رواية القيادي الفصل العاشر 10 بقلم إلهام رفعت


رواية القيادي الفصل العاشر 10 بقلم إلهام رفعت



وجده جالس بمفرده امام المنزل ، تقدم منه والده وهو يحدجه بتعجب فمنذ أن أتى ذلك الغريب وحياته انقلبت رأسًا على عقب ، دنا عبد الصمد منه وجلس بجواره وظل هكذا للحظات وهو يرمقه باستغراب ، لم يشعر اسماعيل بوالده الجالس بجانبه فقد كان شارد في عالم آخر رسمه عقله امامه ليغوص في احلامه الوردية مع من احبها ، تنهد بحرارة فمنذ أن وعده أيهم بتزويجه وهو تناسى من حوله ، فحقًا سيتزوج قريبًا ، ابتسم ببلاهة جعلت والده يرفع حاجبيه وهو يردد في نفسه بأن جن على الأخير ، اغمض اسماعيل عينيه وتنهد وهو يأن بهيام ، انتفض بعدها مفزوعًا بعدما وجد من يلكزه في كتفه بعنف ويهتف بصوت عالي :

- سرحان في ايه يا اسماعيل ؟! .

هتف اسماعيل بغيظ وهو ينظر إليه :

- حرام عليك يابا ، الواحد ميعرفش يقعد مع نفسه شوية .

نظر له والده وهو يستفهم بفضول :

- مالك كدة ؟، من ساعة ما جه الراجل الغريب ده وانت على طول سرحان وفي دنيا تانية .

تنهد اسماعيل بعمق وهو يرد بشرود :

- تعالى يابا شوف البيه عايش ازاي وبيلبس ايه ، ولا السراية اللي كانت مليانة فيران ، اتغيرت وبقت قصر .

هتف عبد الصمد بنبرة شغوفة :

- احكيلي يا واد يا اسماعيل البيه دا شكله عامل ازاي .

رد بمعنى :

- آه لو شوفته قدامك ، حاجة كدة زي بتوع السيما .

انضمت لهم عديلة لتسأل بفضول اكثر بعدما تسمعت عليهم :

- هو كبير ولا صغير يا واد يا اسماعيل ؟ .

رد بضيق ممزوج بالحزن :

- اصغر مني بياما وعايش في العز دا كله ، وانا مش لاقي .

هتفت عديلة بتبرم :

- هو مش قال أنه هيساعدك تتجوز .

اماء برأسه ورد مؤكدًا :

- ايوة قال أنه هيجوزني .

قطع حديثهم شخص ما عرف اسماعيل هويته على الفور وهو يحدثه :

- تعالى يا اسماعيل أيهم بيه عاوزك . 

نهض اسماعيل سريعًا ورد وهو يرتدي سباطه :

- ايوة حاضر انا جاي معاك .

ثم هرول اسماعيل معه ذاهبًا للسراية وسط نظرات والديه المشدوهين من تغيره المفاجئ.......

_______________________________


نقل والدها في احدى المستشفيات الخاصة لتلقي العلاج اللازم ،بدا على مديحة سعادة غامرة وهي ترى هؤلاء الاطباء مرابطين لزوجها ويهتمون لأمره ، لم يبالي مصطفى بكل ما يحدث من حوله سوى وجود رانيا بجانبه ، لم يبعد انظاره من عليها يريدها وبقوة فطالما عشقها ، سارت رانيا تجاهه فابتسم لها ، وقفت امامه وهي تقول بامتنان :

- مش عارفة أقولك ايه يا مصطفى ، انا متشكرة قوي .

رد بهدوء ونظرات لم تخفي عشقه لها :

- على ايه يا رانيا ، اوعي تشكريني تاني ، احنا اكتر من اصحاب

ابتسمت له بلطف ، تقدمت مديحة منهم وحدثته بامتنان كبير :

- مش عارفة أقولك ايه يا ابني ، أنا.....

قاطعها بنبرة لائمة :

- خلاص يا جماعة انا كنت عملت ايه ، دي حاجة بسيطة قوي ، انتوا بس اللي مكبرين الموضوع ، نظر لرانيا وتابع بطلب :

- ممكن يا رانيا اتكلم معاكي برة شوية .

ازدردت ريقها ونظرت تلقائيًا لوالدتها ، ابتسمت لها مديحة وقالت بمعنى :

- روحي معاه يا حبيبتي شوفيه عاوز ايه .

اومأت رانيا برأسها ونظرت له ليأخذها معه للخارج ......

______________________________


وجده جالس في حديقة السرايا ، هرع اسماعيل تجاهه وهو يردد بنبرة حماسية :

- خير يا أيهم بيه ، كنت عاوزني في ايه ؟ .

اشار له ايهم بالجلوس ، اطاعه اسماعيل وجلس على الأرضية ، انزعج ايهم قائلاً :

- متقعدش على الارض .

رد اسماعيل بلوم :

- ميصحش يا سعادة البيه ، الناس مقامات .

اعترض ايهم بجدية :

- أنا قولت قوم من على الأرض .

اومأ رأسه بامتثال لرغبته وجلس على الاريكة ويكسو وجهه الخجل ، نظر له ايهم وسأله بنبرة جادة :

- أنت تعرف كل اللي في البلد يا اسماعيل ؟ .

رد باستنكار :

- دي بلدي يا سعادة البيه اللي أتولدت فيها ، وأعرف الكبير والصغير ، اماء ايهم رأسه ونظر لماجد بخبث ثم سأله بعدها :

- وأنت تعرف فريد الزيني يا اسماعيل ؟ .

كلحت تعابير اسماعيل من ذكر اسمه ، رد بحنق :

- دا ايه السيرة دي بس .

هتف أيهم وهو يسأله بتعجب :

- انت ايه اللي مضايقك كدة ؟! .

رد بتجهم بائن :

- دا راجل اعوذ بالله ، بيعامل الناس وكأنهم عبيد عنده ، ولا ابنه عمرو ، يا ساتر يا رب .

انصت له ايهم فتابع بشفقة :

- دا الله يكون في عونك ، دا الفيلا اللي قدامك دي بتاعته .

أيهم زاماً شفتيه بعدم فهم ، سأله :

- وليه كل ده ؟ .

رد بامتعاض :

- أصلهم اسياد البلد من زمان ومتكبرين ، والناس بتعملهم الف حساب ، تابع بمعنى :

- هي الفلوس اللي بتعلي الواحد وتخليه فوق .

تفهم ايهم الحديث وسأله مرة أخرى بحذر :

- هو عنده قرايب غيره ؟ .

رد بتوضيح :

- عنده قرايب بس مبيجوش غير في المناسبات ، مافيش غير اخته الست سميرة وهي متجوزتش ، وبنت اخوه الست رسيل اللي قريبين منه.

تسلل اسمها لأذنه كالموسيقي وهو يردد في نفسه "رسيل" ، نظر لماجد الذي يحدق فيه كأنه يريد ان يتابع الاسئلة عنه ، تفهم ماجد وسأله مدعي الا مبالاة :

- وهما علاقتهم كويسة ببعض ولا بعاد عنه زي التانين .

رد موضحاً أكثر :

- والله اللي اعرفه انهم عايشين في الفيلا لوحدهم ، اصلها فيلتين ملزوقين في بعض ، ودا علشان الست رسيل رافضة تتجوز سي عمرو .

كان ايهم يهتم بكل كلمة يتفوه بها ، تنحنح ليقول بمعنى:

- ممكن تاخدني اتفرج على البلد يا اسماعيل .

هتف بحماس :

- ينفع قوي يا سعادة البيه ، يلا بينا .....

_______________________________


توجه مصطفى بصحبتها إلى كافتيريا المستشفي ، خشيت رانيا في نفسها أن يطلب مقابل مساعدته لها كما خيرها في المرة الأخيرة ، جلس الاثنان امام بعضهما يتبادلان النظرات للحظات دون التفوه بكلمة شعرت خلالها رانيا بالفضول لذلك همت هي بالحديث :

- خير يا مصطفى ، كنت عايزني في أيه ؟ .

رد عليها بمعنى جعل حدسها في محلة :

- يعني مش عارفة أنا عاوز أيه يا رانيا 

تجمدت انظارها عليه لبعض الوقت وهي تردد في نفسها الحزينة أنه لن يتغير ، لعنت قلبها الخائر الذي ارشدها عليه لتلجأ له ، تنهدت بهدوء قبل ان ترد كاتمة ضيقها :

- احنا مش هنخلص من الموضوع دا يا مصطفى ، كل مرة بتذلني لما ابقى محتجاك فيها .

نظرت له بحزن وهي تتابع :

- حتى احترم الحب اللي بحبهولك .

زفر بهدوء ورد بغير رضى لما تفوهت به :

- انا بحبك ، وانتي عارفة ان من اول يوم شوفتك فيه واحنا خلاص بقينا اصحاب ، قربتك من اصحابي وبقينا كلنا مع بعض ، تابع بابتسامة حزينة :

- حتى الجامعة بتاعتك انا اللي ساعدتك تكمليها و...

بتر جملته حينما ابتسمت بحزن وظنت بأنه يذلها بما فعل ، ولكن تابع بتوضيح :

- اوعي تفكري أني بعايرك باللي عملته ، انا بحبك ومش ممكن استغنى عنك في يوم ، وكل اللي عايزه انك تبقي معايا .

ردت بعدم اقتناع بعدما استمعت له :

- عايزني يبقى نتجوز ، تابعت بسخرية :

- ولا أنا مش قد المقام ان سيادتك ترتبط بواحدة زيي .

تحامل على نفسه ورد بانزعاج طفيف :

- رانيا انا مش جاهز للجواز من أي واحدة ، وحتى مش بفكر في الموضوع ده ، كل اللي انا عايزه اننا نبقى مع بعض .

ضغطت على شفتيها السفلية وفكرت ان تكون حذرة في ردها عليه حتى لا تخسر فرصة علاج والدها فليس امامها سبيل غيره ، نظرت رانيا اليه لترد بثبات زائف :

- طيب يا مصطفى ، سيبني افكر وأرد عليك .

مصطفى بنظرت متأملة ، هتف بتمني :

- بس متتأخريش عليا يا رانيا ، انا كل يوم حبي ليكي بيزيد ...

_______________________________


لم يخلو مروره امامهم من نظراتهم المتفحصة لهيئته وازدادت الهمهمات والهمسات حوله ، نظر لهم ايهم بابتسامة هادئة وهو يتطلع عليهم وتأفف قليلاً لعدم تعوده على تلك الروائح النفاذة التي ألبت أنفه ، ناهيك من الأصوات المزعجة للحيوانات وبعض الاطفال الذين يركضون في كل مكان من حوله ، كان ينظر حوله كأنه سافر لمكان ما غير بلده التي تربى فيها ، لم يتخيل يومًا أن يوجد مكان كهذا وأنه سيأتي إليه ، انتبه لصوت اسماعيل وهو يقول بابتسامة واسعة :

- أيه رأيك في بلدنا يا سعادة البيه ، حاجة عمرك ما شفتها .

رد ايهم باستهزاء :

- فعلا .

لوح ماجد بيده امام انفه ليزيح تلك الرائحة المقززة كي لا تخترق أنفه ، نظر للجانب عفويًا وتجمدت انظاره عليها حين رآها تتكلم مع احدهم بخفة ظل ووجه بشوش ..

كانت ملك واقفة كعادتها مع الفلاحين تدون متطلباتهم التي لم تنتهي وادارت رأسها تلقائيًا تجاه تلك الاصوات وتجمع بعض الفلاحين لتقع عيناها على كليهما ، دققت النظر في هيئتهم المنمقة وزاد فضولها في معرفة ماذا يريدون ، اشاحت بوجهها على الفور حينما رأت أحدهم يحدق بها فتوترت واكملت عملها وهي تختلس بعض النظرات بطرف عينيها ، ابتسم ماجد على خجلها الذي لم يره مطلقًا في حياته وتأمل ماذا تفعل ..

رآه عمرو من بعيد وتوجه صوبه ونظراته نحوه لا تبشر بخير ، دنا منهم عمرو ليخاطب اسماعيل بانزعاج غير عابئًا بوجود من حوله كأنه يتعمد ذلك :

- مجتش تنضف الأسطبل ليه ، مش رسيل هانم قالتلك الاسطبل يفضل نضيف علي طول .

تحفزت حواس أيهم تجاه الإسم الذي تفوه به للتو في معرفة هوية ذلك الشخص الغاضب ، نظر له اسماعيل وبرر موقفه :

- أصلي دلوقتي بشتغل مع البيه ومش فاضي .

تلقائيًا وجه عمرو بصره لايهم الذي رآه في الصباح ، حيث وجده شابًا أصغر منه بالعمر وملفت بطلعته الحسنة وغير كل ذلك يبدو عليه الرفاهية ، تأرجحت الأفكار في رأسه في معرفة سبب مجيء شخص كهذا هنا ، للحظات خاطفة انتبه عمرو لنفسه وزيف ابتسامة بصعوبة وهو يخاطبه :

- أهلا يا أيهم بيه ، أنا عمرو الزيني .

ابتسم ايهم بتصنع ليتابع عمرو بتكبره الدائم :

- تقدر تقول كدة احنا أسياد البلد .

رد أيهم وهو يسخر في نفسه :

- تشرفنا .

لامه عمرو بتأني زائف :

- ينفع حضرتك الراجل اللي بيشتغل عندنا تاخده كدة .

أيهم محركًا رأسه بعدم معرفة :

- أنا معرفش أنه بيشتغل عند حد ، هو اللي طلب مني .

اومأ عمرو برأسه والقى نظرة علي ماجد ولم يعلق ، ثم التفت لاسماعيل ليقول بحنق :

- وأنت تبقى تيجي تشوف الاسطبل بتاع ستك رسيل ، على ما أبقى اشوف واحد غيرك .

رد اسماعيل على مضض :

- أنا هاجي بس علشان خاطرها .

رمقه عمرو بازدراء وقال :

- سلام عليكم ، ثم استدار ليغادر وسط نظرات أيهم المتأففة ، هتف ماجد بمعنى :

- دا باين عليه رخم قوي ، رد ايهم بعدم اكتراث :

- ميهمنيش في حاجة .

تدخل اسماعيل ليقول بمفهوم :

- شوفتوا بعنيكوا ، هو كدة دايما مع الناس ، سئيل اوي .

تأفف أيهم وهتف بنفاذ صبر :

- هنفضل نتكلم كدة كتير ، يلا من هنا انا زهقت .

اماء ماجد برأسه ثم وجه بصره تجاه الفتاة التي كانت واقفة قبل قليل ولم يجدها ، استدار للناحية الأخرى ولم يكن لها أثر ، زفر بقوة وسار خلفهم ، عرج بهم اسماعيل لطريق مختصرة ليصل بهم للسراية ، خطا ايهم خلفه ولكن قدماه غرست في شيئًا ما رخو ، نكس بصره للأسفل لينظر لقدميه بذهول ، فغر فاهه في صدمة جلية ونظر لهم وهتف بنبرة متشنجة مشيرًا على قدميه:

- ايه البتاع ده ؟ .

كتم ماجد ضحكته بصعوبة مما ازعج أيهم منه ، تطلع اسماعيل على قدميه ورد بلا مبالاة استفزت أيهم :

- متخفش يا بيه ، دا سباخ "روث حيوانات" .

بدا على ايهم عدم معرفته بتلك الكلمة ، فوضح له ماجد وهو يكتم ضحكته بصعوبة :

- دا البيبي بتاع الحيوانات يا أيهم .

ثم صمت ليسيطر على ضحكته ، شهق أيهم وهو يهتف بنبرة منزعجة :

- يعني هتعملوا ايه دلوقتي ، هتقطعولي رجلي ؟! .

هتف اسماعيل باستنكار :

- يا بيه مش مستهلة ، دا احنا بنشيلها بإيدينا .

ابتلع أيهم ريقه مانعًا نفسه من الغثيان ، هتف وهو يتنفس بصعوبة :

- طلعوني بسرعة من الزفت ده.....

______________________________


ولج عمرو الاسطبل حيث اخبره خفيره الخاص بما تفعله بنفسها رافضة مساعدة أحد لها ، تحرك للداخل ليتفاجأ بها تنظفه بيديها ، انزعج عمرو واحتقن وجهه من كثرة الغضب لرؤيتها هكذا ، دنا منها وأمسك ما بيديها والقاه بعيدًا مما جعلها تتفاجأ ، هتف باهتياج جلي :

- احنا من امتى بنشتغل بنفسنا ، وجه بصره لهيئتها المزرية وهو يتابع بغير رضى :

- شايفة شكلك بقى عامل ازاي ، انتي نسيتي انتي بنت مين .

ردت بتأفف :

- عادي يعني .

هتف باعتراض شديد :

- لا مش عادي ، انا كلمت الزفت ده وقال هيجي ينضفه .

رسيل بهيئة متذمرة :

- مش شايف الاسطبل وسخ ازاي ، انا لسه هستناه .

هتف بحدة وهو يمسك يدها لتخرح معه :

- قولت مش هتعملي حاجة ، دا مش مستواكي يا رسيل .

سحبها للخارج لتقف امامه وهي تنظر له بتعجب على معاملته اللطيفة الغير معتادة منه ، تبادل الاثنان النظرات للحظات ، فابتلع عمرو ريقه ليتابع بتوتر :

- روحي يا رسيل وأنا هتصرف .

اومأت برأسها واستدارت لتدخل الفيلا دون ان تتفوه بكلمه ، بينما صرخ عمرو في احدى الخادمات :

- شوفيلي اي حد ينضف الاسطبل دا بسرعة ....

_______________________________


جلس في غرفته على المقعد بعدما اغتسل ثم انحنى برأسه ليشتم رائحة قدميه وعبست تقاسيمه فما زالت تلك الرائحة عالقة فيها ، رفع ايهم رأسه وهو ينظر لهم باشمئزاز بائن ، لم يحرك احد ساكنًا مما ازعجه فصرخ فيهم :

- شوفولي حل بسرعة ، انا خلاص مش قادر .

رد ماجد بضحك شديد وهو يضع يده على بطنه :

- دا أنا اللي خلاص مش قادر .

حدجه ايهم بغيظ وحدثه بانفعال :

- بدل ما تضحك عليا شوف حل للزفت ده بدل ما اتجنن عليك .

كان اسماعيل يتابع ما يحدث وهو يستنكر انفعاله الزائد ويتعجب من هيئته المشمئزة ، قال اسماعيل ببرود مستفز :

- يا بيه دا عادي مش حاجة كبيرة .

زفر ايهم بقوة ليفرغ غضبه ، تفهم ماجد موقفه وهتف بجدية وهو يسأل اسماعيل :

- طيب والريحة دي بتطلع ازاي يا اسماعيل ؟ .

نظر له اسماعيل بتعجب ورد بجهل :

- معرفش ، تابع مازحًا :

- دي بتبقى عاملة زي علامة الجودة بتاعة الهدوم .

ثم ضحك من اعماق قلبه ونظر له ايهم يكاد يفتك به وكذلك ماجد الذي وضع يده على فمه كي لا تخرج ضحكته ، حدجهم الاثنان بتوعد ثم نهض ليتجه للمرآة ، التقط أيهم ذلك العطر وسار ليجلس على طرف الفراش وبدأ في نثره على قدميه عله يمحي تلك الرائحة النفاذة وسط نظرات ماجد المسلطة عليه ونظرات اسماعيل المتعجبة لما يفعله فلا داعي لكل ذلك من وجهة نظره ، نظر له ايهم وحدثه بجدية وهو يشير على ملابسه:

- خد الهدوم دي وولع فيها ، انا مش عايز اشوفها .

رد اسماعيل باستغراب :

- ليه يا سعادة البيه ؟! .

هتف ايهم بانفعال :

- يعني ايه ليه ، عاوزني البس القرف دا تاني ، استطرد بحدة:

- والجزمة دي كمان مش عاوز اشوفها .

اطاعة اسماعيل بقلة حيلة :

- خلاص يا بيه ألبسهم أنا .

رد ايهم بتأفف واضح :

- المهم خلصني منهم ومش عايز اشوفهم قدامي .

تحرك ماجد ناحيته وجلس بجانبه على طرف الفراش وانحنى ليشتم رائحة قدمة ورفع حاجبيه قائلاً :

- الريحة راحت .

هتف ايهم بابتسامة واسعة :

- بجد .

اومأ ماجد برأسه واشار على قدمه قائلاً :

- حتي شم .

دنا ايهم من قدميه ليشتمها ولكنه وجد الرائحة كما كانت ، رفع رأسه ناحيته وحدجة بنظرات منزعجة ، فانفجر ماجد ضاحكًا وعنفه ايهم بغيظ :

- على فكرة انت رخم ودمك تقيل .

رد ماجد مسيطرًا على ضحكه :

- آسف ، بس الموضوع يضحك قوي .

نظر له أيهم شزرًا ونهض وهو يقول بنفاذ صبر :

- احسن حاجة هدخل استحمى تاني.....

______________________________


ولج مصطفى لذلك الكافية بعدما اخبرته بضرورة رؤيته لأمر هام ، جاب المكان ببصره باحثًا عنها حتى لمحها جالسة ويبدو عليها الحزن ، توجه مصطفى ناحيتها وهو متعجب من امرها ، دنا منها ليجلس بجانبها ، انتبهت سالي له وابتسمت بتصنع ، حدثها هو بتساؤل :

- خير يا سالي ، ايه هو الموضوع المهم اللي عوزاني فيه ؟ .

تنحنحت بخفوت لترد متسائلة بتردد :

- متعرفش ايهم سافر فين ؟ .

زم شفتيه كاتمًا تأففه ، رد بنفاذ صبر :

- سالي انا معرفش هو راح فين ، آخر مرة شوفته كان من كام يوم بيحذرني اني ابعد عن رانيا ، وحتي مقاليش انه مسافر.

ابتسمت ساخرة من نفسها وردت بمعني :

- انت بتجري ورا رانيا وانا بجري وراه ، يا بختك يا رانيا .

زفر بضجر فنظرت له لتستطرد بجدية :

- سيب رانيا يا مصطفى ، رانيا مش زينا ، الشرف عندهم أغلى من أي حاجة .

رد بتعابير غامضة :

- ملكيش دعوة ، انا عاوزها وهاخدها .

سألته بسخرية :

- وهتعمل ايه بعد ما تاخدها ، هترميها ولا...

صمتت لتبتسم باستهزاء ، فقال هو بنفاذ صبر :

- عاوزة ايه يا سالي ، انا مش فاضي للكلام ده .

ردت بنبرة شبه متوسلة :

- لما تعرف ايهم مسافر فين قولي أنا بحبه و .....

قاطعها بنبرة ذات مغزى :

- عايزة تعرفيني أن ايهم الرجل الأول والأخير في حياتك ، مش أيهم يا سالي اللي ينضحك عليه .

ازدرت ريقها وهي تنفي بارتباك :

- قصدك ايه ، انا محدش ....

قاطعها بجدية وهو ينظر لها بمغزى :

- ايهم عارف عنك كل حاجة حصلت في السهرة إياها ، هو بس مش عايز يسببلك في فضيحة لأنه أصيل مش زيك ، ايهم بيفوت بمزاجه .

نهضت منزعجة وهتفت بغضب :

- ماشي يا مصطفى ، بتتفقوا عليا ، بس انا مش هسكت ، انتوا اصلا مش رجالة ، واحد باعني علشان حاجة حصلتلي غصب عني ، وانت بتجري ورا واحدة ويا عالم نهايتها هتكون ايه معاك .

نظرت له باحتقار ثم غادرت تاركته يتطلع عليها بنظرات حانقة ، ابتسم بتهكم وهو يردد :

- ست عاوزة الحرق ، انا لو منه اولع فيكي ، دا رانيا برقبتك ، اومال أنا متمسك بيها ليه......

________________________________


استلقى على الفراش ناظرًا للأعلى بعدما لف تلك المنشفة الغارقة في المعطرات المختلفة حول قدميه كي تزيح تلك الرائحة عنه ويستطيع النوم ، ادار أيهم رأسه قليلاً للجانب ونظر شزرًا لماجد الكاتم لضحكته ، عاود ايهم النظر للأعلى وهو يقول بنبرة شاردة متأففة :

- عايز اخلص بقى ، انا لازم الاقي طريقة اشوفها بيها ، بس مش لاقي .

جلس ماجد بجواره على الفراش قائلاً :

- انا مش عارف ايه اللي بتعمله ده ، طول عمرك مجنون واللي بتفكر فيه بتنفذه على طول .

هتف ايهم بمدح :

- كويس انك عارفني ، تابع بحيرة :

- انا بفكر أروح لعمها واتعرف عليه ومن هناك اشوفها .

هتف ماجد باستنكار شديد :

- انت اللي هتروحله ، خليه يجيلك هو .

رد بلا مبالاة :

- ما فرقتش ، أصلا انا اللي محتاجه .

قطع حديثهم الخادم يطلب الدخول ، ولج للداخل وهو يقول بعملية :

- العمدة عبد الحميد عاوز حضرتك يا ايهم بيه .

قطب بين حاجبيه وهو يسأله :

- ودا جاي عاوز ايه ده ؟ .

رد عليه ماجد بمعني لا مشكلة :

- انزله يا أيهم وشوفه عاوز أيه .

زفر بعبوس ونهض وهو يردد على مضض :

- اديني هنزله بريحتي دي ..

_______________________________


لم يذهب لفيلته حيث جاءه اتصالها الباكي المستنجد به ، دلف مصطفى لداخل تلك المستشفى متوجهاً لغرفة العناية المشددة ، كانت قد ابلغته رانيا بتدهور حالة والدها الصحية فلم يتراخى مصطفى في تقديم كل امكانياته لعلاجه وكثف اتصالاته للإهتمام به ، رآها من بعيد فقد كانت حالتها مزرية وأصوات بكاؤها تملأ المكان هي ووالدتها ، هداه حدسه لحدوث شيئاً ما ودنا ببطء منهم وهو يستنبط ما حدث وكان حديث والدتها السبب في معرفته لما حدث حين هتفت ببكاء شديد :

- أبوكي مات يا رانيا ، احنا بقينا ولا حاجة ، الناس هتطمع فينا .

تجمد مصطفى مكانه أثر كلماتها التي سقطت عليه كحفنة من الجليد وشعر بأن الحديث موجهاً له ، ازدرت ريقه وبدأ يقترب منهم بحذر ، وقف امامهم وأردف بهدوء زائف :

- رانيا ، فيه أيه ؟

رفعت رأسها نحوه وكانت أعينها حمراء من كثرة البكاء ، ردت بنحيب :

- بابا مات يا مصطفى وهو بيعمل العملية .

ثم تعالت شهقاتها الحارقة ولم يجد ردًا عليها سوى أنه دنا منها وقام بضمها لحضنه وغمرها في دفء صدره وهو يردد بحب:

- خلاص يا رانيا ،متعيطيش يا حبيبتي انا جمبك .

نظرت له مديحة وشهقت مصدومة من حركته الجريئة ، فانتبهت رانيا وابعدته مدعية الثبات وقالت :

- ميرسي يا مصطفى ، انت عملت اللي عليك وزيادة .

تنحنح ليقول بخجل من نظرات والدتها المنزعجة :

- هو مات ازاي ؟ .

اجابته موضحة :

- مستحملش العملية علشان سنه وحالته كانت متأخرة .

اومأ رأسه بتفهم وقال بجدية :

- يلا تعالوا معايا ، مينفعش وقفتكم دي ، انا عندي شقتي و..

قاطعته مديحة باعتراض حاد :

- متشكرين يا ابني ، احنا عندنا بيتنا وكتر خيرك على اللي عملته معانا .

وجه بصره لرانيا ، فنظرت له هي الأخرى وهي تقول موافقة والدتها الحديث :

- ماما عندها حق يا مصطفى ، مش هينفع نسيب بيتنا علشان ميصحش .

برر مصطفى موقفه :

- انا بس كان قصدي خير و....

قاطعته مديحة بجدية حين نهضت لتقف امامه :

- متشكرين يا استاذ مصطفى ، اللي بتطلبه ده مستحيل يحصل ، احنا عندنا بيتنا ومش محتاجين...

_________________________________


هبط أيهم الدرج بعدما ارتدى ملابسه لمقابلة عبد الحميد ، رسم عبد الحميد ابتسامة واسعة حين رآه ، سار ايهم ناحيته وهو يشعر بفتور شديد ولم يُبين ، اقترب منهم قائلاً بابتسامة مصطنعة :

- اهلا وسهلا .

رد عبد الحميد وهو يصافحه :

- سلامو عليكو يا أيهم بيه .

زيف ايهم ابتسامة وهو ينظر للواقف بجانبه ، فاشار له عبد الحميد على نجله وقال :

- دا يبقى ابني مازن .

مد ايهم يده ليصافحه فاردف مازن بابتسامة زائفة :

- اهلا يا ايهم بيه نورت البلد .

اومأ ايهم برأسه وجلسوا جميعهم في غرفة الصالون وانضم إليهم ماجد ، تشدق عبد الحميد بحماس :

- انا كنت جاي اتكلم معاك في شغل وكدة .

قطب بين حاجبيه بعدم فهم وهو ينظر إليه ، فبادر عبد الحميد موضحاً :

- انا جاي علشان نعمل شغل سوا ، وبالمرة تعرف الناس هنا وتتعود على العيشة .

أيهم محركًا رأسه رد بمعنى :

- فكرة حلوة قوي ، ليه لأ .

نظر له ماجد باستغراب وقال بتساؤل :

- شغل ايه يا أيهم اللي هتعمله هنا .

نظر له أيهم نظرة جعلته يصمت ويبتلع كلامه ، وجه ايهم نظره للعمدة وقال بجدية :

- أنا موافق ، شوف أنت عايز تعمل ايه وأنا معاك .

انفرجت شفتي عبد الحميد في سعادة ، بينما نظر مازن له بحيرة ثم سأله بعدم فهم :

- هو ليه حضرتك اخترت بلدنا دي ؟! ، انا لحد دلوقتي مش فاهم سبب تفضيلك انك تعيش هنا .

نظر ايهم لماجد قبل ان يرد عليهم بتردد :

- ما فيش ، انا حبيت المكان وحابب أقعد هنا .

لم يقتنع مازن برده وتأفف ايهم في نفسه ، مازن بابتسامة زائفة :

- ان شاء الله تنبسط من القعدة معانا .

ابتسم له ايهم وتدخل عبد الحميد ليقول بمفهوم :

- وبالمرة فريد بيه يدخل معانا ، هو شريكي في بعض المشاريع اللي بنعملها في البلد .

انتبه ايهم لذلك الأسم وابتسم في نفسه ثم هتف بحذر :

- طيب كويس قوي ، زي ما تحب يا عمدة .

تدخل مازن وهو يقول بتذمر :

- ما بلاش يا بابا ، مش ناقصة رخامة سي عمرو .

لامه عبد الحميد :

- عيب يا مازن ، دول برضه كبارات البلد .

لوى مازن ثغره في تأفف ، فتدخل ايهم الذي زاد فضوله ليسأل بحذر :

- هو انتوا ليه بتكرهوا اللي اسمه عمرو ده ؟.

رد عليه مازن بضيق :

- أصلك لسه متعرفوش ، دايما يتكبر على خلق الله ، وكفاية رخامته مع بنت عمه .

انصت ايهم لحديثه باهتمام ثم وجه بصره لماجد بمعنى التدخل في المناقشة ، سأله ماجد بتردد :

- وهو بيعمل ايه لبنت عمه ؟ .

رد مازن بحنق :

- عايز يتجوزها بالعافية .

عنفه عبد الحميد بحدة :

- عيب يا مازن ، هما قرايب في بعض وملناش دعوة .

هتف مازن بانزعاج :

- ما هو لو حضرتك تجوزهالي ، هخليها ترتاح من القرف اللي هي عايشة فيه ده .

حدق فيه أيهم بصدمة فقد تعقد الأمر وتشابكت الأمور ، سأل نفسه ما بها حتى يهتاف عليها الجميع ، عبست تقاسيمه وردد في نفسه :

- يا ترى فيها ايه يخلي الكل هيتجنن عليها كدة ....



              الفصل الحادي عشر من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة