
رواية القيادي الفصل الثامن والاربعون 48 بقلم إلهام رفعت
تقدم بخطواته ليسبقها بفتحه لباب منزلهم، أدخل إيهاب المفتاح في قفل الباب ثم شرع في فتحه وخلفه سيرين الغير مصدقة حتى تلك اللحظة مجيء هذا اليوم، خطا ايهاب بقدمه للداخل واستدار بجسده ناحيتها ليتطلع عليها وهي بالخارج، استغرب قائلاً بترددٍ:
- مستنية أعزم عليكي في بيتك .
تراقص قلب سيرين فرحًا بما تفوه به بأن هذا بيتها، لم تتردد في التدرج للداخل لتخطو بقدمها هي الأخرى مقتربة منه، نظر لها ايهاب بتوترٍ فنظراتها نحوه إلى حد ما جريئة.
ازدرد ريقه وقام بغلق الباب في حين تحركت سيرين نحو الداخل ناظرة حولها بابتسامة حالمة ونظرات ممتنة للرب؛ خلّفها ايهاب وتقدم منها ووقف امامها قائلاً بتوتر:
- أنا هستناكي هنا على ما تلبسي وتاخدي راحتك .
نظرت له بجراءة عكسه تمامًا فالإرتباك يقتله، دنت منه سيرين فازداد توتره وهو ينظر لها بأعينٍ مرتبكة، وضعت سيرين يديها على صدره فتراجع خطوة، رفعت سيرين حاجبيها مُندهشة منه وقالت موضحة بمكرٍ داخلي:
- أنا كنت هقلعك جاكيت البدلة، مش دا من مسؤلياتي ولا أيه
نظر لها بحدقتين مهزوزتين وقال بارتباكٍ جم:
- ادخلي غيري هدومك الأول وبعدين أنا هدخل أغير هدومي.
تحركت نحوه وتجاهلت حديثه كأنها لم تسمعه بالمرة، وقفت أمامه وقالت ضاغطة على شفتيها بدلالٍ زائد:
- لوحدي .
ابتلع ايهاب ريقه بارتباكٍ شديد وهو ينظر لها مندهشًا من جراءتها التي يفتقرها بداخله وأُلجم لسانه حين تجمدت الكلمات في فمه تأبى الخروج واكتفى بالنظر فقط.
لوت سيرين ثغرها بابتسامة خبيثه ونظراتها التي تتطلع عليه تُربكة بشدة فلم يعد قادرًا على كل ذلك منها، طوقت هي عنقه ودنت منه وهي ترفع نفسها لتهمس بالقرب من خده لتلفح أنفاسها بشرتهِ القاسية:
- مش دي بتبقى مهمة العريس ولا أنا غلطانة .
تصبّب ايهاب عرقًا من قربها وأسكرته انفاسها فلم يعتاد على كل ذلك وخاصةً من تلميحاتها الموحية التي جعلته يتخيل ما سيكون بالفعل بينهم؛ وعن سيرين فقد أنتوت بفعل ما هو جريء لتجعله لها. قالت وهي تهم بتركه:
- أنا هروح أغير هدومي.....
___________________________________
لم تستطع النوم لينشغل فكرها في حديثه الأخير معها، جلست رسيل على الفراش وقد سحبت الغطاء عليها لتدثر نفسها جيدًا ناظرة حولها برعب اكتسح تعابيرها فقد تخيلته يخترق الحائط ليأتي إليها، كما تخيلته ايضًا يخرج لها من أسفل التخت فقد أرعبها حقًا، شحب وجهها وظلّت تقصف اظافرها بارتباكٍ ملحوظ لتقتلها لحظات الإنتظار، حاولت أت تزدرد ريقها فقد جف حلقها من كثرة الخوف الطاغي على خلقتها الناعمة.
عبست ملامحها وانتظرت وقتًا لا بأس به ولم يفتعل شيئًا، حاولت التنفُس بهدوء لتفكر بعقلها قليلاً فربما خدعة منه ليُربكها هكذا، ضغطت على شفتيها السفلية لتقتنع بذلك فكيف سيأتي هنا؟، حركت رأسها مقتنعة تمامًا بأنه خدعها اللعين، تنهدت بغيظٍ وقالت بنبرةٍ شبه متماسكة:
- أكيد بيعمل كدة علشان يخوفني، هو يعني هيعرف يوصلي هنا ازاي، وكمان هيعرف اوضتي منين .
تنهدت رسيل لتهدأ نفسها فهذا التفكير الصائب، تأففت بقوة لتتابع بتبرمٍ:
- منك لله عيشتني في لحظات رعب .
ثم اعتدلت لتأخذ قرارها بالنوم أخيرًا فلا داعي لتخشاه فهو لن يستطع الوصول إليها.
أخرجت رسيل أنينًا ناعسًا لتتثائب راغبة في النوم، وضعت رأسها على الوسادة وتدثرت كليًا مغمضة لعينيها لتغفو فقد طلبت الوسن الآن بعدما آرقها ..
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
أرشده قلبه ليدُله على أن هذة غرفتها، أظلم أيهم عينيه وهو يرفع رأسه يتطلع عليها بمكر، وجه بصره للإسطبل من خلفه ليتأكد بأنها تقطن هذة الغرفة لتكون بالتأكيد قريبة من حيواناتها لتستطع الإطلاع عليهم.
مدح أيهم تفكيره بابتسامةٍ جانبية ماكرة، تنهد بعمُق ونظر أمامه محاولاً أكتشاف طريقةٍ ما للصعود إليها، حجظ حدقتيه لتتسع بعدها ابتسامته فقد وجد طريقة ما.
تسلق أيهم تلك الشجرة بخفةٍ كأنه معتادًا على ذلك ليصل لشرفة غرفتها بسهولةٍ كبيرة، قفز أيهم بداخلها وأخرج تنهيدة قوية، ضم شفتيه ليتحرك بحذرٍ شديد كي لا يصدر منه ضجة نحو بابها ليشرع في فتحة.
لحسن حظه وجده غير مؤصدًا من الداخل لتسهل مهمته فقد تناسته رسيل وظنّته مغلقًا، فابتسم أجل فهذا هو المطلوب وحبس أنفاسه كي يدخل عليها.
خطا بقدمه وأغلقه مرةً أخرى خلفه، استدار أيهم ليتحرك نحو الداخل ولكن تفاجأ بخلو الفراش، تصلب موضعه مضطربًا فقد خشي أن تكون الغرفة لعمتها أو غيرها، قطب بين حاجبيه ليقول بحيرةٍ:
- معقول مش اوضتها .
- لأ هي أوضتي .
قالتها رسيل من خلفه ليستدير أيهم على الفور مصدومًا منها حيث لم تغفو رسيل فقد استرابت في الأمر مدركة بأنه لن يتركها، حدق فيها أيهم للحظاتٍ خاطفة ولم تمهله الفرصة لفعل شيءٍ حتى وثبت لتتشبث في عنقه رامية بجسدها عليه ليسقط بها على الأرضية وهي فوقه، هتف أيهم مذهولاً من فعلتها المباغتة:
- يا بنت المجنونة .
ظلّت رسيل فوقه ناظرة لعينيه مباشرةً وقالت بتهديدٍ وهي تلتقط أنفاسها التي تأججت بفضلٍ حركاتها العنيفة:
- أوعى تضربني لهصوت ووديك في داهية وأقول بیعتدي عليا .
فغر أيهم فاهه مدهوشًا مما تفوهت به، قال باستنكارٍ:
- بس أنا جوزك وإنتي من حقي .
قالت بعدم اكتراث غير مهتمة برده:
- وايه يعني .
ظهرت بلاهتها في ردها لتستفزه، على النقيض فقد تجاهلها هو ولبعض الوقت ظلّ أيهم محتفظًا بوضعيته تلك وهي فوقه محدقًا بها بوجومٍ لتزداد ريبتها منه، ازدردت ريقها وسألت بارتباكٍ:
- ساكت ليه؟ .
ثم صمتت منتظرة رده بأعصابٍ مشدودة وهي تتطلع عليه برهبةٍ فقد كانت نظراته الغامضة تُربكها أكثر، جاء صوته الصلب ليقول بنبرةٍ أرعبتها وعينيه تتمرر على وجهها الرقيق:
- بفكر هعمل فيكي أيه .
ابتلعت ريقها بصعوبةٍ خائفة، نظرت له بحزنٍ ملأ عينيها كأنها تتوسله بتركها فكم أذابت ضيقه نظراتها البريئة تلك.
لم ينتوي أيهم تعنيفها بقدر رغبته فيها الآن، ارتجفت شفتيها وهي تسأله بنبرةٍ مذعورة:
- هتضربني؟ .
رفع حاجبه في تعالٍ وكأنه يفكر فيما سيفعله معها، وذلك ما ألبكها، فقالت هي بنبرةٍ راجيةٍ ألانت قلبه بشدة:
- حبني .
نظر لعينيها ليتوه فيهما فأعادت هي كلمتها تلك مرةً أخری بنبرتها الناعمة المتوسلة ونظراتها الساحرة ليصل لقمة تمنيه لها:
- حبني .
ابتسم لها بغموضٍ، بينما حدقت فيه رسيل مشدوهة ونظراتها تهتز بتوتر، أخرج أيهم شريطًا لاصقًا من جيب بنطاله وعض على شفتيه بخبث وهو يرفعه أمامها لتنظر إليه.
لم تعي رسيل ماذا يعني بهذا وشاهدت ما يفعله، حيث قام أيهم بمساعدة يده الأخرى بقطع جزءًا من هذا الشريط وأنصدمت حين وضعه على فمها ليُكممه، جحظت عيناها وهي تحدق به غير متفهمة وبدت عضلات وجهها تتشنج متوجسة من كل هذا ثم أخرجت صوت مکتوم رافضة تکمیمها وتساءلت بعینیها لما کل هذا؟، أجاب على هيئتها الجاهلة تلك حين نظر لها بنظراتٍ مُظلمة وهمس بمكرٍ جعلها تشهق برعبٍ وتخشى ما سيفعله:
-علشان لو فكرتي تصوتي، محدش يسمعك......
__________________________________
منحها من حبه الكثير، وعوضها عما فعله معها، ليوضح لها أنه ليس بندل ليتركهـا، حيث اختلى بها داخل غرفتهم بعدما أخلى والداه المنزل منهما وذهبا لمنزل والداي مهجة ليبقى هو وهي فقط.
جلس إسماعيل بجانبها على الأريكة على جانبه ليتمكن من رؤيتها ليُشبع نظراته المتعطشة لها منذ تركها، ابتسمت مهجة له ولم تخفي بنظراتها نحوه حزنها من تلك الطريقة التي رحل بها، خاصةً زواجه بأخرى ومن ثم ملامسته لها.
كلحت تعابيرها وعقلها يُمثل لها ما يفعله معها، تصلبت فجأةً ليندهش اسماعيل منها متسائلاً:
- مالك يا مهجة، أيه اللي غيرك مرة واحدة كدة؟.
قالها اسماعيل قاطبًا جبينه بعدم فهم، نظرت له مهجة وقالت بهدوءٍ ولكن استياءها مما فعله لمع في عينيها:
- ليه يا اسماعيل؟.
نظر لها بشرودٍ ليتذكر ما حدث بينهم قُبيل رحيله، نعم كان قاسيًا معها حينها ولرقة قلبها وحُبها له سامحته، ولكن ماذا عن زواجه بغيرها وهذا ما ادركه في حديثها لتستفهم منه الآن ما قام به، تنهد اسماعيل بعُمق واعتدل ليجلس على الفراش ليجاوب عليها بنبرةٍ أبانت قلة حيلته:
- مكنش قدامي حل تاني علشان أوصل، أنتي بنفسك عارفة قد إيه أنا تعبت علشان أتجوزك، قد أيه كنت بشوف الذُل علشان أعرف أجيب أصرف على نفسي، مش فاكرة إتجوزتك إزاي، لو مكنش أيهم بيه ساعدني وقتها مكنتش عرفت أتجوزك وكان زمانك عند أهلك ويا عالم لو مكنش ظهر في حياتي كنت هعمل أيه، كان زمانك متجوزة غيري ووقتها مكنتش هعيش لحظة.
صمت ليجذم كلماته المريرة ليلتقط أنفاسه نتيجة إنفعاله، لمع الحزن في عينيه فوضعت كفها الصغير على وجنته تحركها بلطفٍ، نظر لها اسماعيل بهيئةٍ باهتة ، استشعرت ما به وقالت بمعنى محاولة عدم البكاء:
- أنا راضية أعيش معاك في أي مكان وآكل أي حاجة، ليه تعمل فينا كدة وعلشان أيه، أنا مشتكتش منك ومن حياتي معاك، أنا كنت بتمنى بس تكون راضي عني، حبيتك كدة وعايشة معاك على حاجة عارفاها ومش ممكن أفكر أقول زهقت، كنت راضية يا اسماعيل ليه تتجوز عليا، الست بتموت لو جوزها فكر بس في غيرها، إنما يتجوز دي حاجة تانية، ليه بس .
شهقت مهجة لتنساب عبراتها مُجبرة فقد جرحها بمعنى الكلمة، نظر لها إسماعيل بقلبٍ ينفطر، لم يلوم نفسه بقدر ما لام ولعن الفقر الذي نشأ فيه ليجعله يمقت حياته، مد كفيه محاوطًا وجهها ليجعلها تنظر إليه، بأعينٍ باكية ما زالت عبراتها تنهمر منهما تطلعت عليه مهجة، قال اسماعيل بنبرةٍ مريرة:
- إنتي تستحملي بس أنا لأ، إنتي مكنتيش بتشوفي اللي كنت بشوفه، مكنتيش بتسمعي الكلام والإهانة اللي كنت بسمعها، أنا راجل ومش قادر أعمل لنفسي حاجة، كان لازم أستغل أي فرصة تجيلي وأحقق اللي بتمناه، هي اللي لقيتها قدامي ومدتلي إيديها علشان تساعدني، مقدرتش أرفض وأقول لأ، هي مش وحشة يا مهجة دي ساعدتني وبتتمنى بس أكون راضي عنها، بتعمل كل اللي يريحني، هي أعلى مني بس بتسمع كلامي، هي ...
صرخت مهجة وأزاحت يديه من عليها فحدق فيها اسماعيل بذهولٍ، أحدت إليه النظر بشراسةٍ لتهتف بنبرةٍ مهتاجة حيث لم تتحمل حديثه عنها:
- كفاية بقى، هي هي، قرفتني، حرام عليك حس بيا شوية، أنا ست وجوزي سابني وراح لواحدة غيري علشان محتاج، فيه كتير ممكن يساعدك يا اسماعيل، كان ممكن تطلب من البيه اللي جوزنا شغل ومكنش هيرفض، إنما إنت جريت وراها علشان أناني مش مكفياك أنا.
رفض اسماعيل حديثها هذا ونفى قطعيًا:
- لا يا مهجة إنتي فاهمة غلط، هي محتاجاني جمبها وحبتني بجد، مقدرتش أرفض فرصة قدامي، سامحيني يا مهجة وافهميني كويس .
لم يؤثر حديثه هذا عليها وتجاهلته بالكامل، كل هذا لم يشفع له عندها لترى من أحبته في أحضان أخرى، وجدت أنه لابد من إخباره عما في أحشاءها ويربطهما سويًا، أرادت قرارًا الآن لتحدد طريقها فلن تظل هكذا بقيّة حياتها، تجمدت أنظارها عليه وقالت بنبرةٍ ثابتة جدية:
- أنا حامل يا اسماعيل .
ثم حملقت في تعابيره لترى ردة فعله، لبعض الوقت لم يستوعب إسماعيل ما تفوهت به ليسألها كأنه لم يستمع جيدًا:
- إنتي قولتي أيه؟ .
- أنا حامل يا اسماعيل .
قالتها بجمودٍ غير مترددة للحظةٍ في معرفته بذلك فقد أخذت قرارها بأن تعرف ما سيزمع له، هل سيتركها أم سيتخلى عن الأخيرة، بينما شرد اسماعيل لتخونه عيناه لينظر لبطنها بعدم استيعابٍ، تأججت الفرحة بداخله لتنفرج شفتيه بابتسامة بينت فرحته بهذا الخبر، حملق في وجهها وقال بنبرة فرحة رغم رزانتها:
- بجد حامل يا مهجة.
حركت رأسها مؤكدة، قال بنبرة حالمة:
- دا أحسن خبر سمعته في حياتي كلها .
زيفت ابتسامة بسيطة وسألت كابتة لكل ضيقها:
- هتعمل أيه يا اسماعيل بعد ما عرفت؟.
حدق فيها بعدم فهمٍ، سألها باقتضابٍ :
- قصدك أيه يا مهجة؟
لوت شفتيها بابتسامة ساخرة، ردت بحنقٍ:
- أيوة عايزة أعرف هتعمل أيه، أنت مفكر هسمحلك تبعد وتسيبني علشان تفضل معاها، تبقى بتحلم لو أتخيلت كدة، أنت تقول دلوقتي هتعمل أيه .
تتحدث مهجة ونظراته مُحتدة عليه ليطغى عليها الغضب.
فكر اسماعيل في حديثها فكيف له أن يترك الأخرى؟، لا لن يفعل لا يعرف لما لا يريد تركها ولكن قلبه يمنعه من إتخاذ تلك الخطوة، نظر لها اسماعيل فقد فكر قبل ذلك في خطوته القادمة بشأنها، قال بنبرةٍ ذات معنى:
- إنتي هترجعي معايا، فيه شقة بأسمي هتقعدي فيها، وأنا هجيلك هناك، وكل اللي انتي عاوزاه هيكون عندك .
فتحت شفتيها لتعترض فلن تسمح ببقاءه مع هذه المرأة، منعها اسماعيل وأكمل بصلابةٍ حين تفهم عليها:
- مش هينفع أسيبها، إنتي مراتي ولازم تسمعي كلامي، هتيجي تعيشي معايا ومش هسمحلك تفضلي هنا، أنا بحبك وانتي عارفة دا كويس، فالأحسن إنك تيجي معايا، وياريت محدش غيرنا يكون عارف ده لإن لو حد عرف مش هيحصل كويس.
نظرت له مهجة بحزن فهي زوجته وستظل علاقته بها سرّية، خشي معرفة الأخرى بها ولم يهتم حتى بما تشعر به، هي زوجته الأولى فكيف تحجر قلبه لينطق بتلك الكلمات، لثواني من النظرات بينهم إنصدم الإثنان بصوت إمرأة تهتف من الخارج منادية عليه، حيث نادته سالي بصوتها الراقي:
- أسماعيل، أسماعيل افتح الباب .
قالتها سالي وهي تطرق الباب برقة، علم اسماعيل على الفور بهويتها وحدق في مهجة المتعجبة وقطبت جبينها، قال اسماعيل باضطرابٍ:
- دي سالي، أيه اللي جابها هنا دي؟
امتعضت مهجة من خوفه منها وإخفائه عودته لها فقد جاءت فرصتها لتخرج ما في جُعبتها من استياءٍ، هدرت بانفعالٍ:
- مالك خوفت كدة ليه، أنت خايف تشوفك معايا، المفروض إني مراتك الأولى، إزاي تخاف على احساسها وأنا لأ .
وضع يده على شفتيها لتصمت، همس بتنبيهٍ شدیدٍ:
- وطي صوتك يا مهجة، سالي مش لازم تعرف اللي بينا، إنتي مراتي وحبيبتي وعرفت أو لأ أنا بحبك ومش عايز أخسرك .
احتدت نظراتها عليه وصرت اسنانها قائلة بغيظٍ:
- أيوة طبعًا، ما هي دي اللي خلاتك تطلقني وتجري وراها .
تأفف بنفاذ صبر ونهض من مكانه، نظر لها وهمس محذرًا بسبابته:
- أنا هاخدها وهمشي، أوعي تخرجي من هنا على ما نمشي، وأعملي حسابك إني هرجع تاني لوحدي علشان هترجعي معايا.
نظرت له مهجة عابسة غير راضية لقراره هذا، القى اسماعيل عليها نظرة ذات معنى قبل أن يغادر الغرفة.
دلف للخارج وسط نظراتها الحانقة والتي تجهمت قسمات وجهها وتوجه ليفتح للأخرى.
هتفت سالي مرةً أخرى وهي تطرق الباب:
- إسماعيل إفتح البا.....
جذمت جملتها بعدما فتح الباب لينظر لها راسمًا الثبات بإتقان، لم يعطيها الفرصة لتتحدث وقال وهو يدلف للخارج ويوصد الباب خلفه:
- يلا يا سالي أنا اطمّنت عليهم وخلّصت.
ثم سحبها فورًا من يدها لتتعجب، قالت متذمرة وهي تحاول سحب يدها مستنكرة ذهابها هكذا:
- استنى يا اسماعيل، أنا كنت عاوزة اشوف أهلك .
رد باقتضابٍ وهو ما زال يسحبها متجهًا للسراية:
- مرة تانية يا سالي أنا تعبان وعاوز أنام .
أندهشت سالي منه وتوجست أيضًا فقد احتارت في أمره ولما يرفض أن تتعرف هي على أهله ويسحبها هكذا ولم ترتضي بذلك.
ضمت شفتيها ونظرت له بعدم إقتناعٍ لمنعها من دخول منزله وتنهدت كاتمة ضيقها فقد شكت فيه، في حين سَعِد اسماعيل بانتهاءِ مهمته التي جاء من أجلها وهي قدوم زوجته لتضحى بالقرب منه لتقطُن تلك الشّقة التي جلبتها له سالي، ابتسم بشدة ولم يُخفي فرحته حين علم بأنها تحمل في أحشائها طفله. حمد الله وتمنى الأفضل لهما لتدوم علاقته بها، أنتبه لسالي فهي رقيقة يحثه قلبه على عدم تركها وإنصاع له فلن يتركهن وسيظل معهن وهذا ليس بأنانيةٍ، هو فقط يحب كلتيهما ويرى النقاء فيهما.......
___________________________________
في الصّبــــاحِ.......
تلوت بجسدها الذي يحاوطه بين ذراعيه وقابضًا عليه بقوةٍ، شعرت رسيل بآلامٍ في عظامها نتيجة ما فعله معها ليلة أمسِ، أنّت رسيل بألمٍ وهي تفتح عينيها لتفيق من نومها شاعرة بخمولٍ شديد.
زمت شفتيها وقطبت قسماتها وهي تتذكر ما فعلهُ معها، نفخت بقوةٍ ورفعت بصرها لتتمكن من رؤيته فقد أحتدّت نظراتها المُنزعجة عليه، كانت رسيل بين أحضانه واضعة رأسها على صدره ومحاوطًا إیاها بذراعيه بقوةٍ غير سامحًا لها بالبُعد إنشًا واحدًا، لم تجد رسيل أمامها غير مناداته ليتركها فعظامها تؤلمها، نادته رسيل كابحة ضيقها:
- أيهم .
ثم حدقت به بتأففٍ داخلي لتراه بعد لحظاتٍ يخرج أنينًا خفيضًا يوحي بإفاقته فتنهدت بتأملٍ، أفاق أيهم من نومته وهو يفتح عينيه ويغلقها عدة مراتٍ ليستطع الرؤية، بعد لحظاتٍ وجه بصره نحو وجهها المتذمر وتجاهله حين قال مبتسمًا:
- صباح الخير يا حبيبتي .
تنهدت كاتمة غيظها حين ضغطت على شفتيها بقوة وهي تركز أنظارها التي إشتعل فيها الغضب عليه، باستفزازٍ كبيرٍ سألها أيهم:
- أيه يا حبيبتي فيه حاجة مزعلاكي؟ .
جحظت عيناها وهي ترمقه باغتياظٍ، هدرت باهتياجٍ وهي تحاول الإفلات من قبضته التي تعتصرها لتلتصق بضلوعهِ:
- إبعد عني وسبني، بقى مش عارف عملت معايا أيه امبارح .
تأفف أيهم ولم يكترث بما فعله، قال بالا مبالاةٍ مستفزة:
- عملت أيه يعني، إنتي مش قولتي حبني
ثم ابتسم بمكرٍ أثار حنقها، في حين شهقت رسيل بحنقٍ تملك منها وحدقت فيه بنظراتٍ فتاكة، كزت على اسنانها قائلة من بينهما:
- أبعد عني، أبعد عني أنا مش قادرة أتحرك جسمي بيوجعني
تذكر أيهم عنفه معها وأعدل عن عدم إكتراثه ليُهدئها، تنهد بتفهم وادارها لتتسطح على الفراش بجانبه فأخرجت أنينًا متألمًا، مال بصدرهِ عليها وابتسم لها، همس بمحبةٍ ظهرت مع نظراته نحوها:
- لسه مسامحتنيش، أنا اتأسفت إمبارح كتير قوي .
طبع قبلة على خدها وابتعد ليقوم باعتذارٍ هادئ:
- بحبك ومش قصدي أزعلك، كل مرة بقرب منك بحس إني مش عاوز أبعد عنك، إنتي جننتيني يا رسيل .
بحب صادق قال هذة الكلمات، كان بالفعل لها أثرًا عليها حيث ابتسمت رسيل لتسعد بحديثه هذا، تناست أوجاعها وتطلعت عليه بنظراتٍ ملأها الحب، قال بمغزى:
- بس أيه رأيك، الليلة كانت حلوة، خصوصًا إنها في أوضتك .
ابتسمت رسيل وفتحت عينيها لتتذكر أنها بداخل غرفتها الآن ومستلقية على فراشها وهو معها، نظرت له قائلة بدلالٍ ناعم:
- بحبك، بس متعملش كده تاني .
اماء رأسه بحركةٍ خفيفة وقال بوعدٍ:
- مش هعمل كدة تاني لو دا هيزعلك مني .
ابتسمت رسيل برقةٍ،ثم رن هاتفه بداخل بنطاله، ابتعد أيهم وتأفف قائلاً بانزعاج:
- مين الغبي اللي بيكلمني على الصبح ده؟ .
اعتدل هو على مضضٍ وسحب بنطاله الملقي على طرف الفراش وأخرج هاتفه، زم أيهم ثغره عندما وجده محاميه، تنهد ليجيب بعملية:
- خير يا استاذ مدحت .
أتاه صوته بالخبر الصاعق ليشهق أيهم بصدمة جعلت رسيل تعتدل هي الأخرى، هتف أيهم بنبرةٍ منفعلة:
- حصل إمتى الكلام ده وإزاي؟ .
انفجر رأس أيهم مما يسمعه منه وتوغل بيده في شعره ليضغط على رأسه بقوة، اضطربت رسيل ونظرت له بقلقٍ كبير خاصةً بعدما تبدلت ملامحه للحزن الممزوج الضيق.
أنهى أيهم حديثه وأغلق الهاتف ونهض على الفور يرتدي بنطاله، فسألته بتوجسٍ ونظرات مضطربة:
- أيهم حصل أيه طمني؟ .
نظر لها لبعض الوقت غير قادرًا على نطق ما ألقاه الأخير على مسامعه فهو إلى الآن غير مستوعبًا تلك الورطة التي وُضِع فيها ، رد بحزنٍ وهو يكمل إرتداء بنطاله:
- المصنع اللي ببنيه وقع على العمال، وبيقول فيه مات منهم
شهقت رسيل بصدمة وسألت على الفور بقلقٍ جم:
- أيهم وإنت هيحصلك حاجة؟ ، إنت ملكش دعوة .
تنهد بضيق وتوجه لسحب قميصه، رد بحيرةٍ وقسماتٍ حزينة:
- مش عارف يا رسيل، بس دي مصيبة ومش عارف هعمل أيه .
قال جملته وتحرك تجاه الباب وهي يرتدي قميصه، ادار رأسه لها وأمرها بجدية:
- يلا جهزي نفسك علشان مسافرين دلوقتي .
دلف أيهم للخارج غير منتبهًا بأنه في فيلتها، كما أنه لم يغلق أزرار قميصه وسار هكذا شاردًا فيما سيحدث له بسبب تلك المعضلة التي وقع فيها.
رأته سميرة وهي تتهيأ لهبوط الدرج يسير بالرواق فحدقت فيه بتعجب وتوقفت موضعها، انتبهت لقميصه المفتوح ونكست رأسها بحرجٍ، اضطرب أيهم حين رآها لينتبه أنه هنا، قال بنبرةٍ متلعثمة:
- صباح.الخير
قالت سميرة منكسة رأسها بحرجٍ:
- صباح النور.
لم يستوعب أيهم ردة فعلها حين رأته إلا أن إنتبه لقميصه المفتوح، تنحنح بحرجٍ وقال وهو يغلق أزراره بحركةٍ مرتبكة:
- أنا آسف قوي.
ظلّت سميرة خافضة رأسها ولم يجد أيهم ما يقوله فتنهد بضيق فهو ليس بوضعٍ جيد لقول شيءٍ آخر، قال وهو يهم بهبوط الدرج:
- عن إذنك.
ثم هبط الدرج بسرعةٍ كبيرة متجهًا لسرايته وهو يتأفف بقوة یرید رٶیة والده، رفعت سميرة رأسها بحذرٍ بعدما تأكدت من خروجه وابتسمت.
وجهت بصرها لغرفة رسيل وأخذت قرارها بالذهاب إليها وشرح كيف جاء إلى هنا.
فتحت سميرة الباب وولجت متحمسة، انتبهت لها رسيل ازدردت ريقها وهي تنظر لها بارتباكٍ، ابتسمت سميرة وسألتها بحرج:
- هو أيهم كان نايم هنا يا رسيل .
نهضت رسيل فقد قلقت على زوجها وما سيحدث له، قالت باقتضابٍ وهي تتوجه لجمع ملابسها:
- أيوة يا عمتي .
سألت سميرة بحرجٍ شديد وهي تتقدم منها مبتسمة:
- قد كدة بيحبك ومش قادر تبعدي عنه؟ .
ابتسمت رسيل رغمًا عنها، قالت وهي تسحب ثياب الخروج من الخزانة:
- أيوة بيحبني قوي .
ابتسمت سميرة وتنهدت براحة، جلبت رسيل ثيابها واستدارت نحوها قائلة بضيقٍ:
- أنا لازم أجهز يا عمتي علشان هنرجع القاهرة كمان شوية، أيهم زمانه مستنيني دلوقتي ومش لازم اتأخر .
هتفت سميرة بنبرةٍ مزعوجة لتعترض:
- لا يا رسيل خليكي شوية لسة مشبعتش منك يا حبيبتي .
ردت رسيل متنهدة بضيقٍ مع تعابيرها العابسة:
- للأسف يا عمتو مش هينفع خالص، أيهم حصلت معاه مصيبة كبيرة في الشغل ولازم أكون جمبه دلوقتي .
شهقت سميرة وتساءلت بصدمةٍ ممتزجة بالقلق:
- مصيبة إيه دي يا رسيل؟.....
_________________________________
في إحدى الشاليهات الخاصة المُطلة على البحر بمدينة شرم الشيخ نهض مصطفى من نومه ولم يجدها بجانبه وقطب بين حاجبيه مستغربًا حیث أخذها لیقضي یومین هنا بعیدًا عن الجمیع.
تمطى بذراعيه وهو يتثاءب، لبعض الوقت القليل نهض من على الفراش ليبحث عنها؛ لاحظ باب الشالية مفتوحًا، فطن أنها بالخارج وابتسم ذاهبًا إليها.
دلف مصطفى للخارج لتلامس نسمات الهواء الباردة جسده، تحرك بضع خطواتٍ للأمام داعسًا على الرمال حافٍ غير مرتدي لنعله.
وجدها متسطحة بالقرب من الشاطئ وابتسم، تقدم منها مصطفى منه ليتأملها بحب؛ دنا منها لتنتبه له رانيا وابتسمت برقةٍ، تسطح مصطفى بجانبها وأسند رأسه على ساعديه ليتمكن من التطلع عليها، نامت رانيا على جانبها لتصبح في مقابيله، مرر يده بلطفٍ على وجهها وقال مبتسمًا بعذوبة:
- صاحية بدري كدة ليه؟ .
ابتسمت قائلة وهي تمسك يده التي تتمرر عليها وتقبّلها:
- أنا لما ببقى مبسوطة مش بيجيلي نوم .
قبل يدها هو الآخر وقال بنبرةٍ هادئة:
- وأنا هخليكي على طول مبسوطة كدة .
ابتسمت قائلة بتمني:
- يا رب يا مصطفى نفضل على طول كدة، أنا خلاص مبقتش قادرة على أي وجع، نفسي نكون مع بعض بعيد عن أي حاجة وحشة تبعدنا، نكون أنا وإنت وبس لإني مش عاوزة حاجة تانية في حياتي غير كدة .
دنا منها ودفن وجهها في عنقه ليضمها قائلاً بتأملٍ:
- إن شاء الله يا حبيبتي، شوية وقت وهتلاقيني معاكي إنتي وبس، كل اللي عايزك تعرفيه دلوقتي إني بحبك وعمري ما هتخلى عنك مهما حصل .
اغمضت رانيا عينيها شاعرة بلذةِ الحب وبالأمان وهي بين يديه، تنهدت قائلة بولهٍ:
- بحبك قوي يا مصطفى ومش بقدر أبعد عنك .
ابتسم مصطفى قائلاً بجدية:
- مش أكثر مني، أنا بحس إني بموت بعيد عنك .
أبتعدت معترضة بتصنعٍ:
- لأ أنا أكتر .
إعترض هو الآخر بعنادٍ مصطنع:
- لا يا رانيا أنا أكتر .
صرت اسنانها باغتياظٍ زائف وإحتجت:
- بقولك أنا أكتر يبقى أنا أكتر، سامع ولا لأ .
انحنى بصدره عليها بحركةٍ مباغتة فشهقت، حدق في عينيها ليعاند بشدة فقد أخذ الأمر بجدية:
- بقولك مش هتقدري توصلي لربع حبي ليكي .
كان صدق حديثه هذا يملأ الفرحة بداخلها، وجدت رانيا نفسها تبتسم له، ابتسم مصطفى لها هو الآخر فقالت هي بمعنى:
- المهم إني بحبك قوي ومقدرش استغنى عنك .
ابتسم قائلاً بحبٍ صادق:
- بحبك وهفضل أحبك إنتي يا رانيا ..
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
وقفت في شرفة إحدى الشاليهات التي تبعُد إلى حد ما منهما مسافة شبه بعیدة تحدق فيهما بحقدٍ بعدما راقبته لتأتي هي الأخرى خلفه، إنتوت راما بداخلها بأن القادم سيكون لها وما هي سوى فترةٍ بسيطة سينعما خلالها لأن ما ستفعله فيهما سيرسم منحنى جديد في طريق الشر، بابتسامةٍ شيطانية ارتسمت على زاوية فمها، قالت راما بوعيدٍ متحجر:
- مش بعد ما راهنت أصحابي عليك ترميني علشان خاطر الزبالة دي، أنا هعرف إزاي أبعدك عنها وتبقى ليا أنا لوحدي .
ثم تنهدت بضيق مكتوم، تقدم من خلفها الرجل الذي أصطحبته معها وقال:
- بتكلمي نفسك ولا أيه ؟.
لوت ثغرها بابتسامة ساخرة وردت وهي تؤشر بوجهها ناحيتهم:
- أصحابك عايشين حياتهم ولا في دماغهم حد .
مط شفتيه بعدم إكتراثٍ وقال متأففًا:
- مش عارف شاغلة بالك بيه ليه، هو عايزها ما تسيبيهم .
استدارت راما له وحدجته بامتعاض، تنهد لیقول بتبرمٍ:
- خلينا نعيش إحنا كمان زيهم .
هتفت معنفة إياه بعدما أخرجت ضحکةً صغیرة ساخرة:
- أوعى تكون نسيت أنا جيباك ليه، حد قالك إني جيباك علشان بموت فيك وهنكمل سوا .
زفر بقوة منزعجًا، هتف مستاءً من معاملتها له:
- راما إحنا كنا أصحاب في الجامعة ولحد دلوقتي، مافيش مرة طلبتي مني حاجة ومنفذتهاش، ليه بعد كل ده تسيبيني أنا اللي بحبك وتروحي تجري ورا واحد بيحب واحدة تانية .
قالت باقتضابٍ ونظراتٍ مستفزة:
- بحبه .
كبت ضيقه وقال بعبوسٍ جلي:
- أنا عاوز أمشي يا راما، ماليش في اللعبة اللي هدخليني فيها دي، شوفي غيري .
ثم استدار ليتركها، أسرعت بالوقوف أمامه وقالت بانفعال:
- إسمه أيه الكلام ده، مش بعد ما خليتك تشتغل في الشركة معاها علشان تبقى قريب منها تيجي تبعد، أنا خلاص مبقاش غير الخطوة بتاعتي علشان أخلص منها وتبتدي مهمتك .
تأفف مؤيد ليقول بنبرةٍ موجوعة:
- وأخرة دا كله أيه، هتخليه يبقى قريب منك بس قلبه مع غيرك، هتبعديهم عن بعض وكدة هترتاحي، إنما أنا مفكرتيش فيا .
تأففت راما في نفسها منه وزيفت ابتسامة حيث قررت كسب محبته كما تفعل وذلك لتنفيذ مهمتها، دنت منه وطوقت عنقه قائلة بنبرةٍ دمثة:
- يعني مستخسر في حبيبة عمرك تعيش مرتاحة .
تنهد بهدوء رغم ضيقه وقال بألمٍ:
- بحبك يا راما وبتمناكي من زمان، ليه مش حاسة بيا، صدقيني الراحة بجد هتلاقيها معايا أنا .
أخفت راما امتعاضها من حديثه الأهوج برسمها لتلك الابتسامة المزيفة، قالت بمعنى:
- خلاص لو بتحبني أعمل اللي هقولك عليه، أنا عارفة إنه مش بيحبني بس عاوزة أنتقم منه لإنه فضلها عليا .
تنهد مؤيد بضيق فتدللت راما عليه اكثر وقالت بوعدٍ زائف:
- اوعدك بعد ما أنتقم منهم هكون ليك إنت وبس .
ابتسم مؤيد وقال بتلهفٍ:
- صحيح يا راما ؟.
زيفت ابتسامة وأكدت بمُخادعة:
- أكيد يا مؤيد، بس تعمل كل اللي هطلبه منك .....
____________________________________
هبط مروان الدرج إثر صوته العالي والمنفعل الذي يصدح في أنحاء السراية، استغرب مروان ودنا من ابنه المُهتاج ويبدو أنه بوضعٍ سيئ للغاية، سأله بقلقٍ :
- أيهم بتزعق كدة ليه، فهمني اللي حصل؟.
ترك أيهم حديثه المُنفعل مع ماجد واستدار لأبيه يطلب نجدته فقد وقع في كارثةٍ حتمية، رد باستياءٍ ممزوج بالخوف:
- بابا ألحقني، أنا خلاص هروح في داهية .
كان أيهم مضطربًا بالمعنى الصحيح وهو يتحدث مع والده، فكرة موت أحدهم بسببه تقتله، هدر مروان مستفهمًا بقلقٍ بائن:
- أيهم قول على طول في أيه يا حبيبي مضايقك كدة؟.
تنفس أيهم بهدوء ورد بقلة حيلة:
- المصنع بعد ما اتبني الدور الأول وقع على العمال، وفيه مات بسبب الحادثة دي، المحامي بيقولي المونة مكنتش كويسة، وأكيد بسبب كدة موقفي مش كويس لإني بستخدم مونة مضروبة واتسببت في موت حد .
حرك مروان رأسه بتفهم، قطبت تعابيره وتنهد ليفكر بعقلانية، ترقب ايهم ردة فعل والده بتلهفٍ، نظر له مروان وقال بتروي:
- أهدى بس إنت يا حبيبي وسيبلي الموضوع ده، أنا هتصرف وهعمل كل حاجة علشان إنت مش قاصد ده، أنا هكلم المحامي وهنتصرف سوا وأكيد فيه حل إنت ملكش دعوة.
فرك أيهم جبهته بأطراف أصابعه ليُسيطر على حدة ذلك الصداع، فقد وضع في موقف لا يُحسد عليه، انضم ماجد وقال مضطرًا لشرح الأمر رغم إنه سيزيد الوضع سوءً:
- للأسف يا عمي كلمنا المحامي وقال موقف أيهم صعب لإنه المسئول عن المصنع ولازم بسرعة يرجع علشان ميقولوش بيهرب من اللي حصل .
تعجب مروان وتنهد قائلاً بتفهمٍ وهو ينظر لابنه الشاجن:
- ايهم أهدى متعملش في نفسك كدة، أنا معاك ومش هخلي حاجة وحشة تحصلك، ومش هسكت غير لما أعرف دا حصل إزاي
صمت ليتابع بتذكر:
- وإزاي المونة بايظة، مواد البناء إنت مش بتاخدها من عندي .
رد أيهم بابتسامةٍ متهكمة:
- ما هو ده اللي مجنني يا بابا، إزاي دا حصل مش فاهم أنا .
حرك مروان رأسه متفهمًا وقال بتعقلٍ:
- المهم دلوقتي نرجع بسرعة علشان نشوف اللي حصل ونعرف نتصرف، أي دقيقة تعدي وإحنا بعيد غلط .
زم ايهم شفتيه فهذا ما سيفعله الآن وهو المغادرة، أخرج هاتفه من جيب بنطاله وهم بالإتصال بها، جاء صوتها على الفور فهتف بعصبيةٍ مفرطة:
- مش قولت تحصليني علشان ماشين، عاوزاني أجيبك من شعرك دلوقتي .
شهق مروان وقال بلومٍ:
- ايهم هدي نفسك رسيل ملهاش ذنب علشان تتعصب عليها كدة.
تجاهل ايهم حديث والده وكاد أن يُحدثها مرةً أخرى ولكنها ولجت السراية مهرولة فهي تعلم ضيقه الآن، انتبه أيهم لولوجها فتحرك سريعًا نحوها.
بدون كلمةٍ واحدة سحبها من يدها بعنفٍ خلفه ودلف للخارج، تتبعتهم نظرات ماجد ومروان الواجمة فهم مدركين وضعه الآن، قال مروان بمعنى:
- روح يا ماجد قول لكل اللي في السراية إننا ماشين دلوقتي..
في الخارج استقل أيهم سيارته وهي جالسة بجانبه ناظرة إليه بتوتر، قام بتشغيل سيارته للإنطلاق بها وهو يزفر بقوة، وضعت رسيل يدها على كتفه قائلة لتُهدأه:
- اهدى يا أيهم إن شاء الله خير .
نفض يدها فانصدمت وانکمشت في نفسها، هدر بعصبيةٍ:
- اتأخرتي ليه، مش عارفة إني قولتلك تعالي ورايا، ليه مش بتسمعي كلامي .
ازدردت رسيل ريقها بتوترٍ فهي لم تتأخر ليُعنفها هكذا، ادركت حالته وقالت معتذرة:
- أسفة يا حبيبي، أنا لبست وجيت على طول، كنت بجري كمان رغم إن جسمي لسة بيوجعني .
تأفف أيهم ونظر أمامه فقد اضمرت تلك المصيبة على سعادته التي كان يشعر بها معها، بحذرٍ شديد سألت رسيل:
- مين هيعمل كده يا أيهم؟، أكيد حد بيكرهك .
انتبه أيهم لحديثها وشرد فيه، ادار رأسه ناحيتها ونظر لها لتحثه بوجهها بأن حديثها الصواب، رسمه عقله أمامه ليصور له بأنه الفاعل، هداه أيضًا بأنه هو من فعلها فليست بالمرةِ الأولى ليحقد عليه ويُوقعه في مشاكلٍ جمة، صر ايهم اسنانه وعاود النظر أمامه وهو یشدد في نطق اسمه بصوتٍ هامسٍ مغتاظ:
- رغيـــد...