رواية القيادي الفصل الثالث والخمسون 53 بقلم إلهام رفعت


رواية القيادي الفصل الثالث والخمسون 53 بقلم إلهام رفعت



لم تكف عن البكاء فور علمها بما أصابه، استقلت جيسي برفقة اختها احدى سيارات والدها وتوجهت للمشفى المتواجد فيه، لم تنزعج مطلقًا لما فعله معها وملامسته لها بقدر ما اكمدت من نظرات الإحتقار في عينيه نحوها وارتيابه في نقائها وتعففها. 

سدرت جيسي في أمره فأحيانًا تراه في قمة ادبه وأحيانًا أخرى يتواقح وهذا الأرجح ولكن داخله صفاءًا عارمًا ادركته منذ المرةِ الاولى، هذيت نفسها بعض الكلماتِ المدنفة فقد غار بداخل قلبها حزنؒ عميق عندما اخبرها والدها بما اصابه وخشيت فقدانه دون أن تتنامى علاقتها به، لن ترتضي تركه لها هكذا فقد بات جزءً تليدًا في حياتها ودعت الله بمرور ذلك المصاب على خير. 

باناملٍ مرتعشة مسحت جيسي بقايا عبراتها العالقة في اهدابها لتتقلد بالصبر متمنية رؤيته بحال أفضل واقنعت نفسها بذلك، لبعض الوقت المترقب منها وصلن الفتيات أخيرًا للمشفى، ترجلن وتحركن للداخل بخطواتٍ زموعة مهرولة، ركضن للداخل ليبحثن عن والدها المرابط أمام غرفة العمليات، من بداية الممر المؤدي لها لمحنه الفتيات وهرعن ناحيته لينتبه بعدها كارم لهن ونهض، دنت منه جيسي متسائلة بنبرةٍ قلقة مذعورة:

- بابي عمرو حصله أيه؟

تأمل كارم قلقها السافر عليه ليدرك حُبها له وقال ليطمئنها:

- متخافيش يا حبيبتي إن شاء الله الموضوع مش كبير دي رصاصة جات في صدره والحمد لله مش في مكان خطير

هتفت مستنكرة حديثه وقد عاودت البكاء:

- مش مصدقة، يعني هيعيش يا بابي ولا هيحصله أيه أنا خايفة قوي، طمني يا بابي متخبيش عني؟ 

ضمها رؤوف إليه وقال بنبرةٍ حزينة وهو يربت على ظهرها:

- أدعيله يا حبيبتي، هو محتاج ندعيله دلوقتي

قالت بنحيبٍ شديد متمنية شفاءه العاجل:

- يا رب يا بابي، أنا هموت لو حصله حاجة وسابني، أنا بحبه قوي ومش عوزاه يبعد عني

ثم اجهشت بالبكاء الشديد فتنهد كارم بحزن لما يحدث من حوله، تذكرت جيسي وقالت بنبرةٍ مغلولة شرسة وهي تبتعد ناظرة إليه:

- بيتر هو اللي عمل كده، أنا متأكدة يا بابي إن الحيوان دا مش هيسيب عمرو غير لما يأذيه 

نظر لها كارم لبعض الوقت يفكر في حديثها فالموضوع أكبر من ذلك بكثير وزاد خوفه على بناته وربما التخلّص منهن من بعده، شهق بخفوت مجرد تخيله ذلك وانتبهت له جيسي التي استغربت صمته المريب هذا، سألته بتعجب:

- بتفكر في أيه يا بابا ومخليك مش بترد عليا؟! 

تنبه كارم لها وتنحنح بتوتر مبررًا:

- مافيش يا حبيبي أنا بس مشغول دلوقتي بعمرو وبدعي إن ربنا يقومه بالسلامة بإذن الله

تنهدت جيسي بحزنٍ بدا هو الآخر على قسماتها وصمتت لتفكر في وضعه الآن متوسلة ربها بأن یقف معه، في حين زاغ كارم ليفكر في خطوة ما قادمة لحماية ابنتيه وحسم امره بها وذلك بعدما يفيق عمرو داعيًا الله بذلك، أخرجهم من جموحهم شهقات بكاءٍ ابتدت تعلو تدريجيًا فعلى الفور التفتوا تجاه الصوت، كانت مايا جالسة على المقعد المعدني تبكي بشدة وعبراتها ملأت وجهها وتساقطت على ملابسها، دنا والدها منها ومن بعده جيسي التي تعجبت من هيئتها تلك، سألها كارم بقلقٍ وهو يجلس بجانبها:

- مايا يا حبيبتي عاملة في نفسك كدة ليه؟

انتظرت جيسي أن تجيب لتفسر حالتها المزرية هذه، ردت مايا وهي تشهق ببكاءٍ شديد:

- هيكون علشان مين يا بابا، عمرو طبعا، لو جراله حاجة هنتحر، مش هستحمل يحصله حاجة

ثم تعاقب بكائها ما بين النحيب والشهقات المتتالية لتحدجها جيسي بنظراتٍ مغتاظة فهي تعشقه ولم تفعل مثلها وشكت في تلك الفتاة اللعينة فربما تميل له، شهقت في نفسها رافضة فكيف هذا وكزت على أسنانها كاتمة تعنيفها، في حين ابتسم لها كارم وضمها لصدره قائلاً للتهوين عليها:

- طالما بتحبيه كدة وخايفة عليه إن شاء الله ربنا مش هيحرمنا منه ولا يبعدنا عنه

رفعت مايا رأسها لوالدها وقالت بحزنٍ جارف:

- يا رب يا بابا دا أنا هتولد من جديد لو قام بالسلامة وشوفته قدامي كويس 

صرخت جيسي في نفسها وهي ترمقها باغتياظ تريد سحق عظامها بين اسنانها، رددت في نفسها بتبرم:

- بنت قليلة الادب، هوريكي بس أما أطمن عليه.....

___________________________________


هرع رغيد للخارج وهو يغذو في السير متوجهًا ناحية سيارته مزعورًا مما فعله فقد قتله متعمدًا وترك ذلك الرجل طيب القلب ورؤوفا كاسمه من خلفه جثةً هامدةً كما يعتقد، استقل سيارته وقام بتشغيلها بأيدٍ مرتعشة مرتبكة والعرق يتصبب من جبينه، قاد سيارته بسرعةٍ كبيرة ليفر من المكان وقلبه ينتفض فزعًا ولكنه حمد الله لعدم رؤية أحدٍ له وهذا ما أشعره بالغبطة، لم ينتبه رغيد للسائق الذي يجلس بداخل السيارة التي حضر بها رؤوف وانطلق هو بسيارته دون أن يتطلع حوله فكما ظنّ أن المكان مهجورًا، تعجب السائق من هيئته المضطربة ولم يكترث كثيرًا، دام بعد ذلك وقتًا لا بأس به ينتظر في الخارج أن يأتي رب عمله ولم يفعل فمنذ خروج ذلك الرجل الجاهل لهويته من فترةٍ شبه راكضًا وهو لم يرتاح للأمر ولغیابه، لكنه نفض تلك الهواجس من رأسه وانتظر، مر وقت آخر لا بأس به وزفر بفتورٍ فقد كلّ من الإنتظار، ترجل من السیارة واضطر للتحرك نحو المنزل موزعًا انظاره وهو يتقدم من الداخل على زوايا المنزل لينادي عليه بصوتٍ رخيم:

- سعادة بيه

لم يستمع لرد منه وتعمق أكثر نحو الداخل وهو يخطو بحذرٍ، ارتاب من ذلك السكون الزائل في المكان وانقبض قلبه فالمنزل خالي من وجودِ حياة بداخله، تنهد بارتباكٍ وهو يُكمل طريقه حتى وصل لمنتصف الردهة، توقف موضعه ونظر من حوله ليستمع لأي صوتٍ يصدر من أحدهم ولم يحدُث، اقشعر جسده من ذلك الصمت المريب واستدار ليترك المنزل وينتظر في الخارج أفضل، بطرف عينيه قبل أن يصل للباب وهو يحرك رأسه للجانب عفويًا لمح شخصًا ما مستلقيًا على الأرضية، ارتعد بدنه واستدار كليًا ناحيته وانصدم حين تأكد من هويته، أجل هو رب عمله، لم يثبت محله حتى هرول ناحيته ليتفقده فربما أصابه مكروهًا ما، دنا السائق منه بتلهفٍ وهو يجوب تعابيره الساكنة وخشي أن يكون قد فقد الحياة فهيئته شاحبة مثيرة للريبة، مد يده بترددٍ ناحية عنقه ليتفقد نبضه وهو يتمنى خيرًا، انفرجت شفتاه بفرحةٍ إلى حد ما حين وجده مازل ينبض بالحياة، ظنّ أنها نوبة قلب أو ما شابه وحمله بين ذراعيه بحذرٍ وتحرك بسرعة نحو الخارج ولم یشك في الرجل الذي کان هنا مطلقًا، قال السائق له اثناء طريقه للخارج معتقدًا بأنه يسمعه:

- متقلقش يا سعادة البيه، هوديك المستشفى دلوقتي وإن شاء الله هتبقى كويس

ثم وصل للسيارة ووضعه في الخلف بحذرٍ شديد واوصد الباب، استقل مقعده الاساسي وقاد بعدها السيارة بسرعةٍ كبيرة ليغادر المكان وهو يردد في نفسه بتوسلٍ:

- يا رب استرها من عندك يا رب.....

___________________________________


دلف للخارج بعدما تم التحقيق معه عن بعض الأسئلة المقتضبة والروتينية كإجراءات لابد منها فقد أوصى عليه والده من قبل ويتم التعامل معه بطريقةٍ مُغايرة عن غيره، تحرك ايهم ليقف في احدى الزوايا والمحامي من خلفه، تقدم ماجد منه على الفور حين رآه وسأله بنبرةٍ شغوفة:

- هيعملوا معاك ايه يا أيهم؟، الموضوع اتعقد قوي دا فيه اتنين من اللي اتصابوا ماتوا النهاردة

تجهمت تعابير ايهم وزفر بقوة متضايقًا فليس بمزاجٍ جيد أن يجيب على أحد وحرك رأسه بحيرة، فرد المحامي نيابةً عنه بنبرةٍ ذات معنى:

- للأسف أيهم بيه هيضطر يفضل هنا

هتف ماجد بنبرة منفعلة:

- إزاي الكلام ده، ما تعمل حاجة يا متر، هتسيبه هنا في وسط المساجين وقتالين القتلة، هما مش عارفين هو مين

فرك ايهم مقدمة رأسه بكلتا يديه واغمض عينيه مزعوجًا بشدة فلم يفعل شيئًا ليُعَاقب عليه، في حين انتبه له مدحت المحامي وشعر به فقد فعل ما بوسعه ولا جدوى، نظر لماجد المهتاج من ذلك ورد موضحًا بنبرةٍ متوترة:

- أنا كلمتهم هنا إنه لازم يكون ليه معاملة خاصة وسيادة المقدم فهم الموضوع وهيسيبله الغرفة الخاصة بتاعته يقعد فيها

اغتبط ماجد قليلاً ثم وجه بصره لايهم، سأله بحذر:

- أيهم إنت كويس؟، متقلقش أنا بقيت براجع اوراق استلام شحنات مواد البناء وأشوف مين كان موجود وهحقق معاهم بنفسي، إطمن إنت أنا مش ساكت

لم يرد أيهم عليه فهو يعلم جيدًا بأنه ما يفعله لن يُجدي نفعًا، وجه بصره للمحامي وتنهد بعمقٍ مستفهمًا بصوتٍ أجش:

- ممكن أعرف هفضل كدة لحد إمتى؟، أنا معملتش حاجة ودا مصنعي ومش معقول هبنيه بحاجات رخيصة واضيع ملايين في الهوا كدة علشان اودي نفسي في داهية وأقتل كمان، كلام ايه دا اللي بيتهموني بيه ويدخل عقل مين دا لو واحد متخلف هيعرف إنه فخ ليا ومش هيصدق كل الهبل ده

هدر ايهم بتلك الكلمات التي أظهرت إنفعاله وهو يرمق محاميه بنظراتٍ مزعوجة، تفهم مدحت عليه وقال له بنبرة ذات عزيمة:

- أنا هتصرف وهشوف حل من بتوعي، أنا أكيد مش هرضى إنك تتحبس كده، هتابع لما أخرج من هنا بعض المعلومات اللي وصلتلها وأشوف هعمل ايه، عاوزك تهدى يا أيهم بيه وتعرف إن الموضوع مش في يوم وليلة هيخلص بسهولة كده، موقفك صعب واللي عمل كدة معاك لعبها صح ومش مخلي وراه دليل حتى نعرفه بيه، حتى سيادتك بتقول معندكش فكرة مين عمل كدة ومش بتشك في حد

اثنى أيهم ثغره بابتسامةٍ ساخرة لفشل من حوله في كشف هوية ذلك الحقير الذي يعلم جيدًا بأنه وراء ما وصل إلیه والتزم الصمت في تلك المسألة الحساسة، نظر له ماجد وفطن ما يفكر به فهو لا يريد ذِكر اسمه فنظر له أيهم متنهدًا بقلة حيلة، قال ايهم بعدها بنبرةٍ ضجرة وهو يتأفف مما حوله:

- يلا وديني الاوضة اللي بيقول عليها دي عاوز ارتاح شوية دماغي هينفجر وقرفان من كل اللي حوليا ......

____________________________________


استغرق في نومه وقتًا طويلاً وأفاق بجسدٍ لاحبٍ وهو يتلوى في فراشه، رمش مصطفى بعينيه التي يكاد يرى بهن بصعوبةٍ عدة مراتٍ ليستطع الرؤية أمامه، للحظاتٍ مرت وهو كذلك حتى اعتدل بتكاسلٍ جم، ادار رأسه ناحية الكومود ليعرف الوقت فشعوره الداخلي يحُضّه بأنه غفا لوقتٍ طويل. 

مد يده ليلتقط ساعة يده التي لا يتذكر كيف شلحها من يده وحدق فيها ليجدها الثالثة عصرًا فتعجب من نومه كل هذا الوقت، تنهد بضيقٍ وجاء لينهض ولكنه تفاجأ بتلك الرعناء تدلف من المرحاض محاوطة جسدها بالمنشفة التي لا تستر منها سوا القليل، زاغ للحظات ليظن بأنه لمسها أي حدث بينهم ما يستقبحه وتجهمت تعابيره، نهض مصطفى متجهًا إليه بهيئةٍ وشيكة على الهياج، نظرت له راما بابتسامة جانبية مستهزئة بعدما تفهمت عليه، دنا مصطفى منها وشدّد من قبضه على عضدها قائلاً بانفعال:

- انا مش فاكر إمبارح نمت إزاي، عملتي ايه علشان تخليني اقرب من واحدة زيك لو السما انطبقت على الارض مش هفكر في يوم ألمسها

لم تُبين راما ألمها وابتلعت كلماته المُهينة تلك وقالت بسخط:

- وأنا مش رخيصة قوي كدة علشان اخليك تلمسني غصب عنك، أنت حر تفتكر زي ما أنت عايز، أنت واحد كنت شارب وسكران ونمت، داخلي أيه علشان تفتكر إني عملتك حاجة

تأمل مصطفى حديثها وشرد لوهلةٍ فيه فآخر ما يتذكره هو وجوده بعد إنتهاء الحفل يرتشف المشروب ولم يتذكر ما حدث بعدها؛ بينما ادّعت راما البراءة فهي من وضعت له المنوم كي تستطع إكمال خطتها التي نجحت إلى الآن بعدما ابلغها الأخير بأنها تأكدت الاخری من تخليه عنها وسيضحى له فرصة معها وتنهدت براحةٍ داخلية، انتبه مصطفى ليده وابعدها عنها والتفت ليتركها، اسرعت راما بالوقوف أمامه وقالت بنبرةٍ ناعمة:

- استنى يا مصطفى

نظر لها قاطبًا بين حاجبيه ليستمع لها، لم تتكلم راما ولكنها باغتته حين دنت منه لتقبله، لكن انتبه لها مصطفى وابعدها عنه دافعًا إياها لتتراجع عدة خطواتٍ أمامه وانزعج من فعلتها. قال بنبرةٍ احتقاریة مهينة:

- رخيصة، مهما عملتي مش هيأثر فيا

رمقته باغتياظ وتوانت معه، قالت مبتسمة بغضب:

- براحتك، بس في يوم مش هتلاقي قدامك غيري

تأفف مصطفى من حديثها الأهوج وتحرك من أمامها غير مكترثًا بها، تجول بانظاره حوله باحثًا عن هاتفه، تيقّنت راما أنه يبحث عنه تواقًا لمهاتفة الأخيرة وكبحت انزعاجها ونظراتها الحانقة تراقبه في صمت. 

وجده مصطفى على المرآة وأسرع ناحيته يريد مهاتفة رانيا، تجاهل تلك الحمقاء وضغط أرقام الأخرى أمامها كأنها نكرة، وضعه مصطفى على اذنه متلهفًا لسماع صوتها ولكنه تفاجأ بأنه مغلقًا. 

عبست قسماته واستغرب، في حين ابتسمت راما بتشفي وتحركت نحو خزانة الملابس وهي تتغنج في مشيتها لترتدي ثيابها، تنهد مصطفى بضيق وقَلِقَ عليها فمنذ عودتهم من شرم الشيخ لم يهاتفها وانشغل عنها، توجه مصطفى للمرحاض سريعًا ليغتسل وانتوى الذهاب إليها والإطمئنان عليها؛ تتبعته نظرات راما الماكرة وابتسمت ساخرة، قالت بتشفي:

- خلاص يا بيبي راحت عليك.......

___________________________________


رغم ما هي فيه من ضيق لما حدث لزوجها لم تتركها حتى غفت، لرقة قلب رسيل لم تتحمل تركها هكذا بعدما تسبب لها هؤلاء النسوة بأذيّة من الدرجة الثالثة في المنطقة السفلية ليتعثر لها الزواج من أحدهم وبالتالي حرمانها من الإنجاب. 

رددت رسيل في نفسها المتعجبة من وجود أُناسٍ بذلك الشر ببعض الكلمات لتتوسل لله بأن يرحمها فكم هي رقيقة وحيدة لا تستحق كل هذا فقد ادركت ذلك من معاشرتها لعدة ايامٍ توطّدت خلالها العلاقة بينهن. 

استقلت رسيل السيارة التي جلبها لها أيهم مع وجود بعض الحرس الخاص الذي تعجبت منه ولكنها وجدته عاديًا كونه معروفًا، قررت العودة للفيلا مستنجدة بوالد زوجها ليقف معه ويجعله يعود إليها فهي لن تتحمل بُعده عنها وتنهدت بحزن. 

ما أن صفّ السائق السيارة حتى ترجلت فورًا غير مُعطية الفرصة لاحدهم بفتح الباب لها، ولجت رسيل الفيلا متوجهة لغرفة مكتب السيد مروان وولجت دون استئذان، تفاجأ بها مروان تتقدم ناحيته وظلّ جالسًا على مقعده، لم يزجرها على ذلك ولكن سألها بقلقٍ:

- في أيه يا رسيل؟، مش عوايدك تدخلي كدة من غير استئذان

دنت منه رسيل وردت وهي تبدأ بالبكاء:

- إنت معرفتش إن أيهم أخدوه على السجن وهيحبسوه، أيهم مظلوم ومعملش حاجة 

نهض مروان سريعًا وهتف باستياء:

- إزاي دا يحصل من غير ما أعرف؟، اخدوه إمتى إنطقي؟

ردت وهي تبكي برقة:

- ماجد جالنا المستشفى وقال إنهم طالبينه في القسم ولازم يروح ضروري علشان فيه حاجات جديدة في الموضوع

تنهد مروان بضيق وتحرك نحوها، هتف بتبرمٍ:

- دايما عنيد وبيتصرف من دماغه، مافيش مرة بياخد رأيي حتى في أي حاجة بيعملها، ودلوقتي حتى مكلمنيش ويعرفني ماله

ثم وقف امامها فقالت له رسيل بنبرةٍ راجية وهي تبكي:

- أعمل حاجة علشان يرجع، متخلهمش ياخدوه من فضلك، أيهم بريء ومعملش كدة خالص لیه مش بیسبوه 

امتعض مروان مما يحدث مع ابنه ثم نظر لها قائلاً بجدية:

- أومال يعني هسيبهم يسجنوه، دا ابني 

نكست رسيل رأسها تبكي بخفوتٍ، زفر مروان بقوة وقال بنبرةٍ مزعوجة:

- مش قولت خلاص هتصرف، بتعيطي ليه دلوقتي؟

رفعت رأسها ناظرة إليه وردت ببكاءٍ كالأطفال:

- رجعلي أيهم، هما هياخدوه وهيبعد عني وأنا مش بعرف أنام غير وهو جمبي، رجعهولي هما ليه مش عاوزين يصدقوه دا طيب وهادي ورقيق قوي

صمتت للحظات وتابعت متنحنحة بسخط داخلي متذكرة عنفه معها:

- ساعات 

لم يعرف مروان يفرح أم يحزن ولكنه ابتسم فابنه فاقدًا لتلك الصفات ويعرفه جيدًا، قال وهو يمسد على شعرها بلطف:

- طيب هتصرف، ولو منفعش يسيبوه هوديكي عنده تشوفيه

هتفت رسيل بنبرةٍ مسرورة:

- بجد هتوديني أشوفه وأقعد معاه هناك وكده؟

أكد قائلاً:

- أيوة هوديكي، هكلم المحامي وأشوف وضعه أيه ولو هيفضل هاخدك ونروح نشوفه وهخليكي تقعد معاه تتكلموا لو ينفع بس ادعي ميكونش حد من الصحفين شم خبر علشان وقتها هضطر ماخدكيش معايا لإن أيهم ممكن يضايق

قالت سريعًا بنبرةٍ متوسلة:

- لا خدني برضه لو سمحت، أنا عاوزة اطمن عليه ومش هعمل صوت ومش هخليهم يشوفوني

تنهد مروان قائلاً بنفاذ صبرٍ لشعوره بها:

- خلاص يا رسيل هشوف وهوديكي تشوفيه

كفكفت رسيل عبراتها ونظرت له بمحبةٍ، قالت ممتنة:

- متشكرة جدا، أنا بحبك قوي قوي

خرجت من رسيل بتلقائية فابتسم لها مروان، قال بحنانٍ:

- أنا كمان يا حبيبتي بحبك، وببقى مبسوط لما أشوفك خايفة على أيهم وبتحبيه قوي كده ....

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

في الاعلى في غرفة السيدة ايمان جلست "لمى" على طرف التخت الخاص بوالدتها بوجه عابس خافضة رأسها وتتطلع على الأرضية وهي تصر اسنانها بانزعاج، لاحظتها ايمان وهي تضُب اغراضها بخزانة ملابسها، وضعت ما بيدها واغلقت الخزانة ثم تحركت نحوها، سألتها ايمان بجهلٍ وهي تدنو منها:

- فيه أيه مضايقك مرة واحدة كدة، إنتي كنتي الصبح فرحانة وبتضحكي، فيه حد زعلك؟

رفعت رأسها لوالدتها وردت دون مقدمات:

- رسيل

نظرت لها والدتها بتعجب وهي تستنكر بداخلها أن تكون رسيل تلك الفتاة الرقيقة أن تضايقها، قالت بتنهيدة:

- ورسيل بقى عملت ايه؟، أنا شايفة البنت من وقت ما وصلنا حاجة مؤدبة وجميلة و...

قاطعتها "لما" حين نهضت قائلة بغيظ:

- متقوليش عليها جميلة، أنا أحلى منها بكتير، وكمان مش حابة وجودها هنا وبقيت بكرهها

انصدمت ايمان من حديث ابنتها الفظ، هتفت عائبة عليها:

- أيه يا بنت اللي بتقوليه ده، رسيل مرات أيهم يعني هي ست البيت هنا ولازم تكلميها بأدب، يعني احنا هنا ضيوف ومش مسموحلك حتى تتكلمي عنها مش كويس، ولا مفكرة إنك بنت عمته يبقى هتتحكمي فيها

هتفت "لمى" بحنق وهي تكز على اسنانها بقوة:

- إنت مش قولتيلي أيهم هتجوزهولي ووعدتيني، ليه بقى مش بتساعديني علشان يسيبها ويتجوزني أنا

شهقت ايمان بصدمةٍ ونظرت لابنتها متفاجئة بما تضمُره ناحيته، قالت بنبرةٍ مزعوجة:

- هو متجوز وسعيد في حياته، عاوزاني أقوله طلق مراتك وتعالى اتجوز بنتي العيلة اللي لسة في اعدادي، وكمان أنا كنت بقولك كدة علشان ترضي ترجعي معايا وتبعدي عن أبوكي، وكمان مكنتش أعرف إنه اتجوز

اكفهرت تعابير "لمى" وقالت بنبرةٍ حزينة:

- طيب خليه يتجوزني معاها، أنا موافقة يا ماما 

بدت "لمى" حمقاء فيما تفوهت به، تأففت ايمان من الحديث معها ونفرت أيضًا من الإستماع إليها، بدون كلمةٍ واحدة استدارت ايمان تاركة الغرفة، استاءت "لمى" وتحركت خلفها وهي تستجديها ولكن ايمان لم تُنصت لها وتذمرت "لما" بشدة وهي تسير خلفها، لمحت ايمان وهي تهبط الدرج اخيها ورسيل يدلفون من غرفة المكتب فأكملت سيرها نحوهم. 


كان مروان ما زال يتحدث مع رسيل وانتبه لاخته وابنتها التي ما أن رأتها رسيل حتى اغتاظت منها فهي لم تتناسى تطاولها على ما لها، وكذلك "لما" التي نظرت كأنها تستهزء منها فكبت رسيل ضيقها احترامًا لمن حولها، سألت ايمان بتردد:

- شكلكم مش مريحني، هو حصل حاجة؟

رد مروان محاولاً التحكم في ضيقه:

- أيهم مقبوض عليه يا ايمان بسبب مصنعه اللي وقع على العمال، وللأسف فيه مات تاني منهم ودا اللي عرفته من المحامي لما کلمته دلوقتي

هتفت ايمان بقلبٍ ملتاع:

- يا حبيبي يا ايهم، هيعملوا أيه فيه مروان؟

رد مروان بحيرة وهو يزفر بضيق:

- للأسف الموضوع بقى صعب وهما حجزوه في القسم 

حزنت ايمان عليه وكذلك "لمى" التي قالت بحزنٍ بائن:

- دا أنا ملحقتش اقعد معاه يا حبيبي واحكيله عن نفسي 

حدجتها رسيل بغيظ داخلي على وشك الانفجار فيها، قالت بسخط داخلي:

۔ حد قالك مش هیرجع تاني، إن شاء الله ربنا هیرجعهولي 

رمقتها "لمى" بضیق بينما استفهمت ايمان بمعنى:

- طيب هتعمل ايه يا مروان؟، هتسيبهم يحبسوه؟

أشار على رسيل وقال بمعنى:

- هاخد رسيل وهنروح نطمن عليه وافهم الموضوع وأوصي عليه هناك اللي اعرفهم

هزت ايمان رأسها بتفهم في حين تدخلت "لما" قائلة بترجي:

- ممكن يا خالو لو سمحت اروح معاكوا، أنا عاوزة أطمن أنا كمان على أيهم

على الفور نظرت رسيل لمروان تنتظر رفضه متمنية ذلك من قلبها، تفاجأت برد ايمان التي ادركت غرض ابنتها من ذلك:

- مش هينفع يا "لما" ، رسيل مراته ومن حقها تشوفه وخالك هيروح علشان يتصرف ويساعده، إنتي بقى هتروحي ليه، ما كنت روحت معاكي أنا كمان ما أنا هتجنن عليه

زفرت "لمى" بقوةٍ منزعجة من حديث والدتها، في حين أكد مروان ذلك قائلاً بعقلانية:

- ماما عندها حق يا "لمى" ، أنا ورسيل هنروح نطمن عليه، ومتخافيش يا ستي هقوله إنك زعلانة علشانه

التوى ثغر رسيل بابتسامةٍ متشفية فيها ونظرت لها بثقة، انتوت لها "لمى" وقررت تكدير يومها وستفعل ما بوسعها كي لا تجعلها تراه ولمعت فكرة ما في رأسها وابتسمت بمكر، في حين توجست ايمان من تصرفات ابنتها الولودية وخشيت دخولها في مشادةٍ مع رسيل والزمت نفسها بالتصرف السليم معها كأُمٍ. 

ثم انتبهن ثلاثتهن لمروان يقول لرسيل:

- يلا يا رسيل إطلعي جهزي نفسك على ما أجهز أنا كمان....

__________________________________


تضايق ايهاب من زيارات والدتها المتكررة وبما تجلبه معها وتيقّن بأنها تتعمد ذلك كنوعٍ من المساعدة لهم وتنهد بضيق رافضًا، لم يظل على صمته هذا وقرر مفاتحتها في الأمر فهو لن يرتضي بذلك، توجه ايهاب لها في غرفة نومهم وهي تنفض الفراش وتدندن ببعض الاغاني الدراجة، تقدم منها لتشعر به وتلتفت له، قال وهو يقف امامها:

- سيرين عاوز اتكلم معاكي

ظنّته يريدها فابتسمت وقامت بتطويق عنقه، قالت بنبرةٍ دمُثة:

- عاوز أيه يا حبيبي

ثم التصقت به بشدة، وضع ايهاب يده على خصرها وابعدها قليلاً لفهمها الخاطئ له وقال موضحًا:

- سيرين عاوز اتكلم معاكي بخصوص أهلك

قطبت جبينها مستفهمة بحيرة:

- أهلي!، عاوز تقول أيه ومالهم أهلي؟

قالتها وهي تبعد ذراعيها عنه، في حين قال ايهاب بتردد:

- أنا مش موافق على اللي مامتك كل شوية تجيبه، وصلت بيها إنها لحد دلوقتي بتجبلك هدوم وكل شوية داخلة علينا بحاجات

ارتبكت سيرين للحظاتٍ ولكنه بعد ذلك استنكرت ريبته:

- بس إحنا لسة متجوزين وأي عروسة أهلها بيجبولها زيارات عادي ودا شيء طبيعي مكبر الموضوع ليه

رد مستهزئًا:

- بس الموضوع زاد قوي، تقدري تقوليلي الدهب اللي في الدولاب دا بيعمل أيه عندي؟

ازدردت ريقها بتوتر وقالت مبررة:

- دا دهبي وبتاعي، مش معقول تكون عاوزني أسيبه كده، دا من حقي ومش هستغنى عنه

زفر ايهاب بقوة قائلاً بحزمٍ:

- سيرين رجعيه ومش هقبل إن أهلك يبعتولنا حاجة بعد كدة، أنا فاهم إنتوا بتعملوا كدة بس مش هقبل حد يصرف على بيتي

تجهمت تعابيرها من سطوته غير العقلانية فأي شخصٍ محله لسعد بذلك ولكنه يملك رأسًا يابسًا واعتزمت أن تفتعل ذلك دون علمه فهو عنيد، استخدمت الآن اللطافة معه وتدللت عليه، قال برقةٍ وهي تعاود تطويق عنقه:

- طيب هعمل اللي إنت عاوزوه بس مش عاوزة اشوفك متضايق كده ونزعل واحنا مبقلناش يومين

ثم ابتسمت بنعومة ونظراتها نحوه تحُثه على تناسي ذلك، ونجحت في ردعه عن موقفه المتذمر..... 

_________________________________


بعدما اطمأن الرجل أنه ما زال على قيد الحياة وارتياب الاطباء في اصابته بأزمةٍ قلبية قرر مهاتفة ابنته ليخبرها بما حدث، فلحسن حظ رؤوف وجود السائق الذي أتى به سريعًا للمشفى وتم اسعافه على الفور ولم يتبين استقرار حالته إلى الآن ووُضِع في العنايةِ المشدّدة تحت الأجهزة المختلفة، هاتف السائق الفيلا لتخبرها إحدى الخادمات بما حدث لوالدها بما أملاه عليها الاخير من وضعه الحالي، شهقت سالي بصدمةٍ لتصرخ بهلع:

- قالك في مستشفى أيه بسرعة اتكلمي؟

املت عليها الخادمة عنوان المشفى فعلى الفور توجهت سالي لارتداء ملابسها لرؤيته، شعر فجأة بضياعها إذا افتقدت والدها فهو المُنجد لها الآن بعدما علم بما تضمُره، سحبت سالي ثيابها وهي تتوسل لله بأن يُبقيه من أجلها وأن لا يخذلها مرةً ثانيةً فهو العون لها من بعد ربها وانسابت عبراتها، تذكرت زوجها ونظرت امامها عازمة على اخباره ليُخلّفها إلى هناك وهذا ما حدث حين امسكت بهاتفه لتتصل به....

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

على الناحية الاخرى كان اسماعيل برفقة مهجة يقضون اوقاتًا سعيدة لا تخلو من مزاحهم واغداقه إياها بالمزيد من حُبه، انتبه لرنين هاتفه فتذمرت مهجة قائلة:

- مين البايخ اللي بيتصل بينا ده؟

ضغط على اسفل ذقنها برقة وقال بحب:

- هشوف مين يا قمر وهجيلك على طول

ثم نهض ليجلب هاتفه الموضوع على الطاولة الصغيرة بجانب الاريكة، تفاجأ اسماعيل بأنها سالي وتوتر، القى نظرة على مهجة التي قطبت قسماتها من تبديل هيئته، أجاب اسماعيل بتردد:

- خير يا سالي فيه ايه؟

ما أن استمعت مهجة لاسمها حتى نهضت هي الاخرى ناحيته بوجهٍ مكفهر، التفت لها اسماعيل وارتبك ولكنه تجاهلها حين ردت سالي ببكاء جعله یقلق:

- اسماعيل تعالى بسرعة بابا جاتله ازمة قلبيه وهو في المستشفى دلوقتي

زاغ اسماعيل في حديثها ليتذكر تعبه اليوم الصباح، قال بنبرةٍ متفهمة:

- ايوة فعلاً كان تعبان النهاردة ويمكن الموضوع زاد عليه

ردت باستياءٍ وهي تنتحب:

- مش تقولي يا اسماعيل، هو انت فين أنا افتكرته معاك في الشركة

ارتبك مختلقًا سببًا ما وهو ينظر لمهجة التي تقف امامه مكتفة ساعديها حول صدرها ومزعوجة:

- أنا سيبته وروحت شغل برة الشركة، فمعرفش حصل إزاي

قالت بنبرةٍ حازمة:

- سيب اللي في ايدك وحصلني على المستشفى دلوقتي، أنا خايفة على بابا قوي لقلبه ضعيف 

تفهم اسماعيل عليها فأملته عنوان المشفى، اغلق الهاتف وتوجه لارتداء حلته، تعقبته مهجة قائلة بحنقٍ حين تجاهلها:

- رايح فين وسايبني، قد كدة مش قادر ترفضلها طلب لما تعوزك وتجري انت عليها

تأفف اسماعيل بنفاذ صبرٍ، رد عليها وهو يرتدي ملابسه:

- باباها في المستشفى عنده ازمة قلبية وهي لوحدها ولازم دلوقتي اكون معاها، يعني مافيش داعي لغيرتك اللي من غير سبب دي

كلحت ملامحها وقالت باستياء:

- طيب وهشوفك امتى تاني، ولا ناوي ترميني هنا وتنساني

تنهد اسماعيل بضيق ووضح لها:

- لا يا مهجة مافيش حاجة من اللي بتقولي عليها دي، عندك هنا كل حاجة هتحتاجيها لحد ما اطمن عليه وابقى ارجعلك

ثم انتهى من ارتداء ملابسه وسط نظراتها المتبرمة من لهفته في الركوض لها، تحرك اسماعيل للخارج سريعًا دون توديعها لتزداد حنقًا وهي تصر اسنانها، هتفت باغتياظ:

- كده يا اسماعيل هي حصلت، والله اروح أقولها على اللي بينا واتطربق الدنيا ومش هيهمني حد خالص، ووريني بقى هتتصرف ازاي ساعتها..


            الفصل الرابع والخمسون من هنا 

           لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة