حرارة جسده العالية ، تحركت رسيل به للمرحاض لتبحث عما ستحتاجه بداخله .....
_________________________________
طرق باب غرفة اخته بهدوء بعدما علم أنها بغرفتها ولم تتناول طعامها اليوم ، ولج ماجد ليجدها متسطحة على الفراش وتوليه ظهرها ، تحرك نحوها واعينه الغير متفهمة عليها ، دنا ماجد من الفراش ليجلس عليه ، حدثها باستفهام :
- خلود انتي صاحية ولا نايمة ؟ .
تنبهت خلود له وتنفست بهدوء حتى لا يرى معالم وجهها الحزين ،التفتت ناحيته بعدما زيفت ابتسامة بصعوبة، ردت بهدوء زائف:
- أنا صاحية يا ابيه بس انا حبيت اقعد لوحدي شوية .
تأمل ماجد وجهها الذي يبدو عليه الشحوب ، سألها بقلق :
- خلود شكلك مش عاجبني ، انتي تعبانة؟ .
ازدردت خلود ريقها حين ارتبكت من سؤاله ، نفت بتردد :
- لا يا ابيه أنا كويسة ، انا بس متضايقة ان سيرين مش معايا ، كانت بتسليني لما ابقى لوحدي .
ابتسم لها ماجد ودنا منها وقبل جبهتها ، قال بنبرة حنونة وهو يبتعد عنها لينظر لها بحب:
- عارف يا حبيبتي أني مشغول عنك ، بس صدقيني غصب عني ، انا بجد بيبقى عندي شغل كتير ، وزاد اليومين دول علشان ايهم هيبتدي يبني مصنعه .
اومأت خلود رأسها بتفهم، ردت بنبرة هادئة رغم ضيقها الداخلي:
- ولا يهمك يا ابيه ، انا مقدرة كل حاجة ، ربنا يعينك .
مسح على شعرها وقال غامزًا بعينيه وهو يبتسم بمغزى:
- ولو يا ستي علشان سيرين صاحبتك ، انا عندي ليكي مفاجأة.
نظرت له خلود واستفهمت :
- مفاجأة ايه دي يا ابيه ؟ .
رد موضحًا بنبرة حماسية :
- هنروح البلد عندهم ، لأني ناوي اتجوز من هناك .
رفعت خلود حاجبيها وهي تردد بعدم تصديق :
- بجد يا ابيه هتتجوز من هناك ؟! .
رد بتأكيد مع اهتزازة خفيفة من رأسه :
- قومي يلا جهزي نفسك علشان لما اقولك يلا تبقي جاهزة .
لم تعرف خلود ما هو ذاك الإحساس الذي ملأ تفكيرها وتأجج بداخلها حين ذكر أخيها الذهاب إلى هناك ، فهي حتمًا ستراه ، كلحت تعابيرها فهي ما زالت تفكر في الحديث الذي كان بينهم ، لم تستقر إلى الآن لقرار ترتضي به فقد عقد الأمر عليها حين توغن على تمسكه بهذا الشرط للإرتباط بينهم ، نظرت لأخيها الذي ينتظر ردها فهي بالتأكيد لن ترفض الذهاب معه حتى لا يرتاب في امرها ، ردت مزيفة ابتسامة :
- حاضر يا ابيه ، هقوم اجهز شنطتي علشان ابقى جاهزة ...
__________________________________
جلست على الفراش بجانبه وبدأت في عمل كمادات ماء بارد ، نظرت له رسيل بحزن وهي تسأل نفسها أين كان ليحدث له ذلك؟ ، لامت نفسها على كل كلمة تفوهت بها الصباح معه ، لم تدرك محبتها له سوى الآن.
تنهدت لتعلن محبتها له ، تحب كل ما يصدر منه سواء ضيقه معها او اظهار حبه لها ، تناست سبب زواجه منها لأنها تريد ذلك كونها بالفعل احبته ، شفع له عندها اعترافه بحبه لها وأنه لن يستغنى عنها ، كل ذلك جعلها تطير فرحًا وهي معه ، لم يفرض سيطرته عليها بالمعنى الصريح ولكن احبت تحكمه فيها ، اعجبت برجولته حين يأمرها وهي تطيعه.
دنت منه لتقبل وجنته ثم ابتعدت عنه لترى هل كان متيقظ أم ماذا.
احتارت رسيل في أمره وما يفعله معها ، لكن ابتسمت فهي مدركة لما يمر به الآن ، همست بحب :
- بحبك ، بحبك أيهم .
ثم تنهدت بعمق لتراه يهذي ببعض الكلمات غير المفهومة .
دنت منه لتتسمع ماذا يقول وقربت اذنها من فمه ، قال هو بارتجافة ظهرت مع صوته :
- تـ تـ تعبان قوي ! .
ادارت رسيل رأسها لتنظر إليه بقلق ظهر في نظراتها نحوه ، قالت بحزن على حالته:
- يا حبيبي ، انت اكيد سخن ، دي ضربة شمس أكيد .
اعتدلت رسيل لا تعرف كيف تتصرف فقد انقلب الأمر وازداد سوءًا.
لم تعرف رسيل كيف تتصرف فقد خرج الموضوع عن سيطرتها ، كما أنها عاجزة عن السير.
فكرت لبعض الوقت تستجمع فيها بعض المعلومات التي درستها ليهديها حدثها في النهاية إلى تخفيف ملابسه وتبريد المكان ، حركت رأسها فقد وجدت الحل ، نظرت له رسيل وقامت بشلح كنزته بصعوبة وهي تحاول اخراج ذراعيه منها فهو ثقيل ولم تقدر عليه خاصةً أنه مغشي عليه، شلحتها رسيل وتنهدت باجهاد بعدها.
ادارت رأسها لتنظر لمبرد الهواء فقد كان على مستوى منخفض ، ارادت زيادة درجات البرودة وهذا يعني اين يوجد جهاز التحكم عن بعد ؟.
التفتت ناحية الكومود لتجده موضوعًا عليه ، على الفور مدت يدها لتلتقطه ثم قامت بزيادة درجات البرودة للمستوى العالي ، وضعت جهاز التحكم موضعه ثم التفتت لتتطلع عليه في حب.
ثم تنفست بهدوء فقد جذبها لابعد الحدود حتى وهو نائم ، لم تجد في ذلك حرج من إظهارها لحبها له، قالت بمفهوم :
- دا جوزي وعادي
اقنعت نفسها بتلك الكلمات وتطلعت لوجهه الغافي بحب ، رفعت تلك القطعة القطنية التي جفت والتي وضعتها على رقبته.
وضعتها رسيل مرة أخرى في الماء البارد وعصرتها بعض الشيء ووضعتها مرة اخرى على عنقه ، جلبت اخرى ووضعتها في منطقة الإبط ، استمر بها هذا الخال لبعض الوقت إلى أن زالت عنه الحرارة المرتفعة ، تنهدت رسيل بارتياح بعدما اطمأنت عليه ، مسحت على جبهته وشعره بلطف.
دنت منه وقبلت خده برقة ثم تثاءبت فقد غلبها النعاس ، وجدت نفسها تستند بجزأها العلوي على صدره وضمته إليها ، اغمضت رسيل عينيها بنعاس شديد ثم غطت في نوم عميق .....
___________________________________
جلس على إحدى الطاولات يتجرع من كأسه ويتطلع عليها بضيق فقد ازعجته بحركاتها تلك غير عابئة له كونه اصبح زوجها رسميًا امام الجميع ، حيث تتراقص سالي مع اصدقائها على احدى الاغاني الاجنبية دون حياء فلم تخجل من رقصها بهذة الطريقة وسط الفتيات والفتيان ، كبت اسماعيل انزعاجه بداخله فهو لا يريد افساد الحفل فقد ترجته ، الزم نفسه من بعد اليوم لن يتكرر هذا مرة ثانية ، تنهد بضيق وارتشف من المشروب وهو ملتزم التأني معها ؛ نهض اسماعيل بهدوء ظاهري ليتجه نحوها على المسرح الذي خصصته للرقص ، توغل من بين اصدقائها ليصل لها ، وقف امامها لبعض الوقت ينظر لها بجمود وهي تتراقص امامه ، انتبهت له وتوقفت عما تفعل ونظرت له بتوتر ، قال هو بهدوء لم تقتنع به فنبرته كانت غاضبة :
- مش كفاية كدة ولا ايه ؟ ، الوقت اتأخر قوي وأنا عاوز انام .
اومأت رأسها بطاعة وردت مبتلعة ريقها بارتباك داخلي:
- حاضر يا حبيبي ؟ .
زيفت ابتسامة ونظرت لأصدقاءها من حولها وقالت بمرح زائف:
- خلاص يا جماعة كفاية كدة علشان تعبت .
لم ينتظر اسماعيل رد الآخرين عليها وانحنى ليحملها بين ذراعيه.
ادركت سالي بأنه سيعنفها ولكنه فاجأها بحركته التي اسعدتها لتظهر سعادتها امامه الجميع ، طوقت عنقه بحب وهو يتحرك بها وسط المدعوين ليلج بها الفيلا ، زادت فرحة سالي في تلك اللحظة الفارقة في حياتها ، همست في اذنه بحب نبت بداخلها ليطغى على هيئتها التي عشقته :
- بحبك قوي يا حبيبي ، وأسفة ان كنت ضايقتك النهار ده ....
وقف الآخر من على بعد يتأملهم بنظرات جامدة من الخارج ولكن تشتعل لتحرق ما حوله من الغضب الذي تأجج بداخله ، انتوى رغيد لها ولكن ليس امام الجميع ، سيجعلها تركض خلفه بالتأكيد ليستسمحها فقط ويرضى عنها ، يردد في نفسه بسخرية بعض الكلمات التي تدل على غباءها كعادتها حين وقعت في فخة بسهولة ، أنها لغبية إذا فكرت أن تتلاعب معه فهو ليس بتلك السهولة التي تتخيلها ، التوى ثغره بابتسامة ساخرة رغم جمود طلعته وهو يرمقها بنظرات غامضة، اخرج رغيد هاتفه من الجيب الداخلي لسترته ، ضغط عدة ارقام لشخص ما ثم وضعه على اذنه ينتظر الإجابة عليه ؛ جاءه صوت الرجل المقصود ليتحدث معه بغموض مريب :
- اعمل اللي قولتلك عليه ، عايز الناس في كل مكان يوصلهم فضيحتها ، ومتنساش التكة اللي قولتلك عليها ، دي أهم من اللي هتعمله كله .
جاء صوت الرجل وهو يطيعه ، فقال رغيد برضى وعلى محياة ابتسامة شيطانية :
- تعجبني ، يلا روح فرجني شغلك ، عايز اصحى الصبح الاقي الدنيا مولعة...