رواية القيادي الفصل الرابع والخمسون 54 بقلم إلهام رفعت


رواية القيادي الفصل الرابع والخمسون 54 بقلم إلهام رفعت


عاد من الخارج مرهقًا ثم توجه لغرفة نومه وهو يزفر بفتورٍ ليكتسي الإجهاد خلقته بالكامل، شلح ماجد سترته وألقاها بإهمالٍ وتحرك بعدها ناحية التخت ليُريح جسده واستلقى على ظهره ناظرًا للأعلى. 

لبعض الوقت مر وهو هكذا حتى اتسعت مقلتيه فجأةً ليتذكر وجودها معه في مكانٍ واحد وانفرجت شفتاه بابتسامةٍ بلهاء، أعتدل جالسًا على طرف الفراش وهو يحدق أمامه لينشغل تفكيره فيما تفعله الآن وكيف هي حالتها فمنذ جاءت معه لم تسنح له فرصة طيبة لرؤيتها والحديث معها بلطفٍ فدائمًا ما تنهره ببرودها هذا بسبب ذلك الشرط الأرعن الذي إتخذه في لحظةٍ هوجاء منه، كان عقله الأحمق متوقفًا حينها وزفر بضيق، نهض ماجد من جلسته غير المُجدية وتحرك للخارج تواقًا لرؤية ما تفعله والتطلع لهيئتها الحسنة. 

بخطواتٍ متعجلة سار ماجد في الرواق المؤدي لغرفتها وأعينهُ لامعةؒ ببريق اللهفةِ فقد ملّ من وضعه البائس هذا؛ بحذرٍ جم فتح الباب ومد رأسه للداخل قليلاً وهو يجوب بأنظاره الغرفة، لم يجدها فخطا بقدمه للداخل وهو ما زال يتطلع حوله، قطب بين حاجبيه متحيرًا من عدم وجودها، لم تثابر حيرته طويلاً حتى انسل لداخل اذنيه صوت المياه في المرحاض. 

اتسعت ابتسامته بعدما تيقّن أنها تتحمم وأغذّ في السير تجاه المرحاض وهو يتشوق لرؤيتها، بدون سابق إنظار فتح الباب وولج وعينيه الوقحة تريد اشباع غرائزها وكذلك هو. 

تصلّب ماجد موضعه فجأةً حين وقعت عيناه على ذلك المنظر المؤسف والمحزن لقلبه الذي انفطر وعينيه التي طاشت فيما تراه وحدق فيها مذهولاً، كانت ملك جالسة القرفصاء بداخل المغطس وتحاول إحكام صمام صنبور المياه الخاص بالإستحمام وفشلت لتملأ المياه المغطس وأرضية المرحاض وكذلك ملابسها. 

انتبهت لولوجه واضطربت حين خشيت أن يزجرها لفعلتها الشنعاء من وجهة نظرها، قالت ملك بنبرةٍ متزعزعة وهي تنظر له بأعينٍ مهزوزة:

- أنا مش قاصدة ابوظُه، دا أنا قولت أشغله قبل ما أستحمى باظ مني لوحده ومفهمتش بيشتغل إزاي ولا حتى عارفة أقفله

تبدلت تعابير ماجد لخيبة أملٍ فيما فقد كان يهتاف لرؤيتها وخيبت ظنّه، أراد أن يحظى بفرصة جديدة ربما تأخذ منحنى آخر في علاقتهم وضاعت بفضل حماقاتها، ردد في نفسه بغيظ:

- طول عمري فقر، كنت مفكر هشوف حاجات ومحتاجات

ثم زم شفتيه للجانب وتنهد بقوة ليفرغ إنزعاجه وارتبكت ملك منتظرة أن یثور علیها ویعاقبها، تحرك هو نحوها قائلاً بسخطٍ وهو يشير لها بيده:

- مفكرة نفسك السباك، يلا قومي وأنا هتصرف

نهضت ملك سريعًا شاعرة بالخزي من نفسها ومُحرجة منه، نظر لها ماجد شزرًا وتأفف فابتسمت له ببلاهة. 

لوى شفتيه وتوجه للصنبور ومد يده وضغط على احدى الأزرار فقط وأنغلقت المياه على الفور، شهقت ملك بعدم تصديقٍ وقالت مادحة إياه:

- برافو عليك صلحتها 

ثم صفقت بيدها وهي تضحك بسعادة، نظر لها ماجد بحنقٍ قائلاً:

- صلحتها!

ثم فجأةً أظلم عينيه نحوها وهو يتطلع عليها بخبث، ارتبكت ملك من نظراته وخشيت فعله لشيء ما غير مستحب فهي لم تعتاد عليه، تحرك ماجد نحوها متقيدًا بنفس نظراته التي وترتها وجعلتها تتراجع للخلف، مرر انظاره على جسدها المبتل وابتلع لعابه، وضعت ملك يدها على صدرها عفويًا وقالت بنبرةٍ متذبذبةٍ:

- عاوز ايه؟، إحنا مش إتفقنا وخلاص

استمر في التحرك ناحيتها إلى أن شارف على القروبِ منها ولكنها أخذت قرارها بالركض ناحية الباب فكان هو الأسرع حين دفعها للحائط وحاوطها بذراعيه، تعالت دقات قلب ملك بشدة وهي تنظر له متوجسة من قربه منها ونظراته المربكة، تأمل ماجد وجهها الجميل وقال بحب:

- هو إحنا هنفضل كده لحد إمتى؟، أنا تعبت ومش قادر خلاص، مراتي معايا ومحروم منها

ازدردت ملك ريقها بارتباك وردت بصوتٍ أبح:

- إحنا إتفقنا ناخد على بعض

رد باستياءٍ وملامح بائسة:

- مفرقتش، إحنا متجوزين يعني غبنا أو لأ إحنا لبعض، ولا إنتي ناوية تسيبيني

حركت رأسها بنفي وزكت بذلك وهي تنظر له بحرج:

- أنا بس متوترة من الجواز، اصله جه بسرعة وكدة ومكنتش مستعدة أرجع معاك 

تأملها وهو يرد بتوقٍ:

- بس أنا مش متوتر ولا حاجة، أنا بحبك يا ملك قوي 

تأججت مشاعر ما بداخلها من اقترابه منها جعلتها تردد بلا احترازٍ وبأعينٍ زائغة:

- موافقة 

لم يصدق ماجد أذنيه ونظر لها مستفهمًا:

- موافقة نبقى مع بعض يعني؟

انتبهت له وهزت رأسها لتؤكد، اتسعت ابتسامته ورفعها عن الارضية فطوقت عنقه وابتسمت بخجل، قال برغبةٍ وهو يدلف بها للخارج:

- النهاردة بس هقول إني إتجوزت......

_________________________________


سوّغ لها والدها بأن تدخل بمفردها لتراه لبعض الوقت بعدما أفاق من تخديره ، ولجت جيسي بقلبٍ متلهفٍ عليه ثم ابتسمت وهي تراه ينظر للاعلى، أينعم مجهدًا وما زال قيد الشفاء ولكنها حمدت الله على سلامته. 

تحركت ناحيته ونظراتها تتأمله بحبٍ، دنت من فراشه ليشعر عمرو بأنفاس احدهم، ادار رأسه ناحيتها وأخرج قلبه دقةً عابرةً فاخرج هو أنينًا متألمًا إثرها لتنتفض جيسي موضعها وتدنو منها متسائلة إياه بلهفةٍ:

- عمرو حبيبي فيك أيه يا عمري؟

بدا عليها القلق الذي جعله يستغرب، فما فعله معها ربما يجعلها تبغضه وعلى النقيض ما يراه منها، نظر لعينيها ورد بصوتٍ متعب وهو يبعد انظاره:

- ممكن تسيبيني لوحدي

اكمدت جيسي وهي تنظر إليه بخيبة أمل، قالت بابتئاسٍ:

- ليه يا عمرو بتكرهني كده، أنا عملت أيه علشان تعاملني بالشكل ده، أنا قولتها كتير وهفضل اقولها، بحبك، بحبك من اول مرة شوفتك فيها وبتمنى أكون ليك إنت وبس، نفسي تحس بيا ولو لمرة واحدة حرام عليك اللي بتعمله معايا

نظر لها متحيرًا، سألها بحذرٍ:

- مش زعلانة مني بعد اللي حصل؟

ردت نافية بشدة مع إهتزازة رأسها الرافضة:

- دا كان أسعد يوم في حياتي لما قربت مني، زعلت علشان مش بتثق فيا ومفكرني بنت مش كويسة، أنا والله يا عمرو ما حد لمسني ولا حبيت أصلا قبلك، أنا متربية كويسة صدقني

شرد في حديثها ولكنه لم يتعمد أن يتمادى في علاقته معها فقد رسمها منذ البداية ولكن بسبب حديثها الجارح له جعله يثبت عكس إدعائها، تنهد باجهادٍ وقال بنبرته الباردة والمستفزة:

- أنا كنت عاوز أعتذرلك على اللي عملته وعايز أقولك إنك استفزتيني ودا خلاني اتصرف من غير وعي، يعني لما قربت منك مكنتش حابب ده ولا عايز اتجوز دلوقتي، يا ريت تفهميني يا جاسمين، عارف إني كنت معاكي بس أنا محبتش ده وندمت بعدها

تجمدت انظارها غير المفهومة عليه والذي فشل في تخمينها، بدون ترددٍ قبّلت وجنته، شعرت به غير متقبل اقترابها لتغتاظ أکثر وتبتعد عنه، قالت باستنكارٍ ممتزج بتبرمها:

- بارد، قد كدة معندكش مشاعر، بنت حلوة بين ايديك وبتقرب منك وبتسلملك نفسها وإنت واحد مستفز

قالت جملتها الأخيرة بحنق، نظر لها عمرو وابتسم، زكا بمغزى:

- أصل مش بحب واحدة تسيطر عليا 

ابتسمت وقالت متفائلة خيرًا:

- طيب سيطر إنت

ثم دنت منه طامعة في قبلة واحدة، وسط تشوقها للحصول على محبته ناحيتها، ولم يشعرا بولوج كارم ومايا الذين تصلّبوا عند الباب مجحظين اعينهم لمشاهدة هذا المشهد الرومانسي، سعد كارم بما يحدث بينهم وانشرح صدره، على عكسه مايا التي اشتعلت غيظًا وهي ترى ذاك القرب المهلك بينهما فقد ظنّته لا يكِن لها أي مشاعر، خالف توقعاتها وعبست تعابيرها حزينة. 

لم يُرِد كارم مقاطعة لحظتهم تلك ولكنه ادرك حالته الصحية فليس هو المكان المناسب لتتقرب منه هكذا. 

لذلك تنحنح بصوتٍ خشن متعمدًا رفع صوته، انتبها له وعلى الفور ابتعدا، ارتبك عمرو بشدة فبدأ يتنفس بصعوبةٍ ليشعر بعدها بالتعب ویسعل بخفوت، تجاهلت جيسي والدها ونظرت له بقلقٍ قائلة:

-اتنفس براحة يا حبيبي وهدي نفسك

تعجب عمرو من جرأتها ولم يعلق، في حين دنا كارم ومايا منهم، ظلت جيسي جالسة موضعها غير عابئة بأي أحدٍ سواه فهو زوجها، بأعينٍ متوترة نظر عمرو لكارم وهو شاعر بالحرج، ابتسم له كارم وقال كأنه أحب ما رآه:

- عادي يا عمرو جيسي مراتك، دا أنا حتى مبسوط قوي لما شوفتكوا حلوين مع بعض

ابتسمت جيسي لعمرو بحب فنظر لها بمعنى أن تلتزم الحدود ، ولكنها تجاهلت ذلك ودنت من يده لتقبلها فابتسم لحركتها تلك، اغتاظت مايا التي ترمقهما بنظراتٍ حانقة تود إشعال النيران فيهما معًا، لم يشعر أحد بثورة انفجارها الداخلية فهي تحبه وأعجبت به قبلها وكلحت قسماتها فهي تريد الزواج منه ولما لا ولكنه متزوجًا من اختها وبات محرمًا عليها. 

تلاعبت الشياطين في رأسها هامسة بفحيحٍ، فلتقتليها إذًا، شهقت مايا بغتةً لتعود لرشدها قائلة في نفسها المرتبكة من تفكيرها المُعيب:

- أيه يا مايا، هتقتلي أختك علشانه 

ثم تنفست بهدوء نافضة تلك الأفكار المستهجنة، في حين سعد كارم بذلك لتأتي فرصته في إخباره بما ينتويه، لا داعي للتأخير فقد اطمأن عليه وسوف يتعافى بإذن الله، بدون مقدماتٍ قال كارم لينصدم الجميع من حديثه:

- عمرو بعد ما تطلع من المستسفى إن شاء الله هتاخد مايا وجيسي وهتنزلوا مصر......

_________________________________


دلفت من المرحاض بعدما اخذت حمامًا سريعًا لتبدل بعدها ثيابها، تحركت رسيل ناحية خزانة ملابسها لتفتحها وانصدمت حين وجدتها خاوية من ملابس الخروج الخاصة بها، شهقت بصدمةٍ وهي متحيرة كيف حدث هذا، استدارت ناظرة حولها لترى أي شيءٍ ولم تجد، انقبض قلبها لتتحير أكثر فأين ذهبت ثيابها فقد كانت تراها قبل قليل، تنهدت بضيقٍ ولم تعرف ماذا تفعل، توجهت لتجلس على طرف الفراش مفكرة في تلك النكبة فكيف ستذهب لرؤيته بتلك المنشفة الملتفة حولها، ناهيك عن ابتلال ثيابها الاخرى التي شلحتها وأخذت تفكر في ورطتها؛ تجمدت فجأةً محاولة استنباط الأمر فثيابها لن تختفي بمفردها، كزت على اسنانها لتتذكر تلك الفتاة اللعينة وهي تود الذهاب معها فربما افتعلت ذلك لتعيق ذهابها، قالت رسيل بنبرةٍ مهتاجة:

- آه يا بنت الـ ، والله لمورياكي، أنا تعملي كدة معايا

ثم نهضت رسيل ناظرة حولها بتعابيرٍ متشنجة تبحث عن أي شيءٍ ترتديه وزفرت بقوة حين لم تجد، كلحت قسماتها وقالت بحزن:

- هروح إزاي دلوقتي، يا حبيبي يا أيهم يعني مش هشوفك....

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

في الاسفل جلس السيد مروان منتظرًا رسيل التي تغيّبت وقتًا طويلاً وضجر من الإنتظار، وجه بصره لايمان اخته وسألها بحيرة:

- هي اتأخرت كدة ليه؟، دي كانت هتموت وتيجي معايا

- مش هتيجي

قالتها "لمى" وهي تتحرك ناحيتهم مرتدية ملابس خروج أنيقة وحاملة لحقيبة يد صغيرة علقتها في ذراعها، دُهش مروان بردها وكذلك ايمان التي رمقت ابنتها بانزعاج واكفهرت ملامحها، دنت "لما" منهما وقالت بابتسامةٍ مشرقة:

- رسيل مش هتيجي وقالتلي اروح بدالها

استغرب مروان ونهض قائلاً:

- معقول الكلام ده!

لم تصدق ايمان حديث ابنتها فكيف ذلك؟، تيقّنت بأن ابنتها ربما افتعلت شيئًا معها، دنت منها وقالت من بين اسنانها رافضة:

- تروحي بتاع أيه ورسيل فين، معقول مش عاوزة تروح تشوف جوزها وعاوزاكي إنتي تروحي مكانها

ارتبكت "لمى" وقالت ببراءةٍ زائفة وهي توزع انظارها عليهم:

- وأنا مالي، هي اللي قالتلي أروح أنا علشان تعبانة

- كدابة

هدرت بها رسيل وهي تهبط الدرج، انفزعت "لما" والتفتت سريعًا لترى كيف خرجت دون ملابس، فغرت فاهها بصدمةٍ وهي تراها ترتدي هذا الشيء الفضفاض، كانت رسيل مرتدية اسدال صلاتها وهي تتحرك نحوهم، تأملها مروان قاطب الجبين ليسألها وهي تقف امامهم:

- رسيل لسة ملبستيش، وليه قولتي "للمى" تروح بدالك؟

ردت رسيل بنبرةٍ مستائة وهي تؤشر على "لمى":

- ما أنا بقول إنها كدابة، هي أخدت هدومي من الدولاب ومش عاوزاني اروح

انزعجت ايمان ونظرت لابنتها بغضب، فازدردت "لما" ريقها بتوتر ونفت بتلجلجٍ:

- محصلش، هو أنا هعمل كدة ليه

هتفت رسيل بنبرةٍ مزعوجة منفعلة وهي تنظر لهما:

- طيب أنا إمتى قولتلها تروح بدالي وأنا هتجنن وأشوف ايهم

اقتنعت ايمان بحديث رسيل وادركت خطأ ابنتها الأهوج، قالت ايمان لرسيل باعتذار:

- خلاص يا رسيل متزعليش، "لما" تلاقيها بتهزر معاكي

هتفت "لما" بحنقٍ:

- أنا مش بهزر مع حد، وهدومها معرفش عنها حاجة، ولو أعرف مش هقول 

قالتها "لما" بعنادٍ شديد واستدارت لتتركهم، شهقت ايمان بانزعاج من تصرفات ابنتها الرعناء وهي تتبعها بنظراتها، لم تستطع رسيل تعنيفها والتزمت الإكتهاء من كليهما، ابتسمت لها ايمان معجبة بذوقها، قالت بنبرةٍ آسفة حانية:

- متزعليش يا رسيل، أنا هجيبلك من هدومي لبس جنان ملبستوش خالص وإن شاء الله هيجي على قدك

هنا تدخل مروان الذي صمت مجبرًا ليمل مما يحدث حوله، قال بتعابيرٍ مقطبة:

- أنا لسة هستناها لما تلبس، خلاص يا رسيل خليكي وهبقى اطمنك عليه

ملأ الحزن قسمات رسيل وقالت بتلهفٍ:

- لا هروح معاك يلا بينا

نظر لمروان لما ترتديه واستنكر قائلاً:

- هتيجي معايا كدة؟!

قالها وهو يشير على ما ترتديه، بينما ردت هي بنبرةٍ حماسية:

- وفيها ايه، دا حتى محترم وحلو قوي، ومش مهم لبسي، المهم اشوف أيهم وأروح معاك

احتار مروان بأخذها أو من عدمه، تطلعت رسيل عليه بتوسلٍ وابتسمت ايمان لرقتها، قالت ايمان لمروان بجدية:

- خدها يا مروان، هي لابسة كويس وكمان علشان متتأخروش

فكر مروان قليلاً وابتسمت له رسيل بنعومة، تنهد قائلاً بنفاذ صبرٍ:

- طيب يا رسيل، يلا علشان نلحق نروح.....

_________________________________


استوطن بمفرده بداخل تلك الغرفة شاردًا فيما وصل إلیه بعدما بدل ثيابه بأخرى ابتاعها له ماجد، تسطح أيهم على التخت الصغير منتصف الغرفة متيقظًا ولكنه مغمض العينين ضائعًا بافكاره السابحة في عقله، تحيّر في أمر هذا الرجل وحقده الدائم عليه فمنذ الدراسة في روما وقبلها وهو يشعر بالغِيرة الشديدة منه كون أن فتاة هناك رفضته حين عبّر عن حُبه لها وأخبرته بأنها تميل له هو. 

في تلك النقطة بدأ رغيد في مشاكسته وأخذ اي فتاة معه ولو بالقوة والحقارة كما فعل مع سالي خطيبته السابقة وما يزمع له من حقارة الآن في إعادة الأمر مع حبيبته، ابتسم أيهم بسخرية فإن مر ما حدث لسالي هكذا لن يرضاه مع رسيل، سالي مجرد خطيبته كون والدها صديق والده المقرب ولم يرفض طلب والده بالزواج منها، ما فعلته حين ذهبت للسهرة معه في تلك الليلة جعله غير شافعًا لها لعدم استئذانها منه. 

تنهد بعمقٍ ليحرر انفاسه المحبوسة ليفكر بعدها ما هي خطوته مع هذا الاحمق ليُبعده عنه ويتخلص منه فلابد له من تفكيرٍ محنكٍ للإنتهاء منه فهو كالشوك الذي يعيق إمضاء ما يريد. 

جاءت تلك سليطة اللسان على ذهنه وابتسم، لم يبغى نهرها فهو يعلمها جيدًا، رقيقة ناعمة يخشى أن يستخدم عنفه الكامل معها فهي لن تتحمل وابتسم بشدة، حدث نفسه بصوتٍ خفيض بعدما اخرج تنهيدة عميقة:

- أهو أنا اللي مضايقني دلوقتي إنك بعيدة عني 

زاغ بعد ذلك فيها وهو مازال مغمضًا عينيه لا يريد ضياع صورتها المطبوعة في ذهنه فقد بعثت له ببعض الطمأنينة لتُؤنس وحدته تلك، عشق بمعنى الكلمة کنّهُ لها ويعلنه دون خجلٍ أو انتقاصٍ من هيبته التي ما زال محتفظًا بها أمامها فهي تخشى تعنيفه لها، تخيّل لمساته عليها وبحركةٍ لا إرادية تحركت أناملهُ وتخيلها معه. 

طُرِق الباب عليه ليخرج من أحلام اليقظة خاصتهُ وفتح عينيه متعجبًا ممن سيأتي له، تم فتح الباب عليه فهو موصودًا من الخارج عليه كإجراء لابد منه. 

ولج محاميه فتنهد ايهم واعتدل ليجلس على طرف الفراش، تحرك مدحت ناحيته وقال بنبرةٍ مترددة:

- مساء الخير يا ايهم بيه

نظر له ايهم وحرك رأسه كرد عليه، تقدم مدحت منه وجلس بجانبه، نظر له بتوتر وقال بحذرٍ:

- انا لقيت حل كويس علشان تخرج من هنا

ادار ايهم رأسه سريعًا ناحيته وقال بتلهفٍ انجلى على طلعته:

- حل ايه دا قول بسرعة؟

رد مدحت بنبرةٍ جادة للغاية ذات معنى:

- نشوف حد غيرك يشيل الليلة كلها......

_________________________________


وصل اسماعيل للمشفى متوجهًا لغرفة العناية المشدّدة، وجدها جالسة مُنكبة على نفسها وتبكي وتنتحب بشدة، شعر بالاسى عليها وتحرك سريعًا نحوها وهو يراها وحيدة، اقترب منها وهتف بقلقٍ بائن وهو يجلس بجانبها:

- سالي حبيبتي متعمليش في نفسك كدة إن شاء الله هيكون بخير ويقوم بالسلامة

قالها حين ضمها لصدره بحنان، مسد اسماعيل على ظهرها كنوعٍ من التهدئة فبكت سالي في احضانه وقالت:

- بابي لو مات هضيع، أنا من غيره ولا حاجة

ضمها أكثر إليها وقال بتمني:

- إن شاء الله ربنا هيشفيه، ادعيله يا سالي

هزت رأسها بتفهمٍ لتتمتم ببعض الكلماتِ المتوسلة للرب، انفطر قلب اسماعيل عليها ودعا هو الآخر الله بسرعة شفاء هذا الرجل الطيب، لبعض الوقت المترقب منهما خرج أحد الأطباء من غرفة العناية ليُبلغهم بحالتهِ النهائية، تنبّهت له سالي ابتعدت عن اسماعيل ناهضة، سألته بقلقٍ ولهفةٍ جلية وهي تتحرك ناحيته:

- بابا عامل ايه دلوقتي؟

زيف الطبيب ابتسامة وقال بامتنان:

- الحمد لله صحة الوالد مستقرة دلوقتي، إحنا لحد دلوقتي مشتبهين إنها ازمة قلبية من الفحص عليه بس فيه بعض الحاجات شاكين فيها وإن شاء الله خير، ادعوله يقوم بالسلامة

قالت سالي بلهفةٍ ودقات قلبها تتسارع:

- يا رب، طيب وهو هيفوق امتى يا دكتور؟

رد بعمليةٍ:

- يمكن بكرة بإذن الله يفوق، ولما يفوق هنعمله فحوصات دقيقة علشان نطمن على صحته العامة، إحنا كل اللي يهمنا دلوقتي إنه يفوق وبعد كدة سهل نباشر حالته بدقة 

ارتاحت سالي بعض الشيء وابتسمت بتأمُل، جاء اسماعيل من خلفها وقال لها وهو يضع يده على كتفها:

- خير يا سالي، قلبي حاسس إنه هيفوق وهيبقى كويس

اومأت برأسها وتنهدت براحةٍ، التفتت له وقالت بمعنى:

- أنا لازم أكلم انكل مروان، دا لو مقولتلوش هيزعل قوي

قال اسماعيل موافقها الرأي:

- طيب يا سالي اللي تشوفيه، على الاقل حد كمان يقف معانا 

اخذت سالي قرارها بمهاتفته، اخرجت هاتفها ولكنها تذكرت شيئًا ما سرده لها السائق عن ما حدث، نظرت له سالي قاطبة جبينها، سألت بحيرةٍ ممزوجة بالتعجب:

- بس ليه بابا راح مزرعة الخيول القديمة، كان بيعمل ايه هناك؟

__________________________________


جاب جميع غُرف الشقة باحثًا عنها ووجدها خالية تمامًا، ارتاب مصطفى في الأمر وهو يرى بعض الاشياء المُبعثرة في ردهة المنزل، حاول استنباط ما حدث وخفق، تجهمت ملامحه ودلف للخارج بعدما وجد بأن وجوده هكذا غير مجديًا، اغلق الشقة وتوجه ليستقل المصعد عازمًا على سؤال حارس العقار، قال لنفسه بحيرةٍ إلامَ يصل المصعد:

- يا ترى يا رانيا روحتي فين؟، دا إنتي متعرفيش حد

بعد لحظاتٍ وصل المصعد للدور الارضي ودلف منه، تحرك سريعًا لهذا الرجل الدائب موضعه وسأله بتلهفٍ:

- مدام رانيا اللي في الدور الخامس متعرفش راحت فين؟

نهض الحارس وقال بحزنٍ زائف:

- يا عيني عليها وعلى اللي حصلها يا سعادة البيه

اقشعر جسد مصطفى خوفًا عليها فاكمل الحارس بحزنه المزيف ليوضح الأمر:

- دخل عليها شوية نسوان عدموها العافية، ولولا ستر ربنا كان فيه واحد يعرفها كان جاي يزورها هو اللي لحقها وجري بيها على المستشفى

انتفض قلب مصطفى هلعًا، سأله بتعابيرٍ شاحبة مضطربة:

- متعرفش مستشفى ايه اللي هي فيها؟

رفع كتفيه بجهلٍ وقال:

- معرفش يا سعادة البيه، دا اللي فهمته لما جه ظابط يحقق معايا، قولتله شوفت النسوان وهما داخلين وخارجين بس معرفش عملوا أيه

ارتجف مصطفى اكثر ليكسو تعابيره الخوف عليها فالموضوع أكبر بكثيرٍ ليتعثر عليه فهمه بالكامل، تذكر من جاء ليزورها فسأله بشغفٍ:

- طيب متعرفش مين دا اللي كان جاي يزورها؟

للمرة تانية رد الحارس بجهل:

- معرفش يا سعادة البيه، أنا اللي شوفته بعنيا إنه كان شايلها وبيجري بيها

فكر مصطفى في حديثه وظنّ أنه أيهم، تحرك تاركًا المبنى ودلف للخارج وهو يضغط ارقام هاتف ايهم ليستفهم منه، كلحت ملامحه حين وجده مغلقًا هو الآخر وزفر بضيق، قال بامتعاضٍ:

- هو كله قافل تليفونه كده ليه، يا ترى ايه اللي حصل؟

صمت للحظاتٍ وتابع بأسى:

- يا ترى حصلك أيه يا رانيا ومين الستات دول؟

ثم تنهد بقسماتٍ حزينة مزعوجة، استقل سيارته واعتزم الذهاب لايهم مضطرًا، لم يخشى معرفته بالزواج منها بقدر قلقه الآن عليها والإطمئنان على صحتها وقاد سيارته بسرعة كبيرة ذاهبًا لفيلته ......

_________________________________


ولج مروان مخفر الشرطة برفقة رسيل، ابتسم مروان بشدة على اصرارها القدوم معه هكذا، بسبب ثيابها هذه لم ينتبه له أحدؒ من الصحفيين فهيئتها غير مُلفتة للنظر، لم تهتم برسيل لما ترتديه فشاغلها رؤية ايهم والإطمئنان عليه، هذا ما أعجب به مروان فمن يتأملها ككل يجدها فتاة بسيطة، ومن يدقق النظر فوجهها الجميل وملامح الاجنبية ينجذب إليها فجمالها مُغطى تحت هذة الثياب الساترة فقد احبها حقًا، نظرت له رسيل وسألت بفضولٍ:

- هما هيقعدوه مع المجرمين والناس الوحشة دي

ابتسم لها ووضح:

- المحامي بيقول إنهم سمحوله يقعد في أوضة هنا

هزت رسيل رأسها بتفهمٍ وتحركت للداخل متأملة المكان من حولها بتفحص، انتبه مروان لمدحت المحامي يدلف من احدى الغرف فتوجه ناحيته، رآه مدحت فأغذ في السير نحوه، قال مدحت مرحبًا باكتهاءٍ:

- أهلا يا مروان بيه

حرك مروان رأسه وسأله بمعنى وهي ينظر لتلك الغرفة:

- هو ايهم قاعد في دي؟

كاد أن يرد مدحت فقطع ذلك رنين هاتف مروان، اخرجه مروان ليُجيب عليه، عقد حاجبيه متعجبًا كونها سالي من تهاتفه، أجاب عليها سريعًا، فجاء صوتها بالخبر المُحزن، هتف مروان بفزعٍ حقيقي:

- حصل إمتى الكلام ده، ورؤوف عامل أيه دلوقتي؟

طمأنته سالي بأنه مستقرًا إلى حدٍ ما وتنتظر إفاقته في الغد، رد عليها مروان مؤكدًا حضوره:

- طيب يا سالي أنا جاي دلوقتي

ثم انهى معها الإتصال، وجه مروان بصره لمدحت قائلاً بقلبٍ يدق مضطربًا:

- أنا هروح أنا، رؤوف بيه عنده ازمة قلبية ولازم أكون معاه 

إنتبهت رسيل لاسم ذلك الرجل فهو من سيتزوج بعمتها، انزعجت رسيل لسوء حظ عمتها وعبست ملامحها، في حين نظر مروان لرسيل وحدثها:

- رسيل ادخلي إنتي لأيهم وإطمني عليه، وقوليله إن عمك رؤوف تعبان وباباك راح يشوفه

اومأت رأسها بانصياعٍ، تحرك مروان على الفور مغادرًا مخفر الشرطة وهو يدعو الله بنجاة صديقه الوحيد من تلك الوعكة الصحية، تتبعته نظرات رسيل المتضايقة بشأن عمتها، انتبهت بعدها للمحامي يقول لها بنبرةٍ مهذبة:

- إتفضلي يا هانم ادخلك لأيهم بيه 

نظرت له رسيل وزيفت ابتسامة، تحرك مدحت وهي من خلفه، فتح لها باب الغرفة واشار للداخل قائلا بمعنى:

- إتفضلي إدخلي يا هانم 

ابتسمت رسيل بحرجٍ وخطت بقدمها نحو الداخل مترقبة بشغفٍ رؤيته، رأته رسيل مستلقيًا على الفراش وتأملته بحبٍ وحزنٍ وشفقةٍ، أخذ ايهم وضعيته الاولى وتسطح على الفراش مغمض العينين شاردًا في الحديث الذي دار بينه وبين المحامي، اوصد مدحت الباب خلفها فعلى الفور توجهت ناحيته، دنت من التخت وقالت:

- أيهم حبيبي

ظنّ أيهم أنه يتوهم سماع صوتها وظلّ كما هو، انتفض محله وفتح عينيه إثر قبلتها التي وضعتها على خده، جحظت عيناه بعدم تصديق من وجودها معه وقال:

- رسيل

ابتسمت برقةٍ وقالت:

- وحشتيني يا حبيبي، أنا جيت علشان اشوفك

اعتدل ايهم وحاوط وجهها بكفيه، ابتسم لما ترتدیه وقال معبرًا عن فرحته بها:

- احسن حاجة عملتيها، اصلك وحشتيني قوي وهموت وأشوفك

سألته بنبرةٍ حزينة:

- عامل أيه دلوقتي، هيحبسوك ولا هيصدقوا إنك بريء؟

رد متنهدًا بضيق وهو يفرك رأسه شاعرًا بصداعٍ ما:

- مش عارف يا رسيل حاسس إن دماغي هتنفجر

نظرت له رسيل بحزنٍ فقال لها متأففًا:

- عاوز اشرب، بس للأسف مش مسموح هنا، دي فيها سجن لو عملتها، الشرب بيريحني ويخليني كويس

ظنّت رسيل بأنه يريد شرب الماء، استنكرت بشدة:

- يعني تموت من العطش، هي حصلت كمان يمنعه عليك المية، دا أيه الظلم ده

نظر لها بتعابيرٍ مقتطبة، قال بحنق:

- ميه، أنا قصدي عاوز أشرب خمرة

شهقت بصدمة ونظرت له بشراسة، عنفته باستياء:

- أنت بني آدم متخلف، بدل ما تدعي ربنا وتصلي يقف جمبك عاوز تشرب الزفت ده

لم ينتبه أيهم لباقي حديثها بقدر سماع إهانتها له، بحركةٍ مُباغته أمسك أسفل ذقنها وضغط عليه بقوةٍ فتألمت مضطربة منه ونظرت له بخوف، قال من بين اسنانه وهو يضغط بقوة ليُؤلمها أكثر:

- مين دا اللي متخلف؟

لم تنتبه رسيل لما تفوهت به وردت باضطرابٍ ملحوظ ظهر أکثر في نظراتها نحوه:

- أسفة

رد كاتمًا ضيقه وهو ما زال قابضًا عليها:

- كام مرة عملتيها وأنا عديتهالك

ازدردت ريقها بخوفٍ وقالت متوسلة:

- أيهم اوعى تضربني، أنا بنسى صدقني ومش قاصدة اشتمك، بحبك متضربنيش

استمر هكذا للحظات ناظرًا لها بغموضٍ فتألمت رسيل بشدة، قالت بتوسلٍ أكبر ليبتعد عنها:

- أيهم بوقي بيوجعني، وكمان لسة جسمي بيوجعني والله سامحني، سيبني يا أيهم

أبعد يده القابضة على ذقنها فنهضت مبتعدة عنه وفركت أسفل ذقنها على الفور لتخفف حدة الألم ونظرت له بترقب. 

نهض هو الآخر وخشيته لأبعد الحدود، تذكرت أين هما وقالت محذرة:

- إحنا في القسم، يعني لو ضربتني هعملك قضية تعدي 

تجاهل حديثها ورفع رأسه متفحصًا سقف الغرفة ككل وهو يدور حول نفسه، استغربت رسيل عن ماذا يبحث في الاعلى وعقدت حاجبيها. 

اتسعت ابتسامة أيهم حين لم يجد كاميرات مراقبة وتنهد براحة، التفت لها وقال مستهزئًا:

- بقى عاوزة تحبسيني؟

ردت بارتباكٍ وهي منكمشة في نفسها:

- لو ضربتني هصوت

دنا منها مبتسمًا بمكر وشرع في فك ازرار قميصه من الأعلى للأسفل، ارتجفت رسيل وقالت بتوتر ملحوظ حين تفهمت غرضه:

- أيهم هتعمل أيه إحنا في القسم

أكمل طريقه نحوها وهو ما زال يفك ازرار قميصه، قال بخبثٍ:

- احسن حاجة إننا في القسم، علشان لما يقفشونا نتحبس سوا...


           الفصل الخامس والخمسون من هنا 

           لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة