رواية القيادي الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم إلهام رفعت


رواية القيادي الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم إلهام رفعت



بعد مرور أيام قليلة....

اضطرت للعودة للفيلا الخاصة بها بعدما سافرت صديقتها إلى قريتهم ، لم ترضخ خلود لإلحاحها المستمر للذهاب معها حتى لا تمنحه الفرصة للتطاول معها مرة أخرى وتحتفظ بقيمتها العالية وأنها ليست سهلة ليفرض سيطرته عليها خاصةً غزله الجريئ فيها ؛ لم تنكر خلود سعادتها وقتها بلفت انتباهه نحوها واعجابها بها ، وما خشيت منه ظنه السوء في شخصها عندما تُسايره فيما يفعله فسيتيقن حينها مدى رخصها ويتمادى معها أكثر ويصل الأمر بينهما حتمًا للأسوأ وهذا ما لا ترضاه خاصةً بعدما شعرت بشيء ما تجاهه ولا تريد خسارته. 

تنهدت بعمق لتتفاجأ بأخيها يحملق فيها ويعلو ثغره ابتسامة تعشقها ، اتسعت ابتسامتها لتنهض راكضة نحوه ، ضمها ماجد لاحضانه وهو يردد بنبرة محببة :

- وحشتيني يا قمر ، عاملة ايه يا حبيبتي .

تنهدت بهدوء شاعرة بالأمان ، ردت بحب :

- احسن يا ابية لما شوفتك ، متغبش عني كتير كدة علشان بتوحشتي قوي .

ربت على ظهرها وهو يضمها إليه بحنان اخوي ، أعلن بمعنى :

- خلاص مش هسيبك تاني ، ايهم هيتجوز وهيرجع القاهرة .

ابتعدت لتنظر إليه باستغراب ، تسائلت بفضول :

- أيهم هيتجوز ، هيتجوز سالي ؟ .

رد بتردد نافيًا :

- لأ ، دا هيتجوز واحدة في القرية اللي انتي شوفتيها .

حدقت به مستنكرة زواج أيهم من فتاة قروية بمستوى يتناقض مع فكره ، بينما استأنف ماجد حديثه بهمة متجاهلاً استغرابها :

- يلا علشان تجهزي نفسك لأن جوازه منها بكرة .

هتفت خلود بتعجب ملحوظ :

- بالسرعة دي ! .

رد بتردد ليمر الحديث بعدم اكتراث زائف :

- هما بيحبوا بعض ، احنا مالنا احنا .

تساءلت بجدية ذات معنى :

- واحنا هنرجع القرية، قصدي هيعمل فرحه فين يعني؟.

رد بتوضيح :

- لا هو هيتجوزها هنا في القاهرة ، دا مصدق أنه خرج من البلد دي .

بدت التساؤلات الكثيرة في عين خلود ، سألته بجهل :

- يعني ايه مصدق يخرج منها ، هو انتوا اصلا روحتوا هناك ليه لما هو مش طايق يعيش هناك ، انا لحد دلوقتي معرفش السبب

ابتلع ماجد ريقه وارتبك وخشي كشف مخططه فأيهم لن يمر الأمر فلم يعرف به أحد من قبل ، نظرت له خلود منتظرة الإجابة ، بينما رد ماجد لتغيير الموضوع :

- قولتلك ملناش دعوة يا خلود ، جهزي نفسك للفرح وخلاص...

_________________________________ 


احتضن والده بحرارة وكذلك الآخر الذي اشتاق إليه فهو ابنه الوحيد ولكن تصرفاته الغير مسؤولة عادةً ما تزعجه ويقابلها هو بالصمت لا يريد تعكير صفو حياته ونمطها ، ابتعد ايهم عنه ليحدثه بابتسامة جذابة :

- وحشتيني قوي يا بابا .

ابتسم له مروان بلطف ورد بعتاب ليبين حزنه مما فعله :

- كدة يا أيهم تبقى في مصر وتغيب دا كله ومشوفكش .

رد بتردد وهو يوضح له :

- سامحني يا بابا ، كان عندي شغل مهم وخلصته خلاص .

استنكر مروان ارتباط اعماله بمكان كهذا ، استفهم بعدم فهم:

- شغل ايه يا ايهم اللي يخليك تروح مكان زي ده ؟! .

تنحنح أيهم ليرد بحذر :

- شغل بخصوص المصنع بتاعي ، والحمد لله خلص .

حدق فيه مروان بعدم اقتناع ، فارتبك ايهم من الداخل وقرر اخباره بما انتوى له هناك ، حدثه بتوتر :

- وأنا جوازي بكرة من البنت اللي قولت لحضرتك عليها .

تجمدت انظار مروان الغير مفهومة عليه ، ادرك أيهم في نفسه ضيقه من قراراته التي يتخذها دون الرجوع إليه ، قال بمعنى:

- ساكت ليه يا بابا ، مش هتقولي مبروك ؟ .

ثم ابتسم له برقة ، تنهد مروان بقلة حيلة ثم سخر مما يفعله :

- اللي تشوفه يا أيهم ، انت من امتى بتاخد رأيي في حاجة ، بتيجي تبلغني زي الغريب .

نفى ايهم ما تفوه به ورد بنبرة ودودة وهو يبرر موقفه :

- انت كل حاجة يا بابا ، انا بس مشغول بالمشروع بتاعي زي ما حضرتك عارف ، ولازم اعمل اي حاجة علشان ابتدي فيه...

_________________________________


هاتفها عدة مرات ولم تجب عليه ، تعجب مصطفى من امرها خاصةً بعد انتهاء تلك الزيجة الوخيمة وادرك رجوعها إليه بعدها ، ولكن ماحدث انها صدته وما حدث بينهم لم يكن يومًا ..

وقف مصطفى امام شركة صديقه بعدما علم برجوعها للعمل ، ظل مرابطًا امامها ومنتظرًا لخروجها فليس لديه طريقة أخرى ليلتقي بها ويتحدث معها حول حياتهم سويًا سوا ذلك الحل ؛ دلفت رانيا من بوابة الشركة لتجد سيارته التي تعرفها جيدًا واقفة بالخارج ، لم تتفاجأ كثيرًا فايقنت حضوره خاصةً بعد تلك الأتصالات المتكررة منه والتي تقابلها بالرفض ، نظرت للسيارة بنظرات ماكرة فها قد سنحت لها الفرصة لتلعب معه فهي تعلم مدى اشتياقه لها وجمدت مشاعرها ناحيته ليشعر بقيمتها ويعدل عن ذلك الزواج المستهجن الذي يهدر الحقوق ويضحى منبوذ من الجميع ..

ترجل مصطفى من السيارة حين وجدها تخرج من البوابة ، هرع نحوها متلهفًا عليها ، بينما رسمت هي الجمود والصلابة الزائفة على تعابيرها ولم تبدي ردة فعل ، وقف قبالتها وكاد ان يلتصق بها ، تطلع عليها بنظرات حب ولم يلبث حتي ضمها لأحضانه دافنًا وجهه في عنقها ليستنشق رائحتها التي اشتاق إليها ، لاحظ مصطفى مقابلتها الجامدة واستنكر معاملتها هذه ، ابتعد عنها قليلاً لينظر لها بعدم فهم ، سألها بتوجس :

- رانيا انتي مش مبسوطة أنك شوفتيني ؟.

نظرت له بعدم اكتراث اتقنته ، ثم ابعدته عنها ليستغرب هو من معاملتها الجديدة معه ، استطرد باستياء :

- ردي عليا ، موحشتكيش أنا ، ايه اللي جرالك؟ .

زفرت بتأفف وردت عليه بضجر مصطنع :

- جاي هنا ورايا عاوز ايه ؟ .

حدق فيها باندهاش وهو يردد :

- يعني ايه عاوز ايه ! .

ردت بحدة جافة :

- ايوة ، يعني جاي عاوز ايه مني ؟ .

لم يتوقع مصطفى تلك المعاملة الصادرة منها ، تجهمت ملامحه وهو يحدق فيها بنظرات منزعجة قابلتها هي بلامبالاة ، امسكها من ذراعها بقوة وقربها منه ليهتف بغضب :

- انتي عارفة أنا عاوز اية ، جاي علشان عاوزك انتي ، فمتلعبيش معايا علشان هتخسري .

رغم صلابتها المرسومة عليها إلا أنها توجست منه ، حاولت رسم الثبات وردت بمفهوم :

- قولتلك عاوزني يبقي نتجوز .

هنا ضحك مصطفى بسخرية ازعجتها ، رد باستهزاء :

- واللي حصل بينا ، كان وقتها فيه جواز .

حدقته فيه بجمود من الخارج وثورة غضب من الداخل تنهش احاسيسها ، بينما استطرد هو باستنكار معاملتها تلك :

- دا حتى المفروض بعد اللي حصل ده انتي اللي تجري ورايا مش أنا.

لم تجد رانيا امامها سوى استفزازه لوقاحته معها ، ردت بمكر:

- عندك حق ، المفروض دلوقتي بقيت سهلة ورخيصة ، واللي بعمله معاك عادي لما اعمله مع غيرك .

في تلك الحظة اشتغل الغضب بداخله ليهوى بصفعة عنيفة على وجهها جعلتها تصرخ بألم واحدثت علامات على خدها ، لم يرمش له جفن وهو يحدجها بنظراته الغاضبة ، امتلأت عينى رانيا بالدموع المهددة بالنزول ، وجهت بصرها تجاهه ورمقته بنظرات شرسة ، هتفت بوعيد :

- هتدفع تمن القلم دا غالي قوي يا مصطفى .....

__________________________________


جالسة في غرفتها على الأريكة وواضعة كلتا يديها اسفل ذقنها مستندة عليهم ، تطلعت رسيل عليهم بشرود وهم يضبون اغراضها في تلك الحقائب فغدًا زواجها وستذهب معه تاركة ذلك المكان ، انتفض قلبها بدقة متمردة تعبر عن رهبتها من الزواج كأي فتاة مقبلة عليه ، زاغت عيناها وخشيت ملامسته لها ، تلك اللمسة التي اججت بداخلها مشاعر مخزونة خرجت له فقط ، ما يهدأ من روعها بعض الشيء التحاقها بجامعتها لتضحى قريبة منها وتتعايش معها كبقية الطلاب فهي فترة في الحياة ولن تعود مرة أخرى ، وتلك الحياة المنعمة التي ستحظى بها ورؤيتها لأناس مختلفين عما تراهم حولها ، انتبهت لملك التي وضعت يدها على كتفها لتُخرجها من شرودها ، ابتسمت لها ملك بود وحدثتها باستفهام :

- ساكتة كدة ليه ؟ ، مش هتيجي تشوفي الحاجات اللي هتاخديها معاكي .

ارتجفت رسيل من ذكرها الإبتعاد عن هنا ، توجست في نفسها وردت بحزن طفيف :

- خلاص يا ملك ، مش انتوا جهزتوا كل حاجة ، مفرقتش .

هتفت ملك باستنكار :

- برضه يا رسيل ، لازم تتأكدي بنفسك بأن ما فيش حاجة ناقصة او نسياها .

تنهدت رسيل بعمق ، ردت بتوتر ملحوظ :

- أنا خايفة قوي من الجواز ، وأني هبقى معاه لوحدي .

ضحكت ملك بخفوت وجلست بجانبها ، ردت بتفهم :

- عادي يا رسيل ، هي بس بتبقى اول مرة خايفة ، بس بعد كدة خلاص بتتعودي عليه وعلى حياتك الجديدة ، نظرت لها رسيل وهي تنصت لها باهتمام ، فوضحت ملك لتهدأتها :

- عندك أهالينا يا رسيل ، عايشين وما فيش اي حاجة ، لأن هي دي الحياة .

زمت شفتيها ومازال العبوس طاغي على هيئتها ، تقدمت سميرة منهم حين انتهت وتطلعت عليها بنظرات حنونة وهي تدنو منهم ، التفتت لها رسيل لتنظر لها بملامح حزينة متوجسة ، احست سميرة بها وردت بجهل وهي تنظر لها :

- انا مش هديكي نصايح زي اي ام ، انا قولتلك قبل كدة اني متجوزتش ، بس فيه حاجات الواحد بيعرفها لوحده وهي انك تهتمي ببيتك وحياتك ، علشان تعيشي مبسوطة يا حبيبتي .

وزعت رسيل أنظارها عليهم فاحاديثهم لم تجدي شيئًا ومازالت رهبتها من الموضوع موجودة فيها ، نظرت امامها وحاولت بث الهدوء في نفسها فهي ليست اول من ستتزوج واقنعت نفسها بأنها سنة الحياة ، انتبهت رسيل لهم وهو يتبادلون النظرات الغامضة لبعضهن ، رمقتهم بعدم فهم ولكن عمتها قالت بمكر واعين مظلمة البكتها :

- قومي بقى يا عروسة علشان نحميكي......

_________________________________


تطلع على تلك الورقة الصغيرة التي اعطتها له بنظرات حالمة ستخرجه حتمًا من ذلك البؤس المستوطن فيه ، استند اسماعيل على الاريكة في ردهة منزله جامح التفكير في حياته الواهنة واستنكر معيشته فطالما حلم بحياة رغيدة تسلبه من ذلك المرار الطابق على صدره والمهدر لكرامته، حيث رسم امامه طريقه الذي سيخوض فيه بداياته في التحليق عاليًا ، لم يتوقع ان هذه المرأة التي تناشب معها في رؤيته الأولى لها ستكون عارضًا في حياته لتغدو متربعة على عرش افكاره، وجه بصره لزوجته التي تختلس له النظرات تريد معرفة ما يدور في رأسه ، تأمل هيئتها فطالما حلم بامتلاكها فقد تناسى امرها في بحر افكاره .

تأمل وجهها وابتسامتها المعهودة ، وطالعها بشبح ابتسامة غير معلوم نواياها ، تطلعت عليه بعدم فهم وثاورتها الشكوك من تغيره المباغت معها وعدم شوقه الذي يغرقها فيه كما يفعل وفطنت أن هناك امرًا ما يشغل تفكيره ، زاد فضولها لتستفهم:

- ايه اللي مغيرك كدة يا اسماعيل ؟ ، مبقتش زي الأول معايا .

دنت منه لتتابع بدلال وهي تتحسس صدره بحركة مغرية:

- موحشتكش ولا أيه ؟ .

ابتسم لها بهدوء ومسح على كف يدها الموضوع على صدره ، ثم رفعه ليضعه على فمه وقبله برقة ، بدت نظراتها عليه قلقة من حالته هذه ، اجابها بتردد :

- وحشتيني ، بس اليومين دول مضايق شوية .

ادركت مهجة أنه بسبب عمله عند احدهم ويلقى الإهانة ليكبت حزنه في نفسه ، واسته مهجة بابتسامة حزينة :

- متزعلش يا اسماعيل ، بكرة حياتنا هتبقى حلوة بس انت اصبر.

رسم ابتسامة صغيرة فلابد من السعي وراء الفرصة المتاحة لنيل مبتغاه تاركًا حياة البؤس والشقاء خلفة ومبادرة فتح الابواب المغلقة امامه سائحًا في العالم الحاكم ، ادار اسماعيل رأسه نحوها وحدثها بنبرة حالمة ذات عزيمة غريبة :

- أن شاء الله كل ده هيتغير وقريب قوي......

_______________________________


اغتسل ثم ارتدى ملابسه وتوجه بعدها ليستلقي على الفراش ويريح نفسه من عناء السفر ومن انهاء مهمته ، لا إراديًا ارتسم طيفها امامه دون عمد ليتخيل وجودها معه الذي شارف على القروب وحياتهم سويًا كيف ستكون ، اقنع نفسه بحياة عادية واحتار هل ستدوم ام ستنتهي بمجرد اخذ ما يسعى اليه منها ؛ لم ينكر أيهم تأثيرها عليه وتعوده لرؤيتها في الأيام الماضية ، خالجه شعور دنيء متأجج لمدى استغلاله لها كما يفعل أقرب الناس إليها ، شعر بغتةً بتعاطفه على حياتها والتأني لتفعيل حياته معها دون خداع ، ابتسم عفويًا لقربه منها الذي لم تتحمله ومدى سذاجتها في تحكم البعض فيها دون قوة رادعة منها لهم ؛ شعر بالتوجس من اصرار ابن عمها السفر بعد اتمام زواجهم وادرك فعله لشىء ما لا يعرفه حتى الآن ولم يستنبطه بعد .

دفعته رغبة لمهاتفتها ولمعرفته ما حدث بعد مغادرته ..

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

فرت من أمامهم مختبئة خلف تلك المنضدة مما يفعلانه معها ، صرخت رسيل لتعنفهم :

- لو قربتولي مش هتعرفوا هيحصلكم ايه ، انا بقولكم أهو .

اقتربت منها عمتها قليلاً وردت بجدية زائفة :

- خلاص تعالي مش هنعملك حاجة .

حدقت فيها رسيل بعدم اقتناع بعض الشيء، ردت بتمني:

- بجد يا عمتو .

ردت سميرة بمكر داخلي :

- بجد يا عيون عمتو ، اطلعي بقى .

نهضت من خلف المنضدة بحذر لتتقدم منهم ، ولكنها تفاجأت بمن يتشبث بها ، فصرخت :

- حرام عليكم مش عايزة حد يحميني ، انا هستحمي لوحدي .

تدخلت ملك لتهتف بنفاذ صبر من تصرفاته الصبيانية موضحة :

- يا بنتي دي عادات وتقاليد ، ولا عايزانا نجيب الست اللي بيجيبوها دي ، احنا احسن من الغريب .

وجدت رسيل أن لا جدوى معهم ونظرت لهن بتوتر شديد ، كادت ان تطيعهم على غير رضى ولكن انقذها رنين هاتفها من براثنهن ، لتهتف بشغف وهي تلتقطه من على المنضدة :

- تليفوني بيرن ، يلا امشوا اطلعوا برة علشان ارد .

تأففت سميرة لتسألها بضيق :

- ودا مين دا اللي بيتصل بيكي ؟ .

رفعت رسيل الهاتف في وجه عمتها ، ردت بحماس :

- ايهم ، يلا بقى اطلعوا برة علشان اكلمه .

خطفت سميرة نظرة مظلمة لملك ، عاودت النظر لها لتقول بمكر شديد:

- عاوزة تكلميه وملهوفة، وعاملة نفسك مكسوفة منه

انتبهت رسيل لها ثم اظلمت عينيها نحوها مدركة التمادي معها في الحديث لينتهي اتصاله بها ويكملن ما يفعلنه معها ، فانتفضت لتُجيب عليه وفتحت الهاتف ، مما اجبر سميرة وملك على المغادرة وفشل مهمتهم معها ، اعتلى وجهها ابتسامة انتصار لتُجيب عليه بخجل :

- أيوة يا ايهم ، عامل أيه؟.....

__________________________________


دس تلك الأوراق الخاصة بسفره للخارج في تلك الحقيبة الصغيرة نسبيًا ثم وضعها في خزنة الأشياء المهمة واحكم غلقها ، توجه عمرو لشرفة غرفته ونظر امامه بنظرات تائهة حالمة ، تنفس بهدوء فقد حدد موعد سفره بعد زواجهم ، تأهب نفسيًا بإلقاء شعلة الإيقاع بينهم ، فما سيفعله من اجلها فقط ، لم يتمنى لها التعاسة رغم تفضيلها عليه ، وجد عمرو أن من واجبه نحوها كونه ابن عمها ان يُعلمها بخدعته لها وعليها الإختيار قبيل الزواج منه وحثها على الحذر فهو يفطن قلة خبرتها ومدى رعونتها في التعامل مع أناس الخداع اساس حياتهم ، لتخطو بنفسها حياة زلال دون اغواء منه او تكدير كونه اقنعها بانتشالها من حياتها المستهجنة التي سببها هو ووالده لتبغض حياتها وتركض خلف من يسعى لخداعها ..

غاص عمرو في شروده ولم ينتبه لوالده الذي دخل عليه ووقف خلفه يحملق فيه بتعجب من ذلك التغيير الذي طرأ عليه ، للحظات وقفها فريد خلفه متحيرًا من أمره ، كسر الصمت وتنحنح بخشونة لينتبه له ، استدار عمرو على الفور له ونظر له بتساؤل ، في حين استفهم فريد بنبرة معاتبة :

- ايه يا عمرو ، مبقتش تقعد معايا ولا حتي بنتكلم سوا زي الأول ، ممكن اعرف ايه مغيرك بالشكل ده ؟ .

ارتبك عمرو ولكنه سرعان ما زيف ابتسامة ، رد بتردد :

- ما فيش يا بابا ، انا بس مش فاضي اليومين دول ، عندي شوية شغل كدة .

حدق به ورد وهو يستنكر حديثه :

- شغل ايه ده اللي بتعمله وأنا معرفش عنه أي حاجة .

ابتلع عمرو ريقة ليرد مختلقًا ردًا صائبًا :

- كنت مشغول مع ماجد شوية علشان نجهز لفرح رسيل.

مط فريد شفتيه باقتناع طفيف ولكنه ادرك بحسه الابوي وجود ما هو مضمر بداخله ولا يريد الإفصاح عنه ، سأله بمغزى :

- بس كدة ، ما فيش حاجة تانية ؟ .

نفى سريعًا بتوتر داخلي حتى لا يثير ريبته :

- ما فيش يا بابا ، هيكون فيه ايه يعني .

ثم نظر له عمرو بابتسامة مزيفة ، تماشى فريد مع رغبته في عدم اخباره ، قال بقلة حيلة :

- طيب يلا علشان نتفق مع المأذون.....

_________________________________


استحوذ عليها الخجل من غزله الصريح لها ، وضعت رسيل يدها على قلبها لتهدئه من تلك الضربات المتتالية التي تكاد تسمعها ، اغمضت عينيها للحظات فيكاد يغشى عليها ، ادرك أيهم حالتها رغم عدم رؤيته لها وقرر التمادي معها في غزله أكثر ، هتف بمكر:

- نفسي بكرة يجي بقى ،انا بصراحة عاوزك ومش قادر استنى.

اقشعر جسدها وانتفض ، ارتعشت شفتيها كأنها تستشعر برودة تسري بجسدها ، ردت بنبرة مهزوزة غير متحملة لسماع المزيد:

- كفاية ، اسكت .

لم يستطع ايهم الصمود حتي انفجر ضاحكًا وهو يتخيل هيئتها الآن ، انزعجت رسيل منه واستطردت بضيق :

- ممكن اعرف ايه اللي بيضحكك ؟ .

رد محاولاً السيطرة على ضحكاته :

- انا بس قولتلك كلمتين كان هيغمى عليكي .

صرت اسنانها لترد بغيظ شديد :

- ومين قالك أنه هيغمى عليا ، لتكون شايفني وأنا مش عارفة .

رد بمكر متعمدًا استفزازها وارباكها :

- يعني مش فاكرة لما قربت منك حصلك أيه! 

فغرت فاهها لتخرج شهقة خفيفة خجلة وهي تتذكر ما حدث ، ولكنها اغتاظت من تماديه الزائد ، عنفته بانفعال مهزوز :

- انا منستش اللي عملته معايا ، واحسنلك تخليك مؤدب.

اتسعت ابتسامتة الماكرة ليرد باستفزاز اكبر :

- حاضر يا حبيبتي هبقى مؤدب ، بس لغاية بكرة .

تلعثمت رسيل في الرد وبدت نبرتها مرتبكة غير مجمعة كلمة مفهومة ولم تجد أمامها مخرج غير اغلاق هاتفها قبل ان تفقد توازنها ويسخر منها ، عضت على شفتيها السفلية لتقول بتوتر شديد:

- قليل الأدب ، أنا خايفة منك قوي..

بدت ضحكات أيهم تملأ الغرفة على خجلها الذي لم يتعود من اي فتاة قابلها ، توقف عن ضحكة ليقول بمغزى وهو يلتقط نفسه :

- هتتعبني قوي ، بس النوع اللي يعجبني....

_________________________________


ارتمت سيرين في احضان والدتها ويبدو عليها السعادة ، ضمتها الأخيرة وهي متعجبة من امرها وهيئتها ورجوعها مرة اخرى ، وعن اخيها مازن وجه بصره خلفها علها جاءت معها ، لوى شفتيه منزعجًا لعدم حضورها وادرك أنه السبب في ذلك ولعن وقاحته المتعجرفة معها ..

ابتعدت سيرين عنها لتهمس في اذنها بفرحة كتمتها :

- ايهاب قالي عاوز يتجوزني يا ماما .

انفرجت شفتا رئيفة فرحة بذلك الخبر ، هتفت بشغف :

- صحيح يا سيرين ، هو قالك كدة بنفسه .

اومأت برأسها عدة مرات مؤكدة ، ردت بسعادة هائمة :

- هو بنفسه يا ماما اللي قالي انه عايز يتجوزني .

اتسعت ابتسامتها وسحبتها إلي احضانها مرة أخرى ، مسحت على ظهرها بحنان لتقول بامتنان :

- الحمد لله يا سيرين ، انتي بتحبيه وبقى من نصيبك .

قفزت سيرين بين احضانها معبرة عن سعادتها ، تعجب مازن من فرحتها المبالغ فيها ، استفهم قاطبًا جبينه :

- مالك فرحانة كدة ليه ، مش تفرحينا معاكي ؟ .

انتبهت سيرين لنفسها وكذلك والدتها ، ابتعدن عن بعضهن لتتنحنح سيرين وترد بتردد :

- مافيش يا ابيه ، بلاش افرح يعني .

حدق فيها باستغراب ثم لوى ثغره للجانب بلامبالاة ولكنه فضوله جعله يستفهم عنها ، سألها مازن بحذر :

- يعني جيتي لوحدك ، على اساس مش عايزة تسيبي صاحبتك علشان لوحدها ، نظرت له سيرين مرتبكة على الرغم أنه يقصد السؤال عنها، فتدخلت رئيفة معاتبة إياه:

- ايه يا مازن ، نازل في البت اسئلة كدة ليه ، انت مش مبسوط انك شوفتها .

امتعض مازن من الداخل ولم يبين وذلك لعدم ردها عليه ، ابتسم بتصنع لهما ليرد بفرحة زائفة :

- عادي يا ماما ، دا أنا اسعد واحد انها جت....

_________________________________


جالسة على الفراش تبكي في صمت لما فعله معها ، مسحت بكفي يديها تلك العبرات المنهمرة وتحسست لا إراديًا موضع صفعته ، اغمضت رانيا عينيها مستشعرة مدى رخصها التي دفعت نفسها نحوه، وتلك الاشواق المتعطشة لقربه منها أيقظ فيها مشاعر غائرة في احاسيسها كأنثي خضعت لرغبتها عندما اذهب عقلها وسيطر قلبها وبعث له بتلك الأشواق لتبادله ما يتمنى ، تحسرت على حالتها بعدما اضحت لعبة بيده بإسلابه لكرامتها وأعز ما لديها ، سلطت بصرها على هاتفها الملقي امامها على الفراش ، حيث لم يتراخى الأخير في اتصالاته المتكررة بها والتي تعمدت تجاهلها ، وفي لحظة انتبهت حواسها لرسالة ما مبعوثة لها فاستوقفت عنادها واجبرتها على التطلع عليها وقراءة ما دون فيها ؛ ابتسمت بسخرية فلم تتعجب كثيرًا مما سينتويه معها ، بعثت له بأخرى تعبر فيها عن رفضها القاطع لما يطلبه منها وأنها لن تكرر فعلتها ؛ صدمت رانيا بعدها حين بعث لها بأخرى وتطلعت أمامها بأعين زائغة مستنكرة مجيئه هنا ، نهضت رانيا من على الفراش واغذت في السير متجهة لشرفة غرفتها ، أسندت كفيها على ذلك الحاجز ناظرة للأسفل وصدمت حين رأته وخشيت افتضاح امرها بمجرد وجوده ....

__________________________________


عجلت في خطواتها متلهفة للحديث معه فقد اطلقت العنان لمشاعرها لتستفيض على هيئتها عندما فتح لها ابواب العشق لتغزو فيها ، وقف ايهاب على الناحية الأخرى وبدأ في الإقتراب منها هو الآخر ، ابتسم لرؤية السعادة تملأ وجهها لمعرفته أنه السبب فيها ودفعته قدماه للتمادي في خطواته نحوها ، بات الإثنان على خط عشق يلتقي فيه الحبيبان ، وقفوا قبالة بعضهما وتبادلا النظرات بينهما لتحمل نظراتها العشق والحب ويبادلها هو بنظرات راضية مغتبطة لرسم السعادة على وجهها ، همت سيرين بالحديث وهي تردد بنبرة هائمة :

- وحشتني يا ايهاب ، انا لحد دلوقتي مش مصدقة انك كلمتني.

ثم ابتسمت بخجل لتتابع بعدم تصديق :

- وأنك طلبت تتجوزني .

ابتسم لها بعذوبة وهو يرد :

- لأ صدقي يا سيرين .

نظرت له بمعنى غير مدركة مبادلته لحبها له وذلك التغير المفاجئ الذي طرأ عليه والذي لم يعلن عنه من قبل لها ، تفهم ايهاب نظراتها واستأنف حديثه بتوضيح كي لا يؤرق تفكيرها :

- متستغربيش يا سيرين ، أنا اللي بس كنت أعمى عن حبك ليا ، ولما قعدت مع نفسي أفكر حسيت قد ايه كنت غبي اني مفكرتش فيكي قبل كدة .

كادت أن تنزل دموعها من شدة فرحتها ، لمعت عيناها وتعجب ايهاب منها وهو يقول :

- ايه ده ، انتي هتعيطي ولا ايه! .

رمشت بعينيها ونفت محركة رأسها للجانبين :

- انا بس فرحانة قوي ، انت متعرفش بحبك قد ايه .

رد بنبرة لطفة:

- وانا كمان بحبك......

________________________________ 


تجمعن الثلاثة حول مائدة الطعام وشرعن في تناوله ، شعرت ملك بالحرج لاصرار رسيل وعمتها تناول الطعام معهم ، خاصةً في وجود تلك المرأة الغريبة وسطهم ويبدو من هيئتها التعالي كأنها من عالم آخر ، جلست سالي بينهم حاقدة على ما يحدث حولها فتلك القروية ستحظى بحياة لم تتخيلها قط غير وجودها معه واختلائه بها في مكان واحد ، طنت ان ابن عمها هذا سيساعدها في افساد زواجهم ولكنه هو الآخر تجاهلها وقلت رؤيته لها مُدعي انشغاله في موضوع ما ، كل ذلك جعلها تمكث معهم لحين زواجها علها تجد فرصة تُذهب بها تلك العلاقة ، جاء في شرودها ذلك الرجل الذي أتي إليها على حين غرة ومدى لهفته في مساعدتها له ، اقنعت نفسها أنها ربما تستغله لصالحها وتستفاد منه فيما بعد. 

انتبهت سالي لتلك المرأة التي تنظر إليها وعلى الفور زيفت ابتسامة ، قالت سميرة بود :

- أنتي شرفتينا يا انسة سالي وميرسي على الهدية الحلوة اللي اديتيها لرسيل ، فعلا كلك ذوق .

ابتسمت لها رسيل بلطف ، بينما ردت سالي بحرج مصطنع :

- على ايه يا طنط ، هيجي ايه جمب اهتمامكم بيا في وسطكم .

قطع حديثهم الخادمة التي تدنو منهم حاملة بيدها علبة من الكرتون كبيرة ، حدثت ربة عملها بمعنى :

- واحد جاب الصندوق ده وبيقول أيهم بيه بعته للست رسيل .

اتسعت ابتسامة رسيل بفرحة ، بينما رمقت سالي العلبة بنظرات متألمة وهي تسأل نفسها ماذا جلب لها في تلك العلبة المزخرفة والمنمقة. 

نهضت رسيل لتتطلع عليها بانبهار ، وكذلك ملك وسميرة ، تلهفت رسيل لمعرفة ما بها ، فشرعت سميرة بفتحها ، اعتلت الصدمة الممزوجة بالإعجاب وجوههم حيث يوجد بداخلها ثوب زفافها الابيض ، سعدت رسيل بشدة كونه يهتم بأمرها وجلبه لثوب غالي الثمن مثله ويليق بها ، تلاشت فرحتها ليحل محلها الخجل والإغتياظ عندما رفعت سميرة شيئًا آخر أثار ريبتها كأنه يتعمد ذلك ؛ وضعت ملك يدها على فمها لتكتم ضحكتها بينما رفعته سميرة عاليًا لتحدق فيه سالي بحقد ، فأنه ثوب نوم أحمر ، نظرت له رسيل بأعين مهزوزة وازدردت ريقها وارتبكت مما يفعله معها .....

__________________________________


أشار بيده للعمال بوضع الأثاث الجديد والحديث في غرفة صديقه ، حيث أصر أيهم على تخصيصها له ولزوجته ، بدأ العمال في تنظيم الغرفة بعناية ، بينما استدار ماجد ليحدق به بعدم فهم لرؤيته يضحك في صمت وغير مُتمالك لنفسه ، استنكر ماجد فرحته الزائدة ، حيث ارسلت له رسيل رسالة تعنفه فيها على وقاحته مما جعله يضحك عليها ، بينما استفهم ماجد بفضول وهو يدنو منه :

- معقول انت فرحان علشان هتتجوز ؟!.

توقف أيهم عن الضحك لينظر له بعبوس ، رد بضيق :

- مش المفروض تكون مع العمال دلوقتي علشان يخلصوا بسرعة.

رد بعدم اكتراث زائف يريد التحدث معه :

- شوية ويخلصوا .

ثم سأله بفضول شديد :

- هو انت وهي هتبقوا في أوضة واحدة ؟.

نظر أيهم له واستنكر:

- اومال عايزها تنام فين ؟! .

رد ماجد بنبرة ساخرة اغضبت ايهم :

- اللي يشوفك كدة ميخطرش على باله سبب جوازك منها.

رمقه ايهم بنظرات غاضبة جعلت ماجد يندم على ما تفوه به ، دنا منه أيهم وهدد بشدة :

- مش عايز اسمعك بتقول الكلام ده تاني ، انا هتجوزها ، يعني هتبقي مراتي ، وعلاقتي بيها تخصني انا وهي وبس .

ابتلع ماجد ريقه وهو يرى الغضب في عينيه ، بينما أكمل أيهم بنبرة غاضبة:

- الكلام ده تقفله خالص ، لو حد عرف بيه مش هخليك في المستوى اللي انت عايش فيه ده ، وانت عارف كويس انا أقدر أعمل معاك أيه!!..



           الفصل الرابع والعشرون ج1 من هنا 

          لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة