
رواية القيادي الفصل الثامن والثلاثون 38 بقلم إلهام رفعت
استفاق من نومه بعدما ذهب عنه التعب ، لم يبتغي أيهم أن يُحدث أي حركة تفيق هي على اثرها ، ارتسمت ابتسامة هادئة على محياه وهو يتطلع عليها بشرود.
حيث ظلت رسيل غافية على صدره وتضمه بذراعيها ، ادرك أيهم في تلك اللحظة رقة قلبها وربما حبها له الذي تمنى أن يضحى متبادل بينهم ليغدو معها في حياة طبيعية.
قبل رأسها ومسح بيده على شعرها الأشقر بحنان وتنهد بعمق فقد زاد حبه لها وتمسكه بها ، ادرك أيهم مدى براءتها وطيبتها فهي لا تستحق السيئ ، اعلن بداخله بأنه سيظل حمايتها وستبقى معه للأبد ، وجد أن في الأمر القليل من الصبر منه ستسير حياتهم كما ينبغي ، قتلته لهفته فيها في فهمها الخاطئ له ، وجد أنه تسرع في تلك المسألة وعليه الآن التأني معها فسبب زواجه منها افقد جزء كبير من الثقة بينهم ، الزم نفسه بإعادتها وذلك بإثبات مدى حبه العميق لها.
اخرجه من شروده فيها تقلقلها في نومتها ، انتبه لها أيهم وانتظر إفاقتها.
تنملت رسيل في نومتها وهي تحرك رأسها لتستشعر ملامستها لجسده من تحتها ، للحظات عابرة تذكرت ما حدث ليلة أمس ، جاءت لتعتدل وجدته ينظر لها ويزين ثغره ابتسامة ناعمة ونظراته نحوها ملأتها الحب ، وجدت نفسها تبتسم هي الأخرى ، انتبهت لهيئته وسألته بلهفة ظهرت عليها وهي تمد يدها لتمسح اعلى جبهته :
- أيهم انت بقيت كويس ، حاسس بحاجة .
- كويس .
قالها باقتضاب وهو يحرك رأسه بنفي ، ثم مرر بصره عليها ورفع يده لتلامس بشرتها الناعمة بلطف جعلها تنظر له من منظور آخر ، رأت فيه اليوم شخص آخر واحتارت فيه ؛ بيده الموضوعة على وجهها مسح على شعرها واقصاه خلف اذنها ليظهر وجهها ، بدأ يتأمله بنظرات لم تتفهمها ولكنها باتت مريحة ، نظر أيهم لها وابتسم قائلاً :
- أنا كويس طول ما انتي معايا ، متسبينيش يا رسيل .
ارتجف قلبها بدقة وجع احست بأنه صادق في حبه لها ، أنبت رسيل نفسها عن ما قالته بالأمس له فقد جرحته لتقارنه بشيء غير ملموس ، فقط هو من سيبقى معها ، نظرت له هذة المرة بحزن وهي تراه هكذا امامها ، وجدت نفسها ترتمي على صدره وهي تُردد بنبرة وجعت قلبه:
- حبني على طول .
لم يعرف ما هذا الشعور المستحوذ عليه ليلتمس فيه فقدانها الحب ممن حولها ، ضمها لأحضانه بقوة لتُغمض عينيها متابعة بتساؤل احبه منها :
- هتحبني على طول ؟ .
وجد نفسه يبتسم على حديثها البريء، رد مؤكدًا بشدة :
- عمري ما هحب غيرك طول حياتي .
اتسعت ابتسامتة لتمتزج مع ملامحها الطفولية الأجنبية ، قال بمعنى:
- النهاردة هنروج نجيبلك شوية حاجات علشان الجامعة بتاعتك.
نظرت له وهتفت باعتراض :
- بس انت لسة تعبان ، ارتاح النهاردة .
نفى حديثها واعتدل وهي معه حين رد عليها :
- أنا كويس ومعنديش اي حاجة ، وكمان عندي شغل هخلصه بدري وارجع اخدك انتي ورانيا تختاروا اللي انتوا عايزينه.
زمت شفتيها قلقة عليه ومحتجة على خروجهم ، بينما ابتسم هو بمكر واكمل مظلمًا عينيه :
- يعني خايفة عليا ؟ .
ابتسمت باستحياء ، ردت بحب صادق :
- بحبك قوي ، بحبك من زمان ، وبخاف لو حصلك حاجة .
ضمها أيهم لأحضانه واحتضنته هي الأخرى واغمضت عينيها ، قال أيهم بنبرة هادئة :
- يلا علشان نفطر في الجنينة وتنزلي تشمي شوية هوا احسن من قعدتك هنا طول اليوم .
لم ترد رسيل عليه حيث استكانت في احضانه.
اتسعت ابتسامة ايهم وضمها بحرارة أكثر إليه وضغط عليها كأنه يريد ذلك العناق منذ رآها.
شعر بحبور شديد وهي مستسلمة بين يديه وتبادله القبول عكس ما حدث بالأمس بينهم ، شعر حينها بصعوبة في رجوعها له ولكنه شكر الله في نفسه على ابتلائه بالمرض لتقترب منه ، لم يُرد ابعادها عنه وظل الإثنان هكذا لفترة صمت تتحدث مشاعرهم فقط .....
__________________________________
ركضت داخل مخفر الشرطة تسأل عنه من يقابلها بلهفة وعبراتها تغطي وجهها ، لم تتراخى وفاء طليقته في الإسراع لرؤيته فهو وسيظل أبًا لبناتها مهما حدث بينهم ، فهي عشرة عمر خلفت بعدها بناتهم ثمرة سنوات قضاها الإثنان معًا ، كانت خالية من التزعزع إلى أن حدث ما حدث في الأونة الأخيرة ، رفضت الرجوع إليه ليعرف قيمتها كما اخبرتها والدتها ولكن هو الآن بمفرده يعاني ما حدث ؛ جابت جميع الأماكن في المخفر لتستفسر عن مكان وجوده ، أدلها أحد رجال الأمن إليه وطمأنها بأنه سيفعل ما بوسعه كي تراه فقد اشفق على حالتها ؛ جلست وفاء في احدى الغرف تنتظر قدومه بتلهف وبكاءها ما زال مستمرًا ليظهر حزنها عليه ؛ بعد فترة لا بأس بها وجدت الباب ينفتح عليها ، تأهبت حواسها متلهفة لرؤية من يدخل عليها متمنية أن يكون هو ؛ شهقت بفرحة غير مصدقة رؤية امامها ، ركضت وفاء لتستقبله بمحبة وتوق كبير ، تعجب عزت من مجيئها إليه رغم ما فعله معها من حقارة اظهرت أنانيته وأنه لا يستحق دمعة واحدة تزرفها عينيها من اجلة ، لم تجد وفاء حرجًا في احتضانه وهي تطوق عنقه باشتياق كبير ، ضمها عزت إليه وتلألأت الدموع في مقلتيه وتجمعت لتهدد بالنزول ، حزن بشدة على ما وصل إليه وانفلتت الدموع من عينيها لتنزل على وجهه الذي شحب بفضل موقفه المتأزم في القضية فقد رحل الجميع ووجدوا من يسألوا عنهم إلا هو ، لم يجد سوى طليقته التي القاها خلفه ليتزوج بغيرها بسبب شهوته هي الآن من تشاطره نكبته ؛ بكى عزت في صمت وظهر بكاءه حين قال لها بحب واله ونبرة نادمة :
- وحشتيني يا وفاء ، والبنات وحشوني قوي ، عاملين ايه يا حبيبتي ؟.
ابتعدت مسافة ضئيلة لتتمكن من النظر إليه ، رأى عزت دموعها من اجله فلعن نفسه على ما اقترفه في حقها ، ردت هي من وسط نحيبها :
- انت اللي وحشتنى يا عزت ، ليه عملت فينا كدة ، كنا عايشين ومبسوطين ، شوفت وصلت نفسك لأيه ووصلتنا معاك لأيه .
اغمض عينيه بحسرة وبكي في صمت لم يعرف بما يجيبها ، لامت وفاء نفسها فوضعه لا يتحمل المزيد فوق طاقته فهو الآن في تمني من ينجده ليخرج من هنا ، شعرت وفاء به فهو كان زوجها الذي قضت معه سنوات من عمرهما ، ربتت على كتفيه وقالت لتهدئه مما هو فيه :
- متخافش يا عزت ، انا هكلملك محامي علشان يقف معاك .
فتح عينيه لينظر لها بحزن انجلى على طلعته الباهتة، رد بأسى:
- أنا مش قصدي اقتل خالتي ، انا بحبها يا وفاء ، هي اللي دخلت في النص والسكينة جات فيها هيا ، انا لحد دلوقتي مش مصدق انها ماتت على ايدي ، ربنا يرحمها .
هدر عزت بتلك الكلمات لينتحب بعدها وهو يلوم نفسه طوال الوقت على دنائته وانانيته المستهجنة التي اوصلته لما هو فيه الآن ، في حين التمست له وفاء العذر وتناست ما حدث بينهم فهي لا تبغضه وتريد الرجوع إليه، جاء على فكرها رانيا وخطر على ذهنها فكرة ما ربما تنجده مما يعانيه الآن ، هتفت وفاء بنبرة شغوفة :
- مافيش غير رانيا هي اللي هتخرجك من هنا ، هي أكيد عارفة انك مش قاصد تقتلها ، وممكن تيجي وتتنازل .
حدجها عزت بنظرات متأملة حين اتسعت مقلتيه ببريق امل فهو بالفعل لم يتعمد ذلك ، اكدت وفاء بحماس جعله يهدأ مما هو فيه من مصاب أليم لا يحسد عليه أحد :
- أنا هروحلها بنفسي ، أن شاالله حتى ابوس رجليها .....
___________________________________
انتهت من الاستحمام، ثم خرجت مرتدية معطف الإستحمام "برنس" وواضعة لمنشفة صغيرة لتجمع بها شعرها المبتل للأعلى.
تحركت سالي نحوه وهي تتأمله بحب وبابتسامة ذات معنى ، تنهدت بهدوء مستطير وبراحة لم تخالجها من قبل ، ظنت في نفسها الضعيفة إنتهاء تهديد هذا الخسيس لها ، ولكن لبراءتها ورعونتها وقعت في شر اقبحهم ، القاها حظها السيئ في طريقه لتقع تحت وطئته.
جاهدت سالي ألا تبكي وتقلدت بالثبات حتى لا يفرض أحد سيطرته عليها ؛ دنت من الفراش وهي تتخيل حياة هنيئة قادمة معه هو ، نعم أنه من لدية المقدرة لردع الآخر عنها ، اعجبت بطريقته في الرد عليه رغم علو شأن الأخير ، وجدت نفسها تبتسم بشدة وهي تتأمل وجهه الغافي ، وجدت فيه الرجولة التي لم تقابلها من قبل ، عشقت فرض سيطرته عليها واحبت كل ذلك منه.
مسحت على جبينه لترجع شعره المبعثر للخلف ، دنت من وجهه وقبلت خده برقة وابتسمت وهي تبتعد.
تنمل الأخير في نومته وهو يتمطى بذراعيه ويتقلقل بجسده مخرجًا لأنين استيقاظه من غفوته ؛ انتظرت سالي افاقته بتلهف ولكن الأخير خيب أمالها وبدل تعابيرها للضياع حين تفوه بما لم تتخيله وهو معها :
- مهجة اسكتي بقى .
تصلبت سالي مكانها كمن سقط عليها كومة من الجليد وعيناها عليه زائغة ، رغم سكونها تجمعت الدموع في حدقتيها ، شعرت في تلك اللحظة مدى وضاعتها وتفكيرها الأهوج في أن أحدهم يهتم بأمرها.
ابتلعت في حلقها مرارة الزمن من مجرد كلمات مقتضبة نطق بها كونه يذكر اخرى في وجودها معه ، ادركت حبه لزوجته وهي من ابعدته عنها مستغلة سلطتها عليه ، من المفترض أن يتذكرها هي ، هي من كانت معه ليلة أمس ، سألت نفسها ألم يتأثر بوجوده معها إلى هذا الحد من التجاهل ؟ .
تنهدت سالي بهدوء وتأنت في جعله لها هي فقط ؛ فليس من السهل نسيان زوجته الأولى ، جففت بأناملها جفنيها لتمنع نزول دموعها ؛ زيفت ابتسامة سعيدة حين فتح الأخير عينيه لتسقط عليها ، ابتسم اسماعيل لها وقال بنبرة هادئة وهو يرفع يده ليمسح على خدها بلطف:
- صباح الخير يا حبيبتي .
امسكت بيده تلك وقربتها من فمها ، قبلتها بحب ظهر في نظراتها المسلطة عليه ، ردت بنبرة ناعمة :
- صباح الخير يا حبيبي .
سحب يده ليعتدل في نومته ، جلس اسماعيل وفرك مؤخرة رأسه بطريقة عفوية اعجبت بها سالي ، سألها بوجه مكشر نتيجة افاقته للتو من نومه:
- هي الساعة كام دلوقتي ؟ .
ابتسمت سالي وهي تتطلع عليه وردت بهدوء :
- لسة بدري ، اصل بابا بيقول عنده مشوار مهم وممكن يغيب شوية ، فعلشان كدة صحيت بدري نفطر معاه ونسلم عليه قبل ما يمشي .
حرك رأسه بتفهم وانتبه لها وهي تدنو منه وتحتضنه بقوة ، حيث دفعتها رغبة في ضمه كأنها لا تريد أن يتركها ، لم يجد هو مانع في ذلك وضمها لأحضانه بقوة.
فجأة جاء طيفها ليمر من امامه ليتذكر اول صباح بينهم كيف كان ، ابتسم اسماعيل وهو يتخيل ملامح وجهها الذي يعشقه وحديثهم سويًا ، استوحش وجودها معه ليردد لسانه اسمها بحب "مهجة" ، كره نفسه حين تخلى عنها ، دفعته رغبة في العودة إليها واخذها في احضانه لا يريد لمس رجل آخر لها ، تلك الفكرة جعلته يشعر بالغِيرة الحارقة التي حجرت قلبه ممن حوله ، رفض ذلك وتغيرت تعابيره للشر إذا فكرت في غيره ، بدا هو انانيًا في تلك النقطة ، فهو الآن مع أخرى ، اقنع نفسه بأنه رجل ، اما هي فلا ، وجد أن عليه الآن مراقبتها ومعرفة اخبارها ، هذا هو الحل السليم الآن ، حيث وجد في نفسه أن غيابه هذا عنها مؤقت وسوف يرجعها إليه مرةً أخرى ؛ انتبه لسالي التي ابتعدت عنه ، سألته بحيرة :
- انت سرحان في حاجة يا اسماعيل ؟ .
ابتسم لها فكم هي رقيقة هذة المرأة ، لم يكره وجوده معها بل احب اختلاطه بها كأنها حلمًا جميلاً وتحقق ، رد بمكر وهو يجذبها ناحيته:
- بفكر فيكي انتي يا عمري .
اتسعت بسمتها وفرحتها من كلامه، ثم بدأ الإثنان الخوض في عالمهما الوردي....
_________________________________
دست تلك الورقة بين طيات ملابسها في خزانة الملابس الخاصة به وبها ، كانت ورقة طلاقها منه الذي ارسلها مع احدهم واستقبلتها بسخرية فهذا ما توقعته كونه القى على مسامعها يمين الطلاق.
القت مهجة نظرة على ملابسه بشرود حين كانت تغسلها بيديها وتشلحه إياها ، كم تتوقت لذلك ، دفعتها رغبة في تمنيه الآن ، هو زوجها وبُعْده عنها شكل فراغ عميق بداخلها ، هي امرأة شأنها كباقي النساء لها دوافعها ، تنهدت بحزن وهي تحرك رأسها بخيبة امل فيه ، لم تتخلى حتى عن ملابسه وابقتها كما هي لتؤنس وحدتها بدونه ؛ اغلقت مهجة الخزانة واستدارت لتتحرك ناحية الفراش ، التقطت ذلك الشال الخفيف ولفته حول كتفيها متهيأة للخروج عند والدتها ، حيث استدعتها اليوم تريد رؤيتها ، تحركت للخارج وهي تسير بحذر فهي الآن تخشى على حملها الذي كانت تفكر في اجهاضه قبل مرة ، لن تتخلى مهجة عنه مهما كلفها الأمر ، هو ابنها وواجبها الآن نحوه الإهتمام به فهو لا حول له ولا قوة ، ليس له ذنب فيما حدث كي تبغض وجوده ، هو ابنها وقطعة منها ؛ تحركت مهجة نحو باب الخروج ولكن صوت عديلة من الخلف جعلها تستدير لها :
- هتروح عند امك يا مهجة؟ .
قالتها عديلة وهي تتحرك نحوها وعلامات التوجس بادية عليها ، نظرت لها مهجة وردت بابتسامة ونبرة مريحة لتطمئنها:
- متخافيش يا حماتي ، انا مش هقولها على اي حاجة ، انا بس هقعد معاها شوية وارجع على طول .
تنهدت عديلة براحة مستطيرة ، قالت برضى ممزوج بالتمني:
- ربنا ما يحرمنا منك يا مهجة ، بنت اصول ، ربنا يسعدك .
فرحت مهجة بدعوتها تلك وابتسمت ، استدارت وسط نظرات عديلة الراضية عنها وتحركت للخارج ..
اثناء سيرها لمنزل والدتها وجدت من يقترب منها ويقف بجانبها ، نظرت له وجدته فهمي ، تاملته بتعجب فهيئته تدل على انه كان يركض بشدة ، سألته باستغراب :
- عاوز حاجة يا فهمي ، انت بتجري خايف من حاجة ؟.
اتسعت ابتسامته الفرحة وهو يتأملها ، رد بمعنى:
- بجري علشان الحقك يا مهجة .
قطبت بين حاجبيها واحتارت فيه ، استفهمت بجهل:
- وعايز تلحقني ليه ؟ .
قالتها مهجة بنبرة مزعوجة وهي تتوقف عن السير بعدما كتفت ساعديها حول صدرها ، بينما حدجها الأخير بنظرات متأملة خير ، رد بمفهوم:
- كنت عاوز اتكلم معاكي في موضوع مهم يا مهجة ؟ .
لم ترد عليه بل انصتت له ولم تخفي علامات الإقتطاب البادية عليها فلم يربطها به ما يجعله يتحدث معها ، استغرب ردة فعلها ولكنه تنحنح بحرج ، اكمل فهمي بتردد :
- هو صحيح اسماعيل سابك وسافر ؟ .
فكت يديها واغتاظت من حديث البعض عنها ، هتفت بانزعاج:
- وانت جبت الكلام دا منين ، ومين اللي قالك ؟ .
ابتلع فهمي ريقه بتوتر ، رد بتبرير :
- مش انا اللي بقول ، باين عليكي مبتخرجيش علشان تسمعي اهل البلد بيقولوا ايه .
صرت مهجة اسنانها بغضب فكيف علموا بأمرها فهي تكتمت عليه ولكن هيهات للجميع ، يحشرون انوفهم في ما ليس لهم شأن به وتلك طبيعتهم ، تنهدت بضيق ونظرت له وملامح الإنزعاج استحوذت عليها ، قالت له بنبرة مستاءة:
- وسيادتك عاوز ايه مني دلوقتي ؟ .
ارتبك فهمي فقد جاءت فرصته ليخبرها عما جاء من اجله ، نظر لها ورد بتذبذب :
- أنا كنت جاي يعني لو مش هتمانعي اطلب ايدك و...
قاطعته بنبرة مهتاجة وقد جحظت عيناها:
- انت اتجننت ، انت عايز تتجوز واحدة متجوزة .
هتف فهمي باعتراض وهو يستنكر حديثها:
- متجوزة ايه ، ما اهل البلد شايفين الراجل المحضر اللي كان عندكوا ، وبصراحة كدة انا اخدته على جمب واديته اللي فيه النصيب وقالي انه كان بيديكي ورقة طلاقك من اسماعيل .
تخضبت تعابير مهجة وشعرت بتوتر قاتل فقد كشف امرها ، لم تعرف ماذا تفعل الآن معه ولكن ما ادركته الآن أن والديها على علم بذلك بالتأكيد ، وبالتالي استدعوا مجيئها وربما في الأمر ما هو مضمر ، نظرت له وقالت بتردد :
- عن اذنك .
ثم استدارت لتتركه ولكنه منعها حين هتف بغير رضى :
- مقولتيش ايه رأيك يا مهجة ، انا عاوز اتجوزك .
تصلبت موضعها وردت دون ان تنظر إليه :
- سيبني افكر وهبقى ارد عليك .
قالتها مهجة وتحركت تاركة إياه خلفها يتطلع عليها بتمني ، ظلت نظراته الحالمة عليها وقال بنبرة حارة :
- حد يسيب القشطة دي ويسافر ، اما حمار صحيح .....
__________________________________
حملها بين ذراعيه وهبط بها الدرج بخفة كأنه لم يحملها قط ، ابتسمت رسيل باستحياء رغم أنه زوجها ، ولكن عدم ملامسته لها إلى الآن جعلتها تستحي بعض الشيء وتخجل من قربه منها.
اسندت رأسها على كتفه لتلفح انفاسها الحارة عنقه ، وخاصةً قروب المسافة بينهم جعلته يتنشق عبيرها بهيام وتستحوذ كامل تمنيه لها.
شعر أيهم بأنه احب عجزها لتقترب منه هكذا رغم أنه يريدها بخير ، استمرت لحظات الرومنسية بينهم والتي تحدثت عنها نظراتهم لبعضهم ؛ وصل لنهاية الدرج ليعرج بها لباب الخروج ولكن من شدة شروده الهائم فيها عرج للمطبخ واستمر للسير إلى أن ولج لداخله.
تصلبن الخادمات موضعهن لسبب قدومه هنا ، كانت رسيل تكتم ضحكاتها بأعجوبة فهي تعلم أنهم بالمطبخ ، ادركت أنه الآن متيمًا بها وتأكدت من صدق مشاعره نحوها؛ بينما تنبه ايهم لرائحة ما نفذت لداخل أنفه وقامت بتأليب حواسه وهي رائحة الطعام ، عبست ملامحه ونظر حوله بعدم استيعاب قدومه هنا ، حرك رأسه بجهل وسأل بتعجب :
- أيه اللي جابنا هنا ؟! .
ردت رسيل بمزاح وهي كاتمة لضحكتها :
- هو مين اللي شايل التاني .
بعد فترة استوعب فيها ما حدث ضحك الإثنان بشدة ، همس بحب بالقرب من اذنها :
- شوفتي عملتي فيا أيه ؟ .
عضت على شفتيها بخجل ، اومأت رسيل برأسها وردت:
- شوفت ، يلا بقى هنفضل واقفين هنا .
اشارت له على الخدم بعينيها وتابعت هامسة :
- بيبصوا علينا .
انتبه ايهم وتنحنح بخشونة ، امرهم بجدية زائفة وهو يمرر انظاره عليهن :
- يلا كل واحدة تشوف شغلها ؟ .
قال جملته مدعي الصرامة في حديثه، استدار بعدها ليخرج من المطبخ ، ما أن خرج حتى انفجرن الخادمات من الضحك ..
دلف بها خارج المطبخ وهو يبتسم لها بحب الذي لم يتخلى عنه ، قالت رسيل هذة المرة بتذمر :
- أيهم ركز بقى زمانهم مستنينا برة .
رد ببلاهة وهو يحد إليها النظر :
- ما أنا مركز أهو ، اعمل ايه أكتر من كدة .
اظلمت عينيها نحوه ، ردت باستهزاء :
- ايهم انت فاهمني كويس ، يلا بص قدامك .
تنهد بحرارة شديدة ، رد بموافقة وهو يتحرك بها نحو الخارج :
- حاضر ، انت تؤمريني .
صمت ليكمل بمغازلة صريحة بعدما دلف بها للحديقة :
- عنيك بتجنني ، بقت أحلى لما طلعنا في النور ، كل حاجة فيكي حلوة ، حتى....
بتر كلماته حين سقط بها في حوض السباحة ، صرخت رسيل واخذ هو بعض الوقت ليفهم ما حدث وهم داخل المياه ، لم يتركها أيهم بل سألها بقلق :
- انتي كويسة يا حبيبتي ، رجليكي حصلها حاجة ؟ .
تناست رسيل ما حولها لتنفجر من الضحك ، سيطرت عليها نوبة ضحك هيستيرية جعلته يضحك هو الآخر ..
ركض مروان ورانيا ناحيتهم حين شاهدوا ذلك الموقف ، دنوا منهما وتعجبوا من ردة فعلهم ، لم يعجب مروان ما حدث ، قال بعدم رضى فهو ظن أن أيهم افتعل ذلك متعمدًا :
- ايهم ايه اللي عملته ده ، انت ناسي أن رجليها لسة مخفتش .
لم تتماسك رانيا نفسها من الضحك عليهم فقد اجبروه عليه ولأول تضحك من قلبها بعد وفاة والدتها.
تجول مروان بانظاره عليهم وهو يضحكون من حوله ، حيث ظلت رسيل بضحكها الهيستيري الذي جنن أيهم وجعله يضمها إليه بحب وهو يري فرحتها امامه وهو يضحك هو الآخر.
أحس مروان أنه كبر الموضوع ولا داعي لضيقه ، حرك رأسه بنفاذ صبر منهم ، هتف بعقلانية :
- خلاص يا أيهم ، طلعها بقى ، دلوقتي هي محتاجة الدكتور يغيرلها على رجليها .
انتبه ايهم لحديث والده وكف عن الضحك ولكن رسيل لا ، سبح بها وهي في احضانه ووصل بها لحافة حوض السباحة ، اجلسها على طرفه وصدره يعلو ويهبط ، توقفت رسيل عن الضحك ونظرت له بحب وحياء بائن وهي تلتقط انفاسها بقوة ، ابتسم بشدة وسألها من بين انفاسه :
- كويسة يا عمري ؟ .
اومأت برأسها ولكن لم تستطع التفوه بكلمة واحدة ، فرد مروان عليه فقد اغتاظ منه كونه لا يستحي مما يفعل في حضورهم :
- كويسة يا ايهم وعيب كدة .
هنا نطقت رسيل واكدت :
- حبيبي انا كويسة ، يلا اطلع انت لسة تعبان .
نظر لها بمحبة كونها تخشى عليه ، بينما استأنفت وهي تدنو منه لتهمس بمكر :
- وابوس ايدك ركز بقى ، هتودينا في داهية......
__________________________________
اخذهم ايهاب لرؤية منزله الذي سيتزوج بها فيه، تحركت سيرين لداخل المنزل موزعة انظارها على زواياه بحب وشرود في حياتها المستقبلية معه، كانت والدتها رئيفة على النقيض، ترمق ما حولها بعدم رضى، تماسكت في نفسها الا تتفوه بكلمة تنزعج ابنتها منها فهي تريد سعادتها، تجولت سيرين في المنزل بجانب ايهاب وهي تختلس له النظرات العاشقة والخجل متملك منها ، وذلك بعدما اخذها ايهاب لترى غرفة نومهم ، شعرت سيرين بالإستحياء وهي تتأملها ، أحس بها ايهاب ولكنه لم يطيل فيها وقال بتفهم :
- تعالي نشوف اوضة الأطفال .
شهقت سيرين واضطربت من الداخل حين تسارعت دقات قلبها ، خجلت من كون أنه سيكون بينهم أطفال ، كان ايهاب يهدأها من التوتر والواضح أنه عقد الأمر أكثر ، تنحنح ليقول بحرج :
- تعالي نقعد احسن معاهم برة ، فيه بلكونة حلوة قوي .
اومأت برأسها وهي تبتسم بخجل ، دلفا الإثنان للخارج ووجدت والدتها تقابلهم برفقة مازن الذي تذمر من مجيئة ولكن لابد من وجوده حتى لا تبقى والدته واخته معه بمفردهم فهذة الأصول ، دنوا من والدتها ومازن ونظرت لها رئيفة وسألتها بنبرة أظهرت أنها لم يعجبها ما تراه:
- ايه رأيك يا سيرين ، البيت عاجبك ؟ .
استشعرت سيرين عدم رضى والدتها كونها نشأت في مكان أرقى من ذلك بكثير ، ردت سيرين بنبرة متوترة :
- أيوة يا ماما عاجبني .
زمت رئيفة فمها للجانب متذمرة ، ايقنت بداخلها أن ابنتها لن تتحمل كل ذلك فهي ادرى بمدى رغبتها في ابتياع الاشياء وبالتأكيد معه سوف تُحرم من كل هذا ، صمتت مجبرة لمناقشة الموضوع فيما بينهم أفضل حين نظرت لها بمعنى تفهمته سيرين ، وعن ايهاب تجاهل ضيقها الذي ادركه كونه يقدم ما يوازي طاقته ، فابنتهم تحبه وهو يفعل ذلك من اجل حبها له ولا يريد خسارتها ؛ وجه ايهاب بصره نحوها ليقول بنبرة حازمة :
- سيرين أنا مش عايزك من النهاردة تقلعي الحجاب ، يعني مرة تلبسية ومرة تقلعيه الموضوع دا مش عاجبني ، وأنا مش شايف اي سبب يخليكي تقلعيه ، مافيش احسن من الادب وان البنت تحافظ على نفسها وتحترم جوزها .
نظرت له بحرج وابتلعت ريقها وهي تطيعه :
- حاضر يا ايهاب ، من النهاردة مش هقلعه ابدا .
ابتسم برضى ولكن مازن شرد في رد اخته السريع له ، فحبها له جعلها تنصاع لرغبته دون تفكير ، ابتسم في نفسه بسخرية من الأخيرة وردة فعلها حين أخبرها بذلك ؛ تنهد مازن بحزن ممزوج بالإستياء وهو يفكر في تفضيلها أن تبقى كما هي على أن تختار البقاء معه ، كلحت تعابيره فقد كن لها الكثير من الحب والتعود ولكن ماذا عنها ؟ ، الزم نفسه بالتأني وربما الخير فيما بعد ؛ اخرجه من شروده وكذلك تنبه الجميع حين تحدثت ملك بمرح وهي تتحرك نحوهم حاملة صينية كبيرة من المشروبات الباردة :
- أنا جبتلكم العصير بنفسي......
___________________________________
افاق من نومه بتقاعس شديد وهبط الدرج ليشتم القليل من الهواء في حديقة الفيلا ، تحرك عمرو للخارج ولكنه وقف لينتبه لوجود ذلك البار الخاص بالمشروبات ، غير مسار طريقه وتوجه ناحيته ، وقف عمرو امامه لبعض الوقت يتأمل ما يحويه ، مجرد رؤيته للخمور جعلته يتذكر تلك المرة التي تجرع فيها الكثير لتظهر ثمالته ومن ثم محاولته الإعتداء على ابنة عمه، كره نفسه في تلك اللحظة فهو ليس بتلك البشاعة ليفتعل ذلك ، من وقتها وقد اعهد نفسه على عدم تجرعه ، تنهد بعمق واستدار ليتوجه للخارج، تراجع فجأة للخلف لينصدم من وجودها امامه، حيث ولجت جيسي الفيلا بعدما قررت المجئ إليه ، حدقت فيه بنظرات ذات مغزى واخذت تتحرك ناحيته ، تصلب عمرو مكانه للحظات لم يستوعب فيها سبب حضورها خاصةً تعنيفه لها في آخر لقاء بينهم ، امتعض من الداخل وهو يمرر انظاره عليها باستهجان ، تجاهلت جيسي نظراته واستمرت في التحرك ناحيته ؛ وقفت امامه مباشرةً لم يفصل بينهم سوى بضع سنتيمترات ، تأفف عمرو من وجودها وهو بمفرده ، قال بتبرم:
- عاوزة ايه ؟، مش عيب بنت تيجي لواحد عايش لواحده .
عبثت في خصلات شعرها بلا مبالاة استفزته ، في حين قرر عمرو اغاظتها وأثارة حنقها حين اكمل بوقاحة :
- آه نسيت ، ما هو عادي بالنسبة ليكي ، ايه بس اللي هيخليني استغرب ، حاجة واضحة زي عين الشمس ، بس انا قولتلك أن انا ماليش في السكة دي .
لم تتعجب جيسي وقاحته معها ، فقد جاءت من أجل شيء ما وعليها تنفيذه الآن ، جاءت لتأخذ حقها منه ، ظلت طوال عمرها تحافظ على نفسها ليأتي هو ويصفها بالعاهرة ، فليذهب إلى الحجيم إذًا ، تأفف عمرو وكاد أن يعنفها ليجعلها تغادر ولكنها باغتته حين هوت عليه بصفعة قوية ، رغم قوتها لم يتزحزح إنشًا واحدًا من موضعه ، حدجها بنظرات ارعبتها منه وخشيت تطاوله عليها هو الآخر ؛ هذا بالفعل ما حدث حين صر عمر اسنانه ورفع يده ليبادلها آخر:
- أنا أنضرب ، دا انتي امك داعية عليكي النهاردة .
كانت هي الاسرع حين تهيأت لذلك فقد ادركت مدى انفعاله السريع ، حيث اقتربت منه واحتضنته بقوة ، اغتاظ عمرو اكثر وحاول أن يبعدها عنه ولكن لا جدوى فإذا ابتعدت ستلقى الأسوأ منه.
بعنف شديد افلت ذراعيها من حوله وحدجها بغيظ وهو يقبض على رسغيها ، توجست جيسي اكثر منه وبدا الخوف مكتسحًا طلعتها.
بيد واحدة قبض عمرو على يديها معًا وبيده الأخرى تهيأ لصفعها ، في تلك اللحظة باغتته مرة ثانية حين ركلته بركبتها في منطقة ما تحت الحزام لتتسبب له في الم عنيف ترك يديها على اثره ، لم يعرف كيف يفعل معها فالموقف محرج فقد ركلته في منطقة حساسة ، نظر لها بغضب وألم في حين تطلعت عليه بتشفي فما فعله معها ليس بالهين لتتقبله هكذا ، قالت بشماتة :
- تستاهل ، قولتلك لسة متعرفنيش .
تنفس بغضب ودنا منها ليمسك بها ولكنه تعثر ليسقط على الارض ويأخذها معه ؛ اضحى الموقف أكثر إحراجًا وهو فوقها بالكامل ؛ نظرت له جيسي بابتسامة واسعة ولم تخفي فرحتها ولم تستحي منه لا تعرف لما ولكنها تقبلت ذلك ، كان عمرو على النقيض وأسرع في الإعتدال والبعد عنها ، طوقت عنقه لتمنعه تريد التطلع عليه لبعض الوقت ، لم يرتضي بما تفعله وقال بنبرة مزعوجة:
- سيبيني .
حركت رأسها بنفي وردت بمكر :
- مش قبل ما اخد حقي .
تجاهل عمرو حديثها فالوضع ليس بجيد ليظلا هكذا ، رفعت راسها لتصل له تريد تقبيله، لكنه ابعدها بعنف ونهض من عليها ؛ كزت على اسنانها منزعجة من رفضه لها ، ايقنت شخصيته الآن لتردد دون وعي منها:
- بارد .
هندم عمرو هيئته ونظر لها وهي مستلقية على الأرض ، هتف بامتعاض :
- هتفضلي كدة ولا ايه ، يلا قومي ويا ريت تمشي ومتجيش تاني .
تجهمت تعابيرها ولم ترد عليه ، مدت ذراعها نحوه ليعاونها على النهوض ؛ على مضض منه عاونها حين امسك بيدها ورفعها.
بهدوء مريب هندمت جيسي ملابسها ولم تنظر إليه ، انحنت لتجلب حقيبتها واستدارت مغادرة وسط نظراته ، قالت وهي توليه ظهرها :
- أنا جيت اعرفك اني مش زي ما انت فاهم ، انا متربية ومش هسمحلك تقول عليا حاجة ، انت سامع .
حملت نبرتها التهديد له ، انصت هو لها فهو لم يتعمد التطاول معها ولكنه جاهل لكيفية التعامل مع الجنس الآخر ، بينما اكملت جيسي بمعنى :
- ولازم تعرف أني عمري ما في ولد لمسني ، انت أول واحد اقرب منه بالشكل ده .
قالت جملتها المزعوجة وتحركت للخارج بخطوات سريعة ، تنهد عمرو بضيق وهو يتابع خروجها فقد احس بأنه تمادى معها فقد نعتها بلفظ بشع كونها ابنة رجل في اخلاق السيد كارم فهي بالتأكيد ستتوارث منه بعض العادات السليمة.
تذكر ما كانت تريده ولم ينكر أنه أراد تجربة الأمر، فهو لم يفعلها من قبل، لكنه استحرم في نفسه ذلك كونها غريبة عنه ولكن خالجته عدة افكار غير مستحبة ناحيتها.
نفض عمرو الأفكار تلك من رأسه ليعنف نفسه بصوت مسموع:
- انت اتجننت يا عمرو ، ايه اللي بتفكر فيه ده.....
__________________________________
على طاولة الطعام جلسوا يتناولوا فطورهم في صمت ، انتهى رؤوف ليطالع حاسوبه النقال لرؤية بعض اعماله على عجالة كمتابعة منه لسير العمل في غيابه ، كما أنه لدية موضوع هام لإنهاءه فقد تأخر الحديث فيه وهو سيكون مفاجأة للجميع ولذلك التزم الصمت في عدم البوح به ؛ اثناء مطالعه لبعض الأخبار سقطت عيناه على عنوان جذب انتباهه وهو "فضيحة ابنة رجل أعمال معروف في احضان عشيقها اثناء قضاءها ليلة حمراء برفقته " ، كلحت قسمات رؤوف وانزعج من تداول مثل هذة الأخبار التي تخوض في اعراض البشر، تنهد بانزعاج وردد بمقت:
- لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
انتبهت سالي له ونظرت لوالدها الذي اظهرت هيئته أنه رأي ما هو غير مستحب ، وعن اسماعيل لم بهتم كثيرًا في حين سألت سالي والده بعدم فهم :
- خير يا بابا ، شوفت ايه يضايقك كدة .
نظر رؤوف لها ورد بنبرة متأسفة لما رآه :
- الناس مبقاش عندها ضمير يا سالي ، واحد مصور واحدة كانت سهرانة معاه وفاضحها على الانترنت في كل مكان .
انقبض قلب سالي من حديث والدها وتخيلت نفسها موضع تلك الفتاة وأنها مهددة مثلها، خشيت افتعال هذا الحقير معها بالمثل ، ابتلعت ريقها ودفعها فضولها لرؤية هذة الشابة المسكينة.
مدت يدها لتمسك حاسوب والدها لترى ما به ، نظرت للشاشة وتأملت الفيديو جيدًا ، شحب وجهها وهي ترى أنها المقصودة ، جحظت عيناها وارتجف بدنها وصكت اسنانها برعب مستطير وهي تجد أنها هي ، كان الحقير يتلاعب بها وادركت ذلك حين غطى وجهها كي لا يظهر ، ادركت أنه ليس من السهل اللعب معه ، وقعت سالي في وطأة من لا يرحم لتجد نفسها على حافة الهاوية.
تجمدت الدموع في عينيها نتيجة حالة الصدمة التي تملكت منها ، انكمش جسدها لتشعر ببرودة بعدها جعلت يديها ترتعش بقوة أدت لسقوط الحاسوب من يدها.
تنبه اسماعيل لها ونهض على الفور حين رآها هكذا ، وكذلك رؤوف الذي جهل ما حدث لها فجأة وانتفض من مقعده ليتوجه ناحيتها ، حملها اسماعيل بين ذراعيه فحالتها تسوء ، خارت قواها ليغشي عليها بين ذراعيه مما ارعب اسماعيل على حالتها ، في حين صرخ رؤوف بهلع مستطير :
- بنتي سالي ......
____________________________________
ترجل من سيارته وولج داخل شركته بسعادة لم يجدها سوى اليوم ، شرد أيهم طوال طريقه في الصلح الذي حدث بينهم كخطوة اولى له معها.
لم تفارق الإبتسامة وجهه وتمنى عدم تركها ولكن عمله يستدعيه فهو مؤجل ، اتسعت ابتسامة فمن يراه هكذا يصفه بالمعتوه ، تذكر اعترافها بحبها له وتنهد براحة غير معهودة منه فقد قالتها له العديد من الفتيات ولم يستلذ حلاوتها إلا حين نطقت بها ، تحلى بالصبر فالعمر بينهم ولا داعي للإستعجال فهي زوجته وستظل فهو لن يتخلى عنها حتى إذا ارادت ذلك ، هي من تمناها زوجة وستبقى .
سار ايهم بالرواق المؤدي لمكتبه بخطوات رزينة ، وجه بصره للسكرتيرة الجالسة تتابع اعمالها بجدية ، قال لها بعملية :
- ناديلي ماجد بسرعة ، بلغيه اني عاوزه .
نهضت السكرتيرة على الفور مبدية احترامها له ، ردت بعملية:
- دا مستني حضرتك جوه من بدري يا فندم .
استغرب ايهم ولكنه لم يعلق ، توجه لباب مكتبه وفتحه ليجده جالسًا بالفعل وينتظره ، نهض ماجد ليقابلة في حين تحرك ايهم نحو الداخل ، سأله بفضول وهو يدور حول مكتبه ليجلس على مقعده:
- خير ، ايه اللي مخليك تستناني من بدري كدة ، الشغل فيه حاجة؟ .
جلس أيهم وانتظر رده ، رد ماجد بنبرة مستاءة وهو يجلس :
- مش خير يا أيهم ، فيه مصيبة حصلت النهاردة الصبح .
تبدلت ملامح ايهم للعبوس ، هتف بعدم رضى :
- انطق يا ماجد على طول ، اصل الواحد خلاص مبقاش يعرف يفرح شوية .
تنهد ماجد بعمق شديد ليفرغ بعض من ضيقه ، رد بمعني وهو ينظر إليه:
- الموضوع بخصوص سالي .
تنبه أيهم لما تفوه به وانصت له باهتمام شديد ، فاستطرد ماجد:
- رغيد الواطي سرب صور ليها لما كانت معاه ، اتاري الحقير ده كان بيهدد فيها واحنا مش عارفين ، مصورها لما كان معاها في الليلة إياها ، والله اعلم عمل كدة ليه ونشر صورها .
نظر له ايهم بعدم تصديق وبدا الغضب يظهر في عينيه ، ادرك ماجد حالته وتابع موضحًا :
- بس محدش عرف أنها هي ، لأنه كان مغطي وشها ووشه هو كمان ، انا مش عارف ليه بيعمل كدة ليه معاها ، المفروض انه كان بيأذيك فيها لما عمل كدة ، انا محتار قوي بجد .
لم ينطق ايهم بكلمة واحدة وتجمدت الكلمات في حلقة تأبى الخروج ، شعر بالأسى حيالها والشفقة على وضعها ، هو من اوصلها لذلك ليضحى هذا مصيرها بفضل هذا الحقير الذي يتعمد إيذاءه في كل شيء يمتلكه ، هداه تفكيره ليخشى أن تتمادى اذيته لتصل لزوجته ، اقسم بداخله أنه سيتمنى موته مما سيفعله به إذا كان هذا ما ينتويه من افعاله تلك ، ظهر الغضب عليه واستفاض على هيئته ، في حين خشي ماجد تهوره ، سأله بحذر :
- أيهم تفتكر هو بيعمل كدة ليه ؟ .
انتبه له أيهم ونظر له بملامح تجمد الغضب عليها ، رد بغموض ولكنه اظهر قسوته المكبوتة:
- أنا عارف هو بيعمل معاها كدة ليه ، خليه يفكر يستغلها في حاجة وهيشوف ، صمت ليكمل بعدها باستياء:
- يا ترى عاملة ايه دلوقتي بعدم ما عرفت ....
__________________________________
فتحت عينيها ببطء لتعود من غيبوبتها المؤقته ، نظرت سالي لهم وهي ترى القلق في نظراتهم نحوها ، اكتسح الشحوب وجهها وبدا الضعف عليها، شعرت بأنها تريد انهاء حياتها لا تريد المزيد فقد اكتفت ، وجدت والدها الذي جلس بجانبها على طرف الفراش يمسح على شعرها بحنان جلي ، قال رؤوف بحزن:
- حبيبتي يا بنتي ، ايه اللي حصلك ؟ .
ابتسمت له بوهن كي تطمئنه عليها وكي لا تثير ريبته ويربط ما رأته لما حدث لها ، قالت بضعف :
- أنا بخير يا بابا ، بس تلاقيني علشان كنت عاملة رجيم قبل الفرح تعبت وكدة .
دنا منها وقبل جبهتها ، قال بنبرة حنونة :
- حافظي على صحتك يا حبيبتي ، انتي بنتي الوحيدة وماليش غيرك في الدنيا دي .
ابتسمت له سالي مدعية القوة ، التفتت لاسماعيل الذي يجلس على الناحية الأخرى وقالت :
- اسماعيل انا كويسة ، ممكن بس ارتاح شوية ، عايزة اقعد لوحدي وانام شوية .
اومأ رأسه بتفهم ، رد بامتثال :
- براحتك يا سالي ، بس لو حسيتي بأي حاجة انا هبقى قريب منك ، ناديلي بس .
هتفت باعتراض فهي لا تريد وجود احد معها :
- لأ ، انزلوا وخلوني لوحدي ، عايزة اقعد مع نفسي شوية .
نظر لها اسماعيل بعدم فهم ، نظر لوالدها الذي لم يجد مانعًا في ذلك ، حيث نهض رؤوف وقال بنبرة محببة :
- براحتك يا حبيبتي ، ارتاحي وناميلك شوية .
ابتسمت له ونظرت لاسماعيل بنظرات تعلن أنها بخير ، تنهد بعمق ودلف للخارج برفقة والدها ، تتبعتهم سالي باعصاب مشدودة حتى اوصدوا الباب من خلفهم ؛ اعتدلت لتبحث عن هاتفها ، رأته على الكومود فالتقطته على الفور ؛ همت بالإتصال بهذا الحقير لتعرف ماذا يريد منها ، بدا عليها الإنزعاج وهي تكز على اسنانها بقوة ، وضعت الهاتف على اذنها لتنتظر رده عليها ؛ بعد وقت لم يجيب وعاودت الإتصال به مرة واخرى وكل مرة تزداد شراسة لعدم ايجابه عليها ..
في الناحية الأخرى كان ممسكًا بهاتفه وينصت باستمتاع لرنات هاتفه القادمة منها ، ابتسم رغيد بشيطنة شديدة ، ماطل في الرد عليها لتصل هي إلى النقطة التي يريدها منها ، ألا وهي الطاعة الكاملة له فيما سيأمرها به ؛ وجد أن لا مانع من الإيحاب الآن فقد استوت ليجني من خلالها ثمار مكره القادم ، رد ببرود مستطير استفزها بدرجة عالية :
- اهلا بالعروسة .
هتفت سالي بغضب حين اجاب عليها ولكنها اخفضت صوتها :
- عاوز مني ايه يا حيوان ، مش كفاية اللي عملته معايا ، ربنا ينتقم منك ، ابعد عني ربنا ياخدك .
ابعد الهاتف عن اذنه كي لا يستمع لحديثها وتعامل مع الموقف ببرود ، قربه من اذنه ليجدها توقف ، رد بضجر :
- خلاص خلصتي .
ردت بنبرة مهتاجة :
- انطق عاوز ايه انا على اعصابي .
التوى ثغره بابتسامة ماكرة فهذا ما اراده ، رد دون مقدمات كي لا يزعجها أكثر :
- عاوزك تساعديني اوصل لمرات أيهم .
هتفت بعدم تصديق حين سكنت موضعها:
- انت بتقول ايه ، انت عارف بتطلبي مني اعمل ايه .
رد بعدم اهتمام :
- هتساعديني وهو دا شرطي ، هتنفذي ولا ابين وشك الحلو ، بصراحة الناس هتتبسط اكتر لما وشك يبان وهيجيب مشاهدات نار.
اغمضت سالي عينيها لتبكي في صمت شديد فقد انتهت ، لم تجد امامها سوى الموافقة على ما يطلبه منها لتخرج من تلك الفضيحة التي تنتظرها وستطيح حتمًا بوالدها ، قالت بعد فترة صمت بصوت متحشرج :
- طيب عاوزني اعمل ايه ؟ ، انا سمعت أن رجليها مكسورة .
رد بابتسامة واسعة مرحبة :
- عارف كل ده ، التنفيذ هيبقى لما تخف ان شاء الله وتبقى حلوة ، وبخصوص دورك هيبقى ايه ، اسمعيني يا ستي.....