
رواية القيادي الفصل الثاني والخمسون 52 بقلم إلهام رفعت
بداخل شركته، جلس رؤوف مع إسماعيل في مكتبه بمفردهما لمناقشة بعض الأعمال، أراد رؤوف أن يطلعه بكل كبيرة وصغيرة كونه وثق به ويأتمنه على ابنته، كان إسماعيل بالفعل وفيًا له ولم يفكر قطعًا بتلقامة كغيره من مغتنمي الفرص كونه متزوجًا من ابنة رجلٍ في مكانته تلك، تنيح رؤوف من وجوده معهم ولم يشعر بالتوجس ولو للحظةٍ واحدة برفقته وأحبه بمعنى الكلمة، شعر رؤوف أثناء متابعة الأعمال بوخزة خفيفة في قلبه أدت لوضعه يده على الجهة اليسرى وتدليكها كحركة لا إرادية مخففًا من ألمه، إمتقع وجه رؤوف بعض الشيء وتنهد باجهادٍ مصحوب بألمٍ طفيف، إنتبه له اسماعيل وتطلع عليه قاطبًا جبينه، سأله بقلق:
- حضرتك كويس؟
ابتسم له رؤوف بتعبٍ ورد مدعي عدم الإكتراث:
- دا شوية إجهاد بيجيلي لما بشتغل كتير
هتف اسماعيل بنبرة إصرار جادة وهو يغلق المستند الذي أمامهم ويقصيهم جانبًا:
- خلاص كفاية كدة، إتفضل ارتاح إنت ومتتعبش نفسك
نظر له رؤوف وقال مدعي تحسّن حالته:
- لا خلاص أنا كويس، دا تعب وراح عادي يعني
لم يقتنع إسماعيل بحديثه فهو بالفعل متعبًا وقد أترع الإجهاد ملامحه، قال إسماعيل بتصميمٍ أشد:
- خلاص الموضوع مش مستاهل، أي حد من الموظفين هخليه يفهمني، متقلقش سيادتك وتتعب نفسك على حاجة متستاهلش
ابتسم له رؤوف وقال بمحبةٍ:
- إنت طيب قوي يا اسماعيل، من وقت ما جيت وإنت شايل عني حاجات كتير رغم إنك مش متعلم قوي
ابتسم اسماعيل وقال بنبرةٍ ممتنة:
- أنا اللي المفروض أشكر حضرتك على ثقتك فيا، متعرفش قد أيه ببقى مبسوط لما بتأمنلي على حاجات خاصة جدًا بسيادتك
اعجب رؤوف باحترامه له وتنهد باغتباطٍ جم من وجوده، تذكر حديث ابنته بأنها خدعته واراد أن يعوضه عن ذلك، قال رؤوف بنبرةٍ حذرة:
- أنا هعينك رئيس مجلس الإدارة هنا، علشان لو أنا مش موجود تكون بدالي والشغل يمشي كويس وميتعطلش
ذُهل اسماعيل من قراره هذا ونظر له مستنكرًا حصوله على هذا المستوى المرموق، قال مندهشًا:
- بالسهولة دي حضرتك بتآمن ليا أمسك الشغل في غيابك
ابتسم رؤوف بشدة وقال بمغزى:
- إذا كنت أنا مأمنك على بنتي الوحيدة اللي كل حاجة إنت شايفها دي هتبقى ليها من بعدي
حرك اسماعيل رأسه بتفهم وقال مبتسمًا بحرجٍ:
- أنا مش عارف أقول لسيادتك أيه أو أعمل أيه أردلك كل اللي بتعمله معايا ده
جاءت فرصة رؤوف للحديث الجاد، قال له بنبرةٍ شبه راجية:
- كل اللي عاوزك تعمله تخلي بالك من بنتي سالي، أوعى في يوم تزعلها لأي سبب، سالي طيبة قوي وأنا مربيها كويس، خلي بالك منها يا اسماعيل ومتتخلاش عنها مهما حصل، هتوعدني بكدة يا اسماعيل
بدا حديث رؤوف مقلقًا مما جعل اسماعيل يرمقه باستغراب، رد اسماعيل ليؤكد ذلك ويطمئنه:
- صدقني مهما حصل سالي هتفضل معايا وعمري ما هسيبها أبدًا، سالي بقت مهمة قوي في حياتي ومقدرش استغنى عنها
برزت الطمأنية على تعابير رؤوف وابتسم ليرتاح قلبه تجاه ابنته ، في حين قال اسماعيل ذلك بصدق، لم ينتوي الإبتعاد عنها رغم أنه أرسل اليوم لمهجة شخصًا ما ليأتي بها لشقته، لم يجد مانعًا في قدومها هي الاخرى فقلبه يريدهم معا، حبه لزوجته الأولى يختلف عن حب الثانية، لم يرد أن يتخلى عن أي منهن وأرادهن معه وسيفعل ما بوسعه ليحقق المساواة بينهم فهو حقًا يحبهن ويريدهن؛ اخرجه من شروده رؤوف حين قال بمعنى:
- النهاردة عندي مشوار مهم قوي ويمكن اتأخر .......
_________________________________
ظل مرابطًا طوال الليل أمام غرفتها بداخل المشفى مجبرًا على ذلك لإكمال الخطة الموضوعة، ضجر مؤيد وغلبه النعاس ليغفا لبعض الوقت القليل على تلك الأريكة المعدنية امام غرفتها منتظرًا افاقتها؛ حيث أرغمته راما على الوقوف بجانبها في وضعها هذا لتُفضله على الآخر مُدعي قلقه عليها وحبه لها، تأفف مؤيد فلم يحظى بنومة كاملة بسبب أوامر الاخيرة، خاتل عينية قليلاً فوجد الممرضة تخرج من غرفتها متجهة إليه، تأملها مؤيد بأعينٍ ناعسة إلى أن وقفت أمامه فانتبهت لها حواسه ليعتدل ناظرًا إليها، قال الممرضة له بنبرةٍ عملية:
- الهانم اللي حضرتك جبتها إمبارح الحمد لله فاقت دلوقتي لو تحب تشوفها
نهض مؤيد قائلاً بنبرةٍ متلهفة:
- بجد، هي كويسة ؟
اومأت برأسها قائلة بمعنى:
- هي الحمد لله فاقت، بس هي لسة تعبانة وتحت العلاج لإن اللي حصلها دا سيئ جدًا وإتأذت كتير
زم مؤيد شفتيه واخفض بصره ليخجل من نفسه فهو مشتركًا في أذيتها بهذا الشكل الشائن، لم يجد امامه سوى طاعة الأخيرة فماذا هو بفاعل؟، حزن عليها حين دخل شقتها وانصدم بما فعلنه النسوة بها، تنهد بضيقٍ ورفع بصره للممرضة قائلاً بنبرةٍ هادئة:
- طيب أنا هدخلها دلوقتي
قالت الممرضة بتنبيه:
- بس يا ريت متتكلمش معاها كتير لإنها لسة في مرحلة الإفاقة
حرك رأسه بامتثالٍ قائلاً:
- أنا بس هطمن عليها وهخرج تاني
هزت رأسها واستأذنت للمغادرة، تتبعها مؤيد إلى أن ابتعدت، وجه بصره لغرفة رانيا وتحرك نحوها بخطواتٍ مترددة فكيف له أن يخدعها بقلقه وحزنه وهو السبب، الأمر صعب حقًا وزفر بخفوتٍ منزعجًا، مد يده ليمسك بمقبض الباب وفتحه بحذر، خطا بقدمه لتقع عينيه عليها وتأملها بشفقةٍ معنفًا نفسه فهي لا تستحق كل هذا سوى أنها وجدت من يحبها، تنهد بهدوءٍ وتحرك نحوها وعينيه عليها تستنبط ما تفكر به، كانت رانيا تنظر للأعلى محدقة في سقف الغرفة بشرود لتعود لليلة أمس متذكرة ما مرت به وما حدث لها، ادركت بأنها الآن ليست بخير فما فعلنه معها تستحي من ذكره فقد انتهت حتمًا.
لمعت عيناها بدموع القهر والانكسار خاصةً بعد استغناء الأخير عنها وترك زوجته تفتعل معها هذا واخرجت شهقةً طويلة شاعرة بمرارة حياتها المستقبحة لتهتاف عليها المصائب واحدة تلو الاخرى لتجتوي حياتها منذ فتحت عينيها على تلك الحياةِ المنكودة التي خلّفت لها الأسوأ فقط، لم تكتمل فرحتها إلا وانقلبت عليها كأن الحياة تحسدها عليها فيكفي هذا لها فقط تساوقت طالبة الرأفة وتركها بحالها؛ لم تتنبه للذي يقف بجانبها لبعض الوقت يحدق بها بحزن على حالتها، رغم اشتراكه في ذلك ترفّق على ما وصلت إليه وحزن بالفعل عليها، تنحنح مؤيد بخفوتٍ لتنتبه له ويشرع في اكمال تمثيليته السخيفة ليردد سيناريو وضعته من احبها، باجهادٍ شديد امالت رانيا رأسها للجانب لتتمكن من رؤيته، قطبت بين حاجبيها ونظرت له بتعابيرها المنطفئة وللحظاتٍ علمت بهويته جيدًا ولم تفطن سبب وجوده معها الآن وكيف عرف وتخبطت الافكار في رأسها لتكل من كثرة التفكير، بصعوبةٍ رسم مؤيد ابتسامة وهو ينظر لها، قال متفهمًا نظراتها نحوه:
- أولاً حمد الله على السلامة، وثانيًا هقولك أنا هنا إزاي بس مش عاوزك تتعبي نفسك وتتكلمي كتير
لم تتفوه رانيا بكلمةٍ واحدة تنتظره بشغفٍ داخلي بعكس هدوءها ونصبها البادي على قسماتها ليشرح لها، سحب مؤيد المقعد المجاور للتخت وجلس عليه بالقرب منها، استطرد شارحًا:
- أصل أنا بصراحة كنت جاي أطلب ايدك ولو هترجاكي توافقي، أول ما طلعت لشقتك لقيتها مفتوحة وإنتي مغمي عليكي، وقتها قولت ربنا بعتني في الوقت دا علشان ابقى جمبك والحق انقذك، انتي حالتك كانت وحشة قوي و...
ثم تنحنح بحرجٍ ليجذم حديثه، انزعجت رانيا كونه علم ما حدث لها وبالتالي سيتركها هو الآخر وابتسمت بتعبٍ ساخرة من كل ما حولها، عاودت التحديق بالاعلى متجاهلة وجوده لا تريد شفقة أحد عليها وغارت في احزانها بمفردها، ازدردت مؤيد ريقه ليدرك شعورها الآن كون الأمر محرجًا، تذكر هاتفها الذي جلبه معه كإحدى الخطط الموضوعة بأن يعطيه لها، اخرجه مؤيد من جيب سترته وتنحنح بخفوتٍ وقال وهو يمد يده لها بالهاتف:
- دا تليفونك، أنا جبته معايا لما لقيته مرمي جمبك علشان لو عايزة تكلمي حد من قرايبك يجوا يطمنوا عليكي
أحضره مؤيد لتهاتفه ومن ثم لن تجده فهاتفه مع راما الآن ليضمنا أنها اقتنعت بالكامل من تركه لها، بينما تنبّهت رانيا لما تفوه وبه وسخرت في نفسها فمن سيأتي إليها فالمُقربة منها تركتها ولم يعد لديها سوى بعض الأقارب التي لم تعرفه عنهم شيئًا، عادت بذاكرتها وقت هاتفته لتستنجد به ولكنه تخلى عنها وتنهدت بصوتٍ عالٍ لتسيطر على بكاءها الوشيك، ادارت رأسها ناحيته مرةً أخرى لتجده ما زال ماددًا يده بالهاتف، نظرت رانيا للهاتف ثم رفعت يده وتناولته منه، الزم نفسه باكمال باقي ما جاء من أجله، قال مؤيد بترددٍ:
- أنا لسة بحبك يا رانيا على فكرة، متفكريش إن أي حاجة ممكن تخليني أغير قراري في إني أتجوزك، أنا بحبك ويا ريت توافقي عليا، أنا عايش لوحدي وهعملك كل اللي إنتي عوزاه، قولت أيه يا رانيا في طلبي من الجواز منك
انصتت له رانيا جيدًا وهي تنظر لنقطة ما امامها كأنها تفكر في حديثه، هذا ما استنبطه مؤيد لينتظر بتلهفٍ موافقتها عليه خاصةً بعد تخلي الأخير عنها، فاجأته رانيا حين ردت بجمودٍ دون أن تنظر إليه ليفشل في فهمها:
- ممكن تسيبني لوحدي شوية لو سمحت
تنحنح مؤيد بحرجٍ ونهض، زيف ابتسامة وقال بامتثال:
- أكيد طبعًا، عن إذنك
لم تتطلع عليه رانيا فازداد إحراجًا وتحرك نحو الخارج، تنبهت كافة حواسه بأنه ترك الغرفة ثم عاودت النظر لهاتفها، لم تتوانى رانيا في مهاتفته مرةٍ اخرى لمعرفة حقيقة ردة فعله بالأمس، مرة واخرى وهي تهاتفه وبلا جدوي، بعثت له بعدة رسائل أيضًا والتي استلمها ولا رد منه، انصدمت رانيا مما يفعله معها لتساورها الظنون بأنه قد خدعها كونه عادت إليه بسهولةٍ، تبدلت تعابير رانيا للحزن وبكت في صمت وادركت الآن مدى رعونتها في تصديقه لتشعر بعدها بأنها لا شيء، تعالت إلى حد ما اصوات بكاءها وغزت الوحدة حياتها فهي ضائعة وتمنّت في تلك اللحظة المستهجنة موتها كارهه وجودها، عادت سريعًا لرشدها لتُحدث نفسها بأنه ليس الآن قبل أن تنتقم من كل من اوصلها إلى طريق الظلام، أجل ستنتقم منهم جميعًا ليرتاح قلبها بعدها، لعنة الله عليهم لما يحدث لها هذا ولما هي؟، ببكاءٍ مرير حدثت رانيا نفسها متناسية تعبها، للحظاتٍ مرت هكذا اعتزمت مهاتفة رسيل، أجل هي المقربة منها الآن، هي من تشكي لها وتخبرها بسرها، فلابد لها من العودة من جديد ومباشرة حياتها لتتمكن من تحقيق ما ستزمع له معهم وحدقت امامها بغضبٍ لتترك عقلها يفكر بدلاً عن قلبها الضعيف عما ستفعله ......
__________________________________
جلست بالخلف ولم تزيح نظراتها الحانقة من عليها، أصرت "لما" على الذهاب معهم للنادي وكانت لهم دخيلة فلم ترتاح رسيل لوجودها وتأففت طوال الطريق مُدركة تعمدها وجودها بالقرب من أيهم وكتمت غيظها فهي قريبته ولا يحق لها التذمر من حضورها، تعجبت رسیل بشدة من افعالها فكيف لفتاةٍ في عمرها أن تتصرف هكذا بجراءة وزفرت بخفوت تتطلع فقط من نافذة السيارة.
وكذلك أيهم الذي يقود سيارته في صمتٍ فلم يتسنى له الحديث مع زوجته سوى في حدود لوجودها، كان يشعر بنظراتها المغتاظة من الخلف تخترق رسيل وكتم ابتسامته وذلك بعدما ادرك غيِرتها عليه، أجل هي فتاة صغيرة ولكنه أحب الأمر وتنهد بعمقٍ مكملاً طريقه؛ زفرت "لما" بقوةٍ محدثة أيهم بفتورٍ زائف متعمدة إثارة حنق رسيل:
- أيهوم حبيبي هو النادي دا بعيد؟
شهقت رسيل بصدمة وادارت رأسها ناحيته ورمقته بنظراتٍ غاضبة، بينما ازدرد أيهم ريقه مرتبكًا وغصّ فجأةً وبدأ يسعل بشدة، قلقت "لما" عليه وسألته بلهفةٍ لتستفز رسيل أكثر:
- حبيبي إنت كويس، رد عليا فيك أيه؟
قالتها "لما" بعدما دنت منه وبدأت تمسح بيدها على صدره بطريقة جريئة اشعلت الغضب والغِيرة في قلب رسيل التي حدجتها بنظراتٍ شرسة، وضع أيهم في ورطة لائحة يريد منقذًا له الآن.
لم تتحمل رسيل لمساتها عليه ومدت يدها لتزيح يد الأخيرة عنه، قالت رسيل بنبرةٍ مزعوجة وهي مُحدقة بها:
- عيب بنت تحط ايديها على حد كدة
ردت "لما" باستنكارٍ معاندة إياها:
- وفيها أيه؟، دا ابن خالي ومش غريب عني، وكمان أنا بس حطيت إيدي عليه مش حضنته ولا بوسته يعني
شهقت رسيل متفاجئة من وقاحة هذه الفتاة، نظرت لأيهم كاتمة تعنيفها بصعوبة وهي تفرك يديها ببعضهما، ارتبك أيهم والقى نظرة عليها مبتسمًا كي يهدأها وغمز لها بمعنى أن تجاري الموضوع ثم عاود الإنتباه للطريق.
صرت رسيل اسنانها بغضبٍ ونظرت امامها وهي تقطم اظافر يدها بتعابيرٍ متشنجة، في حين اسندت "لما" ظهرها للخلف وتقوس ثغرها بابتسامةٍ عريضة وهي تراها هكذا، رددت في نفسها بتعالٍ:
- ولسة، دا أنا هجننك...
بعد وقت قليل ارفد أيهم بسيارته إلى النادي وصفها في الجراچ الخاص به، ترجلت رسيل على الفور منها بتعابيرٍ غامضة منتوية لتلك الغليظة، نظرت لها "لما" بتهكمٍ وترجلت هي الاخرى فتأفف أيهم ليخلّفهم، دار حول السيارة متجهًا نحوهم وهو يدعو أن يمر اليوم بسلامٍ.
ابتسمت رسيل بمكر وأخذت تتقدم منه، تفاجأ أيهم بها تطوق عنقه فحاوط خصرها على الفور وابتسم فهو يتتوق لأي قُرب منها، رفعت رسيل نفسها ووضعت قبلة رقيقة على خده فجحظت "لما" عينيها مصدومة ومغلولة مما يحدث أمامها وكذلك أيهم الذي استنكر جراءتها.
ابتعدت رسيل عنه ونظرت له مبتسمة بنعومةٍ فقد افتعلت ذلك لتخبر تلك الفتاة بأنه لها.
تحكم أيهم في نفسه فدائمًا ما تطبع بداخله لمساتها التي تحتدم المشاعر الجيّاشة بداخله لتستفيض على هيئته يتمناها، قالت بهمسٍ مغري:
-هعمل مساج وهبقى كويسة
هز رأسه بامتثالٍ، ابتعدت رسيل ونظرت "للمى" بطرف عينيها مبتسمة بثقة ثم اشاحت بوجهها.
ضمت " لما" ساعديها حول صدرها ناظرة لها بحنقٍ، قالت بعدها بغيظٍ مكتوم:
- مش يلا بقى ولا هنفضل واقفين كدة
ظهر ضيقها في نبرة صوتها وهي توزع انظارها عليهما، انتبه أيهم لها وسألها بتوتر:
- طيب عاوزة تروحي فين؟
زيفت ابتسامة وردت بمكرٍ داخلي:
- هلعب تنس
اومأ برأسه ووجه بصره لرسيل وقال لها بنبرةٍ موحية وهو يبتسم بمغزى:
- طيب روحي إنتي يا رسيل علشان تخلصي بدري وأنا هروح اوصل "لما" وانا على صالة الجيم علشان نرجع بسرعة
ابتسمت رسيل باستحياء زائفٍ، تذكرت سماجة تلك الفتاة معها فدنت منه وهمست بتنبيهٍ شدید:
- وصّلها وامشي على طول ومشوفكش معاها، أنا بغِير وممكن أتهور بجد ومش هيهمني حد
اتسعت ابتسامته ورد مقدمًا طاعته لها:
- من عنيا، أنا بحبك إنتي
ابتعدت رسيل وتنهدت بصوتٍ عالٍ وهي توجه بصرها نحو "لما" ، قالت لها بنبرةٍ باتت ساخرة:
- باي، إلعبي كويس وشدي حيلك
قلبت "لما" شفتيها بحركةٍ متذمرة من حديثها ولم ترد عليها فاتسعت ابتسامة رسيل الماكرة، تنحنح أيهم وسألها بمفهوم:
- هتعرفي تروحي لوحدك يا حبيبتي؟ .
ردت مؤكدة:
- أيوة يا حبيبي لما سألت رانيا كانت قالتلي على مكانه .
ابتسم لها فلوحت بيدها وهي تستدير تاركة إياهما، قالت غامزة لأيهم بمغزى:
- باي يا بيبي
ثم تحركت تاركة إياهم من خلفها، تعقبتها نظرات أيهم العاشقة ولم يشيح ببصره عنها.
كزت "لما" على اسنانها بغيظٍ وتحركت ناحيته حين رأته هكذا وسألته بنبرةٍ متضايقة:
- بتبصلها كدة ليه، قد كدة بتحبها؟
انتبه أيهم لها واستنكر ما تفوهت به:
- ايوة يا حبيبتي وفيها ايه، رسيل مراتي وبحبها، وكمان تتحب بسرعة وحلوة قوي
لم تهتم "لما" بباقي حديثه بقدر تحفز حواسها لتلك الكلمة التي تلفظ بها "حبيبتي" وارتسمت ابتسامة حماسية على محياها وتطلعت عليه بحبٍ، لم يدرك أيهم تبديل تعابيرها وتحير في أمرها، بينما قالت "لما" بهيامٍ غير مصدقة ما استمعت له:
- بجد أنا حبيبتي يا أيهم؟
تنبه أيهم أنه تلفظ بتلك الكلمة ولكنها خرجت عفوية منه لم يقصد بها شيء، نظر لها وقال موضحًا:
- "لما" مش معنى إني قولتها تفهميها غلط، إنتي بنت جميلة وصغيرة و...
قاطعته بابتسامة واسعة متعمدة تجاهل باقي حديثه:
- بجد إنت شايفني جميلة وعجباك
لم تمهله "لما" الفرصة ليعطي علاقتها به مسارًا آخر والتزمت التعامل بحنكة، تنهد أيهم بضيق ووجد صعوبة في التعامل معها ، تصنع ابتسامة وقال بمعنى:
- طيب يلا علشان أوصلك
ردت مدعية الجهل وهي تحرك رأسها بحيرةٍ زائفة:
- توصلني فين؟
استخدمت "لما" مكرها فقد قالت هذا لتخدع رسيل، في حين استغرب أيهم وقال ليذكرها:
- إنتي مش قولتي من شوية هتروحي تلعبي تنس
ادّعت أنها تذكرت وقالت بغير رغبةٍ:
- لا لا مش عاوزة غيرت رأيي
دنت منه وتأبطت ذراعه وتابعت بمكر:
- أنا هاجي معاك إنت، أنا جيت مخصوص علشان ابقى معاك
تصلّبت نظرات ايهم عليها لبعض الوقت يفكر في تلك المعضلة، خشي الرفض فهي مجرد ابنة عمته ولم يكِن لها السوء فقط لم يُرِد مضايقة رسيل.
ابتسمت له "لما" ببراءةٍ مُخادعة ليصطحبها معه، تنهد ايهم وزيف ابتسامة وقال على مضضٍ أخفاه:
- طيب يلا تعالي معايا
صرخت "لما" بفرحةٍ وتحركت معه إلى صالة الألعاب الرياضية وهي متشبثة بذراعه ...
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
بمجرد شلحها لملابسها لعمل تدليك هاتفتها رانيا لتخبرها بما حدث لها، على الفور دون تفكير ارتدت رسيل ثيابها مرةً اخرى حزينة على الأخيرة وما حدث لها.
لم تهتم رسيل بما جاءت من أجله بقدر ما قلقت عليها، دلفت سريعًا للخارج متوجهة لايهم لتخبره بذلك والذهاب إليها فهي وحيدة الآن .
لبعض الوقت مر وهي تبحث عن مكان تلك الصالة حتى دلّها أحدهم، ولجت رسيل للداخل وفجأة تصلّبت موضعها عند الباب حين رأت تلك الفتاة السمجة معه واحتدت نظراتها المنزعجة عليها فقد خدعتها ولم تدرك بأنها شقية لعينة وصرت اسنانها مغتاظة.
شهقت رسيل بصدمةٍ حين شلح أيهم كنزته ليتعرى من الأعلى ويظهر جسده امام تلك الفتاة. وقفت "لما" بالقرب منه مدعية إلتهاءها بإحدى الأجهزة وعينيها عليه، شاردة فيه ومستمرة في التحديق به من الخلف.
ساقتها قدماها دون عمد ناحيته لتتحرك ببطءٍ شديد متجهة صوبه، انتبهت لها رسيل وحركت رأسها بتشنجٍ رافضة اقترابها منه فكيف لها أن تتجرأ.
سريعًا تحركت رسيل نحوهم وأغذت في السير لتحيل دون ذلك.
تنبهت لها "لما" وتوقفت مكانها لتنظر إليها باضطرابٍ، دنت رسيل من أيهم الذي يوليها ظهره، الذي انتبه والتفت ناحيتها وهي من خلفه ليتفاجأ بها.
سريعًا توجهت نظراته "للمى" وارتبك وتوجس من ضيق رسيل وشكّها به، نظر لرسيل وفتح شفتيه ليبرر ولكنها قالت بصلابةٍ:
- تعالى دلوقتي رانيا كلمتني وهي في المستشفى محتاجانه
نظرت لتلك السمجة وتنهدت كابحة ضيقها فتوترت "لما"، تابعت رسيل بنبرةٍ ارتاب منها:
- وبعدين نتكلم في اللي عايز تقوله
قطب أيهم بين حاجبيه وسأل مهتمًا بالجزئية الأولى من حديثها:
- رانيا مالها، هي تعبانة؟، مش كلمتيها امبارح وكانت حلوة
ردت رسيل بنفاذ صبرٍ منزعجة:
- أيهم يلا نروح نشوفها، بقولك في المستشفى ووضعها مش كويس خالص
حرك رأسه بتفهمٍ، قال بمعنى:
- طيب يلا بسرعة نوصل "لما" ونروح على هناك .
زفرت رسيل بقوةٍ ونظرت لها، نكست "لما" رأسها وبدت كالحمل الوديع مُدعية الاملاق.
لم تقتنع رسيل بحركاتها فهي فتاةٍ ماكرة ورمقتها بنظراتٍ مُظلمة، انتبهت بعد ذلك لأيهم وهو يتحدث بجدية بعدما ارتدى كنزته:
- يلا علشان نمشي......
____________________________________
عاد للفيلا مرةً أخرى بعد ما حدث بينهم وما فعله معها من وقاحة، لم يبغى عمرو أن يتطور الأمر بينهم إلى هذا الحد المشين ولكنها استفزته فكيف له أن يثبت كذب ادعائها الباطل في حقه، تنهد بضيق فقد كرِه نفسه بعدها فهذه ليست أخلاقه.
نعم يفقد الاحترام في معاملة الغير كقلة ذوقٍ منه بسبب تنشأة والده له على التكبُر على الآخرين وكأنهم تحت اقدامه فقد اضحى كارهًا لمن حوله كونه تربى في ثراءٍ بعكسهم، صحيح أنه تربى على ذلك ولكن لم يتقرب من أي امرأة قطعا فكيف له أن يعامل زوجته فقد جهل إلى حد ما، أجل كان يريد الزواج من ابنة عمه ولكنه لم يُحبذ الفكرة بداخل عقله فإنه يستحى منها.
هو ليس بذلك السوء ليضاجع من تزوجها بتلك الطريقة الإحتقارية من شخصها ولكنها استفزته وشككت في رجولته، تقزز من نفسه كونه شكك هو الآخر في شرفها وطهارتها التي رآها بعينيه، فسبق ونفض تلك الفكرة فوالدها بمثابة أبٍ له الآن فهو يحترمه ولهذا أخذ قراره بالبُعد لا يريدها تراه فقد خجل من نفسه فكيف امامها؟.
بغتةً أثناء شروده لفت انتباهه صوت اقدام بالخارج وقلق، نهض على الفور من جلسته وتحرك خارج الغرفة، ما أن فتح الباب حتى تفاجأ بالسيد كارم يقف امامه فشهق بهلعٍ من ظهوره المفاجئ ووضع يده على صدره يتنفس بهدوء، ضحك كارم بشدة عليه وقال وسط ضحكاته:
- أول مرة أعرف إنك بتتخض بسهولة كدة، هقول لجيسي ومايا، دول فاكرينك البطل المصري الفرعوني
واكمل كارم ضحكه عليه، ضحك عمرو هو الآخر بخفوتٍ رغمًا عنه فالموقف مضحكٍ، سأل بمعنى:
- حضرتك عرفت إني هنا إزاي، أنا مقولتش لحد إني هاجي الفيلا
نظر له كارم مبتسمًا بمحبةٍ، رد بمغزى:
- مش أنا اللي عرفت إنك هنا، جيسي هي اللي قالتلي ممكن تكون هنا لإنك منمتش امبارح في اوضتك
تنحنح عمرو بتوتر وخشي أن تكون قد اخبرته، طمأنه سؤاله:
- ليه رجعت هنا يا عمرو، مش إحنا متفقين تفضل معانا أفضل من إنك تبقى لوحدك من غير حماية كده، واتفقنا علی طبیعة جوازك من جیسي وإنت حر، وکمان بيتر مش هيسكت وأنا بصراحة خايف عليك قوي وعايزك في أمان
اغتبط عمرو كونه لم يعلم سبب مجيئه وأنها لم تخبره، زيف ابتسامة موضحًا بعدما اختلق سببًا ما:
- أصل كنت جاي آخد حاجة من هنا، حضرتك عارف إني مأخدتش كل حاجة لما سبت الفيلا
ابتسم كارم ببشاشةٍ وقال بمعنى وهو يتطلع على هيئته:
- طیب بما إنك لابس وجاهز كده إحنا ورانا إجتماع مع رجال الأعمال اللي شوفتهم في حفلة جوازك، يلا هنروح سوا دلوقتي
اومأ عمرو برأسه وخطا بقدمه ليخرج من الغرفة وتحركا معًا متأهبین بعد ذلك لهبوطِ الدرج، ربت كارم على ظهره وقال بتوسلٍ:
- اوعدني يا عمرو إنك مش هتسيب الفيلا تاني، أنا خايف عليك يا حبيبي، الحياة هنا إن مخلتش بالك من نفسك كويس هتضيع ومحدش هيسأل عنك ولا كإنك كنت موجود
نصحه كارم ليظهر قلقه السافر عليه بالفعل، ابتسم له عمرو بامتنانٍ وقال محركًا رأسه بانصياعٍ وهم يتحركون نحو الخارج:
- كل اللي بتقول عليه هعمله، أنا هنا من غير نصايحك ولا حاجة
ابتسم له كارم وما هي إلا بضع ثوانٍ مرت من خروجهم حتى هدر بعض حراسه بنبرة تحذيرٍ بعض الکلمات بأن هناك من يتربّص بهم، تفهم كارم حديثهم على العكس عمرو الذي فشل في معرفة تلك الحركات المريبة من حوله ولكنها ليست بجيدة، في ثوانٍ قليلة تم إطلاق عدة اعيرة نارية قاصدة عمرو والسيد كارم معًا، حاوطوهم رجاله وتبادلوا إطلاق النيران، امسك كارم بيد عمرو وتوارى به خلف سيارته ليتخذوها ساترًا لهم ليسيطر رجاله على الأمر وبدأ الطرف الآخر في التراجع، ولكن هيهات من ذلك فقد استند عمرو على السيارة ليشعر بألم حاد بداخل صدره ليتيقن بأنه أصيب باحداهن، أجل اخترقت إحدى الرصاصات صدره وبدأت تخور قواه ليغزو الالم العنيف جسده، انتبه له كارم وقبل أن يستفهم ما به حتى جحظ مقلتيه بصدمةٍ حين رأى قميصه الأبيض قد اصطبغ باللون الأحمر أي دماءه بالتأكيد، اسنده كارم ثم ترنح عمرو ليفقد التماسك أكثر من ذاك الألم وارتمى بجسده عليه فاقدًا للوعي، صرخ كارم بفزعٍ ممتزجٍ بقلقه الذي اكتسح تعابيره وهو يتأمله:
- Sie riefen den krankenwagen schnell an
(اتصلوا بسيارة الاسعاف سريعًا)......
____________________________________
لم يتأد في التعجيل للذهاب إليها بعدما أبلغه أحد الأشخاص الذي كلفه بمهمةِ إحضارها بأنها وصلت للشقة، فتح اسماعيل باب الشقة متلهفًا حيث غلبته حماسته في رؤيتها في المدينة فمنذ ولِدت لم تخرج من القرية قط.
تدرج نحو الداخل وهو يجوب بانظاره الشغوفة انحاء الشقة باحثًا عنها، تسارعت دقات قلبه تواقة لرؤيتها وتمتع انظاره التي تبحث عنها.
كانت مهجة بداخل احدى الغرف جالسة موضعها على الاريكة تفرك اصابع يدها من التوتر، أحست بوجوده والتزمت التأني في كشف لهفتها عليه فقد وضعت له بعض الشروط ليتسنى لهما العيش معًا، لن تسامحه بكل هوادةٍ هكذا فقد تزوج من اخرى وجرح قلبها المتيم به وتنهدت بعمقٍ منتظرة اللقاء.
ولج اسماعيل الغرفة عليها وتصلبت انظاره عليها وابتسم بحب، بجمودٍ زائف نهضت مهجة ووقفت موضعها ناظرة إليه بتعابيرٍ غامضة، لم يكترث اسماعيل لكل ذلك وأغذ في السير نحوها ليغمرها في احضانه وضمها بقوةٍ إليه، تنشّق عبيرها المُذهب للعقل واغمض عينيه مشتاقًا لها، يحبها بكل ذرة في ثنايا قلبه وحاوطتها ذراعاه لتغوص في دفء احضانه، قال بشوقٍ جارفٍ:
- وحشتيني يا حبيتي، حمد الله على سلامتك
بجلافةٍ جمة رسمت مهجة البرود بعكس ثورة الاشتياق المضرمة بداخلها ولم تجب عليه وتصلب جسدها بين ذراعيه، هنا شعر اسماعيل بها وابتعد قليلاً ليتمكن من رؤية وجهها، تقابلت أعينهم وسألها بحيرة:
- ايه يا حبيبتي، مش فرحانة إنك شوفتيني وهتبقي معايا
دفعته بيديها من صدره ليبتعد عنها فازداد استغرابًا وهو يتأمل جمودها هذا بعدم فهمٍ، ردت بتعززٍ بعكس ارتباكها الداخلي:
- اسماعيل إحنا لازم نتفق الأول
تجمدت انظاره الجاهلة لما تريد عليها، سألها برعنٍ:
- مش فاهم يا مهجة هنتفق على ايه؟، إنتي مراتي ومعايا ورجعتيلي علشان بحبك، لو خايفة اسيبك مش هيحصل ومكنتش جبتك عندي تاني لو خايفة من كدة
قال اسماعيل ذلك بقسماتٍ مقطبة، في حين ابتلعت مهجة ريقها بتوترٍ وقالت بثباتٍ زائف:
- اسمعنى الأول أنا عاوزة ايه
كتف اسماعيل ساعديه ببعضهما حول صدره ونظر لها ليقول بأنه كله أذآنٍ صاغية فلتبدأي هراءك، تنحنحت مهجة وقالت بثقةٍ رسمتها:
- إنت بتقول إنك رجعتني، بس مش بسهولة كدة ترجعني بعد ما رمتني وطلقتني علشان تتجوز غيري
قطبت تعابيره ينتظر باهتمام تكملة حديثها، تابعت مهجة بجدية:
- أنا عاوزة اتجوز من جديد، يعني بما إنك غني دلوقتي تجبلي كل اللي هطلبه منك، وتضمنلي حقي وحق ابني
قالتها وهي تضع يدها على بطنها فابتسم اسماعيل ساخرًا، دنا منها فتوترت وعينيها عليه، وقف امامها وقال مستهزئًا من غبائها الخائر:
- على فكرة دا كمان ابني، وكل اللي هتعوزيه هجيبه علشان إنتي حبيبتي ومش هتأخر عنك، يا غبية أنا كان ممكن اسيبك في البلد وأروحلك كل فين وفين ما إنتي مراتي، بس أنا عاوز اعيشك في النعيم معايا، عاوز أخرجك من اللي كنتي فيه ونبدأ حياة اتحرمنا منها ونعيش، عاوزك تشوفي الناس اللي بجد والعالم التاني اللي هتحسي فيه إنك بجد عايشة، كل ده وبتحطلي شروط يا هبلة، أنا بحبك وإنتي متأكدة من كده، فمتلعبيش معايا يا مهجة علشان إنتي كمان بتحبيني وعينيك هتموت عليا عاوزاني
ازدردت ريقها بارتباكٍ ونفت بنبرةٍ متزعزعةٍ:
- لأ، أنا مش ...
بترت جملتها ليظهر اختراصها مُختلقة ادعاءٍ زائف بعكس قلبها المتلهف، التوى ثغر اسماعيل بابتسامةٍ مغترة ودنا منها لتشهق بارتباك، ضمها من خصرها إليه وقال ساخرًا بمكر:
- خايفة مني، هي أول مرة ابقى معاكي، مكسوفة تقوليلي وحشتني يا حبيبي
ابتسمت باستحياء ولم ترد، ضمها اكثر إليه وقال بمحبةٍ:
- بحبك وعمري ما هبعد عنك مهما حصل، هتفضلي هنا معايا وفي أي مكان اروحه
ابتسمت مهجة برضى ولكنها تذكرت تلك المرأة المُدعية زوجته، عبست بقسماتها وتذمرت قائلة:
- بس انا مش عاوزة حد يشاركني فيك
رد متنهدًا بنفاذ صبرٍ:
- مهجة قولتلك سالي هي اللي ساعدتني علشان أوصل لمكانتي دي، بقى عندي رجالة بيسمعه كلامي، ابوها بيثق فيا ومسلمني كل حاجة ومقدرش ابعد عنها
لمعت الدموع في عينيها وسألت بقلقٍ:
- بتحبها؟
تنهد بعمقٍ وقال موضحًا:
- مش بكرهها يا مهجة، سالي ليها معزّة خاصة عندي
حزنت مهجة وسألته بغير رضى:
- بتعاملها زيي لما تبقى معاك، بتقولها بحبك زي ما بتقولي؟
اغمض اسماعيل عينيه للحظاتٍ وقال بعدها بجدية:
- مهجة هي مراتي، فأكيد هبقى معاها، وكمان عاوزك تتأكدي إن حُبي ليكي أهم حاجة عندي، يعني لو هيجي يوم وهختار مضطر هيبقى إنتي
رغم ضيقها ابتسمت متأملة عودته لها بمفردها، تابع اسماعيل بنظراتٍ متيمةٍ مشتاقة:
- هو أنا هضيع الوقت اللي جاي فيه في الكلام الاهبل ده....
___________________________________
جلست بجوارها على طرف التخت ومسحت على شعرها بلطفٍ، استحوذ الحزن علی قسمات رسيل مشفقة علیها بعدما سردت لها رانيا ما مرت به وما حدث له؛ بدموعٍ إنفلتت من عينيها روت لها رانيا بمرارةٍ ألمها وانكسارها الآن؛ ادركت رسيل ما بها وقالت بعمليةٍ دارسة لبث الأمل بداخلها:
- متخافيش يا رانيا، العلاج دلوقتي إتقدم كتير ومافيش حاجة مستحيلة بإذن الله، إنتي بس ثقي في ربنا وهيقف معاكي
بهزة خفيفة من رأسها قالت رانيا بصوتٍ مبحوحٍ مُجهد:
- ونعم بالله، أنا تعبت يا رسيل من اللي بيحصلي، مافيش مرة عيشت يومين حلوين إلا وينقلب عليا كل حاجة، حتى مصطفى باعني وساب مراته تأذيني، كلمته كتير وبيشوف رسايلي ومش بيرد عليا، قد كدة كنت غبية لما وافقت ارجعله، حبي ليه عماني ونساني إنه كان عايز يتجوزني في السر وبيستعر مني، ازاي أكون بالهبل دا علشان ارجعله ويحصلي كل ده
شعرت رانيا بالإنكسار لتشهق باكية بأسى؛ دنت رسيل منها وضمت رأسها لصدرها قالت بنبرةٍ حزينة وشيكة على البكاء:
- خلاص يا رانيا متعمليش في نفسك كدة، كل حاجة ليها حل، ولو باعك بالشكل دا متفكريش فيه وعيشي حياتك، وزي ما قولتلك مافيش حاجة بقت مستحيلة بفضل العلم، أنا لسة مش دكتورة بس عارفة حلول كتير وهتبقي كويسة بإذن الله
برضى عظيم ملأ قلب رانيا ردت رانيا بعزيمةٍ:
- الحمد لله علی کل حاجة، أنا بس زعلانة على نفسي يا رسيل، وجع القلب وحش قوي، أنا خلاص مبقتش هفكر في أي حاجة غير نفسي وبس، كل اللي باعني هيشوف رانيا جديدة، وأولهم اللي قلبي اللي حبه، حسابي هيبقى حاجة تانية
ابتعدت رسيل عنها وقالت بتنبيهٍ ليظهر قلقها علیها:
- لا يا رانيا خليكي بعيد، اللي يخليهم يعملوا كدة معاكي ممكن يأذوكي ولا يقتلوكي ويخلصوا منك، وكمان ايهم ميعرفش إنك اتجوزتي مصطفى وإلا كان زعل منك علشان رجعتيله من وراه
بدت البراءة في نبرة رسيل فكم هي لطيفة ناعمة لم تختلط مطلقًا بذاك العالم البشع، ابتسمت رانيا بتعبٍ وقالت لتريحها:
- طيب يا رسيل هخليني بعيد وكمان أنا مش عاوزة ايهم يزعل مني بسبب غبائي
ثم صمتت للحظاتٍ واستفهمت بأملٍ:
- يعني هيبقى فيه حل لحالتي دي، الدكتورة قالت يمكن كمان صعب اخلف بعد اللي عملوه فيا ربنا ينتقم منهم كلهم، انا موجوعة قوي يا رسيل ومكسورة
ابتسمت لها رسيل برقة وقالت مُهونة عليها:
- ربنا هيقف معاكي يا رانيا علشان إنتي طيبة، والحلول كتير إن شاء الله وهترجعي احسن من الأول وتخلفي وتتجوزي اللي يحبك بجد ويخاف عليكي
ابتسمت رانيا بمرارةٍ وانتبهن لايهم الذي ولج الغرفة برفقة هذا مؤيد الذي نظرت له رانيا بغموضٍ ليغوص فكرها في خطة ما ستنفذها بمساعدته وبالتأكيد دون أن يعلم، تحرك ايهم ووقف بجانب رسيل وابتسم محدثًا رانيا:
- عاملة ايه دلوقتي يا رانيا؟
نظرت له رانيا وردت بتعبٍ:
- كويسة الحمد لله، شكرا يا أيهم على وقفتك جمبي، مافيش مرة طلبت مساعدتك واتأخرت عليا
لامها ايهم قائلاً:
- رانيا أكتر من مرة قولتلك إحنا إخوات، وكمان اللي حصلك دا مش هسكت عنه وهجيبلك حقك منهم واوديهم في ستين داهية، النيابة زمانها جاية دلوقتي و...
قاطعته رانيا سريعا بتوسلٍ:
- علشان خاطري يا أيهم مش عاوزة كده، أنا كويسة ومش عايزة ادخل في مشاكل وكمان أنا معرفش مين عمل معايا كدة ومعنديش اعداء، علشان خاطري يا ايهم بلاش
لم يعجبه ايهم حديثها وتنهد بضيقٍ، نظرت له رسيل وقالت بمعنى مؤكدة حديث رانيا:
- ايوة يا ايهم، خليها بعيد علشان محدش يأذيها اكتر من كدة
تابع مؤيد ذلك الحديث الدارج بينهم باهتمامٍ، تنهد براحةٍ حين استمع لحديث رانيا ولكنه استنبط فيه بعض الغموض وخفق في فهمه؛ اخرجه من تفكيره رانيا وهي تحدثه بامتنانٍ مصطنع:
- متشكرة قوي يا استاذ مؤيد على اللي عملته معايا، واوعدك هفكر في طلبك ومش هزعلك ابدا
اتسعت ابتسامة مؤيد وقال بشغفٍ:
- وأنا مستني في أي وقت تبلغيني قرارك، أنا كلمت ايهم بيه وعرفته كل حاجة عني
ثم نظر لايهم متصنع ابتسامة، قال ايهم بمفهومٍ لرانيا:
- مؤيد بيشتغل عندي يا رانيا والسي في بتاعه كويس قوي، ولو حابة ترتبطي بيه إنتي وراحتك
زاغت رانيا في حديثه ليأتي على ذهنها الآخر فهي متزوجة به وكي ترتبط بغيره لابد لها من الإنفصال عنه، استغلت رانيا ما حدث لها وقالت بمدلولٍ وهي تمرر انظارها عليهم:
- اخف الاول وابقى كويسة وبعدين اشوف الموضوع ده
ثم توقفت بانظارها على مؤيد وزيفت ابتسامة، اما مؤيد فقد رقص قلبه فرحًا لوصوله لمبتغاه وستسعد راما بما انجزه وابتسم بفرحةٍ فقد انضوت عليها خدعتهم؛ لم يدرك أحد مما حولها بما تضمره رانيا بداخلها من حقدٍ معلنة في نفسها البائسة انتقامها الواجل للوقوف امام من هم اعلى منها ولن تهتز للحظةٍ في إذاقتهم مرارة ما تعانيه الآن بسببهم وتقلدت بالصبر لحين تحسن حالتها؛ انتبهت لايهم يقول بجدية:
- هترجعي معايا الفيلا تاني يا رانيا لما المستشفى تكتبلك على خروج
فتحت شفتيها لتعترض فقاطعها بحزمٍ:
- خلاص يا رانيا، لما تخفي وتبقي كويسة اعملي اللي تحبيه، بس انا خايف عليكي حد يرجع تاني يأذيكي تاني وإنتي لوحدك
قالت رانيا بنبرةٍ متفهمة:
- هقعد بس لحد ما أخف، دول تلاقيهم حرامية وأكيد مش هيجوا يسرقوني تاني
لم يقتنع ايهم بحديثها لتساوره الاسئلة حول ذلك كما أنه لم يعرف تفصيليًا بما حدث معها، نظرت رانيا لرسيل كي تنقذها واحتارت رسيل ونظرت لها بحيرة فهي جاهلة للتصرف في تلك الامور ولكن تدخُل مؤيد ليرد هو فاجأهم حين قال:
- خلاص يا أيهم بيه سيبها براحتها، وإن شاء الله مش هنطول وهنرتبط ببعض وهتلاقي اللي هيحميها ومش هيتخلى عنها مهما حصل
قال كلماته الاخيرة بمكرٍ داخلي ناظرًا لرانيا وشدّد عليها ليصل مقصده لرانيا له دون أن يعلن معرفته بما حدث معها، في حين قال ايهم متنهدًا بنفاذ صبرٍ:
- اللي تشوفوه، المهم عندي رانيا تكون مرتاحة ومبسوطة من أي خطوة هتاخدها، وأي حاجة تقوليلي عليها يا رانيا هتلاقيني جمبك في أي وقت
ابتسمت له رانيا بامتنانٍ، مسحت رسيل على شعرها وقالت بنبرةٍ محببة:
- وزي ما قولتلك يا رانيا، هتبقي أحسن من الاول
ابتسمت لها رانيا وقبل أن تتفوه بكلمةٍ واحدة ولج ماجد الغرفة عليهم بعدما علم من والده بأنه هنا ودُهش الجميع من دخوله المُباغت بتلك الطريقة، قال ماجد بقلقٍ وهو يخطو نحو الداخل:
- تعالى يا أيهم طالبينك تروح القسم ضروري لإن فيه حاجات جديدة مش كويسة جدّت في الموضوع
تهيج ايهم ودنا منه قائلاً بتوجس:
- حاجات ايه دي ؟، وفين المحامي علشان يجي معايا؟
رد وهو يلتقط أنفاسه المضطربة:
- المحامي في القسم مستنيك وقال لازم تيجي دلوقتي
نهضت رسيل وتحركت نحو ايهم قائلة بخوفٍ:
- ايهم هيعملوا معاك ايه؟، قولهم إنك مظلوم وملكش دعوة
تأفف أيهم قائلاً بسخريةٍ منزعجة:
- بسهولة كدة هقول معملتش حاجة هيسيبوني
هتفت رسيل بحزنٍ وقلقٍ سافرٍ:
- يعني هياخدوك وهتبعد تاني عني يا حبيبي
نظر لها وزيف ابتسامة قائلاً:
- إن شاء الله مش هغيب يا رسيل، ادعيلي إنتي يا حبيبي
قالها وهو يسحبها ليضمها بحرارةٍ مودعًا إياها، همس لها بضيقٍ بالقرب من اذنها:
- يا خسارة، كنت عامل حسابي نقضي الليلة سوا
تذكرت رسيل أنها لم تقم بعمل تدليك، وجدتها فرصة لها ليرتاح جسدها، ابتعدت عنه هامسة بنبرةٍ فرحة استفزته:
- كويس قوي إنهم هياخدوك، علشان هكون خفيت
نظر لها ايهم باشمئزارٍ وقال محركًا رأسه بلا فائدةٍ:
- حسبي الله ونعم الوكيل.....
____________________________________
صف السائق السيارة امام منزله الصغير بداخل مزرعة الخيول المهجورة الخاصة به، ترجل رؤوف من سيارته وتحرك لداخل منزله، تفاجأ حين تقدم للداخل بأنه ينتظره، رمقه باحتقارٍ وتحرك ناحيته، جلس رغيد على الاريكة في ردهة المنزل واضعًا ساقًا فوق الأخرى وتجاهل نظراته تلك، جلس رؤوف هو الآخر وقال باستهجانٍ:
- مختلفتش كتير عن ابوك، طول عمره واطي وحقير
اعتدل رغيد في جلسته وانزل قدمه ليحدجه بنظراتٍ مزعوجة، هتف بحنق:
- احترم نفسك وإنت بتتكلم عن بابا
اثنى رؤوف ثغره بابتسامةٍ مستهزئة اججت الغضب بداخل رغيد، يعلم رؤوف بأنه مثل والده ولهذا لم يبغى الدخول معه في مشادةٍ غير مجدية، قال بجدية:
- ابعد عن بنتي احسن لك، سالي قالتلي على كل حاجة وانا مش هسكت لو فكرت تأذيها
توجس رغيد من معرفته بذلك فقد ضاع جزءًا كبير كان سيستغله في تهديدها، رسم الصلابة وقال بعنادٍ:
- مش هبعد عنها، ووريني كدة هتقدر تعمل ايه
استاء رؤوف من فظاظة هذا الشاب الوقح، هتف بمكر:
- عايز تعرف هعمل ايه، هودي ابوك في ستين داهية، عندي مستندات محدش يعرفها غيري وهستخدمها كلها علشان امسحك إنت وابوك من على وش الارض
ارتعد بدن رغيد ونظر له بارتباكٍ فابتسم رؤوف متشفيًا فيه، تابع رؤوف بتهديدٍ صريح:
- هتبعد عن بنتي ولا انهيك إنت وابوك الحرامي من على وش الارض، ابوك عارف كويس أنا أعرف عنه أيه ومش صعب عليا اوديه ورا الشمس بلا رجعة وإنت وراه
لم يتحمل رغيد وجود من يهدده هكذا فدائمًا ما يتحكم في زمام الامور، شخصيته المتعجرفة لن تقبل ذلك، قال له باصرارٍ:
- هفضح بنتك لو مجبتش كل الورق اللي عندك
رد رؤوف ساخرًا:
- عبيط أنا علشان اسلمك كل حاجة
ثم نهض واكمل بنبرةٍ قوية ارتاب منها رغيد:
- أنا بقول بما إنك مش هتسمع الكلام، فأنا اروح اقدم اللي عندي ونشوف مين اللي هيهدد التاني، هتدفع تمن اللي عملته في بنتي يا خسيس، هوديك في داهية إنت وابوك، انا مش عارف جاي اتفاهم معاك ليه، المفروض كنت نفذت على طول
غلى الدم في عروق رغيد وهو يستمع له، تشنجت تعابير وجهه ليحدق به كبركانٍ وشيكٍ على الإنفجار، اهتز جفنيه بحركةٍ مشدودة ووجد نفسه ينهض هو الآخر ويتقدم منه، هاب رؤوف هيئته التي تبدلت وتراجع للخلف مبتلعًا ريقه برهبة، غلطة رؤوف الوحيدة معاندته له دون أن يأخذ حذره منه، سنحت الفرصة امام رغيد ليتخلص منه دون أن يراه أحد أو يرتاب في امره، بخطواتٍ مريبة تحرك نحوه لينقبض قلب رؤوف الضعيف وتزداد الوخزات العنيفة فيه، علم رؤوف بأنه على شفير الموت وهذا ما اعلنته نظرات رغيد نحوه، بحركةٍ مباغتة قبض رغيد على عنقه بقوةٍ ونظراته الغاضبة محتدة عليه، جحظت عيناي رؤوف ليشهق طالبًا الهواء واضعًا یدیه علی معصمیه یزیح یده بقوة ضعیفة، بينما هتف رغيد بنيرةٍ باتت هيستيرية:
- مش هتلحق تعمل كل ده، انا محدش يهددني
ثم شدّد من قبضه على عنقه وبدنه يهتز بتشنجٍ، بتعابيرٍ ضامرة أخرج رؤوف شهقة طويلة لتخرج روحه وهو ما زال قابضًا عليه، انتبه رغيد لنفسه وليده القابضة عليه وفزع حين تراخت اعضاء الأخير بين يده، ما أن افلت رغيد يده حتى ارتمى جسد رؤوف على الارضية بعنفٍ ليشهق رغيد بهلعٍ وهو يجوب بانظاره هيئتة الهامدة، لم يستوعب ما فعله وتراجع عدة خطواتٍ للخلف وهو ينظر حوله باعصابٍ مشدودة خيفةً من أن يراه أحد، اصطدم بالاريكة من خلفه واضطرب ليأخذ قراره الفوري بالفرار وركض للخارج تاركًا جسد هذا الرجل طيب القلب ورؤوفًا كاسمه جثةً هامدةً...