رواية القيادي الفصل التاسع عشر 19 بقلم إلهام رفعت


رواية القيادي الفصل التاسع عشر 19 بقلم إلهام رفعت



وضعت يدها على فمها تنتحب في صمت لما حدث بينهم بالأمس ، انسابت العبرات على وجنتي رانيا لتبلل تلك الوسادة المستندة عليها ، اغمضت عينيها وخرجت شهقة متمردة منها أخترقت آذانه واستشعر بها. 

تنمل مصطفى في نومه وفتح عينيه ناظرًا إليها ، كانت رانيا توليه ظهرها ، وضع يده على كتفها العاري وملس عليه برفق قائلاً :

- رانيا أنتي زعلانة على اللي حصل بينا .

ثم استند على ساعده وانحنى برأسه ليتمكن من رؤية وجهها ، نظر لها بضيق حينما رأى دموعها ، مد يده ليبعد يدها عن فمها لترتفع اصوات بكاءها قليلاً مما ازعجه منها ، ادارها مصطفى إليه ومسح بأنامله دموعها التي كست وجنتيها ، نظرت له رانيا بأعين محتقنة من كثرة البكاء فحزن هو لذلك ، استنكر بداخله عدم ارتضاءها لما حدث بينهم واستطرد :

- معقول كل ده علشان كنا مع بعض ، هو دا حبك ليا .

كفت رانيا عن البكاء ليهتف مصطفى بجدية :

- خليكي معايا هنا على طول ، انسي حياتك اللي كنتي فيها دى ونعيش مع بعض .

تنهدت بعمق لتُهدأ انفاسها ، نظرت إليه ولامت نفسها على انسياقها وراء اغواءاته لها وشهوتها ، التوى ثغره للجانب من نظراتها اللائمة ، صرخ فيها بانزعاج :

- متبصليش كدة ، على اساس كان غصب عنك .

لم تتحمل رانيا حيث دفعته من صدره بقوة ليبتعد عنها ، فارتد للخلف مدهوشًا منها ، نظرت له بغضب وهي تهتف بعصبية :

- أنا ضعفت علشان بحبك ، قولي هعمل ايه في اللي عايز يتجوزني ، وأمي اللي لو عرفت ممكن تروح فيها ، كل دا مفكرتش فيه ، كل اللي يهمك مزاجك وبس .

وبدأت تنتحب بشدة وبكاءها يملأ الغرفة ، تصلبت انظار مصطفى عليها وشعر بوخزة في قلبه من رؤيتها تبكي هكذا ، دنا منها وهو يقول بنبرة هادئة رغم نفاذ صبره :

- قولتلك نتجوز عرفي ، أنتي اللي رفضتي .

حدجته بغضب وصرت اسنانها ونهضت من على الفراش وهي تحكم الملاءة على جسدها وسط نظراته المتعجبة ، سألها بعدم فهم:

- رايحة فين ؟ .

انحنت لتجلب ملابسها من على الأرضية لترتديها ، ردت بضيق وهي لا تنظر إليه :

- رايحة في داهية ، ملكش دعوة .

زفر بقوة فقد سئم من معاملتها تلك ، هتف بانزعاج :

- رانيا رايحة فين ؟، خلينا مع بعض شوية .

نظرت لها بغيظ مكتوم ، ردت ساخرة :

- طول الليل معاك ، انت ناسي اني نمت هنا وزمان ماما هتقول ايه دلوقتي لما تعرف أني نمت برة .......

_________________________________


تسطح على الفراش منكمشًا في نفسه وضامًا ركبتيه بكلتا ذراعيه لصدره ، اختلى ايهاب بنفسه يواسي مشاعره المحطمة ، اطبق على صدره بقوة غير مستوعبًا ما رآه ومستنكرًا لحديث أخته ، تملكت هي من احلامه واخترقتها وتمناها له ، حظي بها هذا الغريب وما أدهشه موافقتها عليه فلم يتعرف أحد عليىسبب مجيئه بعد وهويته لم تتضح كاملة رغم ما ينعم به فهذا ليس سببًا كافيًا لترتضي به ، تجاهل تحذيرات اخته من الإنسياق وراء الأوهام، ولزامًا عليه الآن أن يتمنى لها السعادة فهذه من سمات المُحب ، حاول ايهاب تهدئة تلك الأحزان المتأججة بداخله ثم اعتدل في نومته ونظر امامه عازمًا على فعل شيء ما ، هتف بنبرة حادة بعض الشيء:

- ما فيش غير كدة علشان انسى حبك ده......

_________________________________


ضغط عدة ارقام عازمًا على مهاتفتها والتوى ثغره للجانب بابتسامة ذات مغزى ، وشعوره بالنشوة لما وصل إليه في وقت ضنين لا يُذكر ، أستند أيهم على المقعد ورفع يده لخلف رأسه ليسندها عليها ورفع قدميه أعلى الطاولة قدم فوق الأخرى ، ثم انتظر ردها عليه بأعين ماكرة، جاء صوتها الرقيق وهي ترد عليه:

- أهلا أيهم .

اتسعت ابتسامته الخبيثة وهو يشدد على نطقه في الرد عليها:

- صباح الخير يا حبيبتي .

ابتلعت ريقها وارتبكت من غزله لها قبيل أن يجمع بينهم شيء ما ، تملك منها الخجل والتوتر ، استشعر أيهم خجلها وهي نقطة ضعفها التي ادركها ، تمادى أكثر معها ليشعرها بمدى هيامه الزائف الذي دبجه في حديثة ، استأنف بوله مصطنع :

- ايه يا حبيبتي ساكته ليه ، انا قولتلك قبل كدة أنك حلوة وعنيكي أحلى .

وضعت رسيل يدها على فمها لتكتم شهقة مصدومة شاعرة بالحرج لما يتفوه به وتسارعت انفاسها، حاولت أن تستكين قليلاً وتورعت عن الحديث معه بتلك الطريقة المُعيبة من وجهة نظرها، تعجب أيهم من صمتها الذي طال وتخيل أنها ربما أغشي عليها من كلماته ، كتم ضحكته وهو ينتظر ردها وعندما جاء ردها الذي فاجأه والذي فطن أنها تريد تغيير الموضوع ،سألته رسيل بتردد:

- مقولتليش ايه هو سبب وجودك هنا ، جيت هنا ليه؟.....

_________________________________


أوقف سيارته بعيدًا ممتثلاً لرغبتها ، وجه مصطفى بصره تجاهها وجدها على حالتها ، زفر بقوة وهو يهتف بامتعاض من مبالغتها في الإملاق مما حدث بينهم :

- خلاص بقى ، كان حصل ايه لكل ده ، انتي مكبرة الموضوع قوي. 

ادارت رأسها سريعًا ناحيته ورمقته بنظرات منزعجة من رعونته الزائدة وعدم اكتراثه لما فعله معها ،هتفت بتجهم:

- انت معندكش دم ، انت فاكر اللي حصل ده سهل .

رد ببرود استفزها لأقصي الحدود :

- عادي .

ضغطت على شفتيها وحدقت فيه باستياء من هدوءه المستفز ، هتفت وهي تقاسي مرارة ما حدث :

- عندك حق ، ما الحاجات دي اصلها عادي عندكوا ، اما أحنا مين يحس بينا ، اصلنا معندناش غير شرفنا .

تأفف مصطفى لا يريد سماع المزيد ، ولكنها اكملت بصوت مُختنق اوشك على البكاء:

- طول عمري عايشة في الفقر اللي انت نفسك مجربتوش ، واللي كان عندي سيادتك ضيعته مني .

نفذ صبره وحدق فيها بنظرات منزعجه وهو يمسك رسغها بقوة جعلتها تتألم ، هتف من بين اسنانه مُحاولاً كبت غضبه :

- على اساس مكنش بمزاجك .

لم يبالي بتعابيرها المتألمة واكمل بانفعال خفيض :

- قولتلك سيبي كل حاجة وتعالي معايا ، انتي اللي مُصرة تقعدي في القرف ده .

تجهمت ملامحها وحاولت الإفلات من قبضته التي اعتصرت رسغها وفشلت، فنظر لها بضيق ونحى يدها بعنف وهو يردد بنبرة حادة :

- انزلي ، وأحسنلك تفكري في كلامي .

نظر لها بقسوة واستطرد بتهديد صريح:

- وإلا هتندمي ، لأني مش هقبل حد غيري يلمسك....

_________________________________


لم يتأهب لذلك السؤال ولم يطرأ على ذهنه تلفظها بسؤال كهذا ، أرتبك أيهم وهو يحاول اختراص اجابة مُقنعة لتُخرجه من تلك الورطة التي هوى فيها دون سابق أنذار ، تنهد بهدوء ورد عليها بتردد بعدما هداه تفكيره لرد ما :

- أصلي جيت هنا علشان أغير جو ، لأني كنت متضايق واخترت مكان بعيد شوية عن اللي أعرفهم وجو القاهرة ، فهماني يا رسيل انا اقصد ايه .

انصتت له رسيل باهتمام مقتنعة إلى حد ما ، زمت شفتيها بتفكير تريد ان تستعلم أكثر عن حياته المتنابزة عنها ، سألت بمفهوم :

- انت بتشتغل ايه يا أيهم ؟،كلمني عن نفسك شوية ، عايزة اعرف عنك كل حاجة .

ادرك سؤالها وعليه اعلامها ببعض المعلومات عن شخصيته الغامضة لدي الكثير ، اجابها بجدية :

- انا عندي بابا وعايش معاه ، وماما ماتت وأنا صغير ، عندي شركتي الخاصة وهي بتاعتي لوحدي غير بتوع بابا.

مطت شفتيها بانبهار لذلك المستوى الذي ستنعم به ، استأنف أيهم بتعال :

- عايش حياتي عادي ، كل حاجة عندي والكل تحت أمري.

رفعت رسيل حاجبيها من مبالغته الزائدة في وصف نفسه كما تظن هي ولكنه لم يبالغ فهي تلك حياته واوردها معلومات جدية عنه ستنبثق فيما بعد عندما تصبح معه ، ادركت رسيل غروره وتأففت من الداخل ، ردت بملل وهي تسأله:

- مين اللي هيجي يطلب إيدي ؟ .

جاءت النقطة الحاسمة في الموضوع، رد بارتباك داخلي:

- أنا وماجد ، بابا هيبقى يجي بعدين لأنه مسافر .

اومأت برأسها وهتفت بتنبيه :

- أنت عارف عمرو كويس ، لازم تبقى جاهز لأي حاجة ممكن يقولها .

جهل أيهم ما ينتويه ذلك السمج ، فتابعت رسيل :

- ممكن يطلع فيك أي عيب علشان رفضت اتجوزه ، هو دلوقتي زمانه هيتجنن علشان رفضته .

ضحك أيهم بصوت عالي جعلها تنتفض خجلاً من فكرة وجودها معه في مكان واحد ، هامت رسيل في ضحكته الساحرة التي تعلن مدى هيبته في جعلها تمور من مجرد اقترابه منها ذات يوم ، كف أيهم عن ضحكه ليرد بجدية ذات مغزى :

- رسيل انتي متعرفنيش كويس ، بكرة لما تبقي معايا هتعرفي أني مش بهزر في أي كلمة بقولهالك .

ازدادت ضربات قلبها أكثر ولكن خالجها سؤال ما ودت رده عليه ، تجرأت رسيل وسألت :

- ليه أنا ؟ ، ليه أختارتني انا علشان نتجوز ، كان ممكن تختار واحدة من اللي يمشوا معاك ونفس طريقة حياتك .

تنهد أيهم فقد حضر بعض الكلمات التي ستجعلها تذوب ، رد بهيام شديد زائف :

- علشان بحبك قوي يا رسيل ، انتي احلى بنت شوفتها في حياتي ، عمري ما شفت بنت احلى منك .

لم تتحمل رسيل حتى سقط الهاتف من يدها وانقطع الإتصال وتجمدت موضعها وباتت في عالم آخر محدقة امامها بتعابير غير مفهومة ، تعجب أيهم من غلق الهاتف ولكنه سرعان ما تفهم الوضع وانفجر ضاحكًا ، هتف باستنكار :

- معقول لسة في بنات كدة .

صمت ليتابع بمغزى :

- بس شكلي مش هتعب معاكي في أي حاجة ....

_________________________________


تقلقل في نومته أثر دغدغاتها على صدره العاري لتحثه على الإستيقاظ ، اخرج أنين ضعيف وتمطى بذراعيه ليقول بنعاس شديد :

- سيبيني ياما أنام شوية .

ثم غرق في النوم مرة أخرى ، كتمت مهجة ضحكها عليه وعاودت دغدغته بقوة هذه المرة ، فتلوى بجسده وفتح عينيه لينتبه لما يحدث ، ادار رأسه نحوها ليجدها بدأت في الضحك ، حدق فيها اسماعيل غير مستوعبًا وجودها معه حتى الآن ، لم يشعر بنفسه المحبة لها إلا وهو يسحبها لترتطم في صدره حتى شهقت بخفة مضطربة من حركته المباغتة، تلوت مهجة بجسدها لتبعده عنها ، ابتعدت قليلاً وهي تقول بضيق زائف :

- ايه ، مشبعتش طول الليل .

تسارعت أنفاسه وهو ينظر لها ، رد بمكر وهو يخطف قبلة :

- لأ لسة مشبعتش .

تلوت أكثر لتزيح يديه المحاوطة إياها بقوة ، هتفت بتمايع :

- طيب قوم بقى .

نظر لها بتعجب وسألها بعدم فهم :

- ليه ؟ .

ردت بدلال زاده شغف :

- علشان تفطر يا حبيبي. 

ازدرد ريقة في توق بائن ، رد بأنفاس متسارعة حارة :

- هو بعد حبيبي دي عايزاني أقوم ، دا أنا أبقى عبيط قوي. 

لم يمهلها الفرصة لترد عليه حتى طرحها بجانبه ليتذوق معها طعم العشق الذي كنه لها .....

_________________________________


هداها تفكيرها المشتت لتخرج من تساؤلاتها التي حتمًا ستُلقيها عليها أنها ذهبت لتبتاع بعض المأكولات لتناول الإفطار سويًا ، زيفت رانيا ابتسامة حتى لا ترتاب والدتها في أمرها ، مرقت لداخل المنزل على عجالة حين لم تراها ولكن استوقفها صوت والدتها التي تحركت تجاهها وتنظر لها باستغراب ، سألتها مديحة :

- كنتي فين يا رانيا ؟ .

ارتبكت رانيا ونظرت لها بابتسامة متوترة ، تقدمت من والدتها بخطوات ثقيلة ، اجابت بتردد :

- أنا كنت بجيب فطار يا ماما .

هتفت مديحة وهي قاطبة جبينها :

- دي أوضتك زي ما هي ، انتي كنتي نايمة فين ؟ .

مثلت رانيا الضيق وهي ترد باعتراض شديد لما تفوهت به:

- اسمه ايه الكلام ده يا ماما ، انام برة اية .

ابتلعت ريقها وتابعت بتبرير مُختلق :

- دا انا لقيت نفسي صحيت بدري فقولت انضف اوضتي وأنزل اجيب لنا فطار .

زمت مديحة شفتيها واومأت رأسها كأنها تجد الأمر طبيعيًا ، تنهدت رانيا بحبور ونظرت لها لتقول بابتسامة زائفة :

- مش هنفطر بقى يا ماما .

ردت بجدية :

- المهم دلوقتي تجهزي نفسك علشان عزت جاي علشان تشوفي هتعملي ايه في فرحكوا ....

_________________________________


توصل لهاتفها من عند أخته وأخذه خفية حتى يتسنى له التواصل معها ، ضغط مازن ارقام هاتفها يريد الإعتذار منها ثانيةً كونه تواقح معها ورؤيته لها في المرة الأخيرة كاسفة ومنزوية على نفسها ، وضع الهاتف على أذنه ينتظر ردها في الإجابة عليه ، عبث بأظافره بين اسنانه يقلمها في ارتباك ملحوظ ، ما أن أتاه صوتها حتى أنتصب في مكانه وابتلع ريقة يتأهب للرد عليها بهدوء ، هتف مازن بتردد :

- خلود .

علمت بهويته فور نطقه لاسمها ، التوى ثغرها بابتسامة مُغترة وتهادت في خطواتها مُتجهة لذلك المقعد ، جلست خلود واضعة ساقًا فوق الأخرى، ردت ببرود مستطير على هيئتها بالكامل :

- عاوز ايه ؟ .

ضغط على شفتيه متفهمًا برودها معه واعتزم اقصاء امتعاضه من حديثها الجامد معه فهو هاتفها من أجل الإعتذار ، تنهد قائلاً بأعتذار محتم :

- أنا بتصل علشان أعتذرلك و....

قاطعته بوقاحة أزعجته وهي تشدد على كلماتها :

- على قلة أدبك معايا ولا على قلة ذوقك ؟ .

بهت من سماجتها العلنية وفطن تلك المعاملة السيئة التي تعكس ضيقها لما اقترفه معها من تطاول وغطرفة في حقها ، حاول مازن أن يتراخى في عدم إبانة استياءه منها ، رد مُسيطرًا على انفعالاته قدر المستطاع :

- أنا آسف على كل حاجة عملتها ، سامحيني .

ظهر على محياها ابتسامة مُختالة وعبثت بخصلات شعرها ، ردت خلود بتعجرف مستفز :

- سيبني أفكر .

لم يتحمل أكثر من ذلك حتى نهض من مقعده وتشنجنت تعابيره ، احست بانفعاله من انفاسه المتسارعة التي بينت ضيقه مما جعلها تبتسم بانتصار ، اردفت باستفزاز أكبر :

- سلام مش فضيالك .

ثم أغلقت الهاتف وقهقهت بشدة على تغلبها عليه واستندت على المقعد باسترخاء تام عازمة على اسدائه العديد من الدروس حتى يستشعر مدى سخافته معها ، وعن مازن ألقى هاتفه بعنف على الفراش موبخًا نفسه على تفكيره الأهوج في استسماحها مرة أخرى، ولم يعرف لما قرر مهاتفتها، نظر أمامه متوعدًا :

- أنا اللي غلطان ، بس مش هعديهالك يا خلود وهتشوفي ....

________________________________


أحكمت سميرة ربط حزام الخصر لها من الخلف فبدا الفستان مجسدًا لإنحناءات جسدها بطريقة جذابة ، وقفت رسيل أمام المرآة ونظرت لإنعكاس صورتها والتفتت يمينًا ويسارًا لتتفحص ما أن يكون هناك خلل ما في الفستان ، اعتلى وجهها ابتسامة راضية عن هيئتها ، حدقت فيها سميرة باعجاب بائن ومدحتها :

- ايه القمر ده يخربيت عقلك .

ابتسمت رسيل بشدة ، فأكملت سميرة وهي تتطلع عليها بمغزى :

- هتسيبي شعرك ولا ...

قاطعتها رسيل باعتراض شديد :

- لا يا عمتي ، أنا مش هتخلى عن عاداتي علشان أي حاجة .

مسحت سميرة على ظهرها بلطف ، هتفت بنبرة حنونة :

- ربنا يهديكي يا بنتي ويسعدك. 

ثم تلألأت الدموع في مقلتي سميرة من فرحتها لزواجها وبأنها ستحظى بحياة كهذه ، لاحظتها رسيل والتفتت لها لائمة إياها :

- أنتي هتعيطي يا عمتو ولا أيه ؟! .

ابتسمت سميرة وهي تمسح بأناملها دموعها الوشيكة على النزول ، ردت مبررة :

- دا من فرحتي يا حبيبتي ، انتي متعرفيش أنا مبسوطة قد أيه النهاردة .

احتضنتها رسيل بقوة ، فربتت عليها الأخيرة لتمسد على ظهرها بحنان عميق ليثريها عن فقدان والدتها ، احست رسيل بتلك الراحة التي تغدقها بها عمتها من حنانها الدائم ، قطع تلك اللحظات طرقات على الباب ، وإذا بها ملك تدخل عليهم ، أغذت في السير نحو رسيل لتهتف مباركة بفرحة جلية :

- أنا مش مصدقة ، خلاص هتتجوزي يا قمر أنتي....

________________________________


أخبرها بضرورة المجيء اليوم بعدما اعلمها بأنها ليلة طلبه الزواج منها ، اغتاظت سالي وتملك الحقد منها وتوعدت ، ولكن توجسها منه يعيق انتقامها منه ، ما اراحها قليلاً تلك الخطة التي رسمها عمرو والتي ستساعدها في أخذ حقها منه بطريقة غير مباشرة لتتحاشى ضراوته معها ، ضبطت سالي اغراضها داخل حقيبتها بعدما انهت اتصالها معه مُتهيئة للذهاب لتلك القرية وهي تكمن الحقد والكره والخبث بداخلها لتصبح هذه نهايتها فسوف تخربها على الجميع كما اضحت حياتها هي....

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

تنهد عمرو بعمق غزا هيئته وابتسم بمكر لتبلد تلك البلهاء ، فقد ظنت بأنها ستنتقم بمفردها ولم تعي بأنها خطته الدنيئة من وجهة نظره والتي ستمنحه الفرصة لينال من تلك الزيجة الكثير فهي مجرد طعم وضعه ليُحفز الآخر على اعطاءه بإرادته ما يطلبه منه مقابيل الزواج منها دون جهد منه سيكلفه فوق طاقته ، وجه عمرو بصره تجاه ابيه الجالس امامه واخرج ضحكة بينت مدى سعادته ، وهذا ما جهله فريد الذي يتطلع عليه بعدم فهم ، استمر عمرو في ضحكه ليسأل والده المتعجب من أمره :

- انت بتبصلي كدة ليه يا بابا؟ .

نظر له فريد بضيق وسأله بتجهم :

- مين اللي كنت بتكلمها من شوية دي وعايزها تيجي عندنا ؟.

هدأ عمرو ورد باقتضاب ممزوج بالغموض :

- ضيفة مهمة قوي .

هتف فريد بعدم فهم :

- وضح أكتر .

نظر له عمرو وابتسم بمكر ، رد غامزًا :

- الليلة هتعرف كل حاجة......

______________________________


أنزعج مروان من تصرفات ابنه الجهولة الغير مسؤولة لزواجه بتلك الطريقة ومن فتاة كهذه وبمستوى أدنى ، هدأه أيهم بمدى رغبته في الزواج منها لأمر ما ضروري سيعلمه به حين يراه كما اوضح أنها ليست بذلك المستوى الوطيء كما يخيل له ، استنكر مروان ما يحدث دون علم منه فقد أخبره بسفره للخارج لعمل ما ولكنه تفاجأ به هنا وفي مكان وضيع كهذا ، أنهي أيهم اتصاله به بعدما شرح موقفه له ، تقبل مروان ذلك على مضض منه فهو ابنه ولم يملقه من شيء ما ذات يوم، شعر أيهم بالهدوء كونه أنتهى من مهمته الأولي السهلة بعض الشيء .

لم يتبق له سوى تلك الحرب كما يظنها هو والتي سيخوضها اليوم من أجل أن يحظى بها وتهيأ نسبيًا فيما سيحدث واستنبط ذلك بطلبه بالتأكيد للمال لمعرفته المُسبقة بشخصهم ، تنهد أيهم لينظر لماجد ، قال أيهم بمفهوم :

- مش المشكلة عندي الفلوس ، المهم عندي اخلص من عمرو ده ، وبأسرع وقت .

اومأ ماجد برأسه وهو يردد بتأكيد :

- ان شاء الله هشوفله حل وقبل ما تتجوز كمان .....

_________________________________


استدارت رسيل عائدة لداخل الفيلا بعدما غادرت صديقتها ملك ، وجدته يحملق فيها بنظرات غامضة يصعب عليها تفسيرها ، لوت ثغرها للجانب باستهزاء وتجاهلت حين أكملت سيرها نحو الداخل ، وقف عمرو امامها لتقف هي الأخرى وتنظر له بعدم فهم ، وقف عمرو قبالتها واضعًا كلتا يديه في جيب بنطاله وبداخله خبث أتقن عدم غزوه على هيئته ، رفعت رأسها بتعال وهي ترمقه بتأفف ، هتفت متنهدة بنفور :

- عاوز ايه ، زمانك بتفكر تبوظ الموضوع .

ثم صمتت لتتابع بتنبيه :

- إياك يا عمرو تعمل حاجة تضايقني .

صر اسنانه بقوة داخلية وكبت انزعاجه وهو ينظر لها بأعين خالية من التفسير ، حاول تناسي كل حديثها الفظ ليسألها بحقد مكبوت:

- شكلك بتحبيه ولا أيه ؟ .

ادركت غِيرته التي لم يظهرها ، نظرت له بثقة وهي ترد بجدية :

- قولتلك قبل كدة ملكش دعوة ، أنا حرة أتجوز اللي يعجبني .

تجهمت تعابيره وهو يرد باستهزاء :

- وهو دا بقى اللي يعجبك ؟ .

مطت شفتيها للامام وتحركت خطوة منه ، همست بمغزى لتشعره بمدى وضاعته أمامه :

- عندك أحسن منه يتقدملي ؟

نظر لها عمرو بجمود وابتلع إهانتها له ، هدأ ثورة غضبه لفترة وتناسي ذلك مؤقتًا فقط وذلك للربح من تلك المسألة ومن ثم الإيقاع بينهم بطريقة ما سيكشف عنها فيما بعد ، نظرت له رسيل بتعجب فاضحى مُتغيرًا عن الماضي ولم ينزعج كعادته ، حاولت استنباط ما هذا البرود السائد عليه ، ولكنه هتف بنبرة جامدة حاقدة :

- فيه واحدة صاحبتي جاية النهاردة وهتقعد عندنا كام يوم.

قطبت بين حاجبيها لترد بعدم اكتراث :

- هات اللي تجيبه ، انا دخلي ايه ؟! .

تنهد بقوة ليُحدق فيها بنظرات مطولة ليستشف من الآن ما سيحدث حين يرى زوجها المستقبلي تلك المرأة ، اكفهرت تقاسيم رسيل مجرد تخيلها ارتكابه لحماقة ما الليلة ، بينما حدق فيها عمرو بشرود ليردد في نفسه بسخرية :

- بكرة هتبقى غريمتك ، وأبقى ساعتها قولي ماليش دعوة....

_________________________________


نظرت شزرًا لهذا الأحمق الذي يبتسم لها ببلاهة ولم يتوانى في التحديق فيها برغبة لم يجاهد حتى لإخفاءها ، زفرت رانيا بقوة وتجهمت تعابيرها من نظراته التي تلتهم جسدها بدون حياء ، توجست بداخلها من افتضاح أمرها علي يد ذلك الغبي ، فما حدث لها وضعها في موقف لا تحسد عليه خاصةً ضيق الوقت والمُتزامن مع زواجها غدًا ، ارتابت رانيا مما هو قادم وعليها التفكير سريعًا لتخرج من تلك المعضلة التي ستودي بسمعها تحت أقدام الجميع ، انتبهت له يتحسس كف يدها ، نظرت له بنفور وسحبت يدها ، هتفت منزعجة :

- جاي عاوز ايه ؟ .

دُهش من معاملتها فقد انصاع لامرها وامتثل لشرطها في تركه لزوجته ولم تتقاعس عن معاملتها له بجمود ونفور ، حدق فيها وهو يهتف باستياء :

- مالك يا رانيا ، بقالي ساعة قاعد معاكي وأنتي ولا أنتي هنا ، ولما آجي أمسك ايدك مش طيقاني .

امتعض ليستأنف بعدم رضي :

- دا حتى جوازنا بكرة ، يعني كلك على بعضك هتبقي ملكي .

زمت شفتيها بتبرم جم لائمة نفسها على تسرعها الأهوج في سنح الفرصة له للتقرب منها ، ازدردت ريقها فقد أطبق على انفاسها ، نظرت لوجهه الذي يشعرها بالتأفف واعهدت نفسها بإيجاد الحل الذي سيخرجها من ارتباطها به وفضيحتها الحتمية التي ستقع فيها ......

________________________________


فرج يديه مرحبًا واتسعت ابتسامته مُتأهبًا لما سيجري بمجيئها، تقدمت منه سالي بخطوات مُغترة وعلى محياها ابتسامة ذات مغزى تعكس مدى المكر والحيلة بداخلها وعن عمرو بادلها النظرات الغامضة ، وقفت سالي امامه مباشرةً وخاطبته بنبرة ناعمة تُتقنها جيدًا :

- هاي عمرو .

حدجها بابتسامة خبيثة مُنتشية لما هو قادم ورد مُرحبًا بحرارة تعكس فرحته بقدومها :

- يا أهلا وسهلا ، انتي شرفتيني في فيلتي المتواضعة .

انتبهت سالي لحديثه ونظرت حولها وهي تتأمل المكان ، سلطت بصرها على الفيلا فهي مُنمقة إلى حد ما على خلاف بقية المنازل هنا مما يعكس هيبته في القرية ومكانته ، وجهت بصرها عفويًا للإسطبل ورمقته باعجاب ، سألته بمعنى :

- عندكوا أحصنة بقى ؟.

ابتسم بمصافاة ووضح لها :

- الحقيقة هو حصان واحد ، بتاع رسيل ، اجمل بنت في القرية .

كلحت تقاسيمها حينما سمعت مدحه لها ، حدقت فيه لاوية شفتيها ، ادرك عمرو غِيرتها وابتسم وهو يستأنف مبررًا :

- انا منكرش جمالها الحقيقة وأدبها ورقتها ، هي حلوة قوي ، دا غير أنها محترمة قوي حتى في لبسها .

اشتعلت سالي غيظًا فتابع بتعال:

- ومش عايزك تنسي احنا مين في البلد .

اومأت رأسها مع ابتسامة زائفة ممزوجة بذلك التهكم الذي اصابها من الموضوع برمته ، زفرت بقوة لتسأله بفتور :

- وأنا هقعد فين ؟ .

نظر لها بخبث ودنا منها ليهمس بالقرب منها :

- عندها طبعًا...


                 الفصل العشرون من هنا 

           لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة