
رواية قدر ومكتوب الفصل الخامس 5 بقلم هدير ممدوح
مر يومٌ آخر دون أي أحداث تُذكر…
في الصباح، داخل منزل السيد حسين.
دقّات عنيفة على الباب جعلت الجميع ينتبه، هَمت كريمة أن تنهض، فقال حسين:
_خليكي، أنا عارف مين.
ازدردت سحر لعابها وقالت بخوف:
_ده أبويا صح؟
ربتت عائشة على يدها وهمست:
_ أوعي تخافي و أنا معاكي، وقريب أوي هنخلص منه.
دوّى صوته داخل الشقة وهو يهتف بفظاظة:
_جرا إيه يا عم حسين، واخد بناتي تحت باطك زي الفرخة اللي راقدة على بيضها كده ليه، هما بنات مين فينا.
دفعه حسين إلى الخلف قائلاً بغضب:
_ التزم حدك يا عبده، وبعدين يا أخي مش قرفان من نفسك بعد اللي عملته، جايب رجالة وبيتك فيه ولايا.
رد عبده بدفعة مماثلة:
_وانت مالك، ليك شوق في حاجة، يوم كامل باتوا عندك مش كفاية ولا إيه.
تقدمت عائشة ووقفت أمامه، وعيناها تلمعان بالدموع:
_ انت جاي هنا بصفتك مين، أنا كان ليا أب و دفنته في اللحظة اللي ماتت فيها أمي.
قال عبده بحدة:
_ بطلي كلام فارغ يابت، بعد الشر عليا يا اختي، يلا قومي اطلعي روقي المزبلة اللي فوق وأنا خارج وراجع بالليل، أنجزي وبلاش محاضرات وكتر كلام.
ثم أردف محذرًا:
_ ويا ويلك لو رجعت وملقتكيش، سلام يا حلوة.
وغادر من أمامهم…
بصقت كريمة في أثره قائلة باشمئزاز:
_ صحيح اللي اختشوا ماتوا، اتفو عليك لا دم ولا إحساس.
نادَت عائشة على أختها بثبات:
_سحر، يلا نطلع.
قال حسين بحزن:
_خليكم يا بنتي، ده انتو مونسين وحدتنا.
ابتسمت عائشة بود وقالت:
_جميلكم فوق راسي يا عم حسين، كتر خيركم معانا.
قالت كريمة بعجل:
_برضه ده كلام يا بنتي احنا أهل، وعشان كده بقولك فكري في موضوع العريس ده تاني.
تبسمت عائشة وقالت بهدوء:
_أنا فكرت وخدت قراري يا خالتي لازم أهرب من سجن أبويا، أنا مش هستنى لما واحدة فينا تضيع، عن إذنكم…
وانسحبت بهدوء، وهي تمسك بيد أختها.
قال حسين لزوجته وهو يغلق الباب خلفهم:
_ سيبي البنت على راحتها يا كريمة هي عارفة مصلحتها، والعاجز ده يمكن يطلع عِوضها وربنا يشفيه.
قالت كريمة بشفقة:
_يا رب يا أخويا، أنا بدعيلهم من قلبي كأنهم ولادي.
*****
في منزل ممدوح، وتحديدًا بغرفة فريد…
اجتمع مع صديقه، قال عمر:
_ إمتى هتطلع من اللي إنت فيه ده بس يا فريد.
ردّ فريد، الذي كان يجلس على كرسيه المتحرك بشرفة غرفته:
_ لحد ما الحقيقة تبان يا عمر.
قال عمر بدهشة:
_ حقيقة إيه؟
أنا احترت معاك يا صاحبي، ومبقتش عارف إنت عاوز توصل لإيه.
قال فريد بغموض، رغم جمود ملامحه:
_ كل اللي عاوزك تعرفه إني عشان أعيش كان لازم أعمل كده.
دهش عمر من حديثه قبل أن يتساءل:
_ وناوي تفضل على الحال ده لحد إمتى؟
أجابه فريد وهو ينظر إليه:
_ لحد ما الحقيقة تنكشف.
وصمت لثوانٍ، ثم أردف:
_أنا عاوز أطلع.
علم عمر أن الكلام مع صديقه لن يجدي نفعًا، فسحب كرسيه للوراء وخرج من الشرفة وهو يقول:
_ تحب أنزلك تحت، أكيد هما قاعدين يفطروا.
قال فريد بهدوء:
_ لا، هريح على السرير شوية وهلاقي دادة نعمة طالعة بالأكل دلوقتي.
وهز عمر رأسه دون أن يتحدث بحرف.
*في الأسفل*
اجتمعوا على مائدة الطعام، ووجّه ممدوح سؤالًا للسيدة نعمة قائلًا:
_ حازم طلع يا نعمة.
وقبل أن ترد، جاءهم صوت حازم:
_ صباح الخير…
وتقدم من والده، ومال بجزعه مقبّلًا رأسه باحترام، قائلًا:
_ دعواتك يا حج، ورايا اجتماع مهم النهاردة.
تمتم ممدوح بتريث:
_ربنا معاك يا بني…
وغادر حازم دون أن يقول شيئًا آخر.
فاستطرد ممدوح قائلًا بتهكم:
_يوم الجمعة عندنا عيد، وباقي الأيام بنشوف بعض صُدف عن إذنكم، أنا شبعت.
تركت آمال ما بيدها وقالت:
_ وأنا كمان… تعالَ نطلع شوية بره.
وسحبت كرسيه وغادرا.
أما ريم، فكانت في عالمٍ آخر…
رغم أن هذه لم تكن المرة الأولى التي تراه فيها بثياب رسمية، إلا أن تلك الحُلة السوداء الأنيقة لاقت به كثيرًا، بدا كأحد مديري الشركات الكبرى.
ضربت جبينها بخفة قائلة في نفسها:
_إيه السخافة دي، ما هو فعلًا مدير شركة إيه اللي جرالي أنا النهاردة؟!
لم تخفَ على نرمين نظرات ريم المتفحصة لابن خالها، فهتفت بنظرة ذات مغزى:
_موز…
قطبت ريم حاجبيها وقالت بدهشة:
_إيه، عاوزة موز؟!
تابعت الأخرى وهي تغمز بعينيها:
_موز… ابن خالي ده مز آخر حاجة يعني.
وكزتها ريم في جانبها، فقهقهت نرمين بصوت عالٍ قليلًا، ثم وضعت يدها على فمها فجأة، واتسعت عيناها.
تعجبت ريم من حالتها و سألت بفضول:
_ مالك؟
قالت نرمين بغصة:
نسيت نفسي وضحكت بصوت عالي، مرات أبويا لو سمعتني هتقتلني.
وأكملت مقلدة والدتها:
بنت قليلة الأدب، مش متربية اطلعي فورًا على أوضتك، مش عاوزة أشوف وشك اللي يقرف هنا تاني.
تساءلت ريم بجدية، فبرغم النبرة المرِحة التي تحدثت بها نرمين، إلا أن الحزن بدا واضحًا على ملامحها:
هي الست آمال تبقى مرات أبوكي بجد، ولا مامتك أنا احترت.
أردفت نرمين بنبرة مرِحة، تحاول إخفاء ما بداخلها:
أمي بس أنا بقول كده عشان معاملتها ليا زي مرات الأب فعلًا.
قالت ريم بهدوء:
مامتك بتحبك على فكرة، هي بس خايفة عليكي ومش عاوزة غير إنها تشوفك أحسن واحدة.
لوّت نرمين شفتيها بسخرية، وبمقلتين تلمع فيهما الدموع، قائلة:
أحسن واحدة إيه، الأيام جاية وهتخليكي تشوفي معاملة مرات الأب بجد.
صمتت قليلًا، تبتلع غصّة مؤلمة، ثم تابعت:
بيت كبير، فلوس كتير بس مفيش أب ولا أم بجد، أنا وحيدة... مفيش حاجة كاملة يا ريم رغم كل اللي حواليا، لكن الحقيقة إني لوحدي.
وأكملت بصوت مكسور:
_ماما دايمًا بتقولي بكره وشك، بقرف منك، ابعدي عني، وأنا على طول حابسة نفسي.
هربت دموعٌ حارقة على وجنتيها، كانت تحاول حبسها، فأزاحتها بأناملها الرقيقة وتابعت:
أنا دايمًا عندي إحساس إني هموت في سن صغير، ومش بعيد ييجي يوم وماما تفتح عليا باب أوضتي تلاقيني ميتة، أو يمكن حتى متحسش أصلًا.
هتفت ريم على الفور، وقد بدأت دموعها بالانهمار:
_بعد الشر عليكي يا حبيبتي.
وحاوطت وجهها بكفيها، وقالت بشفقة على تلك الصغيرة التي تعاني في صمت:
متقوليش كده تاني، من هنا ورايح إحنا اخوات وصحاب وحبايب، وأنا دايمًا هفضل معاكي.
استقامت نرمين واقفة، وأبعدت يد ريم برفق، قائلة:
_ممكن طلب؟
ردت ريم، وما زالت جالسة ترمقها بتعجب:
طبعًا، اتفضلي.
تمتمت نرمين بخفوت:
ممكن أحضنك.
وثبت ريم من مكانها على الفور، وعانقتها بقوة… كأم عاد إليها طفلها بعد غياب طويل.
الحياة لا ترحم صغيرًا ولا كبيرًا، فعانق من تحب، أو حتى عانق نفسك، لعلك تهدأ قليلًا من قسوتها.
******
في منزل جابر…
كان جالسًا في غرفة المعيشة يشاهد التلفاز، حين جاء إليه عماد قائلًا:
_حج جابر، الحاج سعد جاي، بيقول إنه لقى البت وجاي ياخد مشورتك.
انتفض جابر في مجلسه، وقال بلهفة:
_لقى ريم أخيرًا.
هز عماد رأسه نافيًا وهو يقول:
لا يا بيه، دي بنته اللي هربت عشان متتجوزش ابن عمها، إيه لقاها؟.
جلس جابر مرة أخرى، وقال بغيظ حاول كتمانه:
_دخله يا وش الفقر.
دلف سعد وهو يقول:
_بتي فاطمة لقيتها يا حج، طلعت هربانة وقاعدة عند صاحبتها، ومش عارف أعمل إيه جيت آخد مشورتك.
قال جابر بتأنٍ:
اقعد الأول يا سعد.
جلس الرجل أمامه، فاستطرد جابر:
البنت بعد ما تخلص تعليمها، يا إما تروح بيت جوزها، يا إما على قبرها، صح يا سعد.
قال سعد بتردد:
يعني أعمل إيه يا كبيرنا؟
أردف جابر بغلظة:
_طالما خرجت عن طوعك يبقى مالهاش غير الموت.
جحظت عينا سعد وقال بصدمة:
يعني أقتل بتي!
رد جابر ببرود:
تغسل عارك… ولا تمشي محني الراس.
في الخارج، استمعت مروة إلى حديثهم، وهي في طريقها لتقديم الضيافة…
فصاحت بقوة:
_لا يا عم سعد، بنتك مش عار عليك، أيوه غلطت لما هربت، وتتحاسب على كده… بس مش بالقتل، طالما لسه طاهرة.
دكّ جابر عصاه على الأرض، فانتفض جسدها رعبًا، وقال بغضب:
إنتِ بتعارضي كلامي يا مروة؟
أردفت مروة بثبات زائف:
أنا بعارض الغلط يا جدي، لولا إن أبوها غصبها على جواز من واحد مش عايزاه، ما كانتش هربت، استعيذ بالله من الشيطان وأمثاله يا عم سعد... وجوّز بنتك للي قلبها يختاره، عشان متشيلش ذنبها.
تقدم جابر منها ببطء، وهي تقف رافعة رأسها، رغم ارتجافها من الداخل…
نظر سعد إليهما وقال سريعًا:
طيب أنا أستأذن، أشوفكم مرة تانية.
وغادر مسرعًا قبل أن يشهد ما سيحدث.
ولجت والدة عبدالله بعد سماع الضجيج، وقالت بقلق:
في إيه يا بنتي؟
وقف جابر أمام مروة، ثم رفع يده وهبط بها على وجنتها بقوة، جعلت رأسها تميل للجانب الأخر، وسقطت الأكواب من يدها بعدما تلاشت قواها.
شهقت والدة عبدالله، وضربت صدرها بيدها قائلة:
_تمد إيدك على مرات حفيدك يا عمي؟!
هدر جابر بغضب:
وأقطع لسان اللي يعارض كلامي كمان.
_جدي!
جاء صوت عبدالله مدويًا، قاطعًا ما كان ينوي جابر فعله مرة أخرى.
رمقه جابر شزرًا وقال:
أهلًا بالغايب… راجل في البطاقة وبس، مش قادر تحكم على مراتك، تقولها متتدخلش في أمور الرجالة، بس أهو القلم اللي خدته هيخليها تفكر مليون مرة.
تقدّم عبدالله منه وزأر بغضب:
لولا إنك جدي وراجل كبير، كنت رديت لك القلم عشرة.
صاحت والدته بامتعاض:
_أخرس يا واد واحترم جدك.
أردف عبدالله بسخرية:
_مش لما جدي يحترم سنه الأول.
وجّه جابر حديثه لعظيمة قائلًا:
_واضح إنك نسيتي تربي ابنك، ربيه بدل ما أربيه أنا بطريقتي.
شحب وجهها وقالت بصوت مهزوز:
_اقصر الشر يا ولدي… خد مراتك واطلع يلا.
نظر إليها عبدالله بتعجب وقال:
مالك يا أمي، إيه اللي مخليكي خايفة كده؟
إنتِ عارفة حاجة إحنا مش عارفينها؟
نظرت بينه وبين جده، وقد تسلل الرعب إلى قلبها، وقالت:
لا، ولا حاجة يا ولدي.
قال جابر بغضب:
بقا كده خليكم واطلع أنا.
صاح عبدالله:
استنى أنا جيت أقولك إن وائل هرب من القرية ومبقاش له أي أثر، عشان بس تعرف إن الراجل ده وراه حاجة في حكاية أختي.
أردف جابر ساخرًا:
لا حكاية ولا رواية… أختك موتها على إيدي، ومش هتنجو منها.
قالها وغادر من أمامهم.
فقال عبدالله غاضبًا:
الراجل ده هييجي يوم وهقتله.
قالت والدته وهي تربّت على كتفه:
طنّش يا ولدي… مالناش دعوة بيه، استهدى بالله ويلا روح شوف مراتك.
"صلي على محمد "
"في المساء"
كانت سحر تسير ذهابًا وإيابًا في صالون الشقة، فقالت أختها:
يا بنتي اهدي شوية، أنا اتعبتلك.
قالت عائشة بنزق:
إذا انتِ تعبتي يا سحر أعمل إيه أنا، عم حسين قال إن عمو ممدوح ومحسن في الطريق، وأبويا لسه مجاش هنقولهم إيه؟
قالت سحر بلامبالاه:
_أحسن… يعني إنتِ عايزة تتجوزي المشلول ده يا عائشة؟.
قالت عائشة بجدية:
_هو المشلول ده مش بني أدم زينا،وبعدين أهو أحسن من اللي ربنا مدّيه صحة وبيستقوى علينا.
صمتت سحر ونكست رأسها، فشعرت أن أختها معها حق.
رنّ جرس الباب، فتوترت عائشة وقالت:
أعمل إيه لو هما، العباية كويسة ولا باين إنها قديمة؟
أردفت سحر بضيق:
يا ستي إنتِ زي الفل والعباية قمر عليكي، أنا اللي شكلي يسد النفس بالسدال المبهدل ده، ويلا افتحي بقى.
هزّت عائشة رأسها وقالت:
أيوه صح…
وتوجهت لفتح الباب، فوجدت والدها أمامها.
قال "عبده" بحدة:
إيه يا بت؟ بعتّي الواد محمود ابن سيد جارنا يقول بنتك عايزاك في حاجة ضروريه ليه تكونش العمارة وقعت؟
و أزاحها بيده وهو يمر من جانبها للداخل:
_ وسعي كده.
أغلقت عائشة الباب وجلست بجوار سحر، وهو بالمقابل لهم.
قال وهو ينظر إليهما بشك:
_في إيه يا بت، واحدة لابسة عباية نبيتي والتانية بالسدال… خير إن شاء الله؟
قالت عائشة بتردد:
_في عريس جاي لي يا بابا والناس على وصول.
هتف عبده محتدًا:
إنتِ عبيطة يا بت عريس إيه؟ انتي حيلتك حاجة، جاكِ القرف يا شيخة.
همست سحر بخفوت:
_ده هيفضحنا…
رفع عبده حاجبه:
بتقولي إيه يا مقصوفة الرقبة، انتِ كمان.
استجمعت عائشة قوتها وقالت:
_العريس مقتدر، وكمان سحر هتعيش معايا هناك، ومش عايز مني أي حاجة.
قال عبده بتهكم:
لا يا شيخة، هو عرض ولا إيه خد واحدة والتانية هدية!.
تأففت سحر، فوكزتها عائشة وتابعت:
_بابا الناس على وصول، وأنا وافقت على العريس ده… رجاءً بلاش تكسفني قدامهم.
ضيّق عبده عينيه بغموض وقال:
قولتيلي انه مقتدر؟.
دقات هادئة على الباب جعلتهم يتوقفون، عن النقاش
وقف عبده وقال:
خليكم، أنا هفتح.
قالت سحر بضيق:
_أنا داخلة جوة بدل الفضايح دي.
لم تعيرها عائشة اي انتباه وظلت لتراقب الوضع.
فتح عبده الباب فوجد ممدوح ومحسن.
قال بترحيب مصطنع:
_يا أهلاً يا أهلاً نورتونا، اتفضلوا.
وتفحص هيئتهم الأنيقة ثم نظر حوله يبحث عن الشخص الثالث، فلم يجد أحدًا، فتمتم بخفوت وهو يغلق الباب:
_هو إيه أصله ده، أومال فين العريس، ولا يكون هو ده…
دنت منهم عائشة تستقبلهم بابتسامة هادئة:
_نورتم بيتنا المتواضع
قال ممدوح بود:
البيت منور بأهله يا بنتي.
قال عبده بفظاظته المعتادة:
_روحي يا بت ادخلي جوة.
كزّت عائشة على أسنانها وقالت بحرج:
عن إذنكم، هجيب حاجة للضيوف.
وتوجهت للمطبخ...
جلس محسن على الاريكة بجوار مقعد ممدوح، بينما تفحص ممدوح المكان بعينيه.
قال عبده بحدة:
_خير؟
قال ممدوح بهدوء:
_من غير كلام كتير، أنا جاي أطلب عائشة بنتك لابني فريد.
قال محسن في هدوء:
_الحج ممدوح راجل محترم يا عبده، وأنا أعرفه من زمان وأولاده ناس كويسين.
قال عبده بتهكم:
_هو العريس مجاش ليه، يكونش أكتع؟
رمقه ممدوح بغضب، فتدخل محسن سريعًا:
_هو حصل معاه حادثة يا عبده، ورجله تعبته شوية.
في تلك اللحظة دنت منهم عائشة وهي تحمل صينية عليها فنجانان من القهوة، وقالت وهي تضعهما على الطاولة التي بالمنتصف:
_اتفضلوا يا جماعة.
هتف عبده قائلاً:
ادخلي جوه يا بت.
أغاظها حديثه، فدلفت للداخل.
رأت سحر تقف خلف باب غرفتها الموارب تستمع لحديثهم، فوقفت بجانبها من الداخل.
تابع ممدوح حديثه:
عشان تبقى كل حاجة واضحة من البداية، ابني فريد في يوم فرحه حصلت له حادثة، ومراته توفت، ورجله فيها عجز بسيط، وإن شاء الله مع الوقت هيرجع يمشي.
قال عبده وهو يرفع فنجان القهوة ويرتشف منه بتلذذ:
يعني المحروس كان متجوز.
رد محسن بامتعاض:
_اظبط كلامك يا عبده مع البيه.
قال عبده وهو يضع فنجانه مرة أخرى على الصينية:
_لمؤاخذة يا بيه، بس البت بتقول إنها هتاخد أختها، وأنا بقول إن السعر كده هيزيد.
قال ممدوح بتعجب:
_أفندم؟
حك عبده رأسه قائلاً:
_لا أفندم إيه أنا ما بفهمش في الكلام ده، وبعدين كلك نظر يا بيه.
تفهم محسن قصده فقال:
_هي مش بيعة وشروة يا راجل دول بناتك.
خرجت عائشة غاضبة وهي تقول:
_بابا بلاش الكلام ده، و أنا موافقة على فريد.
هتف عبده بحدة:
_عدّلي كلامك يا بت وادخلي بدل ما أقوم أمسيكي.
قال ممدوح بضيق من وقاحة الرجل:
_بنتك إحنا مشترينها كفاية أدبها وأخلاقها.
ثم نظر إلى عائشة وتابع:
_ويابنتي اعتبري إن ده مهرك.
قال عبده بابتسامة مشمئزة:
_أهو كده الكلام، قولي آه يا بت.
نظرت عائشة له ببرود قائلة:
_اللي تشوفه يا حج ممدوح… عن إذنكم.
قال عبده بجشع:
_ايوه ادخلي انتي وسيبي الرجالة تكمل كلامها وتتفق.
*سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم*
ولج عبدالله خلف زوجته إلى غرفتها، فوجدها تحمل حقيبة وتفتح دولابها لتخرج ثيابها، فأسرع إليها وأمسك يدها برفق قائلاً:
_انتِ بتعملي إيه بس؟
أجابته مروة قائلة:
_هلم هدومي وماشية مستحيل أقعد دقيقة واحدة هنا، كرامتي اتداسِت تحت الرجلين.
قال عبدالله بتأنِ:
_ويهون عليكي أسيبك لوحدك بين أربع حيطان، وتسيبيني لحد ما أضيع.
انبثقت دمعة من عينيها وهي تقول:
_ما أنت هان عليك كسرتي قدام جدك.
قال عبدالله بحزن:
_أبدًا وانتِ عارفة إني مش بستحمل أشوفك مكسورة، ولو كنت موجود ماكنتش سكت
قوليلي بس إيه اللي يرضيكي وأنا أعمله.
أجابته مروة بثبات:
_ نمشي، نسيب البيت والدنيا كلها، ونسافر على أي مكان… أرض الله واسعة.
قال عبدالله بصدق:
_و أنا أوعدك، أول ما الاقي أختك ريم وأطمن عليها، آخدك إنتِ وأمي وريم ونسافر، وأشوف شغل بعيد عن جدي، راضية كده يا ست البنات؟
هزت مروة رأسها،وقالت بضيق:
_هاجي على نفسي واستحمل،بس بعد كده مش هقعد ثانية واحدة.
ضمها عبدالله إليه برفق وقبّل جبينها، وتمتم:
_اللي جاي كل خير، بإذن الله.
******
في غرفة عزيزة والدة عبدالله، كانت تحمل صورة ابنتها وتضمها إلى صدرها بحنان، والدموع تغرق وجنتيها وهي تقول:
وحشتيني يا بتي، ووحشتي قلبي يا نور عين أمك، خايفة عليكي يا ضي عيني لتلاقي مصيرك على إيده، رغم شوقي ليكي، إلا إني بتمنى من كل قلبي إنك ما ترجعيش غير بعد موته.
صمتت لثوانٍ ثم زفرت بعمق:
خايفة اللي حصل زمان يتكرر تاني فيكِ إنتِ يا بتي، ولو جرالك حاجة هقتله بإيدي...
وصمتت لثوانِ وقد زين لها الشيطان الأمر وتمتمت:
_عشان انتِ واخوكي تعيشوا لازم هو يموت يابتي.
يتبع....
الفصل السادس فيه مفاجأة تابعوه، وهستنى رأيكم كالعادة.
دمتم بخير♥.