
رواية القيادي الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم إلهام رفعت
هاتفت عمتها من هاتفها الجديد الذي اعطاها إياه ، جلست رسيل في شرفة الغرفة على الأرجوحة المعلقة في السقف وانتظرت لتجيب عليها الأخيرة وذلك لعلم عمتها بقلقها عليها الآن ، كما تلهفت رسيل على حيواناتها فكم كانت تعشق أن تفيق الصباح على رؤيتهم من شرفة غرفتها وتستمع لصليل جوادها ، بعد وقتٍ لا بأس به اجابت سميرة على هاتفها بتلهفٍ حين ادركت أنها رسيل من تهاتفها ، هتفت سميرة بتشوقٍ كبير :
- رسيل بنتي حبيبتي .
اجابتها رسيل بتلهف ظاهر في نبرتها الرقيقة :
- عمتي وحشتيني قوي
انتفض قلب سميرة بعدة دقاتٍ حين استمعت لصوتها الذي استوحشته بشدة ، سألتها سميرة بقلقٍ :
- عاملة ايه يا رسيل ، انتي كويسة يا حبيبتي ؟ .
بدا الحزن على نبرة رسيل وهي تجيبها :
- انا كويسة ، بس انتي وحشتيني قوي ، كل حاجة وحشتني .
ثم اغرورقت عيناها بالدموع واستشعرت سميرة هذا فطمأنتها بنبرةٍ ذات معنى :
- خلاص يا حبيبتي متزعليش ، عمرو وعدني أنه هيجبني علشان أشوفك ، هتفت رسيل بفرحة جلية :
- بجد يا عمتو هتيجي عندي ؟
اكدت سميرة حين سألتها :
- قوليلي عاوزة ايه من هنا وأنا اجيبهولك ؟ .
اتسعت ابتسامة رسيل وهي تفكر ماذا تجلب لها ، تذكرت رسيل حديث أيهم بوجود حفلة بالفيلا ولذلك اجابت بحماسٍ:
- هاتي ملك معاكي يا عمتو وحشتني قوي ، وكمان أيهم عامل حفلة وكويس أنه أجلها لبكرة علشان تلحقوا تيجوا .
اندهشت سميرة من حديثها عنه بسلاسة كأن العلاقة بينهم جيدة ، هتفت سميرة مستفهمة :
- هو انتي بتكلميه عادي يا رسيل ؟ .
ارتبكت رسيل وتلعثمت حين ردت :
- أ.عا.عادي يا عمتي ، هو بيكلمني كويس وبيعملي كل حاجة
ثم صمت لتتابع بجدية هذة المرة :
- من غير ما أقول عايزة حاجة بيعملهالي ، جابلي حاجات كتير قوي ومنها عملي التليفون خط ، يعني اكلمك في أي وقت .
كانت سميرة تفكر فيما تقوله لها ، لا تعرف لما شعرت بطيبة الأخير رغم كذبه عليهم إلا أن هناك شيء بداخلها يجعلها تحب هذا الشاب ، تنهدت سميرة لتستفهم اكثر :
- هو قالك أنه هيطلقك بعد ما ياخد الأراضي يا رسيل ؟
ابتسمت رسيل حين تذكرت قربه واعترافه بحبه لها ، اغمضت رسيل عينيها بهيامٍ لبعض الوقت وتنهدت لترد بنفي :
- بيقول مش هيطلقني ، قالي خليكي معايا .
شعرت سميرة بالراحة فرغم زواجها بتلك الطريقة لا تريد لها الإنفصال والعيش في مرارةٍ من بعدها ، في تلك النقطة سألتها سميرة بجدية :
- وانتي يا رسيل رأيك ايه ، واثقة أنك تكملي معاه ؟ .
شردت رسيل بفكرها في كل ما مرت به حين خطت بقدمها المكان في ومضاتٍ خاطفة مرت امامها.
لم تجد ما ازعجها منذ أتت بل وجدت لطف والده ورقته هو في التعامل معها رغم انزعاجه بعض الأحيان إلا أنها لم تشعر بالكره تجاهه بل تتمنى اقترابه، تعجبت سميرة من غيابها في الرد عليها خشيت سكوتها هذا لتقول بقلقٍ :
- رسيل مبترديش عليا ليه يا حبيبتي ؟ .
انتبهت رسيل لعمتها وردت متنحنحة بتوترٍ :
- أنا هفضل معاه يا عمتي ، ولما أحس أنه بجد بيحبني يبقى اكمل معاه وأنا مطمنة .
قطع حديثها عبر الهاتف الخادمة التي ولجت عليها الغرفة ، انتبهت رسيل لها لتترك عمتها لحظات على الهاتف ، قالت الخادمة وهي ترفع علبة ما بين يديها :
- أيهم بيه باعت لحضرتك الفستان دا علشان الحفلة...
________________________________
جهّزت والدتها بعض من ملابسها لقضاء يومٍ واحد عند اقربائها في المنصورة ، كانت رانيا تتطلع عليها بفرحةٍ داخلية فستسنح لها الفرصة لملاقاته بعد إلحاحه الدائم عليها ، وجدت بمغادرة والدتها فرصة ليأتي هو إليها بدلاً من ذهابها إليه ، انتبهت رانيا لوالدتها التي تحدثها بتعقلٍ وهي تنظر لها بحنان :
- خلي بالك من نفسك يا رانيا ، أنا أن شاء الله هقعد يوم واحد ومش هتأخر ، يعني هقضي بكرة بس هناك .
ابتسمت لها رانيا بتصنعٍ وردت بتردد :
- عادي يا ماما براحتك ، هو أنا يعني صغيرة علشان تخافي عليا قوي كدة ، هتفت مديحة باستنكار :
- أيوة يا بنتي ، أنتي ناسية أن احنا مش في الحتة بتاعتنا ومنعرفش حد هنا ، لازم تخلي بالك من نفسك .
اومأت رانيا رأسها لتمتثل لرغبتها ، ردت بطاعةٍ:
- اللي تشوفيه يا ماما حاضر، ابتسمت لها مديحة وقالت:
- أنا هدخل آخد حمام .
ابتسمت لها رانيا لتولج والدتها الحمام، تنهدت رانيا براحةٍ لتخرج من الغرفة ذاهبة لغرفتها لمهاتفته واخباره بقدومه لها فهي ستكون بمفردها ، ولجت رانيا الغرفة واوصدت الباب خلفها ، وتوجهت لهاتفها الموضوع على الطاولة ، التقطته رانيا لتبدأ في الإتصال به وانتظرت الرد الذي جاءها على الفور .
اجاب مصطفى بتلهفٍ ظاهر:
- كنت لسة بفكر فيكي.
ابتسمت رانيا بدلال وردت:
- بس بكرة هخليك تشوفني .
انتصب مصطفى مكانه ليقول بعدم تصديق :
- يعني بكره هتجيلي
بحركة دارجة من بين شفتيها نفت بميوعة يعشقها منها:
- أنت اللي هتجيلي يا بيبي
رد علیها باستنكار :
- اجيلك فين ؟! ، قصدك بيتكوا
ردت هي بتأكيد :
- ماما مش هتبقى هنا طول اليوم ، يعني هتقعد براحتك.
تهللت اسارير مصطفى ليقول بفرحةٍ :
- وانا هاجي من بدري علشان نقعد مع بعض وقت طويل...
_________________________________
مسح فريد على يد ابنه الموضوعة على كتفه وهو يتطلع عليه بنظراتٍ محببة مجهدة إلى حد ما ، حيث تحسن فريد عن ذي قبل ، ابتسم له عمرو فقد جاء للإطمئنان عليه قُبيل سفره السري ، كان يجلس على جانبي الفراش من الناحية الأخرى زينة التي اسندت رأسها على صدر والدها وفي مقابلها تجلس سميرة ، تنهد فريد بعمقٍ ليُحدثهم بنبرةٍ شبه مجهدة :
- انا خلاص بقيت كويس ، فيكوا تروحوا تطمنوا على رسيل .
ابتسمت له سميرة بلطف لترد عليه موضحة رغبتها في ذلك:
- سامحني يا فريد ، انت عارف اللي حصل مع رسيل ، لازم اروح أطمن عليها بنفسي علشان ابقى مطمنة عليها
سعل فريد باجهاد ليمسح عمرو على كتفه ويحدث زينة :
- زينة يا حبيبتي بابا تعبان ، اتعدلي علشان يعرف يتنفس .
اطاعته زينة واعتدلت لتنظر لوالدها بحزنٍ على حالته الصحية فهي تحبه ولا تريد فقدانه ، ابتسم لها فريد بوهنٍ وحدثها لإحساسه بقلقها عليه :
- أنا كويس يا حبيبة بابا ، روحي اوضتك ذاكري وارتاحي
كادت أن ترد بالنفي فتدخل عمرو ليوافقه الحديث :
- زينة روحي يا حبيبتي على اوضتك بابا الحمد لله أحسن ، وانتي مدرستك قربت تبدأ ولازم تجهزي نفسك .
كانت نبرة عمرو الهادئة جعلتها تبتسم لهما وتمتثل لرغبتهم ، دنت زينة من والدها لتطبع قبلة رقيقة على وجنته ونهضت بعدها لتُغادر وسط نظراتهم التي تترقب خروجها ، قالت سميرة بابتسامة ذات معنى :
- ربنا يحميها ، كبرت بسرعة وبقت عروسة .
تنهد فريد بعمقٍ ليقول بتمني :
- ربنا يحميها ويسعدها
شعر عمرو بأن والده ليس على ما يرام ، تذكر بفكره وجود ماجد بالقرية لأنه اخبره بأنه سيغادر القرية ، اقترح عمرو حين نظر لعمته التي التفتت لحديثه :
- على فكرة يا عمتي ماجد رايح القاهرة ، ايه رأيك تروحي معاه وأنا ابقى أجيبكم ، على الأقل بابا يكون اتحسن شوية .
نظرت له سميرة لتقول بموافقةٍ فورية :
- فكرة حلوة قوي ، وبكدة مش هنسيب فريد لوحده ، وأنا هبقى اروح لملك تيجي معايا علشان رسيل عاوزة تشوفها .
ابتسم لها فريد بمحبةٍ ، في حين رد عمرو بجدية :
- خلاص جهزوا نفسكوا علشان هتسافروا معاه ، وأنا كمان شوية هروح وأكلمه وأكيد مش هيرفض .....
__________________________________
تجمد في مقعده حينما ابلغته السكرتيرة برغبة هذا الأحمق لملاقاته ، لم يتعجب أيهم كثيرًا من بروده وقلة حياءه في الظهور مرةً اخرى والقدوم إليه فهذة عادته منذ كان معه بالدراسة، ولج رغيد وهو ينظر له بابتسامة اثارت استفزاز أيهم من سماجته ووقاحته التي لا يبخل في ظهورها على هيئته التي تثير الإشمئزاز منه ، تجاهل رغيد تلك النظرات متعمدًا فمنذ معرفته بأيهم وهو يحقد على كل ما لديه فهو الفتى المدلل لوالده والتي تركض خلفه الفتيات وخاصةً الفتاة التي لم يحب غيرها، فطالما أحب رغيد أن يكون في مكانه حيث يسلب الأضواء تجاهه بكل ما لديه ، جلس رغيد مقابيل أيهم الذي يرمقه بجمودٍ منذ خطا بقدمه مكتبه ، ابتسم رغيد له بسخافةٍ ليحدثه بنبرةٍ مستفزة :
- وحشتيني ياايهم ، تلاقيني أنا كمان وحشتك ، وعلشان كدة جيت علشان محرمكوش مني .
كان يستمع أيهم له وهو يقسم بداخله أن ليس هناك أوقح من هذا الشخص الذي يجلس أمامه ، ظلّت ابتسامة رغيد السخيفة تملأ وجهه المثير للإنزعاج ، في حين رد عليه ايهم كأنه يحتقره:
- طبعًا وحشتنا ، مش متعودين الجو يبقى نضيف حوالينا ، لازم اللي يجي يوسخه .
تلاشت ابتسامة رغيد والزم نفسه بالهدوء وابتلع إهانته ، رد مسيطرًا بصعوبةٍ على انزعاجه :
- مقبولة منك يا ايهم ، طول عمرك لسانك بينقط سكر .
استند ايهم على المقعد ليرد عليه بثقةٍ:
- كل حاجة فيا سكر ، كل اللي يعرفني بيقول كدة .
ابتسم رغيد بسخط داخلى ، لا يعرف ما هو الحقد الذي يملأه بمجرد رؤيته في أتم سعادته ويحظى بما يتمناه دون عناءٍ ، تنهد بقوةٍ لينظر لأيهم الذي يحدجه بتكبر غير مبالي به ، قال رغيد بمغزى ليثير ريبة ايهم منه :
- سمعت أنك أتجوزت ، انا جيت مخصوص علشان أباركلك وأبارك للمدام أنها اتجوزت واحد في مركزك ده .
كان ايهم يتفهم مقصده حيث يلمح له هذا الأحمق على ما فعله مع سالي حين كانت خطيبته ، اثار ايهم حنقه حين رد بثقةٍ يخبره بها بأن ما ارتبط بها تختلف عن الأخيرة :
- متشكر قوي ، المدام عارفة كويس هي متجوزة مين ، وعلشان كدة بتحترم مكانتها ومبتعملش حاجة من ورايا .
ازداد حقد رغيد وحاول اخفاء ذلك حيث تصنع ابتسامة وقال بفرحةٍ زائفة :
- طيب الحمد لله ، ربنا يسعدكوا على طول وما فيش حاجة تبوظ حياتكم ، كان ايهم قد وصل لقمة تأففه من وجود ، سأله بنفورٍ:
- وانت جاي عاوز ايه ؟ .
شعر رغيد بالحرج من نبرته الجافة التي ليست بجديدة عليه ، رد بمعنى خبيث :
- جيت اطمن عليك واعرفك ان أنا مش محتاج عزومة للحفلة اللي هتعملها ، كويس انك اجلتها علشان الحق اجهز نفسي ، اصلك متعرفش عمو مروان وحشني قد ايه وعايز أشوفه .
تغيرت ملامح أيهم للجمود وجاء على فكره رسيل زوجته ، كان متأكدًا بداخله أن هذا البغيض سيفتعل شيئًا بحضوره هذا ، اشتعلت ثورة غاضبة بداخل ايهم وهو يتطلع عليه ويقسم بداخله أن لمسه لشعرة واحدة من زوجته ستودي بحياته إلي نهايته الحتمية ، فرسيل عنده الآن أغلى ما يملكه ليحافظ عليه ، نهض رغيد حينما نجح في ازعاجه وتوجسه منه، ابتسم بانتشاءٍ وقال وهو يتأهب للذهاب ويرتدي نظارته الشمسية :
- سلام يا ايهم ، اشوفك في البارتي.
ثم ابتسم بمكر له قبل ان يستدير ويترك المكتب ، تعقبته نظرات ايهم الحانقة والمتجمدة ليشعر بداخله بالخوف منه ، خشي على زوجته و..، توقف عند تلك النقطة ليحدث نفسه بتعنيفٍ :
- ايه يا ايهم انت خايف من ده ، مش هتقدر تحمي مراتك .
زفر بقوة لتبدو قوته وصلابته المعتادة مسيطرة على هيئته ، في حين أنه ينتوي لذلك الوقح ويقسم بأن ما سيراه سيكون أسوأ مما يتخيله في حياته إذا افتعل حماقة ما معه ..
قطع جموحه هاتفه الصامت الذي يضوي معلنًا عن إتصال أحدهم ، اجاب ايهم حينما وجده من الفيلا ، رد ايهم لتخبره الخادمة بتعب والده ، انتفض ايهم من مقعده لينهض وهو يردد بقلقٍ :
- طيب انا جاي دلوقتي ....
_________________________________
لأول مرةٍ تخونه دموعه في النزول ، حيث تمردت بعض من قطرات دموعه لتلامس وجنته لحزنه على ما حدث بالأمس ، اختلى ماجد بغرفته داخل السراية ينعي حظه فقد جاء من اجلها ولم يفتعل ما يجعلها ترفض الزواج منه ، تنهد بحزنٍ فليس تلك نهاية الطريق لرسم سعادته معها وتمنى وجود فتاة بصفاتها الحسنة معه ، لم يستطع سؤالها عن سبب رفضها له لأنها لم تعطيه الفرصة وولجت لغرفتها دون ان تتفوه بكلمةٍ واحدة ، زفر بقوةٍ يريد معرفة السبب ولهذا اعتزم مهاتفتها ولكن من هاتف آخر لتجيب عليه ، انتظر ماجد وهو يخبط على فخذه بتوترٍ شديدٍ منتظرًا بشغفٍ سماع صوتها ..
اجابت ملك على من يهاتفها رغم تعجبها من ذلك الرقم المجهول ولذلك ردت فلن تخسر شيئًا :
- ايوة مين ؟ .
انتصب ماجد مكانه ليرد بتوسلٍ :
- أنا ماجد يا ملك ، اوعي تقفلي علشان خاطري .
ارتبكت ملك وعضت على شفتيها بتوترٍ فلم تتخيل مهاتفته لها بعد ما حدث ليلة أمس ، ردت بترددٍ:
- انت عاوز ايه ؟ ، أنا خلاص قولت اللي عندي .
حزن ماجد في نفسه ليرد باستنكارٍ جم :
- ليه يا ملك ؟ ، انا كنت عملت ايه ، انا افتكرتك بتحبيني زي ما أنا بحبك ، انا جيت هنا مخصوص علشانك .
هنا ضحكت ملك بسخرية جعلته يستغرب ويسأل نفسه ماذا اصابها ؟ ، فردت عليه ملك باستهزاءٍ:
- أكيد طبعًا لازم تكون جاي علشاني ، ما صاحبك كان جاي علشان رسيل ، ودلوقتي اتجوزها علشان مصلحته ويا عالم حياتها عاملة ازاي معاه ، انما سيادتك جاي عاوز مني ايه ، انا معنديش حاجة علشان تاخدها
انصدم ماجد من حديثها في حين أكملت هي باستهجانٍ مدروس:
- تلاقيك عاوز تنبسطلك يومين معايا ، بنت فقيرة اضحك على اهلها بشوية فلوس واتجوزها وبعد كدة ارميها او يا عالم هتعمل معاه ايه .
زادت صدمة ماجد لتخيلها بأنه بتلك الوقاحة الشديدة وربما من هم يملكون المال بالتحديد ففكرتها عنهم غير مستحبة للبعض ولم تكن هي نواياه تجاهها ، تنهد ليقول باستنكارٍ شديد :
- ملك كل اللي بتقوليه ده مش صح ، أيهم مش وحش مع رسيل ولا زي ما انتي فاكرة ، انا عارف هو بيعاملها أزاي ، ومش من حقك تقارنيني بحد بالصفات دي ، انا طول عمري عارف الأصول كويس ، وجيت علشان اتقدملك وسيادتك ببساطة رفضتي ، بس يا خسارة
كان ماجد يتحدث بمرارةٍ في حين شعرت ملك بالعطف تجاهه فهي لم تنكر بداخلها شعورها بشيءٍ ما تجاهه ولكنها توجست من حياتها معه فهي تتنابذ عن نمط حياتها وربما لم تتهيأ فيما بعد على التوازن في حياة لم تتخيل ان تنعم بها ، تنهدت ملك بقلة حيلةٍ طغت على هيئتها البريئة البسيطة ولم تعرف ماذا ترد عليه ؟ ، انقذها صوت والدتها التي ولجت الغرفة دون استأذان ويبدو عليها الحماس مما جعلها تغلق الهاتف دون ان تنهيه معه همست والدتها بشغفٍ وهي تدنو منها :
- تعالي يا ملك الست سميرة جتلك بنفسها برة وعوزاكي ....
على الناحية الأخرى امتعض ماجد من غلقها الهاتف في وجهه فهذا كما ظنّه ردها عليه ، زفر بقوة كونها لم تلتمس له العذر من كل ما حدث وأن تشعر بما يكنه لها بداخله ، تنهد بضيقٍ لينتبه لمن يطرق عليه الباب ، ولج الخادم ليقول له بعمليةٍ :
- ماجد بيه ، عمرو بيه تحت وطالب يشوف سيادتك....
________________________________
وصل للفيلا بإعجوبةٍ وولج للداخل صاعدًا الدرج بسرعةٍ كبيرة لتلهفه على والده وهذا ما ظهر على قسماته التي استفاضت قلق عظيم لما اصابه ولم ينتظر أن يأتي بالطبيب معه ، حيث سبق ليخلفه الآخر ، ولج أيهم غرفة والده ليتجمد مكانه منصدمًا مما رآه ، كانت رسيل جالسة على طرف الفراش أمام والده وتوليه هو ظهرها وبيدها ابرة طبية تقوم بغرسها في ذراعه ، للحظات شرود مرت على أيهم تطلع فيها عن امتنانه لوجودها هنا ، خالجته احاسيس فياضة ملأت قلبه وهو يتأملها وهي تطبب والده المريض ، انتبه ايهم لقلقه على والده ودنا منهم لتلتفت له رسيل وتنهض بعدها ، خطف ايهم لها نظرة مع ابتسامة رقيقة ثم وجه بصره لوالده الذي ينظر له بأعينٍ شبه ناعسةٍ ، دنا من الفراش ليجلس على طرفه ويحدثه بقلقٍ:
- بابا حبيبي حاسس بأيه ؟ .
ابتسم له مروان ليطمأنه على صحته ، رد برضى :
- أنا الحمد لله يا أيهم
ثم نظر لرسيل وتابع بامتنانٍ :
- بشكر ربنا أن رسيل جمبي ، مكنتش عارف هعمل ايه لو ملحقتنيش
على الفور ادار أيهم رأسه نحوها لينظر لها لا يعرف ماذا يقول؟ ، بينما ابتسمت رسيل لترد بحرجٍ:
- انا معملتش حاجة صعبة ، دا واجب عليا لما اعمل كدة .
حدق فيها مروان بنظرات محببة، بينما سألها ايهم بهدوء:
- تعرفي عنده ايه ؟ .
اومأت برأسها لترد بعمليةٍ جعلت مروان يعجب بيها :
- دي نوبة سكر ، تقريبا شرب حاجة او أكل حاجة السكر كان فيها كتير او ملتزمش بالتعليمات .
حرك أيهم رأسه بتفهمٍ فوالده بالفعل مريض بالسكري ، عاود النظر لوالده الذي يبدو عليه النعاس ، كاد ان يحدثه ولكن مروان يريد الراحة فقد اعطته رسيل حقنة منومة لشعوره بإضطراب في النوم نتيجة مرضه بالسكري ، قال مروان له:
- روحوا انتوا ، انا محتاج انام شوية وارتاح ، وعايزك تطّمن يا حبيبي أنا كويس .
ابتسم ايهم له برقةٍ بينما اغمض مروان عينيه وامال رأسه للجانب وادعى النوم لكي يخرجا.
بالفعل نهض أيهم بعدما دثره جيدًا ووجه بصره لرسيل الذي تنظر إليه بتوتر ، استدار أيهم حول الفراش ليسحبها من يدها ويقربها منه ، اصطدمت رسيل بصدره وشهقت وهي تلومه:
- مش هينفع كدة أ...
قاطعها الأخير حين دنا منها وقبّل خدها فتوقف عن الحديث ، تجرأ ايهم على ذلك كونه والده غافي كما يظن ، ولكن ما حدث جعله يرتجف من التوتر ويشعر بالحرج الشديد حين تحدث مروان بمكرٍ وهو ينظر لهما:
- أيهم أنا لسة منمتش ، خد مراتك على اوضتك وعيب اللي بتعمله ده .
ابتسمت رسيل بخجلٍ رغم أن الموقف محرجًا ، اختلف الامر بالنسبة لايهم الذي تملك منه الإرتباك حين فعل ذلك في حضور والده فقد ظنّه غفا ، لم تلبث رسيل في وقفتها حيث اغذت في السير لتخرج من الغرفة ، تركت ايهم من خلفها ينظر لوالده بابتسامةٍ بلهاء ، قال بعبثٍ :
- يا بابا دا أنا كنت بقولها كلمة في أ ...أ... في ودنها
حدجه مروان بنظراتٍ مُظلمةٍ ماكرة زادت أيهم ارتباكًا ، تنحنح أيهم ليهرب من نظراته بمعنى أصح ، قال بتوتر:
- انا هروح أكلم الدكتور ميجيش بقى ، تصبح على خير يا بابا.
ثم هدج للخارج وسط نظرات مروان التي تعقبته بابتسامةٍ جانبية ذات مغزى ، ردد في نفسه بتمني :
- ربنا يسعدك يا ايهم ، أول مرة اشوفك بتحب كدة ......
__________________________________
في غرفة الجلوس اجتمع ثلاثتهم فيها يحتسون الشاي ، كان مازن ينتظر بحماسٍ بدأ خلود بتنفيذ اولى خطوات المخطط المخادع الذي رسمته ، تنهد بعمقٍ ليتهيأ هو الآخر بتنفيذ دوره على أكمل وجه حتى لا ينكشف أمرهم ؛ وزع نظراته لوالديه بحذرٍ فما سيحدث سيجعلهم بالتأكيد يضطربون ، انتفض فجأةً حين بدأت خلود بالصراخ وعلى الفور تهيأ لتمثيل الفزع حين هتف متسائلاً بقلقٍ :
- دي خلود اللي بتصرخ ، يا ترى حصل ايه؟ .
لم يتراخى والداه في النهوض وهرعوا للخارج ليصعدوا الدرج تجاه صوت صراخها ، كان عبد الحميد يهتف بخوفٍ طول الطريق:
- يا ساتر يا رب ، يا ترى بتصوت دي ليه .
ارتجف قلب رئيفة بعدة ضربات متتالية متوجسة لإفتعال ابنتها شيئًا ما بنفسها ، وصل ثلاثتهم وولجوا للغرفة لتقابلهم خلود وهي تبكي بحرقة وبالتأكيد كل ذلك مصطنع لينطلي عليهم الخطة ، هتفت خلود بخوفٍ وبكاءٍ زائفٍ :
- الحقوني سيرين موتت نفسها .
شهقت رئيفة مع صرخة شاردة وهي تهرول لتصل لإبنتها المستلقية على الفراش والساكنة كما تدعي ، هتفت رئيفة ببكاءٍ وقلقٍ عظيم :
- بنتي سيرين ، يا حبيبتي يا بنتي عملتي في نفسك ايه بس
كتم مازن ضحكه بصعوبةٍ لترمقه خلود بغيظٍ وهي تغمز له ، اومأ برأسه ليمتثل لها ، في ذلك الوقت كان عبد الحميد قد جلس على الناحيةِ الاخرى من الفراش ويردد بحزن :
- بنتي يا سيرين ردي عليا ، توقفت رئيفة عن البكاء لتحدجه بانزعاج وهتفت لتلومه بقسوة :
- كله منك يا حاج ، انت السبب في اللي هي فيه ، هتتبسط لما بنتي الوحيدة تموت نفسها
شعر عبد الحميد بالشفقة عليها فزوجته محقة ونظر لابنته بحزن ، كان مازن واقف كالود يتابع ما يحدث كفيلم يعرض امامه ولم يفعل المطلوب منه حيث كانت سيرين تلعنه في نفسها فهي تحبس انفاسها كي لا ينكشف امرها وتخونها نفسها لتلتقط نفسًا بسيطًا يساعدها على التكملة في تلك اللعبة اللعينة التي ستودي بحياتها نتيجة حماقة اخيها ، انتبهت خلود لما يحدث لتلكز الأخير في كتفه ليكمل اللعبة ، همست له بامتعاض :
- يلا اعمل اللي اتفقنا عليه .
انتبه مازن لما يحدث وتحرك نحوهم وهتف بحزنٍ مصطنع وهو يدنو من والديه ليزيحهم :
- لو سمحتوا وسعوا كدة علشان اشوف مالها ، افسحت له رئيفة المجال كي يتفحصها ، في حين وضع مازن يده على عنقها ليهتف بفرحة بعدها :
- الحمد لله لسة بتتنفس
ظهرت السعادة على وجهي والديه ليكمل هو بجديةٍ زائفة :
- انا هالحق اوديها المستوصف بسرعة علشان يكشفوا عليها وينقذوها ، وافق والديه على ذلك فحملها مازن ليتحرك بها ، سبقه عبد الحميد وتقدمه ليقول وهو يخرج مفتاح السيارة من جيب جلبابه :
- يلا يا مازن هاتها وتعالى بسرعة وأنا اللي هسوق .
ارتبك مازن وكذلك خلود التي توجست من حضوره ، فبوجوده سينكشف كل شيء ، خطرت على بالها فكرة لتقول بتردد :
- هات يا عمو المفتاح مازن يسوق وانا هفضل معاها ، مينفعش ميبقاش معاها وحدة ست تشوف طلباتها ايه وكدة .
نظر مازن لوالده بتوتر ينتظر رده ، فكر عبد الحميد في حديثها ، ولكن تدخلت رئيفة لتقول بضيق :
- انتوا لسة هتتكلموا وتسيبوا بنتي كدة لحد ما تموت ، اديهم يروحوا يا عبد الحميد ونبقى نحصلهم انا وانت على ما نلبس هدومنا
نظر لها عبد الحميد واقتنع ، ناول المفتاح بعدها لمازن وقال بقلقٍ:
- طيب روح يا مازن انت الحق اختك وانا هبقى احصلك ....
__________________________________
بدلت ملابسها بأخرى للنوم من الثياب التي جلبها لها، ثم جلست على الأريكة لتتفحص هاتفها الجديد بشغفٍ.
بينما تمدد أيهم على الفراش مستندًا بظهره بعض الشيء على الوسادة يتفحص الحاسب خاصته أو بالأحرى يدّعي ذلك فقد شغلت فكره ليتطلع عليها هي ، ابتسم لحركاتها العفوية وتنهد بارتياحٍ لتعودها عليه وعلى الحياة معه.
تنفس أيهم بهدوءٍ ثم عاود النظر لها وهو يغلق حاسوبه ويضعه بعدم اكتراث على الكومود.
أراد في نفسه أن تقترب منه فبُعدها هذا يقتله ، فرغم كونها زوجته لم يستطع الإقتراب منها وكره بداخله ما مر عليهم ليعكر صفو علاقته بها ، ولكن هناك جزء بداخله يشكر الظروف وتلك الأسباب في ذات الوقت لإتاحته الفرصة لملاقاتها والتعرف عليها ، مر بعض الوقت ليمل فقد شغلها الهاتف بطريقةٍ جعلته يلوم نفسه على جلبه لها ، فكر للحظاتٍ في طريقة لتأتي إليه وسرعان ما طرأت على باله فكرة ماكرة.
التوى ثغره بابتسامةٍ ذات مغزى ليدّعي بعدها الألم ، قال أيهم بألمٍ زائف:
- رسيل الحقيني راسي بتوجعني .
انتبهت رسيل له واعتدلت في جلستها لتسأله بقلقٍ طفيف :
- في أيه؟ ، حاسس بحاجة؟ .
عبس بوجهه ونظر لها بمكر وهو يضع يده على رأسه من فوق ليقول بمفهوم مختلق وهو يدعي الألم :
- راسي بتوجعني في المكان اللي ضربتيني فيه .
انتفضت رسيل موضعها وهبت واقفة وهي تنظر له بقلقٍ شديد وألقت الهاتف على الأريكة. تحركت ناحيته واقتربت منه مما جعله يبتسم بمكر ، دنت رسيل منه لتحاوط رأسه بكفيها وانحنت ناحيته لتتفحصها عن قرب.
تسارعت انفاس أيهم فقد اضحت قريبة منه، رفع وجهه ليقترب من عنقها وهو يتحسسه بتمني واله وهو مغمض العينين ويستنشق رائحتها. حاوطت ذراعاه خصرها لترتعد رسيل وتنتبه له. ادركت وقفتها تلك لتحاول الإبتعاد عنه ، لم يعطيها الأخير الفرصة فقد احكم ذراعيه حولها ، اضطرت رسيل للجلوس وهي تدفعه بارتباكٍ بعيدًا عنها وتنظر له بتوترٍ، قرّبها له ليقول بالقرب منها :
- هنفضل كدة لحد امتى ؟، انا جوزك ومش هينفع كدة .
شعرت رسيل برغبته تلك وخشيت ملامسته لها دون رضاها فهذا الظاهر في نظراته المتمنية لها، وحين انتبهت له يقترب ليقبلها، قامت بعض عنقه ليبتعد عنها.
صرخ فيها لتكف عما تفعل :
- رســيـل، سيبني وهبعد .
ابتعدت رسيل وهي تتنفس بتوترٍ وكذلك هو ابتعد عنها وهو يضع يده على عنقه ، فرغم قوته وسيطرته استطاعت تلك العنيدة ردعه مستغلة ما يتاح لها لتبعده عنها.
نظر لها كاتمًا انزعاجه وكذلك هي كانت تخشى ردة فعله لما فعلته معه ونظرت له بخوفٍ ، في حين وجد الأخير نفسه يبتسم لتغلُبها عليه رغم ضعف قوتها مقارنةً به.
نظر لها كأنه معجب بعنفها تجاهه واستغربت هي لعدم تعنيفه لها فهو زوجها ومنعته من لمسها.
تنهد ايهم بهدوء وقال بنبرةٍ جعلتها تندم على ما فعلته به:
- حرام عليكي انا جوزك ، ازاي تعملي فيا كدة .
تأملت رسيل هيئته بحب لم تظهره له وهي تلوم نفسها على ابعاده عنها ، شعرت بوخزة في قلبها لرؤيته يكتم ألمه من عضتها العنيفة له.
ظل أيهم يبتسم كأنه لم يبالي بما فعلته ولكنه شعر بالضيق كونها لا تتمنى اقترابه منها فأي فتاة تهتاف فقط لنظرة منه ، لم يهمه الجميع غير أن ترتضي هي عنه وتتقبل حياتها معه وكبت حزنه واظهر ابتسامته الزائفة فقط. وضعت يديها على عنقه لتقول بقلق :
- أيهم وريهالي عاوزة أشوفها .
ابعد يدها بهدوء وقال بعدم اكتراثٍ زائف :
- رسيل انا كويس وهي مافيهاش حاجة .
لم تقتنع رسيل بذلك وزاد استغرابها هدوءه معها وعدم قسوته عليها ، هنا اظهرت حبها الكامن له عندما هتفت بقلقٍ جلي :
- ايهم وريهالي علشان اعرف اعالجها ، مش هسامح نفسي على اللي عملته معاك
تنهد ايهم وامتثل لرغبتها وأبعد يده من على عنقه ليظهر الجرح لتنظر له رسيل بانزعاج من نفسها.
وضعت يدها بهدوءٍ عليه ليقشعر جسده كأنه يكتم ألمه ، زفرت رسيل بضيقٍ لتلوم نفسها :
- اسفه يا ايهم ، انا كنت وحشة قوي
ابتسم لها بلطفٍ واعتدل ليقول بلا مبالاةٍ مصطنعة :
- رسيل انتي مكبرة الموضوع ، هي ما فيهاش حاجة
كان ألمه في قلبه أكثر لرفضها له وتنهد ليعذرها في ردة فعلها بأن خداعه لها اوصلها لذلك ؛ بينما اشفقت رسيل عليه ولكنها فعلت ذلك لعدم تأكدها التام من حبه لها ، تنهدت لتنهض وسط نظراته غير المتفهمة لها ، ولجت المرحاض وأتت بعد قليل ببعض المطهرات وسائل تنظيف الجروح.
تحركت رسيل تجاهه وتطلع عليها الأخير بابتسامةٍ خفيفة لإهتمامها بأمره. دنت رسيل من الفراش لتجلس عليه وبدأت في تنظيف مكان عضتها.
باتت المسافة قريبة ليكتم ابتسامته ويقول بمكر :
- رجعنا لنقطة البداية.
تجاهلت رسيل حديثه وتركته يتطلع عليها فهي زوجته ولم تمنعه من النظر إليها، قال بمزاحٍ:
- متجوز مصاصة دماء ، ويا ترى بلعتي دمي بقى .
ابتسمت رسيل وقالت بمعنى وهي تنظف حرجه بعنايةٍ:
- احنا اتفقنا متلمستيش غير بموافقتي ، انت اجبرتني .
تنهد بعمقٍ ليسألها بنفاذ صبر :
- وهتوافقي امتى بقى ؟
ردت بجدية وهي تنظر له :
- لما أثق فيك .
ظلت النظرات بينهما لبعض الوقت وقال ايهم بعدها :
- بحبك قوي
ابتسمت لتقول بمغزى :
- أثبت
نظر لها وقال بنبرةٍ جادة ذات معنى :
- أول اثبات علشان تثقي فيا هو أني مش هطلقك مهما حصل..
_________________________________
انتظر حتى غفت زوجته ، اعتدل اسماعيل بحذرٍ من جوارها لينهض عازمًا على المغادرة ، لم يتحمل رؤيتها له وهو يتركها وانتظر قدوم الليل حتى لا يرى اللوم في نظراتها نحوه ، سار اسماعيل ليحمل تلك الحقيبة البلاستيكية الصغيرة التي وضع فيها جلباب ما ربما سيحتاجه اثناء سفره وتسلل بهدوءٍ ليرحل ، كانت مهجة متيقّظة ودموعها تهطل بغزارةٍ على وجهها فهي كانت تعلم بداخلها بأنه لن يفوّت هكذا فرصة ليتركها كونه يبغض عيشته ، حسها قلبها على النهوض وإيقافه وربما التوسل له لأخذها معه ، استجابت له مهجة لتنهض وهي تحدق به وتحدثه بمرارةٍ:
- استنى يا اسماعيل .
تجمد اسماعيل موضعه بصدمةٍ ، بينما نهضت مهجة لتتجه نحوه ، تابعت ببكاءٍ شديد وهي تقف خلفه وهو يوليها ظهره:
- عايز تمشي خدني معاك متسبتيش هنا لوحدي ، مش هتحمل بعدك عني .
تنهد اسماعيل بحزنٍ فهو لا يريد مواجهتها بما يفعله ، استدار نحوها ليرى هيئتها الباكية ، شعر بالشفقةِ عليها فهي لم تستحق ما سينتويه معها ، تحجر اسماعيل وقال برفضٍ:
- أنا هروح لوحدي ، ولو عايزة تشوفي حياتك أنتي حرة .
انصدمت مهجة من حديثه وهي تسأل نفسها عن سبب حديثه بأنها حرة ؟ ، توجست مهجة من انفصاله عنها كما اخبرها قبل مرة، حدقت فيه بحزن لترد عليه بنبرة لائمة:
- انت لسة عاوز تطلقني يا اسماعيل ؟ .
لم يستطع اسماعيل الوقوف امامها ويتحمل تلك النظرات الائمة التي تخرج من عينيها الباكية والتي تشعره بمدى أنانيته معها ، لم يرد عليها بل استدار ليفتح الباب وتركها من خلفه تستنكر تركه لها بهذا الشكل ، انتفضت مهجة لتهرع خلفه وتتشبث به لتقول بتوسلٍ شديد وبكاءها يملأ المكان وهي ممسكة بجلبابه:
- اسماعيل متسبنيش ، خدني معاك أنا مهجة حبيبتك .
لم يلتفت لها بل سحب جلبابه ليتملص من تمسكها به ليتركها بقسوة ، كانت مهجة تبكي بحرقةٍ وتيقّظت والدته على اصوات بكاءها التي تعجبت منه.
دلفت عديلة خارج الغرفة لتنصدم مما ترى ، شهقت وهي تصك بكفها على صدرها وتقول بعدم فهم :
ٍ- ايه اللي بيحصل ده ؟ .
التفتت لها مهجة وردت بترجي وهي ما زالت تتشبث به :
- قوليله يا حماتي ميسبنيش ، اسماعيل عايز يطلقني .
كان اسماعيل يحاول فك قبضتها من على جلبابه بصعوبةٍ ، وفي تلك اللحظة دنت منهم عديلة وهي تهتف باستنكارٍ:
- ايه اللي بيحصل دا يا اسماعيل ، وايه اللي بتقوله مهجة ده؟.
لم يرد على كلتیهما والتزم الصمت ولم يتحمل النظر لهن كان يريد الخروج في هدوءٍ ، ولكن مهجة كانت تتوسله بشدة وتبكي ، في تلك اللحظة تأججت القسوة بداخله ليمنعها عما تفعل فليس هناك ما يجعلها تتركه سوى ذلك ، ادار رأسه ناحيتها ليقول بتحجرٍ وهو يسحب جلبابه بعنف وينظر لها بجمود:
- انتي طالق يا مهجة ، يلا سيبيني .
فغرت فاهها وتجمدت موضعها وهي تحملق فيه بعدم تصديقٍ، بينما شهقت عديلة بصدمةٍ لعدم استيعابها لما يحدث حتى الآن وما سبب تغيير ابنها ، انفلتت يد مهجة الممسكة به فتنهد اسماعيل لتبدو نظراته قاسية عليها واستدار بعدها ليترك المنزل دون أن ينتظر حديث احدهن إليه وهدج للخارج وسط نظراتهن المدهوشة ، انتبهت له مهجة وتتبعت خروجه بذهولٍ لم تعي حتى تلك اللحظة ما يحدث لها معه فلم تكن هي تلك الحياة التي تحلم بها معه ، تملك من رأسها دوارٍ شديد لتحرك رأسها وتجفل عيناها لا تستطيع الرؤية ، تغلب عليها التشويش لتترنح في وقفتها وانتبهت لها عديلة المصدومة وتحركت لتمسك بها ، خارت قوى مهجة ولم تعد قادرة على الصمود فارتمت بجسدها على عديلة التي صرخت بهلعٍ :
- مالك يا مهجـــة؟...