
رواية القيادي الفصل الواحد والثلاثون 31 بقلم إلهام رفعت
وضعت فستانها على طرف الفراش كي ترتدية ، توجهت رسيل إلى المرآة لتبدأ في رفع شعرها للأعلى وعقصته على هيئة كعكة لأنها بالتأكيد سترتدي حجابها.
اعدلت من ذلك الثوب القصير الذي ارتدته ووقفت تتأمل هيئتها باعجابٍ أمام المرآة ، ابتسمت وهي ترى حالتها التي وصلت لها ، حلمت بمن يحتويها وها هو معها ويهبها ما كانت لا تتخيله.
ابتعدت عن المرآة لتتحرك ناظرة للغرفة من حولها لتتأمل تلك الحياةِ الناعمة التي تقرأ عنها في رواياتها.
تنهدت براحةٍ فاليوم سترى أناس لم تتعود على رؤيتهم وبالطبع سيحدث كما ترى في التلفاز من رقصٍ وموسيقى صاخبة وبالتأكيد وجود الخمور.
تأففت رسيل وكلحت تقاسيمها مجرد وجود ذلك من حولها فهذا عكر جمال ما أحست به من فرحة ، زمت شفتيها وتوجهت لتجلب حذائها من جوار الفراش كي ترتديه.
انحنت بجسدها لتلتقطه ثم جلست على الأريكة لتشرع في ارتداءه.
ولج أيهم الغرفة عليها مرتديًا حلته السوداء فنظرت له رسيل لتتوقف عما تفعل وتنظر له بشرودٍ ممزوج بالهيام حينما رأته واقفًا امام انظارها بهيئته الجذابة.
تحرك الأخير نحوها وأظلم عينيه بخبثٍ لرؤية نظرات الإعجاب به في عينيها ، وقف امامها لتنتبه رسيل له وانفلت حذاءها من يدها ، نهضت لتقف أمامه فابتسم لها بمكر وهو يسألها :
- عجبتك ؟ .
حركت رأسها عفويًا بنعم وهي تحدق به بوله لتتسع ابتسامته الساحرة ، ابتسم بمغزى ليستغل هيامها فيه ، استأنف بمكره:
- طيب بتحبيني ؟ .
لم ترد بل طوقت عنقه بذراعيها واسندت رأسها على صدره ، تجمد أيهم واستشعر ثقتها فيه وربما مبادلته حبه لها فقد صدمته بردة فعلها ، حاوطها بذراعيه وضمها لأحضانه بقوةٍ، فاجأته رسيل مرة أخرى حين قالت في رقة:
- أنا موافقة .
تصلّبت تعابيره على الاندهاش ليوجهه تفكيره بأنها لا تمانع قربه منها وابتسم بفرحة، وعن رسيل لم تتحمل أن تخفي ما تشعر به نحوه حتى لو تركها بعد ذلك ، لم يهمها الأمر كون تمنيها القرب منه والعيش معه لبعض الوقت فهي تحبه أكثر مما هو يحبها.
ابعدها أيهم عنه لينظر لوجهها بعدم تصديق ، سأل بتمني :
- موافقة نبقى مع بعض ؟ .
ابتسمت وحركت رأسها بموافقة ، ردت بخجل :
- موافقة ابقى معاك حتى لو زهقت وبعدت عني بعد كده .
لم يصدق أيهم ما يسمعه منها للتو كونها تتمنى فقط قربه منها ولو لبعض الوقت وجاء في مُخيلته وقت حلم بها ، تنهد بتوترٍ ونفى تركه لها حين قال بجدية:
- عمري ما هبعد عنك، وعايزك أنتي كمان تحبيني وتبقي معايا على طول .
اومأت برأسها لترد بجراءةٍ شديدة :
- الليلة هبقى ليك أنت وبس
فغر أيهم فاهه بعدم استيعاب ما تفوهت به ، هتف باستنكار وهو ينظر لها :
- مين اللي بتكلمني دي ؟
ابتسمت بحرجٍ وردت بمعنى:
- مستغرب ليه ، إنت جوزي
تعجب أيهم جراءتها وضيق نظراته نحوها وقال بمغزى :
- دا انتي طلعتي قليلة الادب وأنا اللي فكرك قطة مغمضة .
انصدمت رسيل من تفكيره المُستهجن في شخصها واغتاظت من ظنه السيئ نحوها ، هتفت بعصبية وحركات متشنجة:
- انت اللي قليل الأدب ، وأيه رأيك أنا مش موافقة
ثم حدجته بشراسةٍ فانتفض أيهم ليقول بأسفٍ شديد وهو يمسك رسغيها:
- لا والنبي ،أنا أسف يا حبيبتي انا مصدقت أنك ترضي عني .
ابعدت يده ليبدو عليها العبوس وولته ظهرها منزعجة منه ، عنف ايهم نفسه على ما تفوه به وتأفف، ادارها إليه مرةً أخرى ليقول بندمٍ ظهر في نظراته نحوها :
- رسيل سامحيني ، انتي ليه بتزعلي بسرعة كدة؟! .
تنهدت رسيل بهدوء فهي لا تريد تكدير علاقتهم ، نظرت له لتقول ببراءةٍ كالأطفال :
- بس أنا مش قليلة الأدب
ابتسم أيهم ورد يوافقها الحديث :
- مش قليلة الأدب ، انتي أحسن بنت شوفتها .
نكست رأسها مبتسمة بخجل ، حاوط وجهها بكفيه لترفع رأسها وتنظر له بحب ، ابتسم لها ليقول بمكرٍ جعلها تخشى ما سيفعله معها الليلة:
- بس معنديش مانع تبقي قليلة الأدب معايا أنا وبس ....
___________________________________
وصل بالأسفل معظم المدعوين ومازال يتوافد البعض الآخر، على احدى الطاولات الجانبية في حديقة الفيلا جلس مروان برفقة رؤوف صديقه المُقرب ، استغرب مروان ضيقه منذ أتى وصمته على غير عادته معه ، استنبط أنه ربما هناك مشاكل بالعمل ، سأله مروان بترددٍ:
- مالك يا رؤوف ، فيه حاجة في الشغل مضيقاك؟ .
نظر له رؤوف وتنهد ليقول بامتعاض:
- الست سالي جيبالي واحد وبتقولي بحبه يا بابا وعايزة تتجوزه
هتف مروان باستنكارٍ شديد:
- وأيه اللي يزعل في كدة ؟!، الحمد لله أنها لقت اللي يحبها .
ابتسم رؤوف بسخرية وهو يرد بغير رضى:
- فيه أنه مش من مستوانا، وكمان الأستاذ كان بيشتغل في مطعم ، وهي جاية تقولي اشغله معايا .
تفهم مروان الموضوع وارشده على الصواب حين قال بتعقلٍ:
- سيبها يا رؤوف هي مش صغيرة ، سالي عاقلة وتعرف هي عاوزة ايه ، وكويس أنها شافت حياتها ، ومعنى انها تختار واحد بالمستوى ده يبقى هي فعلاً علشان بتحبه ، لأن ما فيش حاجة تجبرها تتجوز واحد كدة ، وان كان على الشغل وفيها ايه أما تشغله معاك ، هو انت هتديله الشركة
نظر له رؤوف وأخذ يفكر في كلامه واقتنع إلى حد ما ، بينما تابع مروان بابتسامةٍ لطفة:
- انت مش كنت بتقول نفسي في ولد يمسك بدالي الشغل ، يمكن الفقير دا يبقى ايدك اليمين وتعتمد عليه بعد كدة ، احسن من واحد غني متقدرش تقف قصاده وهو اللي يطمع فيها .
زم رؤوف ثغره ونظر له وكاد أن يرد ، لفت انتباهه تلك السيدة حسنة الطلعة والوجه الحسن رغم كبر عمرها تهبط الدرج خارجة من الفيلا ، تجمدت انظار رؤوف المعجبة عليها ليستغرب مروان منه ، حدق به قاطبًا بين حاجبيه غير متفهمًا تغيره المفاجئ هذا ، ادار مروان رأسه لينظر خلفه عن أي شيءٍ يحدق هو ، انتبه مروان لتلك السيدة والفتاة اللتان يهبطن الدرج ، بدا عليه الجهل من سبب وجودهما فلم يتعرف عليهم من قبل ، ادار بعد ذلك رأسه ليعاود النظر لرؤوف ، نظر له رؤوف هو الآخر وابتسم باعجابٍ، سأله بفضولٍ وهو يشير بوجهه على سميرة :
- مين دي يا مروان ؟، أنا أول مرة أشوفها .
حرك مروان رأسه بجهل ، رد بمعنى:
- مش عارف ، بس حاسس أني شوفتها قبل كدة .
قطب رؤوف جبينه ليقول باستنكار :
- في فيلتك ونازلة من عندك ومش عارف هي مين ! .
نظر له مروان ليؤكد عدم معرفته بها :
- صدقني يا رؤوف ، والله ما اعرف هي مين وبتعمل ايه هنا ..
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
هبطت سميرة الدرج الخارجي للفيلا برفقة ملك ووقفن في مكان ما منزوي بعيدًا عن الجميع.
ارتدت سميرة ملابس منمقة محتشمة توحي برُقيها في انتقاء ما ترتديه وتزيّنت بحجابها ، وكذلك ملك التي ارتدت ثوب من اللون البني المحتشم الذي أظهر جمالها بطريقةٍ ناعمة هادئة ولم يتزينن بأي مساحيقٍ كسائر النساء في الحفل ، ظلّ الإثنان يتأملن جمال الحفل بانبهارٍ بدا على انظارهن المندهشة ، وجهت سميرة بصرها لملك لتقول باعجاب:
- شايفة يا ملك الحفلة حلوة أزاي ؟ ، أنا لحد دلوقتي مش مصدقة أن رسيل متجوزة وعايشة في مكان زي ده .
اومأت ملك برأسها وقالت وهي تنظر حولها بمعنى :
- رسيل تستاهل أكتر من كدة ، علشان طيبة قلبها ونيتها الحلوة ربنا كاتبلها الأحسن .
تنهدت سميرة لتقول بتمني :
- يا رب اشوفها على طول مبسوطة ، مع أني متضايقة من طريقة جوازها بس عايزاها تعيش كدة وتبقى معاه ، حاسة أنه هو دا اللي هيعملها كل حاجة أتحرمت منها .
زمت ملك شفتيها لتهتف بشغف :
- دا أنا اللي هموت وأشوفها لابسة ايه ....
يتحدثن بسلاسة ولم يشعرن بنظرات رؤوف التي سُلطت على سميرة مجرد رؤيتها لأول مرة ، شدّته طريقتها العفوية في الحديث وهيئتها المُهذبة ، تنهد بهدوء وهو شاردًا فيها ، لاحظ مروان هذا ولا يعرف لما انزعج من تطلعه عليها بتلك الطريقة ، تأفف مروان ليحدثه بغير رضى حيث ظهر انزعاجه بعض الشيء:
- مينفعش كدة يا رؤوف ، عيب تبص عليها بالطريقة دي .
نظر له رؤوف ليستنكر بشدة :
- ايه اللي عيب يا مروان ، واحدة حلوة ولفتت نظري ، وكمان انا ببصلها باحترام مش بقل أدبي ، ايه اللي يضايق في كدة .
ابتلع مروان ريقه ليبرر موقفه بتردد :
- مافيش يا رؤوف، دا علشان بس موجودة عندي وخايف تشوفك بتبصلها تفتكر حاجة
هتف رؤوف بضيق :
- قال يعني عارف هي مين
ثم صمت ليتابع بحرجٍ :
- ما تيجي نتعرف عليها يا مروان....
_________________________________
وصل الشاب بعد وقت لورشة عزت الذي يُطالع بعض الأوراق الخاصة بعمله ليخبره عما رآه ، ولج الشاب للداخل وهو ينهج نتيجة ركضه ، انتبه له عزت لينظر له بعبوس وهو يدنو منه ، هتف الشاب بشغفٍ :
- تعالى شوف يا اسطى اللي بيحصل من وراك وانت قاعد هنا.
نهض عزت من جلسته ليرد وهو يعنفه على مماطلته في الحديث:
- أنطق ياض انت حصل ايه على ايه على طول .
التقط الشاب نفسه ليرد عليه باستهزاء :
- الست بنت خالتك اللي عاملة محترمة، مستنية أما امها تسيب البيت علشان تبعت لواحد يجيلها على هناك .
بدا على عزت حالة صدمة ممزوجة باهتياجٍ عنيف لوجودها مع شخص آخر الآن ولمسه لها فطالما تمناها له ، تسارعت انفاسه الغاضبة ووجه بصره للشاب وحدثه بغضبٍ مكبوت :
- متأكد ياض من الكلام اللي بتقوله ده ، اصل لو بتكدب هقطعلك راسك دي وأعلقها على باب الورشة .
ارتعب الشاب وأكد بنبرةٍ خائفة :
- أنا بقول اللي شوفته يا اسطى أنا ماليش دعوة .
نظر له عزت بحدةٍ بيّنت غضبه ، امره بنبرة صارمة :
- امشي انت ، واياك حد يعرف بالكلام اللي قولتهولي ده .
اومأ الشاب برأسة عدة مرات دليل طاعته له وهو يردد :
- تحت امرك يا اسطى ، ولا کأني شوفت حاجة .
قال جملته وهدج للخارج وتعقبته نظرات عزت الشرسة ، هتف عزت وهو يخرج انفاسة الغاضبة مع كلماته :
- والله عال يا ست يا محترمة ، وعاملالي فيها شريفة ، دا انتي نهايتك أنتي وهو على ايدي النهاردة .....
_________________________________
انتهت من ارتداء فستانها بنفسها ووضعت بعض المساحيق البسيطة وسط نظرات أيهم الواقف خلفها والمحدق بها بشرود وهو يتأمل جمالها التي تخفيه تحت ثيابها وهو فقط من له الحق في رؤيته.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على طلعته وهو يمرر أنظاره عليها بحب بكل ما فيها وخاصةً شخصيتها البريئة وداخلها النظيف والخالي من الضغينة لأي أحد وكأن الله يحميها من مكر ما حولها.
تنهد بهدوءٍ لينتبه لها وهي تستدير له بعدما انتهت ، حيث انتهت رسيل لتدرك وجوده وأنها زوجته وقد سها عليها وتناست أمره.
التفتت وقتها له ونظرت بحرج ، خاطبته باعتذارٍ ونظرات احراج :
- أسفة يا أيهم ، أنا حطيت ميك أب من غير ما اسألك ، مش هتضايق من كدة .
نظر لها كأنه لا يتفهمها بأن الأمر لا يستحق ذلك، قال باستنكار:
- هزعل ليه، لو انتي حابة كدة براحتك، يهمني تكوني مبسوطة.
دنت رسيل منه ليبتلع ريقه من اقترابه ومن رائحتها التي أدت لتأليب أنفه على استنشاقها بهيامٍ ، كانت نظرة واحدة من عيونها الزرقاء تقتله ليسرح فيهما كأنهما بحرًا لا نهاية له ، نظرت له رسيل كاتمة ضيقها لتقول كأنها انزعجت من رده:
- انت لو بتحبني بجد هترفض تخليني احط حاجة وهتغِير عليا .
أدرك ايهم ضيقها ولكنه بالفعل يُغار عليها فهو فقط اراد عدم مضايقتها وتركها على راحتها ، لم يعرف بما يفسر ذلك والزم نفسه بشرح موقفه ، فكر للحظاتٍ عابرة ثم ابتسم بمكرٍ فقد جاءت فرصته ، بحركةٍ مباغتة مد كفي يديه ليمسح ما على وجهها ، شهقت رسيل بصدمةٍ ليقول وهو يزیل ما وضعته:
- أمسحي يا رسيل أنا مش عايزك تحطي حاجة وأنا بغِير قوي
نظرت له بذهولٍ؛ لكن سعدت رسيل بداخلها، نظر هو لها وقال غامزًا بعينيه ومتجاهلاً لبعثرته هيئتها وحجابها غير المهندم:
- بحبك و بغِير ، والليلة بتمنى تعدي بسرعة، ونفسي كنت أمسحه بطريقة تانية......
__________________________________
في الأسفل جلس ماجد على مقعد ما يحدق بها بحب كي تُلقي هي نظرة واحدة فقط عليه أو تُشفق على حالته المتيمة بها ، تنهد ماجد بشرودٍ فيها وجلس كالحزين يتأمل طريقتها في الحديث وحركات يدها العفوية ، تمنى فقط لو تُعطيه الفرصة ليُثبت حبه هذا فسوف يعمل الكثير من أجلها ، فهو مدركًا مدى شغفها بما يحدث من حولها فسيمنحها كل هذا إذا بقيت معه ، زفر بضيق كأنه وجد من يساعده في ذلك ، فقط رسيل من ستقنعها بنفسها كون تحسّنت علاقتها بأيهم ولا داعي لأن تآب الإرتباط به ...
انتبه لذلك الوقح الذي يصف سيارته بإحدى زوايا الفيلا، تجمدت انظاره الحانقة عليه وتجهمت تقاسيمه فقد أتى ليفتعل حماقة ما من حماقاته التي يُجيدها ، رمقه ماجد بتأففٍ وعليه تنفيذ ما طلبه أيهم بأن يكون كظِله لمراقبته جيدًا ؛ بينما تحرك رغيد ليتطلع على ما حوله بابتسامةٍ جانبية حاقدة ، كبت ضيقه مما حوله واكمل سيره لينتصف الحفل ، نظر امامه لتقع عيناه على ماجد الذي يحدق به باشمئزاز ، ابتسم هو بسخافة وتحرك نحوه فهو يعلم انزعاجه من وجوده فهذا هو المطلوب إذًا ، تأفف ماجد من سماجة هذا الشخض الغير مرغوب في وجوده كأنه بالفعل فقد الإحساس ، دنا رغيد منه ليبتسم له بابتسامة المثيرة للإستفزاز ، هتف ليرحب فاردًا ذراعيه :
- مجود حبيبي وحشتيني .
ظل ماجد موضعه يرمقه فقط باستهجانٍ بائن عله يشعر ويترك المكان ، بينما انحرج رغيد كونهم في وسط الحفل والمدعوين من حولهم ، نظر رغيد حوله وقال له ليُعاتبه كاتمًا لضيقه :
- أخص عليك يا مجود ، كدة تكسفني قدام الناس ، هتبقى انت وصاحبك ، نسيت لما كنا في روما سوا ، مكنش العشم .
تأفف ماجد بصوتٍ عالي ورد بحنق :
- عشم ايه ده اللي بينا أن شاء الله ؟
تجاهل رغيد حديثه ليجلس بجواره على المقعد ، اغتاظ ماجد من قلة احساسه وحدق به بتعجبٍ فلم يمر عليه شخص بصفاته النقيصة تلك ، نظر رغيد حوله ليسأله بوقاحة :
- اومال فين أيهم ومراته ؟
باتت نظرات ماجد تتحول للشراسة ، رد بمقتٍ لتبدو نبرته منفعلة:
- احترم نفسك واتكلم عدل ، مالك ومال مراته ؟ .
نظر له رغيد بابتسامة مستفزة فهو جاء من أجلها ، يقتله فضوله ليعرف من تزوج ، نظر له ليبرر بعدم اكتراثٍ زائف :
- سؤال عادي يا مجود ، مش لازم اسأل على صديق الدراسة.
زفر ماجد بقوة وأشاح بوجه ليبتسم رغيد بمكر، انتبه ماجد لخروج أيهم وبيده رسيل من الفيلا وردد في نفسه :
- ربنا يعدي الليلة دي على خير ، انا مش مطمن .
ثم زفر بقوة لينتبه لملك جالسة بمفردها ، ابتسم براحةٍ ونهض ليتوجه صوبها تاركًا هذا الوقح خلفه ، بينما التفت رغيد ناحية تلك الضجة التي يصدرها الصحفين واصوات فلاشات الكاميرات التي ملأت المكان ، حدق رغيد بهم لبعض الوقت وسرعان ما استنبط خروج أيهم ليلتموا حوله بهذا الشكل ، ابتسم بخبثٍ وعلى الفور نهض ليتجه نحوهم حيث حثّه شغفه لرؤية ما يحدث أو بالأصح رؤية زوجته.....
وقفت رسيل بجانبه متشبثة بيده كالطفلة الصغيرة خجلة من انظار الجميع المسلطة عليها، بدا على هيئتها التوتر والإرتباك لا تعرف كيف تتصرف فضغطت على شفتيها بخجل ووجدت نفسها تتوارى خلفه قليلاً.
ابتسم أيهم بشدة لما تفعله ، سحبها من يدها الممسكة به لتقف بجواره بل جعلها تتقدم لتلتف يده حول خصرها وجذبها ناحيته ليجعلها قريبة منه ، زادت رهبتها أكثر ونظرت له بمعنى لا تريد التكملة افعل شيئًا ، طمأنها بنظراته وابتسم لها بلطف.
تأففت في نفسها وضغطت على نفسها وهي تدعو أن ينفض هذا التجمع من حولها ، نظرت له لتجده يتعامل مع الأمر كأنه أدمن على ذلك ويتحدث بهدوء وبرزانة ، جذبها حديثه لتتطلع عليه وتتناسى ما حولها ؛ وقف رغيد لتملأه الصدمة والدهشة حين تأمل تلك الفتاة التي تقف بجواره ، تأمل هيئتها الحشيمة ووجها البريء ذي الملامح الأوربية ناهيك عن صغر عمرها فتبدو بجانبه كطفلة صغيرة.
كلحت تقاسيمه وهو يحدق بها بشرودٍ فقد جذبته ليتطلع عليها ، زاد حقده بأن تصبح فتاة بتلك المواصفات هي زوجته التي اختارها ، فدائمًا ما يحقد عليه منذ الصغر كونه يحظى بكل شيء ، لا يعرف لما هو من يركض خلفه الجميع كأنه لم يبذل مجهودًا للحصول على ما يريد ، مدحه رغيد في نفسه ففتاةٍ كتلك هي من يأتمن على نفسه معها ، ابتسم بغضبٍ وبدت نظراته تتحول للوقاحة وهو يتأمل جسدها المتناسق بداخل ذلك الثوب الذي يخفيه ،فوجهها الجميل دليل على جمال جسدها ، تنهد بحرارةٍ وهو يتخيل لمساته تطبع عليه والتوى ثغره بابتسامةٍ ماكرة ، علم في نفسه بأنه سيجد صعوبة في حصوله عليها ولكنه سيفعل المستحيل ليأخذها منه بل وسيُبقيها معه فتلك لا تترك ابدًا ، كاد ان يتحرك نحوهم ولكنه هناك شيئًا اخر لفت انتباهه جعله يبتسم بمكر ..
انتهى أيهم من حواره الصحفي ليأخذ زوجته على طاولة والده ، قابلتهم سميرة التي تركت ملك تريد رؤية رسيل ؛ وقفت سميرة امامها تتطلع على هيئتها الحسنة باعجاب، ابتسمت رسيل بخجل لتقول سميرة هامسة في اذنها :
- حلوة قوي يا رسيل ، كل حاجة فيكي تجنن .
ازدادت رسيل خجلاً ونظرت لأيهم الذي قال بعبثٍ ماكر :
- تلاقيها بتقول عليكي حلوة ، بصراحة عندها حق .
شهقت واحمرت وجنتيها ، لكزته في كتفه لتعنفه كون عمتها متواجدة ، ابتسم ايهم وكف عن مغازلتها ، وجه بصره لسميرة وحدثها بنبرةٍ مهذبة:
- اتفضلي نقعد مع بابا وبالمرة تتعرفي عليه .
ابتسمت سميرة وتنحنحت لتقول بتردد :
- أصلي سايبة ملك لوحدها
ثم نظرت خلفها لملك لتجدها مع ماجد ، قطبت جبينها غير متفهمة فنظرت رسيل لهما هي الأخرى بجهل ، في حين لاحظ أيهم ذلك ووجد أنها فرصةً مناسبة ليتحدث معها بأريحية ، قال ليُلهي نظرات سميرة عنهم:
- ملك مش قاعدة لوحدها ، تعالي معانا لو سمحتي.
التفتت لهم سميرة ونظرت لرسيل التي تبتسم لها برقة ، ابتسمت سميرة وقالت بمعنى لا مانع :
- طيب هاجي معاكوا ..
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
اشاحت بوجهها للناحية الأخرى حينما تجرأ وجلس معها على الطاولة دون أن تسمح له ، حيث جلس ماجد بجوارها وسلّط انظاره الهائمة عليها ويبتسم بشرود.
شعرت ملك بنظراته التي تخترقها وارتبكت في جلستها ، لا تعرف لما شعرت بصدق مشاعره نحوها فهو لم يتواقح معها بل اعتبرت ما يفعله معها كانت مزحة منه ، ولكن حين اقترب منها أول مرة دون سابق معرفة جعلها تخشى الموافقة عليه أو ظنه بأنها كباقي الفتيات تركض خلف من يملك المال.
نفت في نفسها ذلك فرغم حرمانها من أبسط الأشياء لم تفكر بتلك الطريقة ، تنهدت لترتعد من يده التي تخبط كتفها برقة.
ادارت ملك رأسها نحوه بانزعاج ظهر في نظراتها ، نظر لها ماجد وقال بأسفٍ:
- آسف، بس انتي اللي مش عايزة تبصيلي .
تنهدت بتأففٍ وردت لتسأله بضيق :
- جاي عندي ليه ؟ ، مينفعش تقعد معايا كدة على فكرة .
تجهمت تعابيره وحزن في نفسه ، سألها بلوم :
- ليه يا ملك أنا عملتلك ايه؟! ، شوفتي مني ايه يغيرك كدة ، انتي فجأتيني برفضك ليه .
استمعت له بقلبٍ ينفطر لشعورها بحزنه الذي ظهر في حديثه ، لم تعرف لما العِناد كونه يتمنى فقط موافقتها عليه ، شعرت بداخلها بعدم راحةٍ فهي لن تتأقلم على الحياة معه ، انتظر ماجد بأن ترفق بحالته ، بينما قالت هي بنبرة أصرارٍ:
- لو سمحت اتفضل عايزة اقعد لوحدي ، ومتبقاش تكلمني في الموضوع دا تاني لأني مش موافقة....
________________________________
جلبت صحنًا مليء بالفاكهة المختلفة ووضعته أمامه على الفراش، بدأت رانيا في اطعامه بيدها ليتناولها الأخير ثم امسك يدها التي تطعمه وقبّلها بحب، ابتسمت بدلالٍ ليزيح الطبق جانبًا ويجذبها إليه ، شهقت بميوعة وقالت:
-قد كده بتحبني
تأملها في عشق وقال:
- بحبك أعمل ايه ، وانتي بتوحشيني قوي .
طوّقت عنقه لتقول في تتيم:
- وأنا بحبك قوي، من أول مرة شوفتك فيها لما خبطني بالعربية وأنا مش بنام من كتر ما بفكر فيك .
نظر لها بأعينٍ مظلمة ليرد:
- دا أنا لوحدي بقى اللي مكنتش بنام
ابتسمت بدلال ثم انتبه الإثنان لقرع الجرس وطرق الباب.
نهض مصطفى عنها لينظر لها بتوتر وهو يسألها :
- مين اللي بيخبط ده ؟ ، انتي مش قولتي مامتك سافرت .
اعتدلت رانيا هي الأخرى ونظرت له لترد بارتباكٍ:
- انا معرفش مين ، ومش مستنية حد .
زفر بقوة لينهض من على الفراش ليرتدي بنطاله ، خلّفته رانيا ونهضت لترتدي ذلك الروب.
قالت لتُهدئه حينما وجدته مضطربًا:
- على فكرة لو ماما مكنتش خبّطت ، هي معاها مفتاح .
نظر لها وقال بانزعاج :
- اومال مين يعني اللي هيجيلك ؟ .
كلحت ملامحها لتقول بمعنى فهي تجهل من يأتي إليها هنا:
- خليك هنا وأنا هفتح واشوف مين ، يمكن البواب ولا حاجة .
تنهد مصطفى بهدوء ، قال وهو يوافقها الحديث :
- طيب روحي شوفي مين .
ابتسمت له لتهدئه ودلفت للخارج بعدما احكمت الروب عليها.
سارت رانيا لتفتح الباب لترى من ذلك الوقح الذي يأتي إليها فهي لم تتعرف على أحدٍ هنا.
فتحت رانيا الباب كي تعنف الطارق ، وما أن فتحته حتى ألجمت الصدمة لسانها عن التفوه بكلمةٍ واحدة وهي تنظر له غير مصدقة وجوده امامها.
وقف عزت أمام الباب بهيئته الغاضبة وانظاره المتجمدة عليها.
ابتلعت رانيا ريقها بخوفٍ لوجوده هنا وربما كشفه لوجود مصطفى بالداخل ، تماسكت في نفسها وكادت ان تسأله عن سبب زيارته ولكن خروج الأخير من الغرفة وهو ينادي عليها جعلها تجفل للحظاتٍ غير مستوعبة وضعها في موقف كهذا.
سألها مصطفى وهو يخرج من الغرفة ليحدق به عزت بضراوةٍ شديدة:
- مين يا رانيا ؟ ....
__________________________________
وصلت سالي برفقة اسماعيل مرتدية فستان رائع من اللون النبيتي قصير يصل لأعلى ركبتيها متزينة بأغلى مساحيق التجميل ليبرز جمالها الراقي ، تأبّطت ذراع اسماعيل الذي يسير بجانبها وهو يزدرد ريقه مرتبكًا من رؤية أيهم ورسيل له معها ، كبت ضيقة فهي من اجبرته على القدوم على غير رضى منه لا يريد مواجهتهم ، بينما سارت سالي بخيلاءٍ وهي تسحبه معها وتنظر حولها لتجد مكانًا يجلسون فيه ، وجهت بصرها نحوه لينظر لها بعبوسٍ ، استنكرت سالي بشدة :
- مالك فيك ايه ؟ ، اوعى تكون خايف حد يشوفك معايا .
تنهد بضيق ورد بتجهم :
- ليه بس جبتيني معاكي ، اقول ايه لو رسيل سألتني بعمل ايه هنا ، لا وكمان معاكي .
تأففت سالي وردت بامتعاضٍ من اهتمامه بأمرهم :
- قولتلك انسى كل حد كنت تعرفه وخليك معايا انا وبس .
اومأ برأسه كطاعة منه لها ، ابتسمت باعجابٍ وكادت ان تمدحه لتنتبه لهذا الحقير وهو يدنو منهم ويبتسم بوقاحة ؛ دنا رغيد منهم حين رآها يريد معرفة علاقتها بهذا الرجل الذي أتى بصحبتها ، وقف امامهم لينظر له اسماعيل من فوق لأسفل جاهل لهويته ، بينما اضطربت سالي من وجوده هنا فهي تخشى فضيحتها على يد هذا المستفز الحاقد ، وقف رغيد امامهم ليسألها بمكرٍ ونظرات ذات مغزى :
- سالي هانم نورتي الحفلة ، نظرت سالي له بجمود لوهلةٍ ثم عادت لوعيها ، ردت بنفورٍ استشعره :
- أهلاً وسهلاً .
تجاهلها رغيد ووجه بصره لإسماعيل الذي ينظر له بعفة ، ابتسم له رغيد بتصنع وحدثه باستفهام وهو يمد يده للمصافحة:
- ممكن نتعرف ؟ ، انا رغيد الرومي .
صافحه اسماعيل بترددٍ ثم نظر لسالي الجامدة وهيئتها الغير مفسّرة ولكن فطن ضيقها من هذا الرجل فهو ليس بجاهلٍ كي لا ينتبه لذلك ، أبعد اسماعيل يده عن هذا الرجل ورد حينما شعر عدم رغبتها في وجوده :
- أنا اسماعيل خطيب سالي ، وهبقي جوزها قريب ....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
جلست سميرة معهم شاعرة بالحرج من نظرات هذا الرجل الذي يختلسها لها بين الحين والآخر فهي لم تخالجها هكذا احاسيس من قبل لعدم ارتباطها بأحدهم والتزمت الهدوء رغم ضيقها من ترك رسيل لها لتتحدث مع زوجها.
نظرت لها كاتمة غيظها لوجودها بين رجلين فقد اشعرها الأمر بالحرج.
جلس مروان هو الآخر يتأمل تلك السيدة الحسناء التي لا تختلف في جمالها عن زوجة ابنه رغم كبر سنها بل محتفظة باشراقة وجهها ، ما تعجبه في نفسه عدم زواجها إلى الآن ولكنه سعد لعلاقتها المتصلة بزوجة ابنه فأيقن الآن لما هي بتلك الأخلاق الطيبة كون هذة السيدة من تولّت تربيتها.
ابتسم في نفسه ثم وجه بصره لرؤوف لينزعج من نظراته نحوها ولا يعرف لما امتعض من هذا فله الحرية ، تأفف في نفسه وجلس برزانته المعتادة الهادئة ، بينما نهضت سميرة حين وجدت نفسها لا تتحمل الجلوس أكثر معهم لشعورها بالحرج الشديد ، حدثتهم بتردد:
- أستأذن أنا .
نظر لها رؤوف ليهتف بغير رضى :
- ليه كدة ، ما انتي قاعدة معانا
ارتبكت سميرة من حديثه الموجه لها ، بينما نظر له مروان كأنه لم يعجبه كلامه ، قال له :
- سيبها براحتها يا رؤوف
ثم أدار رأسه لسميرة وحدثها بنبرة جعلتها ترتاح له:
- اتفضلي يا هانم روحي مكان ما انتي عاوزة .
ابتسمت له بتوتر واستدارت تاركة إياهما خلفها وهي تتنفس براحة.
تتبع الإثنان مغادرتها وما أن ابتعدت حتى وجه مروان بصره لرؤوف وقال بامتعاض:
- عيب يا رؤوف اللي بتعمله ده ، الست تقول ايه .
رد رؤوف بتأفف :
- خلاص يا مروان محصلش حاجة لكل ده
اشاح مروان بوجهه ليتابع رؤوف في نفسه بمغزى:
- لو كان الموضوع هيضايق حد كدة يبقى نخليه بالحلال.....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
اخذها بعيدًا عن الجميع وجلسوا على طاولة ما في أحد الأركان وظل يتغازل فيها ويمزح معها فالليلة ستصبح له.
لم يتراخى أيهم في وضع التودد إليها والحديث معها بأريحية جعلتها تخشى ما سيحدث بينهم ، ورغم خجلها ضحكت بشدة وتوترت من الداخل بأن هذه الليلة ستكون ليلتها الأولى معه.
امسك يدها وقبّلها بهدوء جعلها تشعر بالخجل ، استنكر أيهم هذا بشدة:
- انتي مكسوفة علشان ببوس ايدك....
صمت لتبدو نظراته وقحة، فصرت رسيل أسنانها لتعنفه :
- متخوفنيش منك لهغيّر رأيي
ضحك أيهم بصوتٍ عالي فنظرت له رسيل باغتياظ ، فكف عن الضحك وقال لها كي لا يرهبها منه :
- متخافيش مني ياحبيبتي ، انا بحبك ، يعني عمري ما هعمل حاجة تخوفك مني
ثم مد يده ليمسح على خدها فابتسمت رسيل بخجل في حين نظر الأخير لها بحب فسينتهي كل ما مر عليهم من فقدان للثقة بقربه منها الليلة ، قطع لحظتهم الرومنسية تلك صوت ذلك السمج حين حدثهم وهو يدنو منهم.
رغيد بحقدٍ داخلي قاتل:
- دا ايه الحب دا كله ، اوعدنا يا رب .
التفت له أيهم وتجمدت انظاره عليه ، وعن رسيل شعرت بالحرج ولكنها لم تكترث له ونظرت لايهم الذي يتطلع عليه بنظرات لم تتفهمها ، امتعض أيهم من وجوده وشعر بغِيرته وحقده ؛ حيث لم يتحمل رغيد بالفعل تلك الأُلفة بينهم فكما اخبرته سالي بشأنهم أنه تزوجها لغرض ما وعلاقتها به ليست على ما يرام ، شعر رغيد بالضيق كونه يتودد إليها وهذا يعني صلاح حالهم ، دنا منهم ليتعرف عن قرب بها وزيف ابتسامة ، تغيرت نظرات أيهم نحوه وتطلع عليه بنظراتٍ دونية جعلت رسيل تتعجب من عدم رده عليه وتغيره المفاجئ.
وقف رغيد امامهم وبوقاحة نظر لرسيل ، قال رغيد بابتسامته السخيفة:
- مساء الخير على احلى عرسان ، انا جاي بنفسي ابارك .
لم ترد رسيل بل نظرت لأيهم وتعجبت من نظراته حول هذا الشخص ، لم تكترث وتركته ليتحدث معه لا شأن لها بذلك وتجاهلت نظراته نحوها.
ضغط أيهم على نفسه ليرد عليه حتى لا يتسبب في تكدير اجواء الحفل لأنه مدركًا نظراته البذيئة ما غرضها ، رد أيهم وهو يزيف ابتسامة :
- افتكر أنك باركتلي قبل كدة .
تجاهله رغيد عن عمدٍ وسحب المقعد وجلس معهم على الطاولة دون أن يُسمح له كعادته المستفزة،رمقه أيهم بنفورٍ وعن رسيل استغربت مما فعل ولكنها التزمت الصمت فربما زوجها على علاقة به ، للمرةِ الثانية نظر لرسيل وهنا رد عليه رغيد باستفزاز :
- أنا باركتلك ، بس متنساس أني قولت هبارك للمدام بنفسي
كانت نظرات رغيد لها تقتل أيهم فهو لا يريد أن يُفسد الحفل بسبب وقاحة شخص كهذا ودفعته رغبة في تكسير كل ضلع فيه وصمت مجبرًا ، وعن رسيل شعرت بالحرج كونه يوجه الحديث لها ، نظرت لأيهم وسألته برقة:
- ارد عليه يا أيهم ؟ .
تغيرت تعابير أيهم للإعجاب ووجه بصره لها وابتسم ، وعن رغيد لم يصدق ردة فعلها رغم سماعه لها بأذنيه وبدا عليه صدمة جلية ،كاد أن ينفجر من الداخل في حين رد أيهم عليها ليثير حنقه ويزيده حقدًا :
- لأ مترديش يا حبيبتي .
نظرت رسيل له بعدم فهم ولكنها اطاعته ، ابتسم رغيد بصعوبة ليخفي ضيقه ، قال بخبثٍ ليُغيّر الموضوع :
- شوفت عريس سالي الجديد يا أيهم ؟....
___________________________________
تسطح على الأريكة في شرفة غرفته وغلبه النوم وغفا لبعض الوقت إلا أن أيقظه رنين هاتفه الموضوع على الطاولة الصغيرة أمامه.
فتح عمرو عينيه بنعاسٍ لينتبه لرنين الهاتف ، اعتدل بتقاعسٍ ومد يده ليلتقطه ، حدق لبعض الوقت بتعابيرٍ مقتطبة لهذا الرقم المجهول ويبدو من هويته بأنه من خارج البلاد ، بدا عليه الإستغراب واستنبط انه رقمًا ربما مخطئ في رصد وجهته ، لم يكترث حتى انتهى الرنين ووضع هاتفه مرةً أخرى على الطاولة بعدم اهتمامٍ ، نهض لينظر من الشرفة حين استند على الحاجز الرخامي بيده يتطلع لما حوله ولسكون القرية فقد حلّ الليل ، تنهد ليستدير ويدخل الغرفة ولكن هاتفه صدح مرةً أخرى ، دنا عمرو من الطاولة ليلتقطه واستغرب حين وجده نفس الرقم ، زم شفتيه بتفكيرٍ وأخذ قراره بالرد ، اجاب عمرو بهدوء:
- أيوة .
تنبّه الشخص الذي يحادثه وهتف براحة :
- أهلا عمرو بيه ، أخيرًا رديت عليا .
قطب عمرو جبينه ليسأله بجهل :
- حضرتك مين ؟ ، انت تعرفني ؟
اجاب الشخص موضحًا :
- أنا كارم المغربي ، مدير أعمال حضرتك في شركة سويسرا.
تحفّز اهتمام عمرو تجاه حديث هذا الرجل حين ذكر الشركة التي اعطاها له أيهم ، سأله عمرو بمبالاة:
- فيه حاجة حصلت ؟ .
رد كارم بنبرةٍ عملية :
- حضرتك المفروض تيجي علشان تشوف شركتك، لأن المنافسة هنا ممكن تضيعها ، والشركة ليها اسمها ومعروفة .
شرد عمرو في حديثه وابتسم فكم تمنى حصوله على مقامٍ كتلك وليس في اي مكان ، بل في سويسرا مملكة رجال الأعمال ، تنهد عمرو ليرد عليه بنبرة ذات معنى واثقة حيث أخذ قراره ببث القوة في شخصيته من الآن :
- بكرة ولا بعده وأكون عندك .....
__________________________________
تراجعت رانيا للخلف وهو تحدق به بنظراتٍ مرتعبة حينما تقدم الأخير منها ، ولج عزت الشقة وأغلق الباب خلفه وهو يوزع أنظاره الخالية من تفسير ما ينتويه عليهم.
ازدردت رانيا ريقها وادركت افتضاح أمرها بالتأكيد ، استمرت هي في التراجع للخلف لتصطدم بمصطفى من خلفها لترتعب أكثر وتلتفت ناحيته وتنظر له بجسدٍ يرتجف من الخوف ، حيث تقدم مصطفي غير مكترثٍ لما يحدث وهو ينظر لهذا الشخص بازدراء فمن يكون ليخشى وجوده؟.
نظر لرانيا الخائفة وانزعج من خوفها هذا ، ازاحها ليجعلها خلفه وتصدر له متهيئًا للشجار معه وهو يرمقه بتعالٍ.
لوى عزت فمة بابتسامة متهكمة لما فعله للتو لتأكله الغِيرة بأن هذا الشخص لمسها وكان معها قبل قليل ، ابتلع تلك الغُصة في حلقه وقال بسخرية وهو يمرر أنظاره عليهم :
- بقى هي الحكاية كدة ، عاملي زميلها وأنت مقضيها معاها ، لا والست عمله فيها خضرة الشريفة .
حدجه مصطفى بشراسة ليرد عليه بغضب :
- شريفة واحسن منك ، ويلا امشي من هنا .
ضحك عزت بصوتٍ عالٍ جعل رانيا ترتعد وتصك على خديها تنعي حظها فقد انتهت ، بينما نظر مصطفى له باستهجانٍ وهو يستنكر بداخله ان يفتعل هذا الأحمق شيء.
بدت نظرات مصطفى الواثقة تقتل عزت ، فتسارعت أنفاسه الغاضبة ولم يلبث موضعه حتى تحرك نحوه ليبدأ العراك معه.
صرخت رانيا حينما تشابك الإثنان وبدأ التطاول بالأيادي والأقدام فحتمًا نهاية أحدهم ؛ ظلت تصرخ بهيسترية لا تعرف كيف تتصرف إلا أنها توقفت حين سمعت من يدخل عليهم الشقة ..
تشددت اعضاؤها وهي تحملق في والدتها التي تنظر لهم بعدم فهم مما يحدث.
هنا بدأت رانيا تتراجع للخلف وهي تغمض عينيها فستنكشف بعد لحظاتٍ أمامها.
توقف الإثنان عن المشاجرة الضروسة بينهم حين لاحظا دخولها لينظر لها مصطفى بصدمةٍ وعزت بتشفي.
ابتعدا عن بعضهما ثم وجه مصطفى بصره نحو رانيا التي تنظر أمامها كأنها استسلمت لنهايتها وبدت نظراتها ضائعة.
دنت مديحة منهم وهي توزع أنظارها عليهم مستغربة وجود عزت وهذا الأخير فهي تعرفه جيدًا، متعجبة من وجوده هو الآخر ، ازدادت حيرة فلم تتغيب سوى وقتٍ قصير ليحدث هذا في غيابها.
جهلت مديحة ما يحدث حولها لتنظر لابنتها وتستفهم مشيرة عليهم :
- ايه اللي بيحصل ده يا رانيا ؟ ، ودول بيعملوا ايه هنا ؟ .
نظرت لها رانيا كالمغيبة لا تعرف ماذا ترد ؟، نكست رأسها لتدمع عيناها في صمت ، بينما نظر لها مصطفى وحزن على حالتها ، وجه بصره لوالدتها وكاد أن يشرح لها فتعفو عنها ، ولكن تدخُل ذلك الحقير ليرد عليها هو منعه ، قال عزت بصوتٍ عالي ساخر:
- كويس أنك جيتي يا خالتي ، تعالي شوفي بنتك جايبة الاستاذ من وراكي وبتعمل ايه معاه .
ادارت مديحة رأسها نحو ابنتها لتستفهم ما إذا كان يفتري عليها أم لا ، ولكن هيئتها ردت عليها وجعلت تعابيرها تتبدل للصدمة كون ابنتها سلّمت نفسها لهذا الرجل.
لم تستوعب مديحة ما يدور حولها ونظرت لمصطفى بشرود ، اغتاظ مصطفى من عزت ورمقه بغضب ، ثم نظر مصطفى لمديحة هو الآخر وقرر تبرير ما يحدث من أجل حبيبته فهو لا يريد لها الأذيّة ، حدثها مصطفى بجدية :
- متفهميش غلط ، أنا ورانيا متجوزين .
حدقت فيه مديحة باستنكار زواجه منها ، وعن رانيا رفعت رأسها لتنظر له بسخرية فأي زواجٍ هذا ، بينما تغيرت تعابير عزت للغضب كونها صارت له ، هتف باهتياج :
- انت كداب ، فين عقد الجواز ؟ .
نظرت له مديحة منتظرة الإجابة عليه ، وابتلعت رانيا ريقها بارتباك ونظرت له، بينما اخرج مصطفى عقد الزواج العرفي من محفظته الموجودة بجيب بنطاله ورفعها أمامها حين فردها لتنظر لها مديحة.
انتزعها عزت من يده بعنف ليقرأ ما دون فيه ، التوى ثغره بضحكة ساخرة، نظر لمديحة وقال باستهزاء:
- دا جواز عرفي يا خالتي .
شهقت مديحة ونظرت لأبنتها بازدراء فقد جلبت لها العار، في حين نظرت لها رانيا بأعينٍ تبكي في صمت ، صر مصطفى أسنانه من وقاحة هذا السمج وتدخل ليقول بنبرةٍ ذات عزيمة :
- ايوة متجوزين عرفي ، وانا مستعد اتجوزها رسمي دلوقتي ، احنا غلطنا ومستعد انا اتحمل الغلط بجوازي منها ، زعلك مش هيجيب نتيجة واللي حصل بينا حصل وخلاص .
نظرت له رانيا بنظرات متأملة لاثبات حبه الآن أمامهما.
فكرت مديحة في حديثه فابنتها ليست بصغيرة كي تعاقبها ، خشيت الفضيحة من العدم فها هو يقدم العرض أمامهم بمصداقية.
وجدت في نفسها أنه الحل المناسب وقررت أن تلم الموضوع بالموافقة.
تأملها عزت بانزعاح فتعابيرها تدل على قبولها الأمر ، صدق حدسه حين قالت مديحة بموافقة :
- انا موافقة ، روح هات الماذون واكتب عليها دلوقتي .
تجهمت قسمات عزت ليهتف بانفعالٍ مدروس :
- على جثتي لو دا حصل ، رانيا مش هتتجوز غيري .
نظر له مصطفى بضيق وقال :
- وانت داخلك ايه، هي ومامتها موافقين، يعني تتفضل من هنا.
مرر عزت انظاره عليهم بحقد ، ثم اخرح من جيب بنطاله سلاحًا ابيضًا وفتحه ليرفعه في وجه مصطفى الذي صُدم من ردة فعله.
توجست رانيا من تطاوله عليه فباتت الأجواء أكثر اشتعالاً.
تأهب مصطفى للدفاع عن نفسه ، وشهقت مديحة بخوفٍ لا تريد تأزُم الوضع فهو محلول ولا داعي لما يفعله.
وقفت مديحة أمامه لتعنفه كي تردعه عما ينتوي فعله :
- انت عاوز ايه يا عزت، هو عايز يتجوزها وانا موافقة ، متدخلش انت ، دي مصلحة بنتي دلوقتي ودا اللي لازم يتعمل
تنهدت رانيا براحةٍ لوقوف والدتها أمامه لتمنعه عما يفعله ، ولكن الاخير لم يستمع لها ومد يده ليزيحها ليقترب من مصطفى ويغرس ذلك السكين الصغير في قلبه.
منعته مديحة بكل قوتها ليهتف هو بعصبية :
- ابعدي انتي يا خالتي ، مش هسيبة غير لما روحه تطلع .
اخذ مصطفى حذره منه في حين لم تتركه مديحة محاولة ابعاده ، انفلت منها ليصل لمصطفى فصرخت رانيا بهلع.
اسرعت مديحة بالوقوف أمامه مرةً اخري كي تمنعه ولكن كان الأخير متهيئًا لغرس السكين به وكانت تعرف طريقها لتنغرس في صدر مديحة التي شهقت فاغرة فاهها واجفلت عيناها.
ارتمت على مصطفى من خلفها تُنازع وروحها تخرج منها.
شهق عزت بصدمة وهو ينظر لها بخوف فهو لم يتعمد اذيّتها ، بينما جحظت عينا رانيا بعدم استيعابٍ وهي ترى هذا المنظر أمامها ، حركت رأسها لتهتف بهيسترية :
- مامـــا..مامـــا لأ...