
رواية القيادي الفصل الواحد والخمسون 51 بقلم إلهام رفعت
ولج غرفة نومهم وجدها غافية على التخت ومدثرة نفسها بالغطاء جيدًا لدرجة أنه لم يرى حتى رأسها وقطب جبينه متعجبًا.
تحرك ماجد نحوها وعينيه المندهشة عليها، دنا بحذرٍ من التخت وجلس على طرفه، نظر لها لبعض الوقت ثم مد يده ليزيح الغطاء كاشفًا عن رأسها، جحظ عيناه وهو يرى شعرها يغطي وجهها بطريقةٍ جذابة أُغرم بها.
ابتلع ريقه وأزاح الغطاء أكثر وعينيه قتلتها الفضول في رؤيته فكم تتوق لتلك اللحظة ليختلي بها ليفصح حينها عما يطمسه بداخله.
رسم أمامها الصلابة كما يفعل أيهم، أجل صار معقدًا يريد فرض سيطرته عليها ليضحى مثل أيهم قياديًا تخشاه زوجته رغم عشقه لها، خشي ماجد أن ترتسم التعالي عليه كونه ركض أميالاً ليصل إليها ولكن لا لن يسمح بذلك مطلقًا لتخشاه مُقدِمة ولاء الطاعةِ له.
تنحنح بخفوتٍ وتقلد بالثبات ليمحي تمنيه لها ولن يبوح به الآن هكذا وتأنى ليضمن طاعتها الكاملة له كما تفعل رسيل الآن مع أيهم، ولذلك قام بهزها بعنفٍ بعض الشيء لتفيق من نومها وهو يحدجها بنظراتٍ قاسية زائفة بالطبع.
تنمّلت ملك في نومتها وكشّرت بوجهها وهي تفيق من نومها، تذمّرت بقسماتها المزعوجة واضطرت لفتح عينيها الناعستين، وجهت بصرها ناحيته وما أن استوعبت وجوده جالسًا بجوارها حتى اعتدلت في نومتها ساحبة الغطاء عليها، التوى ثغر ماجد بابتسامةٍ مغترة مصطنعة أكيد وتجاهلها متعمدًا، في حين رمقته ملك بنظراتٍ مزعوجة وعنفته قائلة:
- عاوز أيه؟، إنت مش قولت هنفضل بعيد عن بعض على ما نتعود نعيش سوا، جاي هنا ليه؟ .
هتف ساخرًا وهو يتطلع عليها بعبوس:
- وهناخد على بعض وإحنا بعيد كدة إزاي إن شاء الله
ردت بتلجلجٍ وهي تحرك رأسها بجهل:
- معرفش، المهم تاخد بعضك وتطلع برة دلوقتي
قالتها وهي تشير ناحية الباب، تأفف ماجد وإدعى القوة حين استمر جالسًا موضعه وحدجها بنظراتٍ قوية وهو ينبه عليها بحزمٍ:
- من هنا ورايح تسمعي كلامي، ولازم تعرفي إني مش زي ما إنتي فاهمة وهموت عليكي وإنك هتتكبري عليا علشان جريت وراكي، لا صحصحي كدة وشوفي مين قدامك، من الثانية دي لازم تخافي مني وكلمتي تتسمع، فاهمة ولا لأ .
بدا أكثر بلاهة وهو يتحدث معها مشيرًا بسبابتهِ، إتتضح بأنه لديه عُقدة نقصٍ من شيءٍ ما أخفقت في إدراكه وهذا ما استنبطته من حديثه، بابتسامةٍ جانبية بدت مستهزئة قالت:
- وسيادتك بقى عاوزني أحترمك إزاي يا سي السيد؟
ادرك ماجد بأنها تسخر منه ولهذا شدّد من حزمه معها وهتف:
- إنتي بتتريقي عليا، شكلك مش عرفاني كويس، بس ملحوقة، هعرفك دلوقتي انا مين .
ثم شرع في الإقتراب منها وهو يضم شفتيه بقوةٍ منتویًا لها وهو يريد الإمساك بها، شهقت ملك وتراجعت للخلف مبتعدة قدر الإمكان عنه ولكنه لاحقها حين قفز ممسكًا بها وجعلها تتسطح على الفراش.
اضطربت ملك منه وظنّته مخبولاً فتعابيره لا تبشر بخيرٍ، بينما ثبت ماجد ذراعيها بيديه على الفراش وقال وهو يكز على أسنانه ببله:
- هوريكي ماجد جديد غير اللي تعرفيه، أنا كل اللي حوليا بيخافوا مني ولازم إنتي كمان تخافي زيهم وتسمعي كلامي، سمعاني ولا أعيد تاني .
حدقت به ملك شاردة في فهم شخصيته الغامضة وإلتزمت الوجوم التام، تيقّنت بأنه ليس كما يدعي معها وأن عقله أمرد بكثيرٍ معارضًا مع كبر عمره، زيفت ابتسامة وقررت اللعب معه فهو كطفلٍ صغيرٍ أمامها.
استغرب ماجد ردة فعها وهو ينظر لها قاطبًا بين حاجبيه، دُهش حين طوقت عنقه بذراعيها وتقول له بنبرةٍ ناعمة زيفتها ببراعة:
- اكيد لازم أسمع كلامك وأخاف منك، أنا من أول مرة شوفتك وأنا بخاف قوي، متأذنيش يا ميجو علشان خاطري .
زاغ ماجد في حديثها وعينيه تتطلع عليها ببلاهة، ازدرد ريقه بتوترٍ وقال بعدم تصديقٍ:
- بجد بتخافي مني من زمان؟
اومأت برأسها مؤكدة بتصنع مكملة حديثها بطاعتها الزائفة:
- طبعًا يا حبيبي، إنت مش عارف قيمتك ولا أيه
اتسعت ابتسامته البلهاء وشعر من حديثها بأنه عاد إليه شيءٍ ما إفتقده أشعره بالغبطة والإنتشاء وهو وجود من يخشاه، قرر هنا فرض استئثاره عليها وقال بمغزى لها مدعي الصلابة:
- بس أنا عاوزك، والإتفاق اللي بينا رجعت فيه
ابتلعت ملك ريقها بصعوبةٍ حيث ارتبكت من حديثه، فكرت سريعًا ماذا تفعل معه، لمعت حيلة ما تمنّت أن تفلح فيها ويقتنع بها، قالت ملك بمكرٍ داخلي:
- بس هو فيه راجل حمش بيرجع في كلامه، الراجل اللي بجد مبيرجعش في كلامه أبدًا، ولا إنت شايف أيه ؟
ثم نظرت له لتحثه بأن حديثها الأصح، في حين تدبّر ماجد حديثها وطاش فيه فهي على حقٍ.
نظر لها فلابد أن لا يخسر هيبته أمامها بعدما أدرك خوفها منه، أعدل عن قراره هذا وقال متفقًا معها:
- عندك حق، أنا راجل ومش هرجع في كلامي
تنهدت ملك بجذلٍ وتصنعت ابتسامة ممتنة، فطنت بأن بداخله طفلٍ صغير مفتقدًا لأشياءٍ معينة جعلته هكذا، في تلك النقطة ادركت بأن حياتها معه ستخلو من المشاكل لتستخدم من تلك اللحظة حنكتها في التعامل معه، خاطبته لتمدحه بزيف:
-حبيبي يا حمش.......
___________________________________
جلست بجواره في غرفة مكتبه بعيدًا عن الجميع وروت له جميع ما مرت به وما فعله هذا الخسيس بها لينتقم من أيهم، كما تبين من حديثها سبب إنفصالها عنه، بدموعٍ انهمرت من عينيها كشلالاتِ المياه قالت سالي كل ما تضمره بداخلها بمرارةٍ لوالدها المصدوم بكل ما مرت به ابنته، توالت عليه الصدمات من مأساة ابنته الوحيدة لتشعر بوحدتها وعدم وقوف أحد بجانبها ؛ شعرت سالي بأنها أزاحت حملاً ثقيلاً من الهموم الجاثية على صدرها وقلبها لتشعر بأنفاسٍ هادئة تسري بداخلها محملة ببعض الدماثة ليخالجها شعور عدم الإحساس بالذنب، رغم ذلك لم تتحمل النظر لوالدها وظلّت كما هي تبكي في صمت لحرجها القُحاف منه فما حدث هو الاشنع بالتأكيد فهي هنا مغتصبة ومدمرة ولكنها تماسكت وتخطّت كل ذلك كما ظنّت، عاد هو من جديد ليقلب حياتها بعدما جبّرتها وتوالت أحزانها من جديد؛ شهقت سالي بفزعٍ وتراجعت للخلف فجأةً حين وجدت يد والدها تُوضع عليها ونظرت له بخوفٍ فقد ظنّته سيضربها، لم يكن هذا مراد رؤوف ولكنه أشفق على ابنته ونظر لها بحزنٍ جعل عبراتها تنهمر اكثر وذلك من فرحتها ليقف من تخشى ضيقه منها بجوارها يساندها في ورطتها، مد رؤوف يده مرةً أخرى ومسد على رأسها بحنانٍ بالغٍ وقال بنبرةٍ اراحتها:
- متخافيش يا بنتي، متخافيش يا سالي أنا معاكي يا حبيبتي
استبصرت خيرًا في حديث والدها وتطلعت عليه بشبح ابتسامة امتنان له، خالف ظنونها فور علمه بالأمر وستشد عضدها به وذاعت الراحة في روحها وغارت أحزانها فقد محت الجزء الأكبر مما تخشى عليه من معرفة ما تضمره، ضمها رؤوف لأحضانه وغمرها بحنانه فأغمضت سالي عينيها شاعرة بالأمان الحقيقي في تلك اللحظة الفارقة في حياتها، بحزنٍ بالغ قال رؤوف مشفقًا عليها:
- يا حبيبتي يا بنتي، كل دا حصلك وأنا معرفش، زمانك إتعذبتي قوي يا حبيبة أبوكي .
أخرجت سالي شهقة باكية وقالت مبررة بنحيبٍ هادئ:
- خوفت عليك يا بابا، صدقني مفكرتش في حاجة غير إنك تعرف ويحصلك حاجة، أنا مظلومة يا بابا وضحية كل حاجة حصلت، غلطة بسيطة ضيعتني ودمرتني، بقيت مش عارفة أعمل أيه وخايفة من كل حاجة وملقتش اللي يقف معايا، سامحني يا بابا
هدرت سالي حديثها هذا بمرارةٍ لتتعالى شهقاتها تدريجيًا وهي تتعمق في سرد ما مرت به وتعود بفکرها له، ضمها رؤوف لصدره بقوةٍ أكبر ليهدأها بأنه لن يتركها، شعرت سالي بدفء حنانه وأنها اليوم ولدت من جديد، امتنّت لله بأنه جعله يستمع عليها ليرأف الرب بحالتها، حقا لم ترتكب شيئًا تُعاتب عليه؛ ابعدها رؤوف عنه ونظر لها قائلاً بنبرةٍ جادة مريحة وهو يمسكها من كتفيها:
- المهم دلوقتي عايزك متشيليش هم حاجة، أنا خلاص عرفت ومحدش هيقدر يعملك حاجة، ولو كان على رغيد فحسابه معايا وعندي اللي يخليه ميقدرش يعملك أي حاجة
سعدت سالي بحديث والدها وابتسمت له ممتنة، سألته بشغفٍ:
- هتعمله أيه يا بابا؟، هتقدر يعني تخليه يبعد عني وعن حياتي، أنا خايفة إسماعيل يعرف، زي ما قولتلك مش قاصدة أضحك عليه بس مضطرة أعمل كدة .
اومأ رؤوف رأسه بتفهم، سألها بجدية وهو ينظر لها بمغزى:
- يعني جوازك من اسماعيل علشان كدة ولا بتحبيه؟
ردت سالي بنبرةٍ سريعة موضحة:
- دا الأول يا بابا، دلوقتي عادي ومش عايزة أخسره
تنهد رؤوف بعمقٍ ثم قال بتفهمٍ وهو ینظر لها بنظراتٍ مطمئنة:
- طيب إطلعي دلوقتي عند جوزك علشان ميشُكش في حاجة، وانا هشوف الموضوع ده ومش عايزك تشيلي هم.
سريعًا دنت سالي من والدها تقبله بامتنانٍ جارف، ضحك رؤوف بخفوتٍ بعكس ضيقه فقط لرؤيتها سعيدة، ابتعدت سالي عنه وقالت براحةٍ ملأت قلبها:
- ربنا ما يحرمني منك يا بابا، عن إذنك هطلع لاسماعيل
قالتها وسارت شبه راكضة للخارج غير مصدقة حتى تلك اللحظة رأفة الله بحالها فهي الآن ازاحت همًا كبيرًا حملته طيلة المدة الماضية بمفردها؛ عن رؤوف كتم هياجه امامها ليريحها هي فقط فهي ابنته الوحيدة، ولكن بداخله تأججت ثورة غضب ناحية ذاك الخسيس فهو مثل والده الذي كثيرًا ما سبّب المشاكل له ولمروان، يعرف رؤوف عنهم الكثير من الأعمال المنافية للقانون والتي ستودي بهم حتمًا إلى الهاوية، لن يصمت عن هذا وسيتخذ الإجراءات المطلوبة منه كأبٍ في تلك المسألةِ الهامة، التقط رؤوف هاتفه الموضوع على الطاولة واعتزم مهاتفته يريد مقابلته وتحذيره أو بالأحرى تهديده ليبتعد عن ابنته، ضغط ارقام هاتفه ووضع على اذنه بشرٍ يتطاير من عينيه فإلى هذا الحد لن يرتضي بما يفعلونه معه، جاء صوت هذا الحقير بنبرتهِ المقززة ليرد رٶوف بنبرةٍ هادئة ولكن في الحقيقة ملأها الحقد والكُره:
- رغيد أنا عايز أقابلك ضروري، بس يا ريت عندي في بيت المزرعة علشان مش عايز حد يعرف بمقابلتنا دي .
جاء صوته بالموافقة فاكمل رؤوف بنبرةٍ جافة:
- كويس قوي الميعاد ده، قبله هتلاقيني مستنيك هناك
ثم أنهى معه الإتصال وقبض على الهاتف بقوةٍ قائلاً بغيظٍ:
- إن ما وريتك يا سافل إنت وأبوك، عندي اللي هيوديكوا في داهية، كل ده علشان تحرم وتندم على اللي عملته في بنتي..
_________________________________
أفاق من نومه بتقاعسٍ بعدما اضطجع لبعضِ الوقت، فتح عينيه ببطءٍ واعتدل لتقع عيناه على ساعة الحائط فقد شارفت على منتصفِ الليل.
اسند أيهم ظهره على الوسادة وفرك عنقه وهو يُدير رأسه ناحيتها وقطب بين حاجبيه حين لم يجدها وادرك أنها بالمرحاض.
أخرج تنهيدة ثم وجه بصره ناحية الكومود ليلتقط بعدها سجائره وقداحته، أخرج واحدة وبدأ في إشعالها وشرع في تدخينها، القى باهمالٍ على الكومود السجائر والقداحة واغمض عينيه وهو ينفث دخان سيجاره، بعد لحظاتٍ إنتبه لخروجها من المرحاض، رددت في ألم:
-الواحد عضمه قافش عليه.
ضحك في صمت فقالت بمعنى وهي تجلس بجانبه:
- مش أنا مشتركة في النادي، عاوزة أعمل تدليك، بجد تعبانة
ثم تنهدت بضيق، مسح أيهم على ظهرها وقبل أعلى رأسها قائلاً بجدية:
- من بكرة الصبح هنروح سوا ونقعد هناك طول اليوم
وجدها أيهم ساكنة تمامًا بين يديه، ادعى القلق الشديد عليه وسألها وهو يبعدها عنه بحركةٍ سريعة:
- رسيل حبيبتي مالك؟، اوعي تموتي وتسيبيني
فتحت عينيها ونظرت له بغيظٍ ووجدته يكتم ضحكته الساخرة عليها، شددت من قواها ولكزته عدة مرات بعنفٍ على كتفه وصدره قائلة بنبرةٍ منفعلة:
- يا رب إنت تموت، عاوز تخلص مني
تحاشى ضرباتها بذراعيه وقال متأسفًا:
- حبيبي والله بهزر معاكي
ثم أمسك ساعديها وجعلها تتوقف، كفت رسيل عن ذلك مضطرة، ضمها أيهم إليه ثانيةً وقال بحبٍ:
- حبيبتي عملت كدة عاوزك تضحكي مش عاوزك تزعلي مني .
بنبرةٍ حزينة كالأطفال قالت بلومٍ:
- أيهم حرام عليك أنا بحبك، اوعي تزعلني تاني علشان كدة هخاف منك وأبعد
رد بنبرةٍ مضطربة سريعة:
- لا حبيبتي خلاص مش هعمل كدة تاني، كل اللي عايزه إنك تبقي جمبي على طول
رفعت رأسها لتنظر إليه وقالت بتأففٍ:
- أنا مروحتش الجامعة وعندي محاضرات كتير قوي
رد بمعنى:
- طيب خديهم من أي حد من زمايلك
زفرت بضجرٍ قائلة :
- للأسف معنديش أصحاب، هو أنا لحقت أروح علشان أعمل أصحاب وأتعرف على حد .
رد متنهدًا بنفاذِ صبرٍ:
- خلاص يا رسيل إتعرفي علشان تشوفيهم عملوا أيه في غيابك
اندهشت رسيل من موافقته على ذلك، قالت باستنكار:
- يعني إنت مش هتضايق لو صاحبت حد في الجامعة؟!
رد ماطًا شفتيه بمعنى لا مشكلة:
- لا يا حبيبتي عادي، المهم يكونوا كويسين وأخلاقهم كويسة
كان أيهم يقصد مصاحبتها للفتيات، بينما أخذت رسيل الحديث على الإثنين ووجدت لا مانع فهي في دراسة وهو غير ممانعًا، ابتسمت له قائلة بنبرةٍ ناعمة:
- بحبك قوي
فتح شفتيه ليرد عليها ولكن طرقات الباب استوقفته، رد على الطارق متسائلاً:
- فيه أيه؟
ردت الخادمة من الخارج بعملية:
- مروان بيه بيقول لحضراتكم تنزلوا علشان عمة سيادتك وصلت تحت من شوية
إنتبه أيهم لحديثها واعتدل قائلاً:
- طيب روحي إنتي إحنا جايين كمان شوية
ابتعدت رسيل عنه واستفهمت:
- إنت عندك عمة؟
رد باقتضابٍ وهو ينهض:
- أيوة
تابع بنبرةٍ جادة وهو يأمرها:
- قومي إنتي كمان علشان تقابليها معايا
نهضت رسيل على الفور رغم آلامها فهذا واجب وهي تدركه، تحركت ناحيته وقالت مستفهمة:
- هي كانت فين يا أيهم؟، أنا مشفتهاش خالص
رد وهو يسحب ملابس مناسبة من الخزانة:
- كانت في أمريكا، أنا مخدتش بالي إنها هتيجي حتی النهاردة
ثم توجه للمرحاض وقبل أن يدخل ادار رأسه ناحيتها وقال غامزًا:
- عاوزك قمر، وشدي حيلك كدة عاوزها تقول متجوز أسد
ثم أسرع بولوج المرحاض ليتحاشى رأس الهيكل العظمي خاصتها التي قذفته عليه، حيث لم تجد رسيل أمامها على المرآة غيره ، هتفت بنبرةٍ مغتاظة:
- قليل الأدب بجد، من هنا ورايح مش هسكت...
________________________________
توغن عمرو على عدم مكوثها معه في نفس الغرفة مُصِرًا على موقفه تجاه تلك الزيجة، ذلك الأمر زاد اغتياظ جيسي منه لتعمده الإستخفاف بها والإحتقار من شخصها، ألزمت نفسها بجعله يتخلى عن بروده وعدم إرتضاءه بها بمعاندتها الدائمة له؛ ارتدت ملابسًا فاضحة وزادت من مساحيق التجميل الامعة متهيأة لسهرة مع رفقاءها ثم دلفت للخارج متجهة إليه، ولجت عليه غرفته دون إستئذان مدعية أخذها الإذن منه كونه زوجها، تدرجت للداخل وهي تموج في مشيتها لينتبه لها عمرو الذي رمقها بنظراتٍ مزعوجة ونهض من على الفراش مررًا أنظاره المصدومة والغاضبة مما ترتديه، وقفت امامه في ذات الوقت الذي وقف فيه امامها، شرع في الحديث حين قال بنبرةٍ احتقارية:
- مش قولت اوضتي دي متدخليهاش
ثم مرر أنظاره الساخرة عليها وقال مستهزئًا وهو ينظر لها:
- مفكرة لما تلبسيلي كدة هوافق ابقى معاكي عادي، يبقى لسة متعرفنيش كويس
ابتلعت جيسي كلماته المُهينة وزيفت ابتسامة قائلة بخبثٍ:
- ومين قالك إني لابسة كدة وجيالك
نظر لها بعدم فهم فابتسمت بمغزى وهي تنظر لعينيه، استكملت حديثها الماكر وهي تعبث بخصلات شعرها بدلالٍ:
- إنت مش قولت اعتبرك مش جوزي وأنا حرة في حياتي، أنا بقى عندي زوق وجيت استأذنك علشان خارجة مع اصحابي هنسهر في الديسكو
إنزعج مما تفوهت به وهتف بحدة:
- وإنتي مفكرة هسمحلك تخرجي بالمسخرة دي
اخرجت ضحكة ساخرة وردت باستنكار:
- ومين إنت علشان تسمحلي، مش لسة قايل اعتبر نفسي مش متجوزاك، وإنك مستني ابن الحلال اللي هيتقدملي، أنا بقى خارجة علشان اقابله وأتعرف عليه و....
شهقت بألمٍ حين أمسكها من عضدها بقوة غارسًا أظافره في لحمها، تألمت جيسي ونظرت له برهبةٍ، كز عمرو علی أسنانه وقال وهو يرمقها بغضبٍ:
- تخرجي كدة مش هسمح، اللي اعرفه دلوقتي إنك شايلة اسمي، يعني تسمعي كلامي لوقت ما نطلق، لبس المسخرة ده مش عايز اشوفه تاني عليكي، وخروج متأخر كدة تنسيه لإني مش هسمح بده سواء رضيتي أو لأ
تلوت ليتركها ونظرت له بتعابيرٍ متألمة، تركها عمرو حين دفعها للخلف ونظراته الحادة عليها، خشيت جيسي تلك النبرة الحازمة في حديثه وشرعت في فرك عضدها، قالت بعنادٍ رغم توجسها منه:
- يعني ايه الكلام ده، أنا هخرج ومش بمزاجك علشان تمنعني
ثم تراجعت للخلف حين احتدت نظراته الغاضبة عليها وارتبكت، تحرك عمرو نحوها فتراجعت هي للخلف مضطربة منه، التوى ثغره بابتسامة مُستهزئة منها وقال مظلمًا عينيه بتحدٍ:
- اعمليها كدة ورجليكي دي مش هتلاقيها شيلاكي
استمر في التقدم منها وهي في التراجع وازدردت ريقها بخوفٍ وقالت بغير رضى ونبرتها تعلو:
- يعني عاوز تحبسني، مش كفاية متجوزة ومش متجوزة، على الأقل سيبني أعيش حياتي زي ما كنت، ليه غيرت كلامك دلوقتي وعايز تتحكم فيا
بخوفٍ شديد قالت جيسي هذة الكلمات ومازالت نظرات عمرو الساخرة عليها، اضطربت حين اصطدمت بالأريكة من خلفها واضطرت لتجلس عليها ونظرت له برهبةٍ حقيقة فقد خشيت ضربه لها فهي عادته وايقنتها منه، وقف عمرو أمامها مباشرةً فرفعت رأسها لتنظر إليه بارتباك، قال باستهزاءٍ:
- متخافيش مش هضربك
ردت مدعية الصلابة:
- أنا مبخافش من حد، إنت اللي قليل الذوق وممكن تضربني لأنك بتتشطر عليا علشان بنت وضعيفة قدامك
مط عمرو شفتيه ليفكر في حديثها وهو يهز رأسه بحركاتٍ ارتابت منها، قال مبررًا:
- بس أنا بمد إيدي لو قليتي أدبك معايا
ابتلعت ريقها ونظرت له منتظرة تطاوله عليها بين الحين والآخر، اعتزمت كسب الأمر لصالحها واستفزازه وابتسمت بمكر فقد وجدت مخرجها، نهضت لتقف أمامه وكانت شبه متلاصقة به لقربه منها، دعت الله في نفسها بأن لا يضربها بعدما ستقول ما حضرته لاستفزازه، بترددٍ كبير قالت باستفزاز:
- أنا عرفت ليه بتعمل كدة، أنت واحد عندك عقدة رجولة، بتفرض سيطرتك على البنت علشان مش قادر تعيش زي أي راجل حياة طبيعية مع أي واحدة
ثم ابتلعت ريقها بصعوبةٍ متوجسة منه، لم يتفهمها عمرو جيدًا وفطن إلى حدما أنها تشكك في رجولته، لهذا استفهم منها:
- وضحي تقصدي أيه بكلامك ده؟
ادعت جيسي القوة بعكس ارتباكها السابح في عروقها واضطرت لإكمال ما بدأته، قالتها صريحةً بنبرةٍ سريعة:
- يعني مبتعرفش
فغر عمرو فاهه بصدمةٍ ورمقها بنظراتٍ قاسية، هتف بانفعال:
- وعرفتي منين، ولا إنتي ليكي خبرة في الرجالة
اشتعلت نظراتها غضبًا منه وقالت معنفة إياه:
- إنت بني آدم قليل الأدب
مرةً أخرى أمسكها من عضدها بقوةٍ أكبر لتتألم بصوتٍ عالٍ ولم تجد مكانًا لتبتعد عنه لتهرب من بطشه فالأريكة من خلفها، هدر هو باهتياجٍ مدروس:
- إحترمي نفسك، ولو فكراني مش راجل هوريكي راجل إزاي
نظرت له بألمٍ ممزوجٍ بالخوف، فأكمل هو بنظرات استهجان:
- وبالمرة أشوف بنت ولا أيه، أصلي شاكك فيكي من زمان .
شهقت جيسي بصدمة واحتدت نظراته المزعوجة عليه، هتفت بنبرةٍ مهتاجة:
- أخرس، أنا أشرف منك ومن اللي جابوك
بيده الأخرى جمع شعرها للخلف وقبض عليه بعنفٍ فتألمت أكثر، سحبها عمرو وهي كذلك ممسكًا بيده عضدها والأخرى قابضة على شعرها وتحرك بها ناحية التخت وطرحها عليه بعنفٍ وهو فوقها مستندًا بکفیه علی جانبها.
استرابت جيسي بأنه سيضاجعها كأي زوجين ولكن هيئته تدل على العكس، بأعينٍ لامعة من الخوف نظرت له، قالت بتذبذبٍ:
۔ عمرو هتعمل أیه؟
ظل عمرو بابتسامته الساخرة يتطلع عليها، رد وهو يجوب ببصره وجهها والجزء العلوي منها باحتقارٍ بائن:
- عاوزة تتأكدي أنا راجل ولا لأ، هعرفك دلوقتي، وكمان بصراحة هموت وأعرف بنت ولا لأ.....
__________________________________
ظلت ايمان في احضان اخيها الأكبر شاعرة أنها في امانٍ حتمي افتقدته بغباءها وعادت إليه بعد سنواتٍ ضاعت فيها ملامح شبابها كي تنعم بحياةٍ تعيش فيها في كنف أخيها، مسد مروان على ظهرها بحنانٍ وابتسم براحةٍ اكتسحت وجهه المريح، لم يرها منذ سنواتٍ سوى عبر وسائل الإتصال المرئية، تناسى عنادها فور سعيها للزواج دون إرتضائه وابتسم فرحًا بقدومها من جديد، وجه بصره لابنتها الوحيدة "لما" وهي تتحرك بحرية في الفيلا متفحصة مقتنياتها وابتسم لتأقلُمها السريع، تنهدت ايمان بعمقٍ وابتعدت قليلاً لتنظر لأخيها باشتياقٍ، ابتسم لها مروان فقالت بمحبةٍ لم تنتقص مطلقًا:
- وحشتني يا مروان، سنتين مرت كبرنا فيها وكنت غبية إني أبعد عنك كل ده ومعشناش أجمل أيام في عمرنا، الغربة وحشة قوي
قالت ايمان ذلك بمرارةٍ بعدما لمعت بعض العبرات في مقلتيها، مسح مروان على رأسها وحزن لرؤيتها هكذا، قال مهونًا عليها:
- ربنا عاوز كدة يا ايمان، وإحنا فيها يا حبيبتي، هنبقى مع بعض ونرجع نعيش سوا تاني وأحسن من الأول كمان، إنتي لسة جميلة ومكبرتيش ولا حاجة
ضحكت ايمان بخفوتٍ وقالت :
- طول عمرك لطيف يا مروان وكلامك حلو
ضحك مروان هو الآخر وقال بمعنى:
- المهم دلوقتي إنك رجعتي لبيتك وأهلك
وجه بصره لإبنتها التي تتجول في الفيلا وأكمل:
- والحمد لله إن بنتك معاكي، وإن شاء الله مش هنبعد عن بعض تاني
قالت بتمني:
- إن شاء الله يا مروان، مش هعملها تاني دا درس وإتعلمت منه
قطع حديثهم هذا "لما" حين تقدمت منهم وسألت بشغفٍ:
- فين أيهم؟، هموت واشوفه وأتعرف عليه
هبوط أيهم الدرج مع زوجته جعل مروان يشير بيده عليهم ورد:
- نازل أهو
استدارت "لما" بجسدها ناحية الدرج لتراه وركضت ناحيته وعينيها المُعجبة مسلطة عليه فور رؤيته، قابلها ايهم مبتسمًا بعكس رسيل التي لم ترتاح لنظراتها تلك وتجهمت تعابيرها، بحركةٍ جريئة ارتمت "لما" على ايهم وطوقت عنقه لتحتضنه بقوةٍ ، ضمها أيهم إليه بعفوية وضحك، حدجتهما رسيل بنظراتٍ مليئةٍ بالغِيرة والشراسة وصرت اسنانها كابحة تعنيفهما كونها ابنة عمته وصمتت، بصعوبةٍ ابعدها أيهم وقال متسائلاً باستغراب:
- أيه يا بنتي هو إنتي تعرفيني قبل كدة علشان متعلقة فيا كدة
حاوطت خصره وقالت مبتسمة بسعادة:
- دا أنا هموت وأشوفك من كلام مامي عليك، إنت تجنن وحلو قوي، كلام مامي ظلمك کتیر
ضحك ايهم عليها وضغط على وجنتها وقال بمعنى:
- بس إنتي كبيرة قوي، كنت فاكرة صغيرة
ردت غامزة بعينيها بجراءةٍ:
- دا من حظي
شهقت رسيل من قلة حياء هذة الفتاة وبصعوبةٍ تحكمت في غضبها ، ابتسم أيهم وتعامل معها بطبيعته، تذكر زوجته ووجه بصرها لها، قال وهو يمسك يدها ويقربها منهم:
- أعرفك برسيل مراتي، حاسس إن من بكرة هتبقوا أصحاب
ابتسمت رسيل لها ولكن بتشفي رافعة رأسها بثقة، في حين تبدلت تعابير "لما" للصدمة الممزوجة بالضيق من وجودها، وجهت بصرها إليه وقالت بنبرة مزعوجة إغتاظت منها رسيل:
- إنت إتجوزت، دا أنا عاملة حسابي لو رجعت هنا أتجوزك، دا أنا حبيتك من كلام مامي عليك، ليه كدة يا أيهم؟
نظرت رسيل له بغضبٍ مكبوت فقد اغتاظت من حديث تلك الفتاة ، تنحنح أيهم بتوتر لشعوره بها ولم يعرف ماذا يجيب عليها؟، أنقذه من تلك الورطة انضمام عمته لهم، قالت ايمان وهي تدنو منهم فاتحة ذراعيها بترحيتٍ:
- أيهم حبيب عمتو، تعالى في حضني يا حبيبي
على الفور انفلت من بينهم ذاهبًا لعمته وهم بإحتضانها، ضمته إيمان بقوةٍ لها مشتاقة لرؤيته، قالت بحنوٍ:
- كبرت يا أيهم، وحشتني قوي
رد وهو يضمها إليه بمحبةٍ:
- إنتي أكتر يا عمتو، لسة زي ما إنتي جميلة قوي
ضحكت ايمان وقالت وهي تبتعد عنه لتنظر إليه:
- بكاش زي ابوك
ضحك مروان وهو جالسًا موضعه فنظر له ايهم وقال مبتسمًا:
- أنا كلي بابا على فكرة
ضحكت ايمان ووجهت بصرها ناحية "لما" ورسيل، قالت وهي تنظر إلى رسيل:
- مراتك تجنن يا ايهم، صغيرة قوي يا حبيبي
ابتسم رسيل بخجلٍ وکذلك ابتسمت لها ايمان بمحبةٍ، بينما اغتاظت "لما" من حديث والدتها عنها ولم تخلو وقفتها من نظراتها المتفحصة لها من رأسها لأخمص قدميها بغلٍ، ظنّتها اجنبية لملامحها هذة وصرت اسنانها بغيظٍ جم فهي جميلة حقًا.
نظرت لها رسيل شزرًا متعمدة رسم الثقة والتعالي أمامها لتستفزها كونها تجرأت في حركاتها مع زوجها، بينما تقدم أيهم وايمان ناحيتهم وقال لعمته وهو يقرب رسيل من خصرها ناحيتها:
- دي رسيل يا عمتو مراتي وحبيبتي، هي شكلها صغنون بس هي في تانية طب
اعجبت ايمان بها وبجمالها وابتسم أيهم لزوجته بلطف، تحركت ايمان نحوها لتحتضنها مرحبة، برقة احتضنتها رسيل شاعرة بلطف هذة السيدة بعكس ابنتها، قالت رسیل بنبرتها الرقيقة:
- حمد الله علی السلامة
ابتعدت ايمان عنها وقالت بنبرة لطیفة:
۔ الله یسلمك یا حبیبتي
وجهت بصرها لایهم وسألت بفضول:
- من أي بلد يا أيهم، دي بتتکلم عربي؟
رد أيهم بعدم فهم:
- يعني أيه يا عمتو، رسيل من هنا ومش من مكان تاني
على الفور وجهت ايمان بصرها ناحيتها متفحصة جمالها الأجنبي وقالت بانبهارٍ:
- دي مصرية، مصر إحلوت قوي
ضحك ايهم وكذلك رسيل التي ابتسمت بخجلٍ، لم يشعر أي منهما بنار الغِيرة التي ملأت قلب "لما" منها وهي تتطلع عليها بعبوسٍ والزمت نفسها بأنها ستأخذه منها فلم تتخيله هكذا وسيمًا، وقالت في نفسها بغيظٍ:
- بقى إنت طلعت متجوز، بس مش مشكلة هاخدك منها
ثم انتبهت لوالدتها وهي تحدثها:
- تعالي يا "لما" واقفة بعيد كدة ليه يا حبيبتي
تحركت "لما" ناحيتهم مزيفة ابتسامة ثم وقفت بجانب والدتها توزع انظارها بين أيهم ورسيل كاتمة غيظها، ازدرد أيهم ريقه بتوتر ونظر لزوجته التي تنهدت بضيق داخلي فلم تعجبها تلك الفتاة ولم ترتاح لها، بينما قالت ايمان بمعنى:
- من هنا ورايح رسيل و"لما" هيبقوا أصحاب، خصوصًا إن اللي يشوف رسيل يقول أصغر من "لما"
زيفت رسيل لها ابتسامة وكذلك "لما"، كانت "لما" رغم صغر عمرها إلا أنها فارعة الطول وتخطت رسيل إلى حد ما وهذا ما أزعج رسيل بشدة، قالت "لما" بمكرٍ مؤكدة حديث والدتها:
- من غير ما تقولي يا مامي، أنا خلاص حبيت رسيل وبقت صاحبتي من دلوقتي وهنبقى حلوين قوي
توجس أيهم من حديثها وخشي فعلها لشيءٍ ما يزعج زوجته، وعن رسيل قررت أخذ حذرها من الآن منها فقد ارتابت هي الأخرى منها، رغم ثقة رسيل في جمالها إلا أنها توجست منها كونها قريبته ولا يحق لها تعنيفها فلن يرضى الجميع بذلك وتأففت في نفسها، كانت الأجواء مشحونة بين رسيل و"لما" بفضل النظرات المتبادلة بينهم.
وهذا ما أدركه أيهم بعكس عمته ايمان التي مازالت تتحدث بعفويةٍ معهم ولم تدرك بأن ابنتها تشتعل حقدًا على هذة رسيل وانتوت لها، في حين خشيت رسيل من نظرات هذة الفتاة نحو زوجها وايقنت بأنها ستعاني معها وستدخل في مُحاربةٍ نسائيةٍ شرسة.
انتبه الجميع لصوت مروان الذي قال لهم مدعي التذمر:
- تعالوا هنا، هتفضلوا واقفين كدة وسيبيني لوحدي.......
__________________________________
اقام والده حفلةً صغيرة في حديقة فيلته لإبرام عدة عقود شراكة بين والد مصطفى السيد شاكر وكذلك والد راما السيد مؤنس، اضطر مصطفى للعودة هو ورانيا من شرم الشيخ بعدما استدعاه والده لحضور تلك الحفلة وتأفف من كل ما حوله، جلس في احدى الزوايا يرتشف من الخمر كأسًا تلو الآخر غير مكترثًا لما يدور حوله.
كانت نظرات راما الثاقبة مسلطة عليه هو فقط، اليوم هو تنفيذ ما أتفقت عليه مع صديقها مؤيد لإفساد العلاقة بينهم، بحركات متهادية ونظرات ماكرة خطت راما نحوه بقدميها، دنت منه واثنت ثغرها بابتسامةٍ ذات مغزى وجلست على المقعد المجاور له، وجه بصره ناحيتها وزفر بنفورٍ جم، تجاهلت راما ذلك مُجبرة فليس الآن لتتشفى منه، تشدقت متسائلة:
- كنت فين يا ميمو؟، معقول لحقت تزهق مني، مش إحنا متفقين إني أنا اللي هزهق وهسيبك، ولا حسيت إنك هتخسر
ثم حدجته بابتسامةٍ صفراء، تأفف مصطفى من وجودها وقال ليثير حنقها:
- أعمل فيكي أيه يعني، البعيدة معندهاش دم، بحب واحدة غيرها وهي مافيش إحساس خالص
ثم ابتسم بتشفي لرؤية إنزعاجها، ابتلعت راما كلماته المهينة وتأنت بصعوبةٍ ونظرت له مدعية الثبات، قالت ببرودٍ زائف:
- أعمل أيه، أصلي بحب المنافسة ودايمًا بكسب، عمري ما خسرت في حاجة عوزاها
رمقها مصطفى بنظراتٍ إحتكارية وقال باشمئزازٍ:
- إنتي أكتر حاجة وحشة حصلت معايا، لو مش خايف من بابا ياخد مني كل حاجة كنت حتى مفكرتش ابص في وش واحدة زيك في يوم من الأيام
ثم ادار رأسه ليكمل تجرعه للخمر متجاهلها تمامًا، حدقت فيه راما لبعض الوقت ولو كانت نظراتها تقتل لفعلت، جاء دورها في الخطة الموضوعة ونهضت من مقعدها ورمقته بمکر، ادعت عدم إتزانها واخرجت أنينًا متألمًا ومالت بجسدها عليه، انتفض مصطفى موضعه واضطر لإمساكها، قال بضيقٍ وهو يتطلع على عليها بتجهمٍ:
- فيه ايه مالك، لعبة جديدة دي؟
نظرت له بتعابيرٍ متألمة وقالت بصوتٍ متعبٍ خفيض:
- حرام عليك دا أنا مريضة من الصبح
تأفف مصطفى وقام بإعدالها قائلا بتذمر:
- تعبانة إطلعي فوق، أنا مش ناقص قرف
ادعت راما الحزن وقالت بمكرٍ دفين:
- الله يسمحك، عن إذنك
قالت جملتها وتحركت ببطءٍ مدعية النّصب، في الوقت الذي تركته ابتسمت بشيطنة وأخرجت هاتفه من بين طيات فستانها وتنهدت بارتياحٍ شديد فقد إنتهت مهمتها الآن فقد استغلت وقوعها عليه واخذته خفيةً من جيب سترته وبقيت مهمة الأخير الآن، بهاتفها هي ضغطت أرقامه ليبدأ، ما أن جاء صوته حتى أمرته بحزمٍ:
- يلا دلوقتي، ومتنساش تبلغها رسالتي ...
____________________________________
أنهت معها الإتصال فمنذ تركتهم صرن أصدقاء ويُهاتفن بعضهن بين الحين والآخر، وضعت رسيل هاتفها بعدما إطمأنت على رانيا ، تعلم بأنها جالسة بمفردها وتسعد حين تهاتفها هي وابتسمت فهي إحدى الأصدقاء التي حظيت بها حتى تلك اللحظة وتنهدت براحة.
ولج أيهم الغرفة عليها وجدها جالسة وتحرك نحوها، انتبهت رسيل له ونهضت متجهة إليه وهي تحدجه بتعابيرٍ متشنجة، سأل ايهم بهدوء:
- رانيا كويسة، إطمنتي عليها؟
صرت اسنانها بغيظ من تجاهله ضیقها، وقالت بنبرةٍ مهتاجة:
- عاوز تجنني، بتوه علشان ما أتكلمش في اللي حصل، شوفت البنت دي بتبصلك إزاي وبتحط إيديها عليك وإنت ساكت مقولتلهاش عيب حتى وسايبها تدلع عليك
ادرك ايهم انزعاجها وامسكها من كتفيها وقال بعقلانية:
- رسيل دي عيلة، هتغِيري منها
هتفت بحنقٍ وهو تدفع يديه عنها بعنف:
- دي صغيرة، دي أطول مني، دا انا اللي صغيرة قدامها، أنا عمري ما أعمل كدة، دا أنا المفروض أتعلم منها
تأفف أيهم قائلاً بنفاذ صبرٍ:
- رسيل إعقلي كدة، أنا عمري ما هبص لواحدة غيرك أنا بحبك
كشرت بوجهها قائلة بتنبیهٍ:
- طيب متخلهاش تقربلك كدة تاني، أنا بغير ومبحبش حد يحط ايده عليك غيري، إنت ليا لوحدي، سامع
ابتسم قائلاً بحبٍ وهو يحاوط خصرها بتملكٍ:
- حاضر يا عمري، إنتي تؤمريني، أنا لیکي وبس
ابتسمت رسيل باستحياءٍ وسألت وهي تلعب في حافة قميصه:
- بتحبني لوحدي؟
رد بعشقٍ وهو يعتصرها بين ضلوعه:
- إنتي وبس يا عمري يا كل حاجة عندي.......
_______________________________
بعدما أنهت إتصالها مع رسيل تفاجأت بمن يطرق عليها الباب، ظنّته مصطفى ولهذا ركضت لتفتح له، بدون تفكيرٍ فتحت الباب لتجد عدد من النسوة مريبي الهيئة واقفات أمامها، ارتابت رانيا منهن ولهذا أخذت قرارها بوصد الباب سريعًا، لم يمهلنها الفرصة لذلك حتى تحركن ناحيتها ليحلن دون ذلك، تراجعت رانيا للخلف خيفةً منهن واستدارت راكضة لغرفتها ولكن هيهات من ذلك فقد أسرعت إحداهن وقبضت عليها من الخلف لتشل حركاتها بمساعدة البقية، صرخت رانيا بصوتٍ عنيف:
- إنتوا مين وعاوزين مني أيه؟
شرعن النسوة في ضربها بعنف على جميع أنحاء جسدها متسببين في آلامٍ عنيفة لها، صرخت رانيا مستغيثة ولكن كممتها إحداهن مانعة إياه من إخراج الألم حتى، لبعض الوقت مر وهو يتسببون لها بضرب عنيف خاصة في المنطقة السفلية وبطنها متعمدين ذلك حتى لا تجوز لأحدهم بعد ذلك، انهمرت الدموع من عيني رانيا وهي تتألم لا مخرج حتى لتعبر عن هذا، قاست في تلك اللحظة الألم الحقيقي وهي تشعر بهذا الألم العنيف في الأسفل، انتهين النسوة من اداء دورهن ونهضن عنها، همست إحداهن لها بغلٍ:
- راما هانم بتسلم عليكي وبتقولك دا جزات اللي تبص لحاجة بتاعتها، وبتقولك البيه مهما عملتي ليها لوحدها
قالت المرأة جملتها وصفعتها بقسوةٍ ثم نهضت مع البقية ودلفن للخارج وتركناها كما هي من خلفهن تعاني مرارة الألم، تألمت رانيا بشدةٍ وهي تشعر بأنها ليست بخير فماذا فعلن بها؟، عليهن اللعنة فقد ضروها بمعنى الكلمة، بصعوبةٍ كبيرة زحفت مستندة على ساعدها إلى أن وصلت لهاتفها الموضوع على الأريكة، سحبته رانيا وقامت على الفور بمهاتفته هو، على الناحيةِ الأخرى كانت ممسكة راما بهاتفه وتبتسم بمكرٍ، كانت مدركة أنه أول شخص ستهاتفه بعدها، فتحت عليها وإدعت إنه معها قائلة بنبرةٍ خبيثة مدعیة أنها تحدثه:
- مصطفى بتعمل أيه يا حبيبي، سيب التليفون دا وتعالى
ثم أغلقت الهاتف وضحكت بمكرٍ متشفية فيها، شهقت رانيا بعدم تصديقٍ وهي تستمع لها، ابتلعت ريقها وبدأ يزداد الألم علیها وشحب وجهها، رددت بصوتٍ متألمٍ قبل أن تخبو قواها:
- حد يلحقني ، بموت...