رواية القيادي الفصل الثامن 8 بقلم إلهام رفعت


رواية القيادي الفصل الثامن 8 بقلم إلهام رفعت



تولى شريف مُهمة تجهيز السراية لتليق برب عمله ، أتى بمهندسين متخصصين للبدأ في مهمتهم الأولى في رسم مخطط ذي مستوى عالي ، باشروا جميعهم العمل تحت ادارة شريف الملازم لهم للإنتهاء في أسرع وقت كما أمره ماجد .

اصطف الناس في القرية مُحدقين فيما يحدث امام ناظريهم وعن تلك السيارات الغريبة الواقفة امام سراي العمدة القديمة ،زادت الهمهمات بينهم لتضحى شائعة بيع العمدة للسرايا لأحد رجال الأعمال ، وقف اسماعيل هو الآخر يدقق النظر فيما يحدث ويتفحص ذلك الأثاث الحديث وللحظة شعر بالحزن على نفسه ، تفهم القصة ثم تنهد بعمق تاركًا المكان .

اثناء سيره اوقفه عمرو الذي قتله فضوله لمعرفة ما يحدث هو الآخر ، كان عمرو في سيارته برفقة رسيل حين سأله :

- ايه العربيات دي كلها يا اسماعيل اللي عند السراية .

اجابه اسماعيل بعبوس :

- بيقولوا العمدة باع السراية وفيه رجل كبير هيسكن فيها .

هتف عمرو باستنكار ممزوج بالتعجب :

- رجل كبير هيسكن في القرف ده .

رد بضيق داخلي :

- هو دا اللي سمعته ، عن أذنكم .

تركهم اسماعيل وهو شارد في حياته الحزينة ، بينما وجه عمرو بصره لرسيل وهو يقول :

- دا مين دا اللي عاوز يسكن هنا ، دا الواحد مش طايق القعدة فيها .

لم ترد رسيل واكتفت بالنظر امامها ، تنهد عمرو وقاد سيارته مُتجهًا للفيلا.......

_____________________________


يتحدث مع ماجد عبر الهاتف حيث ابلغه بأنه انجز ما طلبه منه سريعًا ، اعجب أيهم بنشاطه وانبهر أكثر حين ابلغه بأن تلك السراية ثقع بين سراي العمدة وتلك الفتاة والمسافة متقاربة ، هتف أيهم باطراء ممزوج بالسعادة :

- هايل يا ماجد ، كدة هيسهلي مهمتي خالص .

ماجد بتردد :

- شريف بعتلي شوية اخبار عنهم وباين ابن عمها دا رخم قوي ومش سهل ، وهما اللي مسيطرين على البلد وكل حاجة .

رد بعدم اكتراث :

- ميهمونيش في حاجة ، المهم عندي هي واخلص من الموضوع ده وبسرعة .

هتف ماجد باستنكار :

- مفتكرش انهم هيسمحوا بجوازك منها لأن ابن عمها هيموت ويتجوزها بس هي مش راضية .

زم ايهم شفتيه بتفكير ورد بمعنى :

- كويس انها مش موافقة ، سيبلي الموضوع وانا هعرف اتصرف فيه ، تابع بتعال زائف :

- وانت مش عارفني ولا إيه ، انا مافيش بنت تقدر تقاومني وترفضي جوازي منها .

قهقه ماجد بشدة وهو يقول بمكر :

- ماشي يا روميو اما أشوف هتوقعها في قد إيه ، تابع بجدية:

- أنا هقوم أجهز نفسي علشان ابقى مستعد في أي وقت ، والحمد لله ان خلود رجعت السكن بتاعها ومش هشيل همها .

انهى ايهم مكالمته في تلك اللحظة التي ولجت فيها سالي بعدما اخذت قرارها بإعلامه بتلك الخدعة التي وقعت فيها وتبرر له ما حدث ، تحركت تجاهه مُتفرسة تلك الحقائب الموضوعة على الأرضية ، كان أيهم يوليها ظهره ولم يلتفت إلا حين هتفت:

- ايه الشنط دي ايهم ، انت مسافر ؟ .

استدار لها وهو يرد بوجه مقتطب :

- ايوة مسافر ، جاية ليه ؟ .

سالي بضيق حزين وهي تقترب منه :

- مقولتليش يعني أنك مسافر ، مسافر فين ان شاء الله ؟. 

فكر للحظات ورد بمغزى :

- انا رايح سويسرا يا سالي ، استريحتي دلوقتي .

هتفت بتساؤل :

- ليه ؟ ، تأفف أيهم من تدخلها كما السابق ، نظر لها ليرد بنظرات جامدة :

- اولا ملكيش دعوة ، انا لحد دلوقتي بكلمك بهدوء ومش عايز أتكلم في اي حاجة .

اولاها ظهره ليتابع ما كان يفعله واكمل حديثه باستهجان :

- وياريت متخلنيش ازعل منك اكتر من كدة وخليكي لطيفة .

غزا الحزن وجهها ، ردت بتوسل بعض الشيء :

- طيب مش هنقعد مع بعض شوية قبل ما تسافر ، انت هتوحشني قوي .

رد ببرود :

- هبقى أشوف........

_______________________________


جلست رانيا مع والدتها يتسامرن قليلاً واخبرتها رانيا بحصولها اليوم على عمل آخر أفضل من السابق وأن لا تقلق بشأن تكاليف علاج والدها ، حمدت مديحة الله وسعدت رانيا لرؤية السعادة على وجه والدتها ، ربتت رانيا على كتف والدتها وقالت بابتسامة هادئة :

- انا جبت لبابا كل الدواء اللي الدكتور قال عليه .

ابتسمت مديحة وردت بامتنان :

- ربنا يخليكي لينا يا رانيا ، ويبارك في البيه اللي شافلك الشغل ده ، مكناش هنعرف نعالج ابوكي لولا مساعدته ، دا خلاص مبقاش يتكلم وحتى مش عارفني لما بكلمه 

اومأت رانيا رأسها وهي ترد بتمني :

- ان شاء الله العلاج هيخفف عنه ويرجع زي الأول ، انا كل اللي يهمني دلوقتي إن بابا يقوم بالسلامة ويرجع زي الاول ..

رنين هاتف رانيا جعلها تنهض من جلستها وتنهي حديثها مع والدتها حين قالت باستأذان مهذب :

- تليفوني بيرن يا ماما ان هقوم أشوفه .

ردت مديحة بموافقة :

- روحي يا بنتي شوفيه وأنا هروح أشوف باباكي .

سارت رانيا لغرفتها وألتقطت هاتفها لتتفاجأ بمصطفى من يهاتفها ، ابتلعت رانيا ريقها وقررت الإيجاب فهي لم تتناسى حبه بسهولة لتتجاهله هكذا ، ردت رانيا بثبات زائف :

- نعم يا مصطفى .

رد مصطفى بلسان ثقيل يدل على ثمالته :

- رايحة تقولي لايهم على اللي بينا يا رانيا ، قد كدة خايفة مني وبتحطي حاجز يبعدني عنك .

ردت بانزعاج ونبرة خفيضة :

- كان لازم أعمل كدة ، انت مقدرتش حبي ليك وكنت عايز تفضحني ، نسيت لما جيت هنا واترجيتك تمشي .

رد بصوت مُنفعل اوضح ثمالته لها :

- مسيرك ترجعيلي وتندمي على كل ده ، انت بتحبيني ومش هتنكري انك بتغيري لما بتشوفيني مع أي واحدة ، وأنا بقى هقضيها كل يوم مع واحدة وهنساكي خالص .

ردت بحنق عندما ادركت ثمالته :

- انت أصلا شارب ، وكل اللي بتقوله دا ولا حاجة ، انت بتحبني ومش هتقدر تشوفني مع غيرك حتى .

تسارعت انفاسه يتمنى لو رآها أمامه يقسم أنه سيفتك بها ، فهي مُحقة لما قالته ، هدأ من ثورة غضبه ورد بتأن مصطنع :

- مع السلامة يا رانيا .

ثم اغلق هاتفه فتعجبت هي ردة فعله الغير متوقعة ، زفرت بقوة ووضعت يدها على خدها شاعرة بانقلاب العالم من حولها وكارهة حياتها واقنعت نفسها انه الصواب ولا مفر آخر....

______________________________


توجهت رسيل لسراي العمدة حين ابلغها الخفير بمرور زوجة العمدة بوعكة صحية تستلزم حضورها للسرايا ، لم تتوانى رسيل في الاستجابة لمن يحتاج مساعدتها سواء أتوا إليها او ذهبت هي إليهم ، هي ليست طبيبة اساسية ولكنها تزاول المهنة لحبها الجارف لها وعدم وجود اطباء في القرية جعل الجميع يلجأ إليها ، وعادةً تتفهم الحالة المرضية من الخارج وتستنبط العلاج اللازم لها حسب خبرتها التي اكتسبتها في دراستها فطالما أحبتها وتجد نفسها فيها ، ولجت رسيل للسرايا لتجد مازن يقابلها مرحبًا بحرارة :

- اتفضلي يا رسيل ادخلي ، ماما مستنياكي في أوضتها .

ابتسمت بخجل وهي تتقدم للداخل ، سار مازن ليصعد بها للأعلي وهي خلفه ، صعدوا الدرج ليصل بها لغرفة والدته ولم تختفي تلك الابتسامة البلهاء من على وجهه وهو يتطلع عليها ، ولجت رسيل لتجدها مُتسطحة على الفراش ، اقتربت منها وحدثتها بابتسامة لطيفة :

- مساء الخير يا طنط . 

ردت رئيفة بتعب :

- مساء الخير يا بنتي ، فيكي الخير انك جيتي ، انا تعبانة قوي وعنيا مزغللة كدة .

حركت رسيل رأسها بإماءة خفيفة ودنت منها لتتفحصها عن قرب وسط نظرات مازن التي لم تخفي اعجابه بها ولاحظت والدته ذلك ولم تعلق ، انتهت رسيل من الكشف عليها ونهضت لتقول بعملية اثناء جمعها لمعدات الكشف :

- دا أكيد من المجهود الزايد ، انما انا مش شايفة حاجة تستدعي القلق ، حاولي تريحي نفسك شوية .

هتفت رئيفة بحزن مُصطنع :

- هعمل ايه ، اصلي مبحبش حد يمد ايده في حاجة .

نظرت رسيل لها وهي ترد باعتراض :

- لأ لازم ترتاحي علشان الموضوع ميكبرش عن كدة .

ثم اخرجت ورقة صغيرة وقلم وقامت بتدوين بعض الادوية المُسكنة ، انتهت رسيل لتنظر بعدها لمازن وتحدثه وهي تمد يدها بها :

- أتفضل يا مازن هات المسكنات دي .

كان مازن في عالم آخر محدق فيها بهيام ويستلذ بأذنه نبرة صوتها حين قالت اسمه للتو ، حدجته والدته بغيظ وهتفت من بين اسنانها :

- ما تاخد يا مازن سرحان في إيه ؟ .

انتبه لحديث والدته وعاد على الفور لرشده ونظر لرسيل بتوتر ، قال بتلعثم :

- كنتوا .بتقولوا.. حاجة .

لوت رئيفة شفتيها بينما اعادت رسيل حديثها بعفوية :

- كنت بقول خد الورقة دي انا كتبت فيها شوية مسكنات .

مد يده على الفور وتناولها منها ثم نظر لها وقطب بين حاجبيه غير متفهم ما بها ، هتف ببلاهة وهو ينظر لها :

- دا انجليزي ده ؟ .

سيطرت رسيل على ضحكتها كي لا تخرج منها ، ردت مؤكدة:

- ايوة ، دا دوا يا ريت تجيبه .

هتف بانصياع :

- حاضر هجيبه .

نهضت رسيل وقالت بابتسامة مصطنعة :

- استأذن أنا ، ولو فيه حاجة أبقوا كلموني وانا هاجي على طول

قال مازن بلهفة :

- اتفضلي انا هوصلك .

ردت باعتراض ممزوج بالإمتنان:

- متشكرة قوي انا هعرف اروح زي ما جيت .

اعتدلت رئيفة في نومتها وبدت انها بصحة جيدة ، هتفت باصرار:

- لا يمكن ابدًا لازم يوصلك .

حدقت فيها رسيل بتعجب بينما غمز لها مازن ، انتبهت رئيفة لنفسها وتسطحت مرة أخرى مُدعية المرض ، فتنحنح مازن وهو يحدثها بتوتر :

- تعالي يا رسيل انا هوصلك .

اومأت برأسها ودلفت للخارج معه ، تابعتهم رئيفة بأعين متفحصة وهتفت بتمني شديد :

- يا رب يا ابني تكون من نصيبك ...

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

تعجبت رسيل طوال الطريق من تلك الابتسامة البلهاء وثرثرته الغير مُجدية ، اكتفت بالإبتسام له كلما يتحدث ثم وجهت بصرها عفويًا تجاه السرايا المُباعة وقالت بتردد :

- صحيح بعتوا السرايا لرجل أعمال .

رد بجهل :

- معرفش حاجة ، بابا هو اللي باعها واللي اشتراها دفع فيها فلوس كتير .

قالت رسيل بنبرة متحيرة :

- دا مين دا اللي عايز يسكن عندنا .

مازن بعدم اكتراث :

- مش عايز اعرف ، تلاقيه راجل عجوز وعايز يقضي بقية حياته مع البهايم والناموس .

ضحكت رسيل بصوت عالي جعلته يهيم فيها تمامًا ، سيطرت رسيل علي ضحكتها وهي تقول بخجل :

- ميرسي يا مازن قوي اتفضل انت .

رد بهيام ونظرات حب :

- لا والله لازم اوصلك لحد الفيلا .

كتمت ضحكتها مرة أخرى وهي تقول :

- احنا أصل قدام الفيلا ووصلنا .

التفت مازن حوله فهم وصلوا بالفعل ، ابتسم ببلاهة وهو يرد :

- مخدتش بالي ، اصل المسافة قريبة قوي .

ابتسمت بخجل وحدثها مازن بلطف كي يستأذن وتدخل هي ، ولم يشعرا بالذي يحدق فيهم بنظرات شرسة ، كان عمرو في الأعلى يراقب حديثهم وصر اسنانه بغيظ وهو يردد بحنق :

- مش هنخلص بقى ، كل شوية مع واحد........

______________________________


يتناول ذلك المشروب كأسًا تلو الآخر ، تعجبت سالي من هيئته المُتغيرة ، هتفت بعدم فهم :

- مالك يا مصطفى ، مش عوايدك اشوفك بالحالة دي .

رد باقتضاب وهو يتجرع كأسه دفعة واحدة :

- ما فيش .

زمت شفتيها وهي تقول بمكر :

- هي رانيا مبقتش تيجي تسهر معانا ليه ، تابعت باستهزاء :

- ولا انت مش مالي عينها .

القى كأسه بحركة مُباغتة انتفضت على اثرها وهي تنظر له بذعر ، رفع سبابته مُحذرًا بحدة :

- الزمي حدودك معايا ، مش انا اللي يتقالوا الكلام ده ، تابع بمغزى ونظرات ازدراء :

- على الأقل مش عايزة تسلملي نفسها زي ناس .

ابتلعت سالي ريقها متفهمة مقصده ثم اشاحت بوجهها للناحية الأخرى دون ان ترد ، نظر مصطفى لها بسخرية وتابع ارتشاف المشروب ، تنهدت سالي بضيق وهي تعاود الاتصال به وعندما لم تجد منه رد ادركت هروبه منها ، اضطرت سالي للنظر اليه وسؤاله على مضض ، استفهمت :

- طيب متعرفش أيهم مسافر فين ؟ .

نظر لها سريعًا بتعجب وهو يقول بتساؤل :

- هو أيهم مسافر ؟ .

ردت سالي باستنكار :

- بقى أنت متعرفش .

حرك رأسه بنفي ورد بجهل :

- لأ معرفش .

صمت فجأة وابتسم بخبث داخله لسفره هذا ، تنفس بهدوء واعتلى وجهه ابتسامة ذات مغزى تعجبت منها سالي لتبدل حاله المُفاجىء ، نهض مصطفى ليقول بعدم اكتراث مُصطنع :

- تصبحي على خير ، انا هروح انام .

ذهب مصطفى دون سماع ردها وتتبعته سالي بعدم فهم ، زفرت بقوة ونظرت امامها بتفكير لما اضحت عليه حياتها فقد بات ارتباطها به وشيكًا ، امسكت الكأس الموضوع امامها وتجرعته دفعة واحدة وهي تعلن أن لن يبقى لأحد سواها وستفعل المستحيل وذلك بفضل تدخل والدها....

_____________________________


سلط والديه نظرهم نحوه فهو بالعادة لا يصمت هكذا ، جالسون يتناولون طعامهم وهم يتبادلون النظرات المتعجبة نحوه ، جلس اسماعيل هو الآخر كالمُغيب بينهم وشرد في حظه العسر الذي ألقى به في ذلك الفقر المُتأصل ، سخر من نفسه لعدم قدرته في تجهيز غرفة واحدة تأويه مع من يحبها ، تمنى ان ينعم بالمال لإنفراج حياته البائسة ، تخيل نفسه محل هؤلاء الاغنياء وحياتهم المترفة واقسم أنه لكان فعل الكثير مما حرم منه ، تنهد بداخله فلم يشعر احد بكم معاناته التي يمر بها وكم الإهانة التي يتلقاها ممن يعمل لديهم ، شعر بالعنصرية كأنه كالمنبوذ بينهم ، تمنى بداخله فرصة واحدة وسينساق وراءها دون تفكير .

ازاح الطبق من امامه وهم بالنهوض ولكنه اوقفه صوت والده :

- رايح فين يا اسماعيل ، وقاعد معانا ساكت كدة ليه ؟ .

نظر له بأعين خاوية من التفسير واجابه بهدوء مُقلق :

- ما فيش يابا ، تعبان شوية وهدخل ارتاح .

هتفت عديلة بنبرة حنونة حيث غريزة الامومة تجبرها لسؤاله :

- فيك ايه يا اسماعيل ، حاسس بأيه يا ضنايا ؟ .

اجابها بنفاذ صبر وهو منزعج :

- مافيش يا أمي ، داخل ارتاح شوية ، فيها حاجة دي .

ثم تحرك لتلك الغرفة وتعقبته والدته بحيرة ، نظر لها عبد الصمد ليسألها :

- ماله اسماعيل ؟ ، الواد دا متغير وفيه حاجة . 

ردت بحزن على حالته :

- مش عارفه ماله ، تابعت بدعاء متمني :

- ربنا يهديك يا ابني ويسعدك على طول.....

______________________________


كان عمرو مُتسطح على الاريكة بغرفته حين دخل عليه والده يريد الجلوس معه ، لكزه فريد في كتفه ليعتدل وبالفعل اعتدل عمرو ليجلس والده بجانبه ، نظر له فريد وسأله بعدم فهم :

- شكلك بيقول انك هتولع في اللي حواليك ، مالك ؟ .

زفر بقوة وهو يرد بامتعاض :

- الست لمه الرجالة حواليها ، كل واحد عمال يلف عليها .

هتف فريد باستفهام :

- قصدك على مين ؟.

رد عمرو بانفعال :

- هيكون مين غير الست رسيل ، اللي عماله تتكلم مع ده وده ومصدرالي الوش الخشب ، قال يعني انا مش عاجبها .

رد فريد بمفهوم :

- انت اللي تعاملك معاها وحش ، عايزها تردلك اللي بتعمله معاها ازاي .

استمع لحديث والده بعدم اكتراث ثم هتف بنبرة عنيدة :

- بس برضه مهما عملت مش هتبقى لحد غيري .

تأفف فريد وسأله بجدية :

- سيبك انت وقولي عملت ايه في موضوع المستأجرين .

رد بجدية :

- اطمن يا بابا ، يومين وهنخلص منهم خالص .

تنهد فريد بارتياح ، ثم سأله حين تذكر :

- طيب متعرفش مين هيسكن في سراية العمدة الكبير ، اصلي سألت عبد الحميد وطلع ميعرفش .

عمرو بسخرية :

- هو ميعرفش بايع لمين ومين هيسكن وأنا اللي هعرف ، استأنف بتأفف :

- بكرة اما يشرفنا نبقى نتعرف على سيادته......

______________________________


بدلت ملابسها بأخرى للنوم ، توجهت رسيل للفراش وتسطحت عليه مُتهيأة للنوم ، رن هاتفها الموضوع على الكومود فأجلت نومها وردت على المتصل بابتسامة واسعة عندما علمت بهويتها:

- ملك ، عاملة ايه ؟ .

ردت ملك بتردد فهي هاتفتها لتعرف منها ما حدث حين رأتهم الثلاثة وبعدما فشلت من أخذ المُفيد من أخيها :

- انتي اللي عاملة اية يا رسيل ؟ .

ردت بلا مبالاة :

- عادي ، هكون عاملة ايه يعني ، انا زي ما أنا .

تنحنحت بخشونة وسألتها بعدها بحذر :

- هو عمرو عملك حاجة بعد ما شافك مع ايهاب ؟ .

ضغطت رسيل على شفتيها واستفهمت بفضول :

- هو ايهاب قالك حاجة ؟ .

نفت سريعًا وردت بتردد :

- ايهاب مقلش حاجة ، دا أنا اللي شوفتكم من بعيد .

اثنت ثغرها بعدم اقتناع ، ردت بتأفف :

- هيعملي ايه يعني ، ولا يقدر يعملي حاجة ، سيبك منه هو انتي هتوهي عن اللي بيعمله عمرو وقلة أدبه .

زمت شفتيها بتفهم ، صمتت لتقول بعدها بنبرة شغوفة :

- شوفتي العفش الجديد اللي دخل سراية العمدة القديمة ، السرايا بقت حاجة تانية .

رسيل بلا مبالاة :

- هتفرق ايه اشوف ولا لأ ، هو انا هعيش فيها .

ملك بنبرة حالمة :

- ياه يا رسيل ، انا شوفت الحاجات الغالية اللي دخلت السراية حاجات ولا في الأحلام ولا التحف الغالية الكبيرة دي .

رسيل بنبرة مُستغربة :

- انا مش عارفة واحد غني زي دا ايه اللي يجيبه يعيش في بلد فقر ومقرفة زي دي .

ردت ملك بحيرة شديدة :

- أهو دا اللي نفسي أعرفه ، يا ترى مين ده.......

______________________________

بعــد مـــرور عـدة أيـــــام ....

بداخل سيارته سلط انظاره على الطريق مُتفحصًا تلك المنازل الرديئة المُتهالكة من وجهة نظره ، لم يعتاد أيهم على رؤيتها في يوم ما ، ما يريحة قليلا نسمات الهواء التي تداعب اوراق الشجر في الصباح الباكر والهدوء العاصف الذي يخيم تلك القرية ناهيك من بعض الفلاحين القلائل الدائبون امام أراضيهم ، المنظر جميل ولكن ما يشوبه ارواث الحيوانات الموضوعة في كل مكان حتى تحت الشجر ، وضع أيهم يده على أنفه عفويًا متخيل رائحتها البشعة ، كتم ماجد الجالس بجانبه ضحكته لرؤية هيئته المُشمئزة من الآن ، وجه أيهم بصره تجاهه وضيق عينيه وهو يسأله :

- انت عايز تضحك ولا أيه ؟ .

رد ماجد بمعنى وهو كاتم لضحكته :

- اصلك لسه في العربية وقرفان كدة ، اومال هتعمل ايه لما تعيش هنا .

حدجه أيهم بتأفف ورد بحنق :

- اسكت انت ، يعني اللي عايشين هنا مش بني آدمين زينا .

هتف ماجد باستنكار :

- هما متعودين على العيشة دي ، انما احنا غيرهم .

أيهم بابتسامة غير مفهومة :

- أدينا هنجرب ، وأنا حابب اللي هيحصل هنا قوي .

صمت ماجد مُجبرًا يريد معرفة كيف سيتأقلم مع ذلك الجو الجديد وهؤلاء الناس ، تنهد بهدوء وجعلها تجربة وستمرق في يوم ..

بعد وقت قليل وصلت السيارة امام السراية التي اصبحت جاهزة لاستقباله ، صفها السائق امام البوابة الداخلية لها ، ترجل أيهم منها وخطا بقدمة لتدعس على الأرضية المبتلة بسبب الضباب ، نظر حوله وهو يتفحص المكان ووضع يده على أنفه التي لم تعتاد على مثل تلك الروائح التي اشمئز منها ، انضم اليه ماجد ليقف بجانبه يتفحص المكان هو الآخر ..

كان اسماعيل يسير مبكرًا للأسطبل كعادته ، لمح تلك السيارة الفخمة تدخل للسرايا وبداخلها رجل يبدو من هيئته الثراء ، لا يعرف اسماعيل ما هو سر ذلك الشعور كون أن هذا الرجل ارسله الله ليساعده ، ابتسم في نفسه ولم يدر بقدماه التي سارت لتدلف داخل حديقة السرايا ، تأمل هذان الرجلان بنظرات شاردة للحظات فهو لم يرى مثل تلك الهيئات سوى بتلفاز القهوة ، وجه اسماعيل بصره لهؤلاء العمال وهم يحملون الحقائب للداخل ، هرول هو الآخر لمساعدتهم في حملها ونقلها بداخل السراية ، هتف احد العمال متذمرًا وهو يبعده :

- انت مين يا راجل انت ، يلا امشي شوف انت رايح فين .

تذمر اسماعيل هو الآخر ورد عليه بانزعاج ، التفت أيهم لتلك الضجة من خلفه واستدار ليجد احد العمال يتشاحن مع احد الفلاحين ، نظر لهم بوجه مُنزعج وهو يعنفهم :

- فيه ايه انت وهو؟ .

سلط اسماعيل بصره عليه عندما تحدث ، فهو كان أصغر منه بالعمر ويبدو عليه الترف ، انتبه لأيهم الذي سأله :

- انت مين وجاي عاوز أيه ؟ .

وعي اسماعيل لنفسه وهرول ليقف امامه ، رد باكتهاء شديد :

- خدامك اسماعيل يا سعادة البيه ، اي حاجة تطلبها مني هتلاقيني تحت أمرك ....


                    الفصل التاسع من هنا 

        لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة