رواية القيادي الفصل التاسع والاربعون 49 بقلم إلهام رفعت


رواية القيادي الفصل التاسع والاربعون 49 بقلم إلهام رفعت


لم يتمالك نفسه ليُزمجر بين بطنه وصدره مكركرًا بشدة بعدما بلغه الخبر المُرتقب، ارتمى رغيد جالسًا على المقعد وممسكًا بكأسٍ من مشروب الخمر يتجرعه بتلذذٍ ويعلو ثغره ابتسامة مُغتبطة، نفخ ببطءٍ ليزيح من على صدره بعض من المهام التي بدت مُستعصية ولكنها اليوم تحققت ليحل محلها إنتصارٍ محتمٍ وضعه في قائمة إنتصاراته عليه، نعم هي مُستهجنة من قُبح شخصه ولكنه يعتبرها كشيءٍ لَصِب الفوز به فالأخير ليس بالسهلِ اللعب معه ومنافسته، بابتسامةٍ ذات مغزى وجه رغید نظراته الماكرة لهذا الرجل الواقف أمامه ويتطلع عليه بإحترام منتظرًا تعليماته اللاحقة، تنهد رغيد بعُمقٍ وحدثه مادحًا إياه:

- برافو عليك، أنت كده تنفع تكون من رجالتي المهمين .

ابتسم الرجل وقال بنبرةٍ ممتنة:

- أنت تؤمرني يا باشا، كفاية أفضالك علينا .

زم رغيد شفتيه مع هزة خفيفة من رأسه معبرًا عن إعجابه بما طبّقه ففرحته اليوم لا تقدر بثمنٍ، تصلبت أنظاره عليه وسأله بنبرةٍ جدية ذات معنى:

- حد يعرف غيرنا إن أنا اللي ورا الموضوع ده؟.

نظر له الرجل بثقةٍ ونفى بشدةٍ ليتبين مكره:

- إطمن يا باشا الموضوع لابسهم هما، مواد البناء بتاعة أبوه يعني حتى لو عرف يطلع منها مع إني مفتكرش، أبوه هيلبسها لإن المواد كلها عليها علامة شركته، يعني إحنا في التمام .

جمد رغيد أنظاره عليه وللحظات وجومٍ متعمَد إنفجر ضاحكًا مرةً أخرى بصوتٍ عالي ليتشفى فيه، حاول الكف عن الضّحك ولم يستطع، قال من بين ضحكاته الساخرة والمُتشفية:

- عاوز أشوف شكله دلوقتي، يا ترى عامل أيه .

توالت ضحكاته ليستأنف مازحًا بسخریة:

- فكرني أجيبله عيش وحلاوة . 

ضحك الرجل هو الآخر معه ليسخرا منه، بصعوبةٍ كبيرة توقف رغيد عن ضحكه وقال بمكرٍ محاولاً تهدئة أنفاسه :

- مبقاش غيرها هي كمان، أنا هعرفها إزاي تتفق معاه عليا، بقى خايفة منه أكتر مني يا ست سالي، طیب هتشوفي.

لاح الغيظ في حديثه وصمت ليكز على أسنانه بقوة فدورها فإنتقامه منها سيأتي ببطءٍ ليتلذذ برؤيتها مرتعدة من مجرد ذكر أسمه فقط أمامها، تجرع كأسه دفعةٍ واحدة وحدق أمامه في نقطة ما متوعدًا لها بحقدٍ:

- أنا هخليكي متعرفيش تنامي الليل من اللي هعمله فيكي، هندمك على اللي عملتيه معايا وإنك ضيعتي فرصتي في إني أوصلها، بس متقلقوش كلها شوية وهتكون معايا هنا .

ثم جاء على ذهنه آخر مرة رآها ليتذكر جمالها وبراءتها ليملأ الحقد قلبه عليه كونه ينعم معها الآن وجميعهن تفضلنه هو، مثلما فعلت اللعينة حبيبته حين تركته من أجله، ردد أسمها في ذهنه مستمتعًا بطعمهِ كما سيستمع لاحقًا بها ككلٍ، ابتلع ريقه الذي يحمل اسمها"رسيل" ودق قلبه، أقسم بداخل نفسه الغاضبة بأنه سيُعكر فرصته في الإلتقاء بها ليخيل له مشاركتها الفراش وتتلاعب الشياطين أمامه مُحرّضة إياه على قتله، شغلت تفكيره غير أي فتاةٍ كانت معه وأرادها وجعلته يتمناها بدرجةٍ مهووسة، سينتقم من كل من يعترض على ظفره بها وابتسم بغضبٍ، إنتبه للراجل الواقف أمامه ونظر له قائلاً بنبرةٍ آمرة حادة:

- عاوزك تراقبلي مراته من وقت ما بتخرج من الفيلا لوقت ما بتخرج من جامعتها وترجع، عاوز أعرف بتروح فين وأيه الأوقات اللي بتخرج فيها، أخبارها كلها تكون عندي، فاهم كويس .

حرك الرجل رأسه وقال بانصياعٍ ونبرةٍ واثقة:

- كل اللي سيادتك بتقول عليه هيتنفذ يا باشا، عاوزك تثق فيا .

ارتسمت ابتسامة خفيفة على ثغر رغيد ليقول ناظرًا أمامه بتمنٍ متلهفٍ:

- مش هرتاح غير وهي معايا هنا، محدش هياخدها مني بعد ما أوصلها، هتموت يا أيهم بالبطيء لما هتلاقيها معايا لإن المرة دي غير كل مرة، عنيك كانت فضحاك أنك هتموت عليها بس هحرمك منها زي ما حرمتني وهتشوف وقتها بس هعرف إني فوزت علیك .

ثم ضغط على اسنانه بقوة وهو ينظر أمامه لبعض الوقتِ، وجه بصره للكأس الذي بيده وارتشفه دفعة واحدة وأخذ بعدها نفسًا سريعًا ليقول بنبرةٍ متلهفة:

- رسيل، مش هرتاح غير لما تبقي معايا .....

________________________________


لم يتوجه للفيلا وأخذ طريقه بالذهاب لشركته ملقيًا راحته من عناء سفره خلفه ليرى تلك الورطة التي وقع فيها، ترجل أيهم من سيارته ومعه زوجته رسيل المرافقة له ثم ولجا لداخل الشركة ، أمسك يدها بقوةٍ وتحرك بها للداخل ليهرع الموظفين نحوه متلهفين لرؤيته بعد ما حدث من معضلةٍ أعاقت سير العمل وتوقف إتمام بناء مصنعه المنتظر، تفاجأ أيهم بوجود عدد كبيرٍ من الصحفيين الذين ما أن رأوه هموا بالتقاط الصور له ولزوجته بالتأكيد، خشيت رسيل من تلك الأضواء المُسلطة عليها واقشعر جسدها وعلى الفور توارت خلف أيهم مرتبكة من كل يجري حولها، شدّد أيهم في قبضه على يدها ليُطمانها بعدما شعر بها، صر اسنانه بغضبٍ من كل تلك الضجة المخلّفة وراءها كوارث متلاحقة، مرر انظاره الغاضبة على من حوله لينزعج مما يفعلونه غير محترمين لخصوصياته كون زوجته معه، لم يتحمل أيهم كل هذا وإنهار ليهدر بغضبٍ آمرًا الأمن الخاص بالشركة:

- إنتوا يا بهايم طلعوا كل دول برة، مش عايز أشوف حد منهم حتى قدام الشركة، هي مفتوحة لأي حد كدة يدخل .

هتف أيهم بتلك الكلماتِ وهو يشير على الصحفيين وجسده متشنجًا من كثرة إنفعاله، توجست رسيل من عصبيته تلك فهي علم بإنفعاله ولأول مرة تراه بتلك الحالة، في حین لم يمكث الأمن كثيرًا حتى هرولوا تجاههم دافعين إياهم بعنفٍ نحو الخارج ، لم يهتم البعض بعنف الأمن وباستفزاز ألقى أحدهم سؤال على أيهم بشأن ما حدث، رمقه أيهم بنظرات حانقة إحتقارية ولم يعقب على سؤاله الغبي فقط تعقبه بنظراته تلك إلی أن رحلوا جمیعهم، وجه بصره للموظفين وهتف بنبرةٍ مهتاجة:

- واقفین کده لیه، کل واحد علی شغله ؟.

علی الفور إختفی الجمیع من أمامه لمواظبة أعمالهم، تأفف بقوةٍ ثم أكمل أيهم طريقه ساحبًا رسيل معه التي تبلّدت في فهم ما يدور من حولها فالأمر في غايةِ السوء وربما أذيّة أيهم، ولج بها المصعد متوجهًا لمكتبه وعلامات الغضب والحيرة والتوجس بادية على تعابيره ليتخضّب وجهه بها كليًا. 

تأملته رسيل مشفقة على حالته وقسماته توحي بحزنها، لم تتجرأ على التلفظ بكلمةٍ واحدة حتى لا تزيد من عصبيته وألتزمت الصمت، أصدر المصعد طنين الوصول ليدلف منه وهو يغزو في السير قاصدًا مكتبه، أنتبه للسكرتيرة وحدثها بنبرةٍ حادة منفعلة:

- أبعتي للمهندسين المسؤولين عن المصنع دلوقتي، وبلغيهم كلهم إن فيه إجتماع طارئ كمان شوية، والمحامي كمان فين .

أنتفضت السكرتارية من موضعها مبتلعة ريقها بتوترٍ، ردت بنبرةٍ مطيعة للغاية وقد ظهر ارتعابها من هيئته المُهتاجة:

- امرك يا فندم، بس مدحت بيه في النيابة وقال ابلغ حضرتك أنه مش هيتأخر ويجي يشوف سيادتك .

تنهد ايهم بضيقٍ ثم التفت لمكتبه وولج دون كلمةٍ واحدة، ما أن تحرك للداخل حتى ترك يد رسيل وتوجه ليجلس على مكتبه. 

أكملت رسيل طريقها للمكتب بمفردها شاعرة بالخوف منه، جلست في مقابيله بصمتٍ تام وأتسعت فجأةً حدقتاها بخوفٍ وهو يلقي ما أمامه على مكتبه بعنفٍ، حاوط أيهم وجهه بكفيه وأنفاسه المنفعلة تسمعها رسيل، قررت التحدث وتهدأته يمكن أن يُجدي ذلك نفعًا، قالت رسيل بحذرٍ وهي تنظر له باضطراب:

- أيهم حبيبي أهدى، فكر بالراحة هتعمل أيه، زهقك مش هيحل حاجة ولازم تفكر كويس وتهدی کده .

أنصت أيهم لحديثها وأزاح يديه من على وجهه ليُدرك الآن أنها معه، لبعض الوقت ناظرًا إليها فقط رد بجمودٍ:

- أنتي دعيتي عليا يا رسيل .

نظرت له باندهاشٍ غير متفهمة، فأكمل هو بنبرةٍ شبه منفعلة:

- أيوة علشان بابني مصنعي على الأراضي بتاعتك حصل كدة ودعيتي عليا مفكرة ظلمتك .

استنكرت رسيل حديثه بشدة فهي لم تفكر مطلقًا في ابتياعه لأراضيها كما أنها لم تعرف عنها شيئًا من قبل سوى إمتلاكها لها ، ردت بنبرةٍ حزينة لائمة إياه:

- حرام عليك أنا معرفش حاجة وعمري ما أتمنيتلك حاجة وحشة .

ثم بدا الحزن عليها لتصمت ناكسة رأسها، تضايق أيهم من نفسه فقد أراد قول ذلك كي يشتت تفكيرها بأن أحدًا ما يكيد له، لم يرد معرفتها برغيد حتى تعبث الظنون برأسها ناحيته فقد أرادها بعيدًا عن كل هذا، نظر لهيئتها الحزينة ولم يجد ما يقوله سوى تركها المكان كي يتسنى له التفكير على مهلٍ، قال متنهدًا بضيق:

- رسيل أنا هكلم السواق علشان ترجعي الفيلا .

سريعًا رفعت رأسها ناظرة إليه بلومٍ ادركه، كيف له أن يتهمها هكذا ولم يكترث لضيقها من حديثه، هدرت منفعلة وهي تضرب بيدها على المكتب ونظراتها المزعوجة عليه:

- أنت أزاي تتهمني كدة ومتهتمش إن الكلام زعلني ولا لأ وكأنه عادي ، أنت مصدق اللي قولته من شوية ولا بقیت بتخرف من اللي حصلك 

انزعج أيهم من حديثها وقال بهدوءٍ زائف لا يريد تعنيفها:

- رسيل لاحظي إني مش فايق لكلامك ده، خليكي ساكتة أحسن لأن لو أتعصبت عليكي مش هتستحملي قلم واحد مني

ادركت الضيق في نبرته ولكنها رسمت الصلابة معترضة:

- كمان عاوز تضربني، كسر إيدك لو عملتها .

بحركةٍ مباغته دنا منها ليمسك ذراعها وفشل حيث اسرعت رسيل بالنهوضِ من على المقعد والتراجع عدة خطواتٍ لتبتعد عن بطشه بها قدر المستطاع ولكن هيهات لتُفلت من يده، نهض أيهم يحدق فيها بنظراتٍ قوية فقد تطاولت عليه مرةً أخرى، تحرك نحوها ليرتعش جسدها وينكمش خوفًا منه فلسانها يتفوه دون قصد بألفاظٍ غير مهذبة، بنظراتٍ جامدة تطلع عليها ولكن ايقنت رسيل أنه بركانًا من الداخل على وشك الإنفجار ليُفرغ ما مر اليوم عليه فيها هي، بخطواتٍ مريبة كان يتقدم منها وعينيه عليها تُربكها بشدة، ما أن اقترب منها حتى جثت على ركبتيها أمامها مقبّلة يده. 

انصدم أيهم من ردة فعلها وأخفض بصره لينظر إليها، رفعت رسيل رأسها ونظرت له قائلة بأسفٍ شديد:

- سامحني، أوعى تتعصب عليا أنا حبيبتك .

حدق فيها أيهم ليتأمل عينيها البريئة الخائفة وهي تتطلع عليه طالبة الرأفة منه، تنهد أيهم بضيقٍ سيطر عليه وقال بنبرةٍ آمرة:

- قومي أقفي .

نهضت رسيل سريعًا واقفة أمامه برهبةٍ جلية وهي تختطف له النظرات المُرتبكة ثم ترجع لخفض رأسها مرةً اخرى منتظرة ردة فعله لتطمع في مسامحته لها، بنظراتٍ جامدة منه مد يده ليُمسك بشعرها من الخلف تحت حجابها وقربها منه لتنظر له بخوفٍ، استندت بكفيها على صدره متحاشية تعنيفه لها كمحاولة ضعيفة منها، قال هو بنبرةٍ وترتها ونظراته متصلبة على عينيها المرتعبة:

- رسيل إنتي عندك لسان هيجيلي يوم وهقصه علشان تتعلمي تحترمي جوزك وتكلميه أفضل من كده .

سريعًا قبّلت ساعد يده التي تمسك بشعرها وقالت باعتذار:

- سامحني .

ادرك أيهم بأنها لن تتغير ولكن ماذا ليفعل معها فهو يحبها بدرجةٍ غير معقولة، لم يجد نفسه في مزاج جيد ليتبادل معها الحديث أو تعنيفها لتزداد مشاكله وتكمل بها أيضًا. 

لبعض الوقت المريب والمترقب منها ترك شعرها لتتنفس الصعداء وترسم ابتسامة خفيفة ممتنة له، فتح شفتيه لينطق ولكن ولوج والده غرفة مكتبه على حين غرةٍ جعله يصمت. 

وزع مروان انظاره عليهم واستفهم بجهل وهو يتدرج متقدمًا منهما:

- أيه يا أيهم واقفين كدة ليه؟.

هندمت رسيل حجابها وازدردت ريقها بارتباكٍ داخلي وزيفت ابتسامة، في حين إدعى ايهم أللا شيء وقال مغايرًا الموضوع:

- قولي يا بابا هنعمل أيه في المصيبة دي؟.

حرك مروان رأسه بتفهم وقال بجدية ذات معنى:

- بلغوني أنك عامل إجتماع ودا كويس علشان نشوف مين المهندسين المسؤولين عن البناء ونعرف منهم حصل إزاي .

تحرك أيهم بوجهه المُتحير ووقف أمامه ليكمل مروان بعقلانية وهو ينظر لرسيل:

- المهم دلوقتي رسيل ترجع الفيلا مالوش لزوم تفضل هنا .

وجه أيهم بصره نحوها فوجدها تنظر له باحترامٍ، عاود النظر لوالده وقال بتفهمٍ:

- حاضر يا بابا .....

_________________________________ 


لم تدرك بأنها ستُغادر بتلك السرعةِ المفاجئة وبدأت على عجالة بجمع متعلقاتها التي ستأخذها معها، لم تعرف ملك ما هي تلك الرجفة التي شردت من قلبها لتتوجس مجرد ذهابها معه بعد ما كان معها آخر مرة وطريقته الغامضة، تنهدت بهدوءٍ زائف فهي صارت زوجته لما التأنيب الآن وما عليها بعد ذلك أن تتأقلم مع حياتها الجديدة فهي الآن مسؤولة. 

جمعت أشياءها الضرورية بسرعةٍ كبيرة في حقيبتها ثم دلفت للخارج، وجدت والدتها تنتظرها وتبتسم لها ببشاشةٍ، زيفت ملك ابتسامة صغيرة ثم وضعت حقيبتها أرضًا، دنت منها لتحتضنها مُودّعة إياها فضمتها والدتها بحنانٍ وهي تمسح على ظهرها برفقٍ، للحظات وداع بينهما ابتعدت ملك لتتطلع عليها والدتها ناظرة إليها بمحبة، قالت فوزية بنبرةٍ حانية:

- خلي بالك من نفسك يا ملك ومن جوزك يا حبيبتي . 

ابتسمت ملك بتصنع وقالت بامتثالٍ:

- حاضر يا ماما قولتيلي الكلام دا كتير .

وضعت فوزية يدها على عضدها وقالت مبتسمة بلطفٍ:

- أيوة لازم يا ملك لازم يا بنتي، خصوصًا إن إنتي مسافرة بعيد عني ولازم أنصحك، لو متجوزة هنا كنت هبقى معاكي ومش هقلق عليكي كدة .

حركت ملك رأسها متفهمة، ثم وجهت بصرها لوالدها وتحركت ناحيته لتنحني مقبّلة يده، ربت والدها على رأسها وابتسم قائلاً بحنوٍ بالغ:

- ربنا يكرمك يا ملك وأشوفك سعيدة، خلي بالك من نفسك .

اعتدلت ملك في وقفتها وأكدت وهي توزع أنظارها عليهم:

- متقلقوش عليا أنا عارفة هعمل أيه، سلمولي بس على ايهاب.

ابتسمت فوزية لترُد عليها ولكن صوت أبواق سيارته من الخارج استوقفتها، قطبت بين حاجبيها لتقول بتذمرٍ:

- ماله مستعجل كدة ليه من وقت ما وصل، مش يستنى نسلم عليكي دا أسمه كلام .

ابتلعت ملك ريقها وقالت بتردد:

- معلش يا ماما أصله بيقول في ظرف طارئ حصل مع جوز رسيل وكله مشي بسرعة .

لوت فوزية شفتيها قائلة بتهكمٍ:

- على الأقل كان دخل سلم علينا، ألا راكبلي العربية وكل شوية يزمر ومسربعنا مش عارفين حتى نجهزلك حاجاتك اللي جبناها.

زيفت ملك ابتسامة وقالت بارتباكٍ داخلي:

- خلاص يا ماما أبقي هاتيهم لما تيجي تزوريني، إنتي شايفة الوقت ضيق وفي مشكلة حصلت .

فتحت فوزية شفتيها لترد ولكنه صدح هذة المرة وناداها بنبرةٍ عالية باتت منفعلة:

- يلا يا ملك عندي شغل .

تعجبت فوزية منه ونظرت لإبنتها، ارتبكت ملك وقالت وهي تودعهم سريعًا متهيأة للذهاب:

- معلش يا جماعة اشوف وشكم بخير، سلامو عليكو .

قالتها ملك وتحركت للخارج فتتبعتها نظرات والدتها التي تحرك شفتيها بدعاء لها متمنية لها حياةً سعيدة .

رآها ماجد تخرج فضغط على أسنانه منزعجًا، ترجل من سيارته ورمقها بنظراتٍ غاضبة، عنفها بقسوةٍ وهي تقترب منه:

- كل دا بتعملي أيه، مش قولتلك عندي شغل وفي مصيبة حصلت ولازم أكون موجود، وكل دا مستني سيادتك .

اضطربت ملك من نبرته المنفعلة في التحدث معها وردت بتلعثمٍ:

- كنت بجهز شنطة هدومي و...

نظر لها بتأففٍ ثم تطلع على ما بيدها بازدراءٍ ، قال ساخرًا:

- يادي هدومك ، قولتلك هجبلك احسن منها، مفكرة لما تبقي معايا هتلبسي القرف ده .

شهقت ملك من حديثه المُستهجن في حقها، لم يمهلها ماجد الفرصة لتتفوة بكلمةٍ واحدة وانتزع الحقيبة من بين يديها على مضضٍ منه وألقاها في سيارته من الخلف بطريقةٍ وخيمة أزعجتها. 

زمت شفتيها لتصبر عليه فقد تغيّر عن ذي قبل وسوف تتخذ طريقًا آخر معه كونه بات زوجها ويتحكم فيها، لا هي ليست كذلك لترتضي بالإهانة وسيرى، إنتفضت موضعها حين هدر بصوتٍ عالٍ:

- ما تركبي يلا مستنية أيه، ناقص أتعطل أكتر من كدة .

نظرت له ملك ببرودٍ مصطنع ولم تبالي، تحركت بطريقة بطيئة مستفزة نحو السيارة فقد إنتوت له، أغتاظ ماجد بالفعل ورمقها بانزعاج، استقلت السيارة بجانبه ونظرت أمامها غير مكترثة به. 

كبت ماجد إنفعاله وتطلع عليها بمكرٍ، بابتسامةٍ حانقة قال لها:

- طيب يا ملك براحتك، لما نبقى في بيتنا هنتكلم براحتنا .

ظلّت ملك على وتيرتها غير مبالية به بعكس ارتباكها من القادم معه وأشاحت بوجهها، امتعض ماجد من ذلك وأجّله فالوقت ليس بمناسبٍ، قام بتشغيل سيارته للإنطلاقِ بها وتوعد لها في نفسه:

- نوصل بس وهفوقلك .....

__________________________________


قادت سيارتها وهي تتغنج بجسدها وتُدندن ببعضِ الأغاني الأجنبية لتظهر سعادتها، قُطبت تعابير اسماعيل وهو يتأملها باستنكار تلك الفرحة الزائدة المكتسحة طلعتها مجرد مغادرتهم القرية وارتاب في الأمر وخشي شكّها به. 

عن سالي فرحت برحيلهم الإضطراري على النقيض من والدها الجالس في الخلف وزوجها الجالس بجانبها، وذلك حتى ترتاح ظنونها التي تساورها منذ خطت القرية حول مقابلته لزوجته فهذا الأمر يجعلها تشعر بالغِيرة منها، نعم كان زوج الأخيرة ولكنه الآن معها هي ولن تسمح بعودته لها فهو ملكها هي وتنهدت بانتشاء، وجهت بصرها ناحيته وقالت بلا مبالاة من هيئته المزعوجة:

- مالك مكشر كدة ليه، إنت مش فرحان علشان راجعين ولا أيه

تجاهلها اسماعيل وتطلع أمامه فخطفت نظرة ذات مغزى ناحيته ثم عاودت النظر أمامها قائلة بتلميحٍ ماكر:

- على أساس مش طايق البلد والعيشة فيها، ممكن اعرف ليه دلوقتي زعلان إنك هتسيبها .

ثم إنتظرت بخبثٍ رده، ارتبك اسماعيل وتنحنح وهو يبرر بترددٍ:

- ومين قالك إن أنا متمسك بقعدتي هنا، أنا بس معرفتش أودّع أهلي كويس، ما إنتي عارفة إن أبويا تعبان .

زمت شفتيها بعدم إقتناعٍ ولم تكترث، ما تفكر فيه الآن عودتها معه مبتعدًا عن زوجته، شرد إسماعيل أمامه في أمر زوجته حيث أتفق معها على مجيئه سرًا ليأتي بها، يعرف بداخله بأنه الآن يظلمها معه ولكن ما بيده حيلة فعشقه لها لا يُضاهي ما حوله دونها، مقت عيشته الدونية تلك ولا يريد العودة لها بعدما ذاق طعمِ الترف والحياة الناعمة، لم يُرِد ترك هذه أيضًا فهي من اوصلته إلى ما هو عليه ولن ينكر فضلها عليه، شعر بأنه مشتت بين إثنتين ولكنه قليل الحيلة غير راغبًا في الإبتعاد عن حبيبته هكذا فسوف يكون أنانيًا بعدما إنتظرته تلك المدة، أقنع نفسه بأنه ليس أمامه سوى ذلك الحل في الوقت الراهن فربما يخبئ له القدر شيئًا آخر ..

قادت سالي سيارتها مُرتابة من تفكيره وضيقه هذا، شعرت أن هناك ما يخفيه عليها وتأنت في كشفه فلن تُعطيه الفرصة للعودة إليها، هو فضّلها عليها بإنفصاله عنها كما ارادت، طمأنت سالي نفسها المُتضاربة من كثرة التفكير بأنه لن يتجرأ على عودته لها فهي الآن المُتحكمة به وتنهدت براحةٍ جلية..

في الخلف جلس رؤوف يتأفف في نفسه متجاهلاً لحديثهم فقط زائغًا في سفره على غير رغبة فقد جاء الأمر بسرعة كبيرة دون أن يستمع لرد السيدة سميرة أو أخذه للموافقة منهما، طمأنه فريد بأنه سيقنعها به بعدما أبلغه بسفره المفاجئ وتفهم عليه، ارتاح بعض الشيء كون أخيها معجبًا به ويقف معه في ذلك وابتسم بأنه رآها قبل سفره، نعم لم يتحدث معها ولكنه يكفي عليه أن تتمتع أعینهُ بالنظر لوجهها الحسن وتريث في ذلك فسوف يتزوج بها فور وصول موافقتها الأكيدة؛ أخرجهم من شرودهم سالي التي هتفت مستفهمة بفضولٍ:

- متعرفوش أيه بالظبط اللي حصل مع أيهم .....

__________________________________


وصل مروان بسيارته إلى الفيلا مضطرًا فقد توغّن أيهم مغادرته لمخفر الشرطة بعدما تم القبض عليه لإتمام المحضر المفتوح لما حدث، أرضح مروان لإصراره وغادر كون أيهم لا يريد أن يُطال الأمر والده فهذا لن يسمح به قطعًا، ترجل مروان من سيارته ليتفاجأ برنين هاتفه، حيث هاتفه صديقه بأن أخته على وشك القدوم بعدما رتب لعودتها لتعود في اقرب وقتٍ متاحٍ، ارتاح مروان قليلاً ليجد في هذا اليوم المشحون ما يسعد قلبه القلق، ولج لداخل الفيلا ليجد زوجة ابنه تهبط الدرج بسرعة كبيرة، حيث رأت رسيل السيارة من الأعلى قادمة وتأملت بأن يكون أيهم، تقدمت رسيل منه بخطًا سريعة ونظرت من حوله ليخفق قلبها بشدة قلِقًا من عدم رؤيته، نظرت لمروان وسألته بعبوسٍ:

- أيهم فين، مجاش معاك ليه، حصله حاجة؟ .

ادرك مروان قلقها فطمأنها بعقلانية:

- أيهم كويس متخافيش، هما أستدعوه في النيابة علشان المحضر وإن شاء الله خير .

شهقت باستنكار معاتبة إياه:

- إزاي تسيبه وتيجي، زمانه لوحده دلوقتي وخايف .

نفى مروان سريعًا ما تفوهت به:

- رسيل متخافيش أيهم كويس ومش عيل علشان يخاف، وهو اللي أصر أرجع مع إني رفضت كتير بس هو اللي مرضيش أقعد في القسم والمحامي معاه وإن شاء الله الموضوع هيعدي، ادعیله إنتی بس

نكست رأسها بحزن عليه وقالت حابسة بكاءا وشيك:

- يعني ممكن يحبسوه، يا حبيبي يا أيهم دا مظلوم، ایهم طیب ومش بیعمل حاجة وحشة زي دي .

رغمًا عنه ابتسم مروان وهو يستمع لها، رفعت رسيل رأسها ونظرت له قائلة بنبرةٍ حزينة:

- أنا هطلع فوق أكلمه وأطمن عليه، عن إذنك .

ثم استدارت رسيل معاودة الصعود للأعلى بتعابيرٍ مقطبة، تتبعتها نظرات مروان الحانية ليرى في عينيها قلقها على ابنه وابتسم، تنهد بعُمقٍ وتوجه لمكتبه لأداء بعض المهام... 

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

ولجت رسيل غرفتها لتتوجه لهاتفها راغبة في الإطمئنان عليه، سريعًا ضغطت أرقام هاتفه ووضعته على اذنها متلهفة لسماع صوته وتهدئة قلبها المُلتاع عليه وإنتظرت رده..

جلس أيهم مع المحامي في إحدى الغُرف يتناقش معه بشأن وضعه فهو ليس بجيدٍ وعليه إيجاد الحل المناسب له ليفكر بحنكةٍ شديدة، كان أيهم يستمع له وهو في قمة غضبه وحزنه فقد خسر وقتًا وأموالاً طائلة في بناء مصنعه ناهيك عن سمعته وموت أحدهم على يده، توفى شخصًا واحدًا ولكنه لم يرتاح مطلقًا رغم عدم تسببه في ذلك ولكن لا حيلة بيده، تنهد مستفهمًا بنفاذ صبرٍ من كل يهذي به من وجهة نظره:

- أنا وضعي أيه دلوقتي، مش معقول هيحبسوني، لازم تتصرف لإني مش هستحمل القرف اللي هنا ده، وکمان معملتش حاجة أتعاقب علیها، فیه حد قاصد یعمل کدة معایا زي ما قولتلك .

رد مدحت بنبرةٍ عملية دارسة :

- أنا هعمل اللي اقدر عليه علشان يخلو سبيلك بضمان سمعتك ومحل إقامتك، أنت معروف والموضوع هيبقى سهل متقلقش .

تجهمت قسماته وتسائل بجدية:

- بابا ايه وضعه، مواد البناء بتاعة بابا وباسمه، يعني هو كمان ممكن يطلبوه في التحقيق .

رد مدحت بنبرةٍ متفهمة:

- الموضوع دا ليه عندي حل وبسهولة هشكك في إنها تقليد لشركته لإن مش معقول سمعة والدك المعروفة في المجال ده تتغير على حاجة زي دي، إشمعنا عندك إنت، والدك بيصدر لكل مكان ومافيش شكوة واحدة من المواد بجميع أنواعها .

إقتنع أيهم بحديثه ليرتاح تفكيره من ناحية والده وحمد الله. 

إنتبه لهاتف يده فهو ما زال معه، أخرجه أيهم سريعًا ليرى زوجته، ابتسم بحزنٍ من تعقد الأمور بینهم، نهض مبتعدًا ليتسنى له الحديث معها بأريحية، أجاب عليها بجفافٍ زائف:

- أيوة .

ببكاءٍ لم تستطع السيطرة عليه قالت رسيل متجاهلة ضيقه:

- حبيبي عامل أيه، هيحبسوك يا أيهم ؟

ابتسم أيهم لقلقها عليه وقرر اللعب معها، قال بتأكيدٍ زائف:

- أيوة هيحبسوني علشان ترتاحي مني .

احتجت بنبرةٍ سريعة لينجلي تلهُفها في نبرتها الباكية:

- لا يا حبيبي، هموت لو بعدت عني، بحبك أرجعلي بسرعة، مش هنام طول ما إنت بعيد عني .

ثم تعالت اصوات بكاءها الطفولي لينفطر قلبه عليها هي رغم ما يمر به الآن، هدأها قائلاً:

- رسيل أنا كويس يا عمري، خلي بالك من نفسك إنتي وإن شاء الله برجع، متستننيش علشان مش عارف هعمل أيه دلوقتي .

استفهمت وهي تكفكف عبراتها بكف يدها:

- يعني هتيجي ولا لأ؟

تنهد بقوةٍ ورد بتأملٍ:

- ربنا يسهل يا حبيبتي، أنا لسه مش عارف هعمل أيه، لما أعرف هكلمك وأطمنك .

قالت بحبٍ صادق :

- بحبك قوي، متزعلش مني يا أيهم علشان لساني طويل ومش بحترمك، أنا بحبك قوي ومش قصدي، هستناك ترجعلي .

ابتسم أيهم بشدة ورد بتأكيدٍ:

- أنا أكتر يا عمري، هعمل اللي أقدر عليه علشان أرجعلك ابتسمت رسيل بفرحةٍ فتابع هو هامسًا بخبثٍ:

- لإن أصلاً مش هيجيلي نوم غير وإنتي بعيدة عني...


                الفصل الخمسون من هنا 

           لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة