رواية القيادي الفصل الخمسون 50 بقلم إلهام رفعت


رواية القيادي الفصل الخمسون 50 بقلم إلهام رفعت



تأملن رفقاتها ثوب زفافها الرائع باعجابٍ وأخذت هي تدور حول نفسها بمرحٍ، توقفت جيسي لتلتقط أنفاسها وأصوات ضحكاتها الفرحة تصدح في المكانِ فسعادتها اليوم لا توصف، تحقق ما حلمت به والليلة ستجعله لها لتكسر الجليد الذي يحاوط مشاعره وانتوت ذلك لتبرع في استفزازه فتلك نقطة ضعفه، هيأت نفسها من تلك اللحظة بتطاوله عليها بالضرب فقد فطنت شخصيته العنيفة والهمجية بأن تتحمل فحُبها له سيجعلها تتناسى عنفه معها وجفاءه كونه مفتقرًا للعاطفةِ وتنهدت بحبورٍ ٍمبتسمة بولهٍ أستحوذ على قسماتها الرقيقة؛ دنت منها رفيقتها المقربة لتنتبه لها جيسي وتنظر لها، غمزت الأخيرة بعينها قائلة:

- مبروك جيسي، بصراحة افتكرتك هتصاحبيه، إنما جواز مرة واحدة كده، برافو عليكي مخدش في إيدك كام يوم .

بتعالٍ شديدٍ نظرت لها جيسي وردت بثقة:

- هو أنا بلعب، عجبني وأخدت قراري إني هتجوزه وحصل زي ما أنتوا شايفين قدامكوا .

إحدى صديقاتها وهي تتطلع من على بُعد على عمرو وهو يتحدث مع أحدهم، قالت بهيامٍ حالمٍ:

- يا بختك يا جيسي بيه، بصراحة يجنن قوي .

عبست تعابير جيسي ورمقتها بانزعاجٍ وغِيرتها غطت طلعتها، دنت منها وهي تحدُجها بنظرات فتّاكة وبحركةٍ عنيفة مدت جيسي يدها لتبعد وجه الفتاة للناحيةِ الاخرى لتمنع نظراتها من التطلع على ما لها، نظرت لها الفتاة بدهشةٍ من ردة فعلها فعنفتها جيسي بنبرةٍ منفعلة:

- لو شوفتك بتبصيله تاني مش هيحصلك كويس، عمرو بقى يخصني ومش هسمح لحد بس يبص عليه، فاهمة .

ثم مررت أنظارها على رفقاتها جميعهن وقالت بتنبيهٍ شديد:

- الكلام مش ليها لوحدها، الكل زيها، مش معنى إننا كنا بتكلم عليه هسمح بده بعد ما بقى جوزي .

باتت تعلو نبرتها بانفعالٍ ليزداد تعجبهن منها ومن غِيرتها الجارفة عليه ، هتفت فتاة ما مهدئة إياها:

- إحنا أصحاب يا جيسي مش قصدنا حاجة لو قلنا إنه حلو، ما إحنا كنا على كلامك بنقعد كتير سوا ونتكلم عليه ومفرقتش يعني، إهدي كدة .

تنهدت جيسي بضيقٍ وقالت بتحذيرٍ أخير متجاهلة حديثها:

- أنا نبهت وخلاص عليكوا، عمرو من النهاردة مش عايزة أسمع حد فيكوا بيتكلم عليه .

دنت منها الفتاة التي مدحته واعتذرت مبتسمة برقةٍ:

- أسفة جيسي مش قصدي اضايقك، أنا بس بشكر فيه .

مطت جيسي شفتيها وتقبلت إعتذارها مع تحريكة خفيفة من رأسها، في حين قالت إحداهن مستفهمة:

- بيتر عرف إنك إتجوزتيه؟، كلنا عارفين إنه هيموت عليكي، تفتكري هيسمح بسهولة إنك رفضتيه وبقيتي مع حد غيره ؟ .

نظرت لها جيسي وردت مبتسمة بتهكمٍ:

- يعني بيتر دا بتاع جواز، كلكم عارفين هو كان عاوزني إزاي، طول عمره بيجري ورايا مفكرني زي البنات اللي يعرفهم وبسهولة هيلاقيني معاه، لسة ميعرفنيش كويس، والحمد لله إن بابا معزمهمش النهاردة علشان أكيد هيكون فيه مشاكل بسبب المتخلف ده، لإن أنا اللي أتجوزه لازم يكون راجل، زي عمرو كدة .

قالت جملتها الأخيرة وعينيها العاشقة تتطلع عليه وهو يتحدث بلباقةٍ مع من حوله وتنهدت بهيامٍ شديد .

أخرجتها صديقتها من لحظتها الحالمة تلك حين استفهمت بحيرةٍ:

- طيب تفتكري هيسيبك إنتي وعمرو، دا مجرم وممكن يأذيه يا جيسي، هو إنتي مش عارفاه كويس .

تنهدت جيسي بضيقٍ وزاغت في حديثها هذا فحقًا كيف ستُبعد هذا الأهوج عنه، خشيت جيسي على عمرو منه ولكن ماذا تفعل فقد أرادته هي وتأملت للقادم معه حين أخبرها والدها بإقتراح زواجها منه، إنتبهت لرفقاتها وقالت بنبرةٍ حازمة بعكسِ توجسها:

- بس أنا مش هسمح إنه يعمل حاجة لعمرو، أنا خلاص مبقاش يهمني غيره دلوقتي .

ثم وجهت بصرها ناحيتها وحدثتهم وهي تنظر إليه:

- عن إذنكم، هروح أشوفه...

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

على الناحية الأخرى وقف عمرو بين مجموعةٍ من رجال الأعمال العرب يتناقشوا عن بعض الأعمال المشتركة، فغالبًا ما يستغلوا تلك المناسبات لعرض صفقاتهم وإقتراحاتهم العملیة، كان السيد كارم بمثابة أبٍ لعمرو حيث يوجهه إلى ما يجهل التعامل معه، نظرات كارم نحو عمرو تزداد إعجابًا يومًا بعد يومٍ ليسعد بلقائه به منذ رآه أول مرة، بابتسامةٍ بشوشة ظل كارم محتفظًا بها في نظراته نحو عمرو حين إعتاد الحديث مع من حوله ليتأمل فيه خيرًا. 

ملأت الراحة قلبه حين وجد من سيكتنف بناته من بعده ، شعر كارم بأنه على وشكٍ الرحيلِ فقد بات أحد رجال المافيا الذي يعارض أعمالهم يُهدده بالقتل صراحةً وشعر بقروب أجله، لم يخبر أحدًا بذلك ولكنه أراد عمرو يهتم بهم من بعده ليطمئن عليهم، نعم هو الآن فرحًا بوجودِ عمرو وسط عائلته ليرى فيه السطوة الحقيقة للنيل من أعداءه فقد أعجب بشخصيته القوية، وجد كارم نفسه يمد يده ويربت على ظهره بلطفٍ لينتبه عمرو له وابتسم، أبتسم كارم له ولم يعرف ماذا یقول بسبب حركته تلك، وجد ابنته تتقدم منهما فقال بمعنى وهو ينظر خلفه:

- أنا كنت عاوز أقولك إن جيسي جاية .

التفت عمرو خلفه ليراها بثوبها الأبيض وفرحتها البادية على قسماتها ولم يعلق، دنت جيسي منهم ثم وجهت بصرها لوالدها وابتسم برقةٍ وحدثته:

- بابي معلش ممكن آخد عمرو، كنت عوزاه شوية .

ثم نظرت لعمرو الواجم غير معلنًا رفضه أو قبوله، في حين رد عليها والدها بنبرةٍ مرحبة بشدة:

- أكيد يا حبيبتي دا جوزك .

وجه بصره لعمرو وقال بنبرةٍ محببةٍ:

- روح يا عمرو معاها، ولو فيه جديد في الشغل هقولك .

زيف عمرو ابتسامة وتحرك ليذهب معها، تأبطت جيسي ذراعه فانزعج، تجهمت تعابيرها وتذمرت قائلة وهما يتحركان بإتجاه الفيلا:

- على فكرة أنا مراتك دلوقتي وعادي، ليه بارد كدة معايا .

تأفف عمرو وازاج يدها من عليه وقال بنبرةٍ مزعوجة وهو ينظر لها باستهجان محاولاً التقليل منها:

- واضح إنك نسيتي إني قولت إن جوازنا صوري، يعني كل اللي بتعمليه ده مش هيغير حاجة، وبطلي اللي بتعمليه ده اصلاً علشان أنا مش بفكر دلوقتي في الجواز، وخصوصًا إنتي، مش بعد ما أستنيت من غير جواز هرتبط بواحدة زيك .

لمعت العبرات في عينيها وهي تتطلع عليه وتستمع لحديثه المُهين لها وبدت انها على وشك البكاء، ردت بلومٍ:

- مالي يا عمرو، أنا فيا ايه مش عاجبك، إنت شايفني وحشة؟

ثم تكهّنت لمعرفة رده، تجاهل عمرو هيئتها الحزينة ومرر انظاره عليها ككل وقال ساخرًا:

- عمري ما هفكر اتجوز واحدة غيري شاف شعرة واحدة منها، ومن هنا ورايح لازم تعرفي كده ومتتأمليش إني ممكن أعتبرك مراتي بعد كدة .

تصلّبت انظارها عليه وجفت دموعها اللامعة في عينيها لتغضب منه، قالت بجمودٍ بعكس إغتياظها منه:

- دا آخر كلام عندك، يعني اعتبر نفسي مش متجوزاك؟

رد باقتضابٍ وهو يتأفف:

- أيوة

زيفت ابتسامة بصعوبةٍ وقالت بمكرٍ حمل تحدّيها له:

- اوكيه يا عمرو، بس يا ريت تفضل كدة على طول......

________________________________


أرفد ماجد لفيلته برفقةِ ملك وتركها دون أن يهتف بكلمةٍ واحدة، حيث أمر الخدم بأخذها لغرفتها وبالتأكيد طاعتها فهي ربة عملهم وزوجة سيدهم، صعدت ملك للأعلى ولم تخلو نظراتها المتفحصة لمقتنيات الفيلا وعلمت في تلك اللحظة بأنه على حق فكيف سيتماشى ما جلبته من أشياءٍ بسيطة مع كل هذا البزخ من حولها. 

انتبهت للخادمة تشير لها على غرفتهم، سارت خلفها وولجت غرفة نومهم لتنبهر بروعتها وبكل تفاصيلها مررة أنظارها عليها ككل وشردت، بشبح ابتسامة على محياها تتوقت لتجريب تلك الحياةِ فقد أرتاح قلبها وتمنت دوام حالها من تلك اللحظة معه؛ أخرجها من شرودها صوت الخادمة وهي تقول لها باحترامٍ:

- أحضرلك الحمام يا هانم ....

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

توجه ماجد بعدما تركها مضطرًا لمخفر الشرطة بعدما علم بوجودِ أيهم به، أكمش في السير وهو يولج للداخل باحثًا عن المحامي مدحت وهو بالتأكيد، سأل أحد أفراد الأمن ليدله على غرفة ما مكث فيها أيهم حيث تم التعامل معه بخصوصيةٍ لتوصية والده بعض المسؤولين المُتصاحب معهم، ولج ماجد تلك الغرفة ليجد ايهم متسطحًا على الأريكة واضعًا ذراعه على وجهه، تدرج ماجد نحو الداخل وتنحنح بخفوتٍ لينتبه لوجوده، بحذرٍ ناداه:

- أيهم 

كان أيهم متيقظًا وشاعرًا بولوج أحدهم وظل كما هو، رد بجمودٍ وهو بنفسِ وضعيته:

- تعالى

دنا ماجد منه وجلس على طرف الأريكة وقال بترددٍ وهو يتأمله:

- عامل إيه يا أيهم دلوقتي؟

للحظات تكهّن ماجد فيهم سماع رده أزاح أيهم ذراعه من على وجهه ونظر له بهدوءٍ مُستطير تعجب ماجد منه، رد ايهم بتنهيدةٍ خفيفة:

- هكون عامل أيه، زي ما أنت شايف .

قالها أيهم بعدم إكتراث مثيرٍ للحيرة، أدرك ماجد بأنه تعامل الآن مع الموضوع ببساطة كعادته ليستطع التفكير في القادم فهذا أيهم ولن بتغير، سأله ماجد بمعنى:

- هتعمل أيه يا أيهم؟، الموضوع صعب قوي وكمان فيه خسارة كبيرة ليك، المصنع إتصرف عليه كتير قوي في الفترة اللي فاتت، كل دا راح وكمان معاه المصيبة دي .

أنصت أيهم له بنفس هدوءه وإعتدل ليجلس بجواره على الأريكة، قال وهو يفكر في شيءٍ ما:

- أكيد مش هتحبس وهخرج وفيه حل، أنا معملتش حاجة وعمري ما فكرت في أذيّة حد، فمبالك دا قتل .

استفهم ماجد بفضولٍ وهو يحدق فيه بحيرةٍ:

- هتعمل أيه يا أيهم؟

تنهد ايهم بقوة، وتجهمت تعابيره لا يريد التحدث فيما ينتويه، قال بنبرةٍ مزعوجة:

- شوفت الحيوان دا عمل أيه، المرة اللي فاتت لما عملها في الفندق بتاعي ربنا سترها وعدى الموضوع من غير سين وجيم، إنما المرة دي فيها قتل وناس إتصابت، المصنع الكلام كان عليه كتير فعلشان كدة كله مركز في اللي حصل .

نظر له ماجد وهو مستاءًا هو الآخر فهو من تولى الإشراف على جلب مواد البناء، قال بأسفٍ شديد:

- والله يا أيهم أنا مقصرتش في حاجة، أكيد فيه خاين في وسطنا كان بيشتغل لحسابه، أنا بنفسي اللي بستلم مواد البناء من شركة مروان بيه زي ما قولتلي .

حرك أيهم رأسه بتفهمٍ ثم شدد على تكوير قبضة يده بعنفٍ، قال بتوعدٍ وهو ينظر لنقطة ما أمامه:

- أخرج بس من هنا وهيشوف، اللي هعمله معاه هيخليه يشيلنا من راسه طول ما هو عايش، مش كفاية سكت على اللي كان هيعمله مع مراتي، مكنتش عاوز اعمل دوشة بس كفاية لحد كدة مبقتش قادر أسكت على عمايلة دي .

ثم صمت ليتابع ماجد مؤشرات وجهه المنفعلة ونظراته الشرسة، زم شفتيه متفهما ما يمر به، سأله بحذرٍ:

- تفتكر هيسيب رسيل ولا لسه بيفكر فيها، أنا خايف يكون لسة بيفكر يأذيها ويعملها حاجة، خصوصًا إنها بتخرج كتير لجامعتها، حتى ما ينفعش تاخدها في البيت ونمنع كدة خروجها .

زفر أيهم بانزعاجٍ وكلحت قسماته، قال باغتياظٍ وهو ينظر له:

- هحبس مراتي علشان خايف منه، ولا هيقدر يعملها حاجة طول ما أنا عايش، رسيل ملزومة مني وحياتها هتمشي عادي، ولو كان على حمايتها وأنا مش معاها أنا كنت إتفقت مع بودي جارد اجنبي هيبقى معاها في كل مكان تروحه، هي بقت مشتركة في النادي معايا وأكيد هتروح تقضي وقت فيه .

لم يعرف ماجد ماذا يقول فقد تصعّب الأمر بوجود هذا الحقير، وجه أيهم بصره ناحيته وقال بغيظ:

- بفكر دلوقتي اضربه، مش هخلي فيه حتة سليمة

ضحك ماجد بخفوتٍ وقال مؤكدًا:

-متشوق اشوفه مضروب منك .

ثم زادت ضحكته في حين أخرج ايهم ضحكة ساخرة وقال بمعنى:

- هیحصل، المهم روح دلوقتي شوفلي المحامي عمل أيه في موضوع خروجي، أنا مش طايق القاعدة هنا وزهقت بجد، عاوز أرجع الفيلا علشان أعرف أفكر كويس ......

_________________________________


دلفت من المرحاض مرتدية ثوب نومها الحديث والراقي والذي أبتل من جسدها ليبدو أكثر إثارةٍ عليها، نظرت سیرین نحو التخت مبتسمة برقةٍ لإيهاب الجالس عليه ومستندًا بظهرهِ على الوسادة ويتطلع عليها كأنها فتنته بسحرها لتتمرر أنظاره عليها. 

توجهت سيرين للمرآة بدلالٍ اجادته وأمسكت بزجاجةِ العطر وقامت بنثره عليها وعلى عنقها وهي تختلس له النظرات عبر المرآةِ ويعلو ثغرها ابتسامة ماكرة لتفطن إعجابه بها، أجل فهذا ما سعت إليه ونجحت فيه، استدارت ناحيته وقالت متعمدة تجاهل تلهُفه عليها:

- هتفضل قاعد كدة، ما تقوم علشان نفطر، أنا جعانة .

ثم إنتظرت بمكرٍ ردة فعله، تجاهلها أيهاب ليستمر في مطالعتها، وذلك ما جعلها تندهش منه لتقول واقفة موضعها بتذمرٍ زائف:

- ايهاب بقولك جعانة، قوم بقى زمان ماما هتجيب الأكل كمان شوية .

فاجأها حين قال لأول مرة بصدقٍ:

- بحبك يا سيرين، إنتي حلوة قوي .

دنت منه متلهفة كونه أعلن حبه لها، ثم جلست ملتصقة به، ابتسمت قائلة بدلالٍ شديد:

- هتحبني على طول ومش هتزعلني .

أومأ مؤكدًا لها، ثم انتبها لمن يقرع الجرس، هبت قائلة:

-تلاقيها ماما جايبة الأكل...... 

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

فتحت سيرين الباب لتجد والدتها وخلفها بعض الخادمات حاملات لصوانٍ من المأكولات بالطبع الشهية والمعدّة منزليًا، فتحت رئيفة ذراعيها لتهم بإحتضان إبنتها مبتسمة بإشراقٍ وهي تردد بنبرةٍ فرحة:

- صباح الخير يا عروسة .

إحتضنتها سيرين بحرارةٍ مع وجود عدد من القبلات المتبادلة بينهم، ابتعدن بعد فترة ونظرت لها سيرين قائلة بابتسامةٍ خجولة:

- إتفضلي يا ماما .

ولجت رئيفة وابتسامتها تصل لأذنيها، استدارت للخادمات وأمرتهن بحزمٍ:

- يلا يا بنت إنتي وهي ورايا على المطبخ علشان ترتبوا كل الحاجات دي كويس، وتجهزوا الفطار علشان العرايس .

ثم نظرت لابنتها واكملت غامزة بعينها:

- هروح أجهزلكوا الفطار ولينا قاعدة مع بعض علشان تحكيلي .

ابتسمت سيرين باستحياءٍ ولم تعلق، تحرکت رئيفة باتجاه المطبخ وولجن الخادمات بما يحملنه وتحركن خلفها، كان خلفهن خلود ومازن الذين صدحوا سويًا بنبرةٍ مرحة:

- صباح الخير .

صرخت سيرين بفرحةٍ وفتحت ذراعيها حاضنة إياهم معا، ربتت خلود على ظهرها قائلة بمحبةٍ:

- مبروك يا سيرين ، متعرفيش فرحانة قد أيه بجوازك .

ابتعدت سيرين عنهم وقالت وهي تنظر لها:

- الله يبارك فيكي يا خلود .

- مبروك يا سيرين .

قالها مازن وهو يضغط على وجنتها بقوة، فركت سيرين وجنتها التي آلمتها وقالت لائمة إياه بعبوسٍ:

- إخص عليك يا مازن وجعتني، براحة شوية .

- عملك أيه وأنا أكسرلك دماغه .

قالها إيهاب وهو يتقدم منهم راسمًا لتعابيرٍ قاسيةٍ زائفة كأنه سيعنفه، في حين ضحك له مازن وتحرك ناحيته ليحتضنه بشدة، ابتعد ايهاب عنه وقال بتنبيهٍ زائف:

- سيرين من النهاردة مسؤولة مني، لو شوفتك بس بتعملها حاجة مش هيحصلك كويس، أنا بقولك أهو .

فرحت سيرين بحديثه حولها ونظرت له بحب، في حين نفى مازن بنبرةٍ جادة:

- دي حبيبتي بهزر معاها .

ابتسم له ايهاب بودٍ وقال وهو يسحبه للداخل:

- طيب تعالى نقعد سوا جوه وسيب البنات مع بعض .

اومأ مازن برأسه وتحرك معه للداخل، فأسرعت خلود بالنظر إليها قائلة بنبرةٍ حماسية وهي تمسك يدها:

- يلا إحكيلي عملتي ايه بسرعة .....

_______________________________


في مطار مدينة توليدو بولاية أوهايو جلست على إحدی المقاعد سيدة في اواخر الثلاثينات مرتدية لنظارةٍ شمسية سوداء أنيقة، مع حجاب من اللون الزيتي شبه ساترٍ لشعرها ولكنه منمقًا على هيئتها الراقية ومرتدية لبذلة بيضاء اللون عبارة عن سترة وبنطال، نعم هي السيدة إيمان علم الدين الأخت الصغرى والوحيدة لمروان علم الدين، جلست هذة السيدة برفقة ابنتها "لما" صاحبة الثالثة عشر عاما، فتاة ذو شعر قصير من اللون الكستنائي وبشرة بيضاء وملامح رقيقة جميلة وراقية مثل والدتها في جمالها، مرتدية لفستان من اللون الوردي يصل لركبتيها بدون اكتاف وجالسة بجانب والدتها منتظرة أن تُقلع الطائرة الخاصة بهما، للحظات ترقُب من السيدة إيمان منتظرة إعلان إقلاعها توجست من معرفة طليقها بشأن سفرها، كان وقتًا مربكًا لها بمعنى الكلمة تريد العودة لوطنها وتنهدت وأعصابها مشدودة للغاية، وجهت بصرها لابنتها وزيفت ابتسامة قائلة:

- إن شاء الله هنطلع بالطيارة كمان شوية، تلاقيهم بيجهزوها .

ابتسمت "لما" وهي تحرك رأسها بتفهمٍ، استفهمت بشغفٍ رغم رقة نبرتها الهادئة:

- إحنا هنقعد عند خالو مروان اللي بشوفه في محادثة الشات 

ابتسمت ايمان بشدة وأكدت :

- هنقعد عنده، وكمان هنبقى في أمان معاه ومحدش هيضايقنا بعد كدة .

سألت "لما" زاممة شفتيها بجهلٍ:

- هو خالو مروان يا مامي عنده ولاد ؟

رد ايمان موضحة وهي ترجع بذاكرتها للخلف:

- عنده أيهم، ولد يجنن، تلاقيه كبر دلوقتي ويجنن أكتر .

ركزت "لما" في حديث والدتها وقالت بحماسٍ:

- حلو قوي كدة؟ ، هموت وأشوفه .

ابتسمت لها ايمان فتابعت "لما" بتذمرٍ:

- ليه مكنوش بيجوا يزورونا ونعرفهم، دا لسة لحد قريب بس بدأت اعرف خالو، ليه يا مامي مكناش نعرفهم قبل كدة؟

تنهدت ايمان بضيقٍ وكشرت بوجهها لتقول بامتعاضٍ:

- اصل أتجوزت أبوكي ومكنوش موافقين وسافرت وإحنا متخاصمين، بس للأسف طلع إختياري غلط وندمت زي ما إنتي شايفة، ابوكي طلع خاين .

هزت "لما" رأسها بتفهمٍ واستفهمت أكثر:

- هنفضل في مصر على طول يا مامي ولا هنرجع تاني ؟.

حملقت فيها ايمان لتقول بنبرةٍ حازمة ذات عزيمة:

- أول ما أنزل مصر على طول مش هخرج منها تاني، كفاية غربة بقى ونبعد عن القرف اللي شوفته .

قالتها السيدة ايمان بنبرةٍ مزعوجة منفعلة فقد ملّت مما مر علیها، تفهمت "لما" عليها وصمتت منتظرة، انتبهن لمن يصدح باسم السيدة ايمان قائلاً:

- مدام ايمان، الطيارة هتطلع دلوقتي إتفضلي ......

________________________________


تقدمت منه وهو يهاتف احدهم في الهاتف ويمتن له، حيث تم ابلاغ مروان بقروب قدوم أخته وما هي إلا ساعاتٍ وتصل ارض الوطن لينشرح قلبه فلم يرها وجهًا لوجهٍ منذ أن غادرت وتزوجت من هذا الرجل الأجنبي؛ دنت رسيل منه متأملة خيرًا من رؤية فرحته تلك وسألته بتلهفٍ:

- شكلك فرحان، أيهم طلع براءة وهيرجع .

إنتبه لها مروان ونظر لها باستنکار، تنحنح قائلاً بتوضيحٍ:

- براءة ايه، هو الموضوع سهل كدة دا لسة في حاجات كتير .

عبست بوجهها قائلة بضيقٍ:

- بس حضرتك فرحان، فإفتكرت إنه هيرجع .

ابتسم مراون وقال ليشرح قلبها قليلاً:

- لسة الموضوع مخلصش بس أيهم سمحوله يرجع النهاردة، المحامي كلمني وهو زمانه جاي .

شهقت رسيل قائلة بعدم تصديقٍ ممتزجٍ بالفرحة:

- بجد ايهم هيجي ؟

اومأ مروان برأسه مؤكدًا:

- زمانه جاي يا رسيل، أصلاً مكنتش هسمح يقعد هناك وهو جاي من سفر وتعبان كمان .

هتفت رسيل بسعادةٍ وهي تهم بتركه:

- طيب أستأذن أنا علشان أستناه..

ثم ركضت للأعلى وهي تصفق كالأطفال فابتسم مروان على افعالها الولودية؛ توجهت رسيل لغرفة نومهم وعلى الفور توجهت لخزانة ملابسها لتنتقي منها ثوبًا انيقًا لتُقابله به، ارادت اليوم أن تغيّر من نفسها لتُرفه عنه فهو بالتأكيد مزعوجًا مما حدث له ولهذا ستتهيأ بأروع صورها اليوم. 

إنتقت رسيل ثوبًا رائعًا مما جلبه لها حينما إنجزعت قدمها ورهبت من إرتدائه. 

أخرجت واحدًا حريريًا من اللون الأسود الحالك، رفعته رسيل أمام انظارها وابتسمت ثم حسمت امرها بإرتدائه له. 

بعدما انتهت من ارتداء الثوب، توجهت لعلبة مساحيق التجميل وفتحتها، اخرجت رسيل منها ما ستحتاجه وشرعت في وضع المساحيق على وجهها بكثرة، زادت من أحمر الشفاة الأحمر الصارخ ليغطى شفتيها ويبرزهما بشدة، توجهت بعد ذلك لتضع فوق عينيها اللون الأخضر بكثرةٍ هو الآخر، بفرشاة الدهان مسحت بها على خديها ليكونا اكثر إحمرارًا، لبعض الوقت إنتهت رسيل لتتطلع على وجهها في المرآة، فغرت فاهها بصدمةٍ من ملامحها التي تغيرت كليًا، فرغم كثرة ما وضعته فقد باتت أكثر إغراءً كفتاة ليلٍ في تلك الهيئة فهي جاهلة في وضعها. 

ابتعدت رسيل لتتأمل هيئتها ككل مرورًا بوجهها وشعرها المنسدل على كتفيها وفستانها المتجسد عليها، شُل تفكيرها فهي واحدةٍ أخرى، اضطربت من الموضوع وظلّت واقفة موضعها مصدومة مترددة فقط مسلطة أنظارها على نفسها في المرآة؛ لم تنتبه رسيل له من هول صدمتها من هيئتها وهو يتحرك نحوها مذهولاً هو الآخر. 

مرر أيهم نظراته وهو یتحرك نحوها على ما ترتديه وحدق فيها بعدم تصديقٍ ليستنكر بأنها رسيل من تقف أمامه، إلتفتت رسيل عفويًا ناحیته لتنصدم به وتتلاقى أعينهم في نظرات مضطربة منها وأخرى متمنية منه، ازدردت رسيل ريقها بتوترٍ ولكنها ابتسمت لرؤيته. 

دنا أيهم منها وهي متجمدة موضعها، وقف أمامها ونظر لعينيها متسائلاً بشرودٍ:

- إنتي مين ؟

ابتسمت رسيل بحياء وقالت:

- عجبتك .

تسارعت أنفاسه ومرر أنظاره على وجهها المليء بمساحيق التجميل ليبرز جمالها بدرجةٍ مغرية، قال:

- أيوة. 

ابتسمت رسيل فحاوط خصرها لتلتصق به فشهقت متفاجئة به، قالت هي بنبرةٍ رقيقة:

- بتحبني ؟

حرك رأسه بنفي وقال بجديةٍ:

- بعشقك بس .

ابتسمت وقالت متذمرة بعض الشيء وهي تتذكر عنفه معها:

- هتضربني؟

ابتسم نافيًا بمعنی:

- لو قليتي أدبك .

شهقت بتوجسٍ وعبست قائلة بنبرةٍ مضحكة:

- يبقى هنضرب مافیش فایدة .

ابتسم أيهم بشدة وقال بمكرٍ:

- بس ممكن تلحقيني قبل ما أتهور واعملها .

اتسعت بسمتها من رقته التي تخرج منها في عفوية، فطالعها بنظرات شغوفة، اضرمت بداخله بفضل ما تفعله رغبةً استفاضت على هيئته المتلهفة متذوقًا لطعم العشق معها .....

________________________________


هاتفها عدة مراتٍ ولم تستطع الإجابة عليه لوجود زوجها، إنتهزت سالي فرصة ولوجه المرحاض ودلفت للخارج سريعًا لتُجيب عليه. 

كان رغيد من يهاتفها ولا تعرف ماذا يريد منها، ظنّت بأنها إنتهت من تهديداته ولكنها عادت من جديد، أجابت عليه مجبرة فما فعله مع أيهم جعلها ترتاب منه أكثر وربما يفتعل معها الأشنع، قال بوقاحةٍ حينما استمع لصوتها المرتبك:

- هاي يا سو، كدة تخليني مستني دا كله، كدة يا وحشة تنسي كل اللي بينا، دا حتى الحاجات دي متتنسيش .

ازدردت سالي ريقها بارتباكٍ وردت مدعية الثبات:

- عاوز مني أيه، ابعد عني وإتشطر على راجل زيك، ربنا ياخدك سيبني في حالي بقى، إنت اللي ضيعتني وبوظتلي حياتي منك لله يا رب تموت .

قالتها سالي بنبرةٍ متشنجة خائفة جعلت ابتسامته الماکرة تتسع ، تذمر بتصنع من حديثها، قال بنبرةٍ خبيثه وهو يلومها:

- حد يشتم أول حد لمسه، لأ أنا زعلان، ويا ترى البيه اللي إنتي متجوزاه يعرف كدة، إيه رأيك لو عرفته بنفسي، أكيد ميعرفش يا سو مش كدة، ضحكتي عليه زي أيهم، بس سامحيني، كنت عاوز اتشفى في أيهم وقولتله على اللي حصل بينا، كان زمانه شارب الليلة .

ثم صمت عن الحدیث ليكركر بشدةٍ دون حياء من أفعاله المشينة، في حین شحبت تعابير سالي بخوفٍ وملأ الحزن طلعتها فلما هي؟، توسلته مُجبرة على ذلك:

- لو سمحت يا رغيد سيبني في حالي، كفاية اللي عملته معايا، أنا والله تعبت وخايفة من الفضيحة .

للحظات من الصمت المريب مُدعي التفكير لتتکهّن بشغفٍ وهي تضع الهاتف على اذنها أن يمنحها الحرية من تهديداته، لكنه بسبب إتفاقها معه وإفساد مخططه قال بعنادٍ ممزوجٍ بالمكر:

- للأسف يا سو مش هقدر، إنتي إتفقتي معاه وبوظتي كل اللي خططتله وضیعتي علیا أهم حاجة کنت مستنیها، مفكرة لما هتخدي صورك معايا خلصتي مني، بس للأسف يا حبيبتي هقول بنفسي على كل حاجة، وخلي اللي معرفش يعرف بقى، وخصوصًا جوزك وابوكي .

ارتعبت سالي وارتجف بدنها، بنبرة مهتاجة هدرت بصوتٍ عالٍ:

- ربنا ياخدك، ابعد عني بقى حرام عليك، كفاية متفضحنيش لإن لو عملتها هموت نفسي، بس قبل ما أموت نفسي هتكون قبلي، إنتي ضيعتيني وبوظت حياتي ربنا ينتقم منك .

شهق رؤوف بصدمةٍ وهو یقف خلف ابنته يستمع لحديثها المنفعل مع احدهم، لم يصدق اذنيه التي استمعتا لها وسألها بنبرةٍ مصدومة:

- بتكلمي مين يا سالي؟ .

شهقت سالي برعبٍ حقيقي واستدارت لتجحظ عينيها مصدومة من رؤية والدها امامها، تحرك رؤوف ناحيتها وهتف بنبرةٍ حادة ونظراته نحوها ملأها الغضب العنيف:

- إنتي تحكيلي بالظبط بتكلمي مين وبينك وبينه أيه؟.


           الفصل الواحد والخمسون من هنا 

      لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة