
رواية القيادي الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم إلهام رفعت
قضى برفقتها وقتًا لا بأس به داخل مخفر الشرطة بعدما انتهى الضابط من أخذ اقوالها ، كانت رانيا في عالمٍ آخر وهي تسرد ما حدث امام ناظريها لوالدتها التي قُتلت امامها ، انهمرت دموعها على وجنتيها شاعرة بالضياع فقط كانت معها اليوم ، لعنت القدر الذي جعلها تعود مرةً أخرى ولكن هذة نهايتها التي هي سببًا فيها ، شعر أيهم بالحزن عليها لفقدانها والدتها ، تنهد بضيق فقد حذّر الآخر بعدم الإقتراب منها ، والآن هي زوجته في السر ، كل ذلك جعل افكاره تتخبط في رأسه لسماح رانيا بأن يحدث لها ذلك فقد استنجدت به قبل ذلك ، ماذا حدث لتنساق وراء هذا المستوى الوطئ فهذه ليست اخلاقها ، لم يُرِد التحدث معها الآن فهي ليست بوضعٍ جيد ، انتهى أيهم من الإجراءات النهائية والسماح لها بالمغادرة بضمانته الشخصية في حين العودة مرةً أخرى لإكمال التحقيق ، اصطحبها أيهم معه ودلف بها خارج مكتب التحقيق ليقابلهم ماجد متلهفًا وهو يسأل أيهم ونظراته على رانيا :
- عملت ايه يا أيهم ، سمحولها تروح ؟ .
حرك رأسه باماءة خفيفة ورد باقتضابٍ:
- انا هاخد رانيا عندي .
تفهم ماجد الأمر وسار بجوار أيهم الذي يصطحب رانيا وهو يضمها من كتفها بجانبه فقد شعر حقًا بالشفقة عليها فحالتها يرثى لها بالفعل ، دلفوا خارج مخفر الشرطة فنظر أيهم حوله فقد شارف النهار على البزوغ ، تنهد بعُمقٍ وسار بها ليبلغ سيارته المصفوفة بالجوار ، وقف ايهم امام السيارة ونظر لماجد وحدثه بمعنى:
- خلاص يا ماجد روح انت ، أنا هاخدها في عربيتي .
اومأ ماجد رأسه بامتثالٍ وغادر ، بينما فتح أيهم لها الباب الأمامي وساعدها على الجلوس في المقعد الأمامي ، اوصد الباب ليدور حول السيارة ويستقلها هو الآخر ، جلس على مقعد الراكب وتهيأ للقيادة ، خطف نظرة شفقة عليها وتنهد لينطلق لفيلته .....
بعد وقت ليس بقليلٍ وصل أيهم إلى الفيلا ولاحت اشعة الشمس لتملأ الكون ، صف سيارته امام الفيلا ثم ترجل منها ، دار حولها ليتوجه لرانيا ، فتح الباب ومد يده لها ليساعدها على الترجل ، خطت بقدمها لتلامس الأرض ولكن شعرت بأنها لا تستطيع السير وتملك منها دوارًا عابرًا ليحاوطها أيهم بذراعيه ليحيل دون سقوطها ، شعرت رانيا بالحرج وحاولت الإعتدال ، ساعدها أيهم على السير لداخل الفيلا وهو ممسكًا بيدها وباليد الأخرى يحاوط كتفها وولج بها للداخل ..
كانت في شرفة الغرفة التي مكثت فيها بالأمس تتابع ما يحدث بنظراتٍ غاضبة مُهلكة لعودته بتلك الفتاة ، حيث لم تنم رسيل طوال الليل بسبب تركه لها ، كلحت قسمات وجهها وباتت تکز على اسنانها بغضبٍ مكبوت وادركت الآن بأنه يتلاعب بها كونها اعلمته بموافقتها على الإقتراب منه ، حركت رأسها فسوف تجعله يأتي هو لها ليتمنى ارتضاءها عليه ، ولجت رسيل الغرفة لتغفو وألا تعيره اهتمام ومن الآن هي لحياتها فقط ، استلقت على الفراش ودثرت نفسها متجاهلة إياه ومن معه ...
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
اوصلها أيهم إلى الأعلى بمساعدة احدى الخادمات لتمكث في احدى الغرف ، توجه للغرفة التي غفت فيها رسيل ولكن الخادمة منعته من ذلك حين قالت بمفهوم :
- نودي حضرتها في اوضة تانية يا ايهم بيه ، لأن رسيل هانم نايمة جوه من امبارح .
نظر أيهم لها باستغراب بعدما توقف موضعه، سألها بعدم فهم:
- وهي نايمة جوه ليه ؟ .
رفعت الخادمة كتفيها للأعلى لترد بجهل :
- أنا معرفش يا أيهم بيه ، انا شوفتها دخلت فيها امبارح .
لم يتفهم الموضوع ونظر لباب الغرفة التي فيها لبعض الوقت وهو يسأل نفسه لما هي هنا ؟ ، تنهد بعُمق وانتبه لرانيا المتعبة ، ثم اكمل سيره لغرفةٍ أخرى تقيم فيها وهو شاردًا فيما فعلته رسيل وأجّل معرفته بالأسباب حينما يطمئن علي رانيا ، ولج بها الغرفة لينظر للخادمة ويحدثها بجدية :
- خليكي مع الهانم وشوفيها عاوزة ايه ، كل طلباتها ملزومة منك أنتي ، تخليها تحت عنيكي اربعة وعشرين ساعة ، فاهمة.
انصاعت الخادمة لأوامره ورددت بطاعة تامة :
- امرك أيهم بيه ، اطمن سيادتك .
ابعد نظره عنها لينظر لرانيا ، خاطبها أيهم بنبرة هادئة للغاية:
- رانيا انتي هتخليكي هنا ، وعايزك تقعدي كأنك عايشة في بيتك بالظبط ، وكل حاجة هتكون عندك .
نظرت له رانيا بأعين مُجهدة ، ردت بصوت متحشرج بالكاد يخرج وهي تمتن له:
- متشكرة يا أيهم على كل اللي بتعمله علشاني .
ابتسم لها بعذوبةٍ وهو يرد بجدية :
- رانيا احنا اخوات متقوليش كدة ، من هنا ورايح انتي ملزومة مني
صمت ليتابع بمغزى :
- وعايزك ترتاحي علشان اسمع منك كل اللي حصل بالتفصيل
تنهدت بتعبٍ لترد مُحركة رأسها :
- حاضر
ابتسم لها وقال بمعنى:
- هسيبك أنا دلوقتي وابقى اجيلك بعدين ، خلاص .
اومأت له رأسها بتفهم ، أمر الخادمة بأن تهتم بأمرها ثم هدج للخارج متجهًا لرسيل ففضوله يقتله لمعرفة سبب وجودها في تلك الغرفة ، سار ليتوجه إليها ووقف امام الباب وبدون انذار فتح الباب وولج للداخل و ....
________________________________
طرقت باب غرفة ابنتها فهي من الأمس لم تخرج منها ولم تتناول أي طعامٍ ، ادركت رئيفة بأنها علمت بما حدث ولهذا حبست نفسها مرةً اخرى وعادت لنقطة البداية فهي تعلم بأنها افتعلت تلك الخدعة من أجله ، زفرت بحزن لعدم استجابتها لها وظلت تردد رئيفة بتوسلٍ ونبرة حزينة :
- افتحي يا سيرين ، افتحي يا بنتي نتكلم متتعبيش قلبي عليكي ، افتحي وأنا هترجى ابوكي يوافق .
ظلت رئيفة تهذي بهذة الكلمات فموقفها ضعيف نتيجة تسلط والدها وعناده ، استمع مازن لحديثها من داخل غرفته ، دلف ليستفهم منها فما علمه موافقة والده عليه ، تقدم مازن من والدته المرابطة لغرفة اخته وهو ينظر لها بتعجبٍ فماذا حدث ثانيةً ؟ ، وقف مازن بجوارها ونظر لها ليسألها باستغراب :
- ايه اللي حصل تاني يا ماما ؟ ، وسيرين مالها ؟ .
التفتت له رئيفة لتشرح باختصار ما حدث بأسى:
- ابوك عرض الشرط اللي قال عليه لايهاب لما كان هنا ، وايهاب موافقش ، وسيرين من وقتها وهي حابسة نفسها في اوضتها .
زفر مازن بقوة وهتف بحنق:
- يعني مأثرش فيه أنها كانت عايزة تموت نفسها علشانه .
نظرت له رئيفة بحزن لتتوسل له :
- كلمها انت يا مازن يمكن تفتح ، انا خايفة تكون عملت في نفسها حاجة ، قلبي مش مطمن خالص .
ارتجف قلب مازن بقلقٍ عليها وخشي ذلك هو الآخر وربما تفتعل شيئًا بنفسها ، شهق مازن في نفسه بخوف وبدأ في طرق الباب بعنف كي تفتح له وهو يصيح مناديًا عليها :
- سيرين ، سيرين افتحي الباب .
استمر مازن في طرق الباب بعنفٍ ولكن لا جدوى فهي لم تجيب عليه ، ارشده حسّه بأنها ليست على ما يرام وقلق عليها بالفعل ، نظر لوالدته التي تنظر له بنظرات حزينة متأملة ، قال لها بنبرةٍ جدية:
- ماما أنا هكسر الباب
صكت رئيفة على صدرها وملأ الخوف قلبها عليها ، نظرت له وهي تسأله عليها بقلقٍ جارف:
- يعني هي ممكن تكون عملت في نفسها حاجة ؟ .
حرك رأسه بجهل ونظر للباب ثم أخذ وضع الإستعداد بدفع الباب بكتفه فلا وقتٍ للنقاش الآن ، دفعه مازن مرة والثانية والثالثة بكل قوته لينفتح الباب ويتقدم للداخل عدة خطوات ، تحركت رئيفة خلفه وهي تتجول ببصرها باحثة عن ابنتها بقلبٍ مرتعب ، نظر مازن حوله هو الآخر ليسأل بتعجب :
- اومال فين سيرين ؟! .
احتارت رئيفة لبعض الوقت وردت باقتراح ذات معنى :
- يمكن تكون في الحمام .
استنكر مازن وجودها بالمرحاض فإذا كانت به لكانت استمعت لصوت تكسير الباب ، لم يجد مانعًا في البحث فيه وتحرك نحوه ، خلّفته رئيفة ليبدأ مازن بطرق الباب عليها وهو يناديها :
- سيرين انتي جوه ؟ .
لم يجد ردًا ونظر لوالدته باستغراب ، لم تلبث رئيفة مكانها حتى فتحت الباب وولجت ، فغرت رئيفة فاهها بصدمةٍ وهي ترى ابنتها مسجية على الأرض والدماء من حولها ، ولج مازن بعدها لينصدم من ذلك المشهد القاسي ، بينما دنت رئيفة منها ونظرت لمازن الذي جمدته الصدمة موضعه وصرخت فيه:
- الحقني يا مازن ، اختك موتت نفسها .....
__________________________________
ولج أيهم الغرفة عليها وجدها غافية على الفراش ، اوصد الباب من خلفه وتحرك ليدنو منها فهو إلى الآن مُتعجبًا من وجودها هنا ، جلس على طرف الفراش وتطلع عليها بنظرات حبٍ، كانت رسيل غافية وتوليه ظهرها ، مد يده ليزيح الغطاء من عليها بخبث.
مرر انظاره على جسدها بتمني فقد حركت رغبته كرجل ، تنهد بحرارةٍ وتوقف للحظةٍ عما يفعل ليتذكر بأنها كانت تنتظره ليلة أمس ، عبست ملامحه ولعن نفسه فقد تناسى أمرها بسبب ما حدث.
في تلك النقطة ادرك أيهم سبب وجودها هنا ، زفر بضيق فهي الآن بالتأكيد غاضبة منه ، زفر بخفوتٍ وعليه الإعتذار منها ويشرح لها ما حدث فهو لم يتعمد ذلك ..
انحنى عليها بصدره ليهمس بالقرب من أذنيها بنبرةٍ عذبة :
- رسيل حبيبتي ، رسيل .
تنمّلت في نومها وقطبت جبينها حينما ناداها ، فتحت عينيها بتقاعسٍ فهي لم تنم طوال الليل ، ادارت رأسها لتنظر له لبعض الوقت فابتسم هو لها ، تغيّرت تعابيرها للانزعاج وهي تنظر له حينما تذكرت ، هتفت بنبرة غاضبة جعلته يتعجب منها:
- انت جاي عاوز ايه ؟ ، مش عندك اوضتك .
حدق بها ايهم بذهول ، رد بعدم تصديقٍ:
- ايه الكلام دا يا رسيل ، كل ده علشان ايه ؟!.
اعتدلت في نومتها لتصبح نظراتها نحوه أكثر شراسة ، وصرت اسنانها بضيق، هتفت بتعنيفٍ قاسٍ وهي تشير للباب:
- انت ازاي تشوفني وأنا قالعة ، يلا اتفضل اطلع برة .
استنكر غضبها بسبب عدم مجيئه أمس دون أن تلتمس له العُذر فهو لم يتعمد ذلك ، هتف ايهم بضيق :
- كل ده علشان مجتش امبارح ، مش تسمعيني الأول .
دفعته بيدها من صدره فارتد للخلف ونظر لها بذهول من أفعالها الولودية ، هتفت هي بنبرةٍ منفعلة:
- قولتلك امشي برة ، ومن هنا ورايح ملكش دعوة بيا .
تنفس أيهم ليخفف من حدة ضيقه مما تفعل ، ولكنه لم يتمالك نفسه ومد يده ليبعد عنها الغطاء فصرخت وحاوطت جسدها بذراعيها.
تلك الحركة منها جعلته يهتاج أكثر، دنا منها وجذبها من شعرها لتقترب منه دون أن يضغط عليه ، قربها من وجهه لتنظر إليه بأنفاسٍ متسارعة مرتبكة ، هتف بغيظ:
- انتي فعلا عيلة ، انتي هتلعبي بيا ، انتي مراتي ومن حقي.
حين أدركت نواياه في اقترابه منها دون رغبتها قالت:
- هتقربلي غصب عني؟ .
نظر لعينيها وحرك رأسه بنفي ، رد :
- انتي مراتي
ردت بعدم رضى :
- هتخدني غصب عني يعني ، انا مش موافقة ، روح عند اللي كنت عندها وسيبتيني ، وكمان جايبها لحد هنا .
تذكر رانيا فهي قد رأتها ، قال بمعنى :
- انتي مش فاهمة حاجة ، اللي حصل ....
قاطعته بانزعاج لا تريد تبريره :
- مش عايزة اسمعك ، انا مش هسامحك علشان سيبتيني لأي سبب ، يلا ابعد عني .
انفعل أكثر وارتعبت رسيل في نفسها وهي تسحب ثوب الغطاء لتغطي نفسها.
نظر لها بنظراتٍ وصلت لقمة انفعالها ، نهض ايهم من على الفراش ثم وقف وهو ما زال يتطلع عليها بنظرات اربكت كل عضوٍ فيها ونظرت له بتوجس، لن يتركها اليوم فقد زاد عنادها معه ولم تستمع حتى له ، هتف بامتعاض :
- أنا مش هستحمل كده كتير .
ثم دنا من الفراش وهم بالإقتراب منها مرة أخرى فأسرعت بالنهوض من عليه واضحت في مقابلته من الناحية الأخرى.
نظرت للوسادة والتقطتها وقامت بإلقاءها عليه لتمنعه من الإقتراب منها فتحاشاها أيهم وانزعج ، كاد ان يعنفها ولكن طرق الباب منعه ، رد باهتياج على الطارق :
- عاوزين ايه ؟ .
ردت الخادمة من الخارج بارتباك من صوته المنفعل :
- والد حضرتك يا أيهم بيه وكلهم تحت مستنينكم علشان تفطروا.
شعرت رسيل براحةٍ بينما نظر لها هو بضيق فقد ساعدتها الظروف هذة المرة ، حدث الخادمة وهو ما زال ينظر لها :
- روحي انتي واحنا شوية وجاين .
اطاعته الخادمة ونظرت له رسيل بابتسامة مستفزة اثارت حنقه ، كبت ضيقه ورسم البرود الذي زيفه ، قال بمعنى ونبرة خفيضة:
- براحتك خالص ، بس بما أنك مش عايزة تسمعيني يبقى اللي هعمله معاكي من حقي ، وأنا بقى حقي بحب أخده .
ازدردت ريقها بتوتر وردت بنبرةٍ متزعزعة :
- بالعافية يعني ، انا مش موافقة .
تجاهل حديثها وهندم ملابسه ثم مسح على شعره ، تنهد بهدوء وخطف نظرة غامضة لها وترتها ثم هدج للخارج وسط نظراتها التي ترقبت خروجه بارتياح ، ولكن خشيت تطاوله معها وضغطت على شفتيها تفكر ماذا تفعل.
انتبهت لوجود عمتها وابتسمت فوجودها بالطبع سيمنعه حين تتعمد البقاء في غرفتها وستدعي اشتياقها لها ولن يمانع أحد ، ابتسمت رسيل لتقول بمكر :
- عايزة اشوف هتعملي ايه بقى وهما هنا.....
_________________________________
جلس بغرفته على الأريكة واضعًا رأسه بين كفيه وناظرًا للأسفل ، لم ينم مصطفى وظل يفكر فيها وفي حالتها الآن فقد اجبره والده على تركها وعاد معه ، ما اراحه وجود أيهم فهو بالتأكيد لن يتركها ، لم يستوعب حتى تلك اللحظة ما حدث بالأمس ، فقدت هي والدتها وشعر بأنه السبب الرئيسي في ذلك ، نعم هو من دفعها لتبقى معه وتضحى حياتها معه هكذا، لن تسامحه بالتأكيد فهو من ارغمها للعيش معه بتلك الطريقة المستهجنة.
شعر بالندم حيالها والمطلوب منه الآن تصليح ما افسده ، يعلم بداخله بأنه قد فات الآوان ولكن هذة مشيئة القدر ، تنهد مصطفى بضيق وتجهمت تعابيره مما يحدث ؛ انتبه لم يدخل عليه الغرفة فرفع رأسة لينظر لمن دخل عليه ..
تقدم والداه منه فنظر لهم بأعينٍ حزينة مجهدة ، دنا شاكر منه وخلفه زوجته عفّت التي اخبرها زوجها بما حدث وانزعجت بشدة، وقف شاكر امامه ونظراته نحوه كلها استهجان وغضب ، نهض مصطفى من جلسته احترامًا لوجوده ، فما أن نهض حتى باغته شاكر بصفعةٍ مدوية على وجهه ، رغم قوتها ظل مصطفى واقفًا موضعه ولم يتزحزح إنشًا واحدًا ، نظر لوالده بهدوء ففعلته غير مستحبة والتزم الصمت ، في حين وقفت والدته إلى جوارهم ولامته رغم حزنها على صفع والده له:
- ليه يا مصطفى تعمل كدة ؟، بنت مين دي علشان تجري وراها وتتجوزها من غير ما نعرف ؟! .
نكس مصطفى بصره للأسفل لا يريد مواجهتهم فما يمنعه من اعلان زواجهم يقينه التام برفضهم لتلك الزيجة، وأخذ ذلك القرار رغم استقباحه من قبل الجميع فلم يجد غيره ليحظى بحبيبته ، زفر شاكر بغضب من صموته الذي يجعله يهتاج من الداخل ، هتف معنفًا إياه :
- حتة بت فقيرة مش من مستوانا تخليك ترفض بنات العائلات وتروح تتجوزها ، لا وكمان يا محترم بتروحلها شقتها زي الحرامية من ورا امها علشان تقضي وقت معاها .
شهقت عفت بصدمه من حديث زوجها ، تبدّلت تعابيرها للانزعاج وهتف بنبرة غير راضية:
- اخص عليك يا مصطفى ، دا جزاتنا علشان سيبينك عايش حياتك براحتك وعلى مزاجك ، تقوم تعمل كدة وكمان تجبلنا مصيبة .
اغمض مصطفى عينيه لم يعد يتحمل المزيد فما بداخله يكفي ويفيض ، تنهد ووزع انظاره علي والديه ليقول بنبرة باتت حزينة مزعوجة:
- بحبها ومامتها ماتت بسببي ، انا عايز اتجوز رانيا .
حدجه شاكر بنظراتٍ غاضبة وهو يهتف بانفعالٍ مدروس :
- تبقى أكيد اتجننت لو فكرت أن دا ممكن اسمح بيه ، حته الورقة العرفي اللي بينك وبينها تتقطع ، ومش عايز اسمع أن ليك علاقة بيها تاني من اللحظة دي، وإلا هتكون ابني ولا اعرفك .
نظر له مصطفى غير راضي بالمرة لما تفوه به فكيف هذا ؟ ، هي حبيبته ولن يتحمل تركها أو الزواج من غيرها ، رد بتردد :
- ليه بس يا بابا ؟، انا بحبها قوي .
هتف شاكر بنبرة حادة صارمة :
- دا آخر كلام عندي يا مصطفى ، ومن النهاردة اعمل حسابك أنك هتتجوز قريب من راما بنت مؤنس صاحبي ، انا كنت كلمته من فترة ووافق ، ولازم تتجوزها بسرعة قبل ما الصحافة تشم خبر بالمصيبة اللي عملتها وتبقى سيرتنا على كل لسان .
كاد أن يرفض مصطفى ولكن سحب شاكر زوجته من ذراعها ودلف بها للخارج لا يريد سماعه فقد حكم وانتهى ، تتبع خروجهم بنظراتٍ غير راضية وهو يستنكر بداخله بُعْده عنها ، ردد في نفسه بقلة حيلة :
- حرام كدة ، انا مش ممكن استحمل تبعد عني...
__________________________________
حملها مازن بين ذراعيه وركض بها للمستوصف الطبي عله يُطبّب جراحها فقد نزفت الكثير ، كانت امكانيات المستوصف ضعيفة لإجراء عملية لها ، بذل عبد الحميد مجهودًا مُضنيًا من أجل حياة ابنته ، شعر بأنه مُكبّل الأيدي فهو السبب وسوف يفقدها بسبب تكبره الوخيم الغير مقبول ، دعا الله في نفسه بأن يُنجيها وسوف يفعل ما تريده ، ارتمى على الأريكة الخشبية بجانب زوجته ليجلس عليها وهو حزين، كانت رئيفة تبكي بحسرةٍ على ابنتها ، وجهت بصرها لزوجها الجالس بجانبها ورمقته بأعينٍ باكية غاضبه ، لامته بقسوة :
- بنتي هتروح بسببك ، كله منك انت ، انا بنتي لو جرالها حاجة عمري ما هسامحك ، خلي تكبُرك ينفعك لما بنتي تموت ، خلي مركزك يرجعها تاني لو يعرف .
صمتت رئيفة لتكمل بكاءها الحارق ونكست رأسها للأسفل لتنتحب بشدة فابنتها بين الحياة والموت ، تنهد عبد الحميد بحزن ولم يستطع الرد عليها فهو مُحقة بكل كلمةٍ تفوهت بها ، تأفف من قلة الإمكانيات في ذلك المكان الدوني الحقير الذي لا يُجدي نفعًا ، تطلع على ساعة يده غالية الثمن ليرى كم مر من الوقت لذهاب ابنه لجلب المتطلبات التي سيحتاجها الأطباء والغير متوفرة هنا ، تنهد عبد الحميد بحزن لينتبه لابنه ومعه ايهاب حاملين لبعض الادوات الطبية ويركضون في الرواق متجهين نحوهم ، نهض عبد الحميد ليقابلهم بتقاسيمٍ متلهفة في حين دنا الإثنان منه ، تحدث عبد الحميد بنبرة قلقة وهو ينظر لهما :
- عملتوا ايه ، جبتوا الحاجات اللي الدكتور قال عليها .
التقط مازن نفسه ورد بنبرة سريعة :
- ايوة يا بابا ، انا بس هدخل أدي الحاجات للدكتور علشان كان طالبها ضروري .
اومأ عبد الحميد برأسه واشار له وهو يقول بموافقة جلية :
- روح يا حبيبي دخلهم .
أخذ مازن ما بيد ايهاب واسرع بالولوج لغرفة ما تؤدي لغرفة العمليات وذلك لإعطاءهم ما طلبوه منه، في حين نظر عبد الحميد لإيهاب بنظراتٍ متأسفة ، حدثه بندم :
- سامحني يا ايهاب يا ابني ، انا متعلمتش من المرة اللي فاتت ، افتكرتها هتنسى وكدة بس انا طلعت اناني ، انا معنديش مانع تتجوزها وتعيشوا في المكان اللي تحبوه .
نظر له ايهاب ليرد بتردد :
- مش وقته يا حاج ، المهم نطمن عليها الأول و...
قطع جملته حين لمح السيدة رئيفة تترنح في جلستها وكادت أن تسقط ، أسرع إليها وكذلك عبد الحميد الذي التفت نحوها حينما ركض ايهاب تجاهها ، دنا ايهاب منها ليرى ما بها ، جلس زوجها بجوارها وخاطبها بنبرة قلقة :
- مالك يا رئيفة حاسة بأيه؟
تطلعت عليه بوهن وردت بلا مبالاة:
- ما فيش يا حاج دا شوية صداع
هتف باستنكار حالتها تلك:
- ازاي انتي شكلك تعبانة ؟
تدخل ايهاب ليقول بجدية :
- أنا هروح أكلم أي حد من الممرضين يجي يشوفها .....
____________________________________
هبط الدرج بعدما اغتسل بسرعة ليتوجه لغرفة الطعام ، ولج أيهم لتتجمد انظار سميرة عليه فكم هو وسيم وهيئته جذابة ، ابتسمت باعجاب وهو يدخل عليهم متعمدًا عدم النظر نحوهم ، تقدم منهم ليجلس بجوار والده الذي يجلس في مقدمة الطاولة ، تحدث بحرج :
- صباح الخير .
رد الجميع عليه بهدوء ، بينما شعر مروان بجو الألفة بوجودهم من حوله كأنه افتقد من زمن هذا الشعور ، اختلس نظرة غير متعمدة للسيدة سميرة كأن عيناه تريد هذا فكم هي محترمة في جلستها واعجب بحرجها من وجودها كونه غريبًا عنها ، ثم اختطف نظرة لتلك الفتاة الهادئة التي تجلس بجانبها واعجب باخلاقها التي ظهرت على ملامحها المؤدبة وهي تتحاشى النظر لما حولها ؛ بعد لحظات ضئيلة ولجت رسيل مرتدية ملابسها المحتشمة فانزعج أيهم لأنها تتعمد ذلك حتى لا يراها ، صر اسنانه وكتم انفعاله والتزم الصبر فسوف يُعيد تعامله القديم معها وألا يلين امامها.
جلست رسيل بجوار عمتها فنظر لها بنظرات قوية منزعجة ، رغم ارتباكها مثّلت القوة ، ردت لتبرر بتردد ما فعلته لمروان الذي لفت انتباهه عدم جلوسها بجانبه :
- أسفة ، أصل عمتي وحشتني قوي وهقعد جمبها .
ابتسم مروان لها ثم نظر لابنه الصامت الذي يدعي عدم ضيقه من فعلتها ، وعن سميرة ربتت على ظهرها بحنان لتنظر لأيهم وتحدثه لأول مرة بنبرة مريحة :
- اوعى يا أيهم تكون زعلان من رسيل علشان قعدت جمبي .
نظر لها أيهم بتردد ورد بنبرة غير مزعوجة ظاهريًا :
- لا ابدًا ، خليها براحتها
ثم نظر لرسيل التي تبتسم له بثقة ، فضّل الصمت وانتوى لها ، كسر ثقتها تلك سميرة حين استأنفت حديثها:
- أهو تخليها الشوية دول
نظر لها بعدم فهم وكذلك رسيل، فوضحت سميرة حين اكملت:
- اصل عمرو كمان شوية هيجي علشان نمشي ، لأنه كلمني امبارح وقالي ان عمك تعبان ولازم ارجع ، خلى بالك من نفسك يا حبيبتي وابقي طمنيني عليكي .
قالت جملتها الأخیرة حین نظرت لرسیل، ازدردت رسيل ريقها وارتبكت من رحيلها ، نظرت لايهم الذي اتسعت ابتسامته الماكرة وهو يتطلع عليها ، زاد توترها وعاودت النظر لعمتها وقالت بحزن :
- يا خسارة يا عمتو ، انا كنت فاكرة هتقعدي معانا كام يوم .
ابتسمت لها سميرة بمحبةٍ وهدئتها :
- ان شاء الله هبقى ارجع تاني علشان اشوفك ، الموضوع مش صعب ، حتى انتوا كمان تبقوا تيجوا .
يستمع مروان لحديثها وقد ارتاح لنبرتها الهادئة الحنونة وهي تتحدث معها كأنها والدتها وابتسم في نفسه حيث لم يتجرأ على التطلع عليها ، انتبه لأيهم الذي تحدث بمكر وهو ينظر لرسيل التي كسا الإرتباك طلعتها وهي تنظر له :
- أكيد هنبقى نيجي ، انتي ناسية سرايتي هناك ، حابب اقضي فيها كام يوم أنا ورسيل .
ثم ابتسم بمكر داخلي ، ليسأله مروان حين تذكر :
- صحيح يا أيهم ، مين البنت اللي قاعدة فوق دي .
التفت له أيهم ونظر له ، وكذلك الجميع الذين نظروا لأيهم فقد لفت انتباههم ما تفوه به مروان ، وعن رسيل كتمت غيظها عن وجود فتاة هنا وهي تنظر له بجمود ، فرد أيهم بتردد ليشرح باختصار:
- دي واحدة اعرفها يا بابا، هبقى احكيلك بعدين على كل حاجة
اومأ مروان رأسه بتفهم ثم نظر أيهم لرسيل ولمح الغِيرة في عينيها ، أجل فهذا ما يريده وابتسم. ولجن الخادمات بالطعام ليقطعوا حديثهم ويباشرون في تناوله.......
___________________________________
افاقت قبله من النوم وقامت باكمال خدعتها له حين جلبت من حقيبة يدها لون طعام أحمر وسكبت القليل منه على الملاءة لتوحي له بأنه لها نتيجة قربه منها ليلة امس.
شعرت سالي بعدما افتعلت ذلك بوخزة في قلبها فقد باتت تجيد الأفكار الشيطانية ، لمعت عيناها بدموعٍ تُهدد بالنزول وهي تتذكر كيف سلبها هذا الحقير شرفها دون دراية منها ، لعنت في نفسها ظروف حياتها وأنها ليست بتلك الوقاحة ولكن ما حدث معها جعلها تحقد على من حولها وأرادتهم مثلها ، فلما هي التي تقاسي بمفردها فقد تخلى عنها من حولها ورأت نظرات التشفي في نظراتهم نحوها ، رددت في نفسها عبارة " الجميع حقراء " لما تبكي الآن ، بالفعل بكت سالي على حياتها وشريط ما حدث تلك الليلة يمر امامها وارتمت على الأريكة تبكي.
تعالى نحيبها ليسمعه اسماعيل ويفيق من نومه ، التفت لها اسماعيل فنظر لها بصدمةٍ حين وجدها كذلك.
تأمل هيئتها وادرك بأن ما حدث ليلة أمسٍ سبب حزنها الآن ، زفر بضيق ولعن نفسه ثم مد يده لجلب ملابسه كي يرتديها.
ارتداها اسماعيل وتوجه ناحيتها ليدنو منها ، جلس بجانبها على الأريكة ، سألها بأسف :
- انتي زعلانة من اللي حصل ؟ ، أنا آسف والله مقصدش يحصل كدة قبل الجواز ، متخافيش احنا هنتجوز .
انتبهت له سالي فقد ظنّ بأنه سبب بكاءها ، شعرت بالأسف هي حياله لتنظر له ولقلقه عليها واهتمامه بأمرها الذي افتقدته ، وجدت سالي نفسها تقترب منه وتضع رأسها على صدره مما جعله يتعجب منها.
وجدت سالي فيه ما لم تجده ممن تعرفهم وأحبت قلقه عليها ، ابتعدت لتتأمل وجهه في جمود، اندهش اسماعيل من نظراتها نحوه فاضحت غير مفهومة بالنسبة له، كاد ان يستفهم منها ولكنها سبقته حين قالت:
- بحبك قوي يا اسماعيل، كل اللي بتحلم بيه هعملهولك.....
__________________________________
صعد ايهم ليطمئن على رانيا ، الأمر الذي ازعج رسيل ولكنها ادّعت عدم الإكتراث ولازمت عمتها وملك فهن سيغادرن بعد لحظاتٍ، جمعت ملك وسميرة متعلقاتهن وهبطن الدرج لانتظار مجيء عمرو الذي سيأتي بعد فترةٍ قليلة ، ودّعتها سميرة واحتضنتها بشدة لتغمرها من حنانها قبل الرحيل ، استكانت رسيل في احضانها لتقول متنهدة بحزن :
- كان نفسي تقعدي شوية كمان يا عمتو .
مسحت سميرة على ظهرها وردت بنبرةٍ هادئة :
- خلاص يا رسيل انتي كبرتي ، وعندك ايهم بيخلي باله منك ، انا مبسوطة قوي أنه بيعاملك كويس مش زي ما انا اتوقعت .
ابتعدت عنها رسيل ونظرت لها بعبوسٍ فهو سيستغل رحيلها في اقترابه منها ، زيفت ابتسامة سعيدة ووجهت بصرها لملك واحتضنتها مودّعة إياها بحرارة ، تذكرت رسيل حديث ماجد بأن تتحدث معها بشأنه لعنت غباءها المستحكم فقد تناست امره بسبب ما حدث بالأمس واليوم ، ابتعدت عنها رسيل لتبتسم ملك لها بهدوء ، بينما حدثتها رسيل بنبرة جادة :
- ملك فيه موضوع عاوزة ابقى أكلمك فيه
نظرت لها ملك باهتمام ولكن تابعت رسيل بمعنى:
- أكيد مش هكلمك فيه وانتي ماشية ، لما ترجعي هتصل بيكي وابقى اقولك موضوع ايه ، خلاص .
ابتسمت لها ملك وردت بابتسامة بشوشة :
- خلاص يا رسيل مستنية تليفونك .
قطع وداعهم هذا عمرو الذي وصل ، انتبهن لحضوره وهو يدخل عليهن بطلعته المألوفة لهن ، تطلعت عليه رسيل بابتسامة عذبة فقد استوحشته بالفعل رغم مضايقاته لها ولكنها تعلم بداخلها طيبة قلبه وكرهه للفتيات فهذه عادته القديمة فهو لم يحبهم قط لماذا؟ لا تعرف السبب ، تدرج عمرو لتقع انظاره على رسيل ويعلو ثغره ابتسامة محببة، دنا منها ووقف امامها لبعض الوقت وحدثها :
- عاملة ايه يا رسيل ؟ ، وحشتيني .
ابتسمت رسيل بشدة ودفعها شعور باحتضانه ، اقتربت منه ليتفاجأ بها تحتضنه فضمها بحنانٍ أخوي وهو يمسح على ظهرها بهدوء ، ردت رسيل بهدوءٍ حزين :
- وحشتيني قوي يا عمرو
ابتسم عمرو لها ورد :
- وانتي كمان وحشتيني .
تابعت سميرة ما يحدث بأعينٍ لامعه بالدموع وهي تتطلع على هذا المشهد بينهم ، وكذلك ملك التي استشعرت مدى طيبة عمرو المكنونة بداخله والتي لم ترها من قبل ؛ كل ذلك امام أعين أيهم التي ملأها الغضب والغِيرة في نفس الوقت ، لا يريد أحد لمسها سواه.
تسارعت انفاسه المنزعجة وهي بين احضانه رغم صلة القرابة بينهم إلا أنه لم ينكر ضيقه مما يراه ؛ ابعدها عمرو عنه بعدما انتبه لأيهم في الأعلى يتطلع عليهم ، شعر بانزعاجه ولهذا ابتعد رغم أنه لم يتعمد ذلك ، ابتسم له عمرو بهدوء مما جعل رسيل تنتبه لوجوده وتدير رأسها لتنظر له، نظر لها الأخير لتشيح هي بوجهها متعمدة عدم مبالاتها بوجوده ، جز على اسنانه فلن يتحمل ما تفعله هذا.
تنهد أيهم وهبط الدرج كي يلقي عليه السلام فهذه أول مرة يأتي هنا خاصةً بعد تحديده لموعد سفره فهو على علم بذلك ..
تقدم أيهم منه وعانقه لبعض الوقت، ابتعدا الإثنان ليقول أيهم:
- شرفتنا يا عمرو ، كان نفسي تقضي معانا كام يوم .
ابتسم عمرو بمغزى وقال :
- انت أكتر واحد عارف أني مشغول .
ابتسم ايهم لأنه تفهم مقصده ، بينما تابع عمرو بجدية :
- يلا احنا بقى هنمشي، انا عندي حاجات متعطلة ولازم اخلصها.
ثم ودّعتهم رسيل بمحبة مرةً أخرى واصبح الوداع حزين ، اصطحبهم أيهم للخارج وتنهدت رسيل بحزن فقد غادروا وتركوها تقتفي أثرهم بشرود.
عادت لوعيها واستغلت انه معهم وقررت الصعود لغرفتها ومن ثمّ غلق الباب عليها ، استدارت رسيل لتهم بصعود الدرج ، ولج أيهم ليلمحها تهرب منه بالتأكيد فأسرع نحوها شبه راكضٍ.
اسرعت هي في صعود الدرج وهو خلفها ، عند نهايته تمكّن من الوصول إليها وامسك ذراعها ليستوقفها، ادارها إليه فنظرت له بتوتر، هتف بانفعالٍ:
- انتي بتعملي معايا كدة ليه، أنا كنت عملت ايه علشان كل ده
حاولت التملص منه ونظرت له بضيق ، ردت بحنقٍ:
- روح عند اللي انت جايبها وسبتني امبارح علشانها .
رد عليها ليوضح سوء فهمها فتفكيرها ضئيل :
- المفروض تسمعيني الأول ، تشوفي ايه اللي حصل وتسأليني
استطرد بغِيرة ظهرت عليه :
- ما انتي كنتي في حضن عمرو ومعملتش حاجة .
ادركت غِيرته ولكنها ردت بنبرة مهتاجة وهي تحاول ابعاده :
- عمرو زي أخويا ، وانا مش عاوزة اسمع حاجة ، ومتفكرش انك ممكن تخليني اجري وراك ، انت لسة متعرفنيش انا مجنونة واعمل اي حاجة .
ابتسم بسخرية وهو يمرر بصره عليها يُقيّمها، قال باستخفافٍ:
- انتي ممكن تعمليلي حاجة ، تحبي اوريكي وشي التاني اللي كنتي بتخافي منه
نظرت له بارتباك فتابع بمكرٍ:
- انا حابب نرجع زي الأول وانتي بتسمعي كلامي .
ضغطت على شفتيها وهي تتذكر تحكُمها فيها وحركت رأسها رافضة ، قالت بعدم رضى:
- مش هيحصل ، مش هخليك تتحكم فيا .
رد بنبرةٍ ارتعدت منها:
- هيحصل يا رسيل ومن دلوقتي .
ثم سحبها لترتطم في صدره بقوةٍ فشهقت هي بصوتٍ عالي ، التصقت به وتسارعت انفاسها وهي تنظر إليه ، استخدمت كل قوتها لتُبعده حين دفعته بكل ما فيها ليبتعد.
كان نتيجة دفعها له هو ارتدادها للخلف بضع خطواتٍ محسوبة، ولحظها السيئ كان الدرج من خلفها لتتعثر قدماها وتسقط من عليه ، انتفض ايهم موضعه وهو يراها تسقط امام انظاره ، في حين كانت تصرخ الأخيرة بعنفٍ وهي تتدحرج على الدرج ، لم تشعر رسيل بشيءٍ يؤلمها سوى قدميها.
هرع أيهم نحوها مرعوبًا عليها ، وهبط الدرج بسرعة جنونية يريد اللحاق بها ، في المنتصف تمكن من امساكها والتقفها ليتشبث بها وهو يردد بخوفٍ جلي:
- رسيل حبيبتي .
تألمت رسيل بصوتٍ عالٍ وهتفت بنبرةٍ عنيفة :
- رجلــي .... رجـلي اتكسرت....