رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم خولة حمدي


رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم خولة حمدي


أطرق میشال ولم يعلق، في حين تبادل الآخرون نظرات متسائلة. استجمعت كل شجاعتها لتقول بهدوء:


- هناك أمر مهم يخصني، ويجب أن تعلموا به جميعا...


أخذت نفسا عميقا وأضافت بقوة:


- أود أن تعلموا أولا أنني اتخذت قراري عن اقتناع عميق، شخصي وكامل.


ولن أقبل بتدخل أحد التغيير هذا القرار... لأنه قرار شخصي كما قلت. إنما هو مجرد إعلام...


بدا القلق على الوجوه المتوترة. سألها جورج:


- ما هذا الأمر؟ أفصحي فقد أقلقتنا...


أمعنت النظر إليهم واحدا واحدا قبل أن تقول بلهجة قاطعة:


- أنا مسلمة!


انزلقت الصحون الفارغة من بين يدي سونيا التي وقفت مبهوتة، وقد اتسعت عيناها عن آخرهما، لتتحول إلى شظايا صغيرة على الأرضية المبلطة، محدثة طرقعة عنيفة. ما عدا ذلك، فقد خيم الصمت على الحاضرين لبضع ثوان، قبل أن تقول سونيا بلهجة يشوبها الشك:


- أعيدي ما قلت؟


استدارت ندي لتواجهها بنظرات ثاقبة. استعدت جيدا لهذا الموقف:


- لم أعد يهودية يا أمي... أصبحت مسلمة!


صفعتها سونيا على وجهها بشدة، ثم انهارت على الكرسي وقد شلتها الصدمة:


- ماذا تقولين؟ هذا غير معقول... غير معقول! ابنتي أنا... مسلمة! غير معقول...


وضعت ندى كفها على وجهها في ألم، وحبست أنفاسها. عليها أن تتحمل كل النتائج في جلد. وقفت ماري بسرعة وأخرجت الطفلين دون أن تعلق. أما میشال الذي لم يكن الخبر جديدا عليه فقد لزم مكانه في صمت. بعد لحظات من التفكير، تكلم جورج برزانة وهز يزن كل كلمة من كلماته:


- مسلمة... وما الضرر في ذلك؟ أنت ستظلين ابنتي على أية حال. وأنا ساساندك طالما تدينين بديانة توحيدية... لو كنت تحولت إلى الإلحاد أو الوثنية أو تعدد الآلهة لما تركتك على ضلالك... فالله يغفر كل شيء ما عدا الشرك به يا ابنتي!


تجمعت العبرات في عيني ندي، ونظرت إليه وعلى شفتيها ابتسامة ممتنة.


كانت واثقة من أنها ستجد فيه حليفها. بابا جورج، أنت رائع بكل معنى الكلمة! التفتت الآن إلى دانا التي لم تخرج بعد عن صمتها. فتمتمت بلا مبالاة وهي تشيح بوجهها:


- أنت حرة؟


ربما توقعت ذلك أو انتظرته. كانت دائما توجه أصابع الاتهام إلى أحمد وتشكك فيما يعلمها إياه. وكانت على حق. ارتفع صوت سونيا في ثورة شديدة:


- لیست حرة! لست حرة يا ندي، أتسمعين؟ كيف تفعلين بي هذا؟ ما الذي سأقوله لطائفتي؟ ما الذي سيقولونه عني؟ إنني لم أجد تربية بناتي وتعليمهن؟


كيف يحصل هذا معي أنا؟ أنا التي لم أدخر جهدا لتربيتك وحسن تعليمك...


ثم انهارت مجددا، وقد استغرقت في نوبة بكاء مر. أجابتها ندى بلهجة حانية:


- لا شيء من هذا له علاقة بقراري... لقد كبرت يا أمي. صرت قادرة على نقد ما تعلمته في صغري. أستطيع اختيار مساري والتمييز بين الخطأ والصواب؟


صرخت سونيا من جديد بصوت منكسر من البكاء:


- إذن وجدت أنني على خطأ وذلك الـ... (تعني أحمد. لم تجد بما تصفه) على صواب؟ لا شك أن صدمة اختفائه أفقدتك صوابك! هو ذلك بالتأكيد!


هزت ندى رأسها معارضة:


- صحيح أن أحمد علمني الكثير. وأنا مدينة له بإسلامي. وضعني على الطريق وأعطاني وسائل البحث اللازمة. لكن لا علاقة لاختفائه بالأمر... لقد درست الأمر طويلا، وتوصلت إلى قناعاتي الجديدة، بشكل عقلي بحت، لا دخل للعاطفة فيه؟


عند تلك الكلمات، رمت سونيا نفسها على الأرض، وأخذت تلطم وجهها بطريقة هستيرية. وقف جورج وميشال على الفور وأخذاها إلى غرفتها. لم تستطع ندى المقاومة أكثر. أجهشت بالبكاء، وهي التي كانت تتظاهر بالقوة منذ لحظات. تلك أمها ... أقرب الناس إليها. لن تعود علاقتهما مثل السابق أبدا.


رباه... آتني قوة من عندك، فقد بدأت رحلة جديدة من المتاعب منذ اليوم. وهي كانت تدرك ذلك تماما...


* * * * *


«أخي في الله أحمد،


لم أكن أعتقد أن الفترة التي تلي إشهار إسلامي ستكون بمثل هذه القسوة.


إحساس فظيع بالوحدة والاكتئاب. ضغط شديد كل يوم. أعصابي لم تعد تتحمل تضرعات أمي، ومحاولاتها المستميتة لتجعلني أعدل عن رأيي وأراجع قراري. صرت ألازم غرفتي، لا أكاد أغادرها إلا لقضاء حاجة عاجلة، حتى أتجنب لقاءها. أملأ أوقاتي بالدعاء وقراءة القرآن. لا أنكر أنني أضعف في بعض الأحيان... لكن الإيمان يغلب في قلبي فأستعيد ثباتي...


صحيح أنني توقعت ثورة من والدتي، لكنني لم أعتقد أن تكون بهذه الحدة.


اعتقدت أنها ستغضب ليومين أو ثلاثة، ربما تصرخ في وجهي وتعنفني...


لكنها ستنتهي بالتسليم. فوالدي يبقى مسلما شاءت ذلك أم أبت! كما أن عائلة أمي فيها عدد من المسلمين؟ لكن يبدو أنها تقبلت إسلام أشقائها لأنه لا تأثير لها عليهم، كما تقبلت دانا إسلامي. أما ابنتها التي ربتها على طاعتها، فهي تجد صعوبة في تقبل خروجها عن المسار الذي رسمته لها منذ طفولتها ..


البارحة بدأت صيام أول أيام رمضان. أحاول أن أخفي صومي عن أمي حتى لا يجن جنونها. فما فعلته إلى حد الآن ليس بالهين. لكن لا أدري إلى متى سيتسمر ذلك. أخفيت محتويات صينية الفطور لأتناولها على الإفطار...


ومحتويات صينية العشاء أخفيها للسحور... وهكذا...».


تعالت دقات خفيفة على باب غرفتها. أخفت دفترها وقلمها وأجابت:


- تفضل...


فتح الباب في هدوء، ودخل جورج بخطوات وئيدة. جلس على الكرسي المواجه للمكتب واستدار ناحيتها.


- إلى متى ستستمرين في مقاطعة مائدة الطعام؟ لم يعد هناك غيرنا في هذا البيت... فهلا سامرت والديك العجوزين من حين إلى آخر؟


سكت للحظات يرقب تأثير كلماته عليها. ثم أضاف مطمئنا:


- والدتك ستهدأ وتتعود مع الوقت... فلا تكبري الموضوع أكثر. بادري أنت بمصالحتها وتطييب خاطرها، وسترين أنها ستلين وتعود إلى سالف عهدها...


ترددت ندى للحظات، ثم قالت في حذر:


- هناك أمر آخر يا أبي... لست أتغيب عن مائدة الطعام لأنني أخاصم أمي...


بل لأنني أصوم!! تعلم أن رمضان شهر صيام المسلمين. ولذلك لا يمكنني أن أرتبط بمواعيد الغداء والعشاء الاعتيادية!


رمقها جورج مطولا في صمت، ثم تنهد وهو يتمتم


- الأمور تزداد تعقيدا..


* * * * *


الأمور تزداد تعقيدا بالفعل. منذ علمت والدتي بأنني أصوم رمضان وهي منقطعة تماما عن الطعام! تقول إنها تفضل أن تموت جوعا على أن تراني هكذا، لم تتناول شيئا طيلة نهار البارحة، وها هي تواصل صومها عقابا لي.


لن تتراجع حتى أتراجع عما أنا عليه وآكل في النهار! بابا جورج يحاول إجبارها على الأكل لكن دون جدوى. لكن بما أنها تجهل كل شيء عن الإسلام، فهي على الأقل تشرب الماء معتقدة أنني أشرب كذلك. أشر علي يا أحمد... ما الذي علي فعله تجاهها؟»


* * * * *


«لم أستطع الكتابة إليك منذ أيام، ولم أستطع إرسال ما دونته في المرة الماضية. الوضع في بيتنا يزداد سوءا يوما بعد يوم. أمي لا تيأس! محاولاتها تتكرر كل يوم مرات ومرات... بالعنف حينا، وباللين حينا آخر. لكنها وضعت نصب عينيها هدفا واضحا: أن تجعلني أرتد عن الإسلام! أصرت على إضرابها الطعام لمدة أيام... على الأقل أمامي. علمت أنها تأكل شيئا يسيرا في الخفاء... حتى تستمد القوة والقدرة على الصراخ والبكاء والتهديد! البارحة دخلت غرفتي وهي في حالة هيجان شديد. مزقت الأوراق على مكتبي وأفرغت محتويات صواني على الأرض! هداها الله ...


رغم كل ذلك، لم تطاوعني نفسي على الإفطار في رمضان وأنا أعلم بأنه من الأركان الخمسة الأساسية في الإسلام. لكن الأمور هدأت هذا الصباح بحمد الله. اليوم، جلس إلى مائدة الفطور، وتناولت معها القهوة والخبز المحمص المدهون بالزبدة! لا يا أحمد، لم أرتد ولم أتراجع. لكنني اغتنمت جهلها بالإسلام حتى أتحايل عليها. هي لا تعلم أن المرأة لا تصوم ولا تصلي لبضعة أيام حين تأتيها العادة الشهرية... ليتك رأيتها اليوم، كانت في غاية السعادة!


أفطرنا سويا، ثم جلسنا لبعض الوقت في الحديقة، نستمتع بدفء الشمس التي تطل علينا في حياء من وراء السحب. ثم أعددنا فطورا فاخرا يليق بأكبر الولائم... احتفالا بتخليها عن الحمية القاسية التي فرضتها على نفسها !


جلست تطعمني بيديها كأنني طفلة رضيعة. كأنها تطمئن إلى أن اللقيمات تنزل في جوفي وتملأ بطني ولا تتبخر في الهواء !


لكنني أعلم أن هذا الهدوء لن يستمر طويلا... هدنة قصيرة لبضعة أيام، ثم تعود لتتعكر من جديد... حين أعود إلى الصوم. يا ربي رحمتك!»


* * * * *


«إني أختنق


أموت في اليوم مائة مرة.


أريد أن أتنفس... أريد أن أخرج من السجن الذي أنا فيه


لم أعد أستطيع التحمل.


بقيت خطوة واحدة.


على أية حال، لن تكون الحال أسوأ مما هي عليه الآن!


توكلت على الله...».




«أخي في الله أحمد،


الحمد لله، أنا اليوم بخير. أنت لا تعلم بما حصل معي في الأيام الماضية. قلت في رسالتي السابقة إن الأمور لا يمكن أن تسوء أكثر. لكنني أخطأت في تقديري! لعلي استهنت بما في جراب والدتي من حيل وأسلحة مدمرة فتاكة!


اعتقدت أنها استفرغت سبل الضغط بإضرابها عن الأكل. لكن ما خفي كان أعظم!


تعال أحدثك بما حصل بالتفصيل. كانت هناك خطوة واحدة متبقية، حتى يكتمل إسلامي وأكون مسلمة حقا. أن ألبس الحجاب الإسلامي! كنت أضعزصورة ريما أمام عيني... أريد أن أكون مثلها ! أردت أن ألبس جلبابا واسعا مثلها ... وأضع على رأسي وشاحها الذي أخفيته حتى لا يأخذه وصيها. لكن كل ما كنت أتمناه... كان هو بعينه كل ما يغيظ أمي ويثير حنقها علي. تعلم أنني لم أكن يوما سافرة، بل أضع غطاء ساترا أكثر من غطاء أية يهودية أخرى! لكن ارتداءه على الطريقة الإسلامية، مع تنورة طويلة تغطي الكعبين، كان ما أوقد النار في قلب أمي! ما زال البكاء ينتابني كلما مر أمام عيني ذلك المشهد... حين خرج في زيي الجديد، رأيت نظرة غريبة لم أرها في عينيها من قبل. لعلها اختزال لحقد دفين على الإسلام وأهله، تحول إلى وحشية في تلك اللحظة. رأيتها تنقض علي وتنتزع الحجاب بقوة. ألقته على الأرض وأخذت تمزقه بقدميها ، ثم... دفعتني لأسقط على الأرض، وانهالت علي ركلا ورفسا؟


ليس الألم هو كل ما أحسست به حينها. فكل آلام العالم شيء، وفظاعة ما عشته شيء أخر. مهلا، ليس ذلك كل شيء! حين رأتني جامدة على البلاط لا أرد على هجومها بكلمة أو حركة، جرتني من شعري بكلتا يديها وألقت بي في الشارع!


نعم، أمي فعلت معي كل هذا. أمي التي اعتقدت أنها تحبني أكثر من أي أحد على هذه الأرض، طردتني من البيت. لم يكن هناك أحد ليدافع عني أو يرد أذاها عن جسدي. وجدت نفسي في الشارع بلا مأوى... ملابسي ممزقة متهلهلة، مثل الشحاذين! وجسدي قد امتلأ كدمات وجروحا. لم يكن هناك مكان آخر أذهب إليه عدا منزل ميشال. لم أكن أعلم إن كان سيستقبلني أم يطردني هو الآخر، لكن أملي كان كبيرا... والحمد لله، لم يخب ظني.


أنا أقيم في منزل ميشال منذ أسبوع. ماري قامت بتمريضي واهتمت بي خير اهتمام، رغم معارضتها لاختياري. ميشال وبابا جورج حاولا في هذه الأثناء الحديث إلى أمي، وإقناعها بأن طردي ليس الحل، وأنني سأبقى ابنتها رغم كل شيء... لكنها لم تتزحزح عن موقفها قيد أنملة. قالت إنها لن تسمح لي بالعودة حتى أعبر عن ندمي الشديد، وأطلب عفوها على ركبتي... بعد أن أكون قد عدت إلى اليهودية بالطبع!


لم أرها منذ ذلك اليوم. وأظن أنني لن أراها لبعض الوقت. ويؤسفني أن أقول إنني لم أعد أريد رؤيتها ... فذكراها مرتبطة لدي بالمرارة والألم...»


تعالت طرقات على باب الغرفة. لم تحاول إخفاء دفترها وراء الوسادة كما تفعل حين تدخل عليها سونيا ، فهي في منزل ميشال الآن، أكثر من يمكنها الوثوق به والاعتماد عليه. كما أن ذراعها اليسرى لا تزال مربوطة إلى عنقها، بعد أن كسرت حال سقوطها ذلك اليوم...


- تفضل...


دخل ميشال مبتسما وجلس على طرف السرير:


- استيقظت باكرا اليوم! وتكتبين أيضا! هذا رائع... فلنقل إنك تعافيت إذن؟


ابتسمت بدورها وهي تقول:


- الحمد لله... لست أدري كيف أشكرك أنت وماري على كل ما فعلتماه معي؟


هز رأسه في صمت وابتسم مطمئنا. ثم لبث مطرقا لبضع ثوان. رنت إليه ندى في اهتمام وتساؤل. رفع ميشال عينيه إليها، ثم قال بلهجة جادة:


- ندی... يجب أن نتحدث.


اعتدلت في جلستها، وهزت رأسها في انتباه. تعلم أن هذه اللحظة قادمة لا محالة. میشال دافع عنها وآواها واهتم بها. لكنه لم يقتنع يوما بصحة اختيارها. بادرها على الفور، كأنه قد أعد خطابه جيدا:


- ما سأقوله الآن لن يؤثر على علاقتنا. أنت في حمايتي ومن أهلي، ولن أتخلى عنك. لكن...


تمهل للحظات قبل أن يستطرد بلهجة أكثر قوة:


- ما الذي وجدته عند المسلمين ولم تجديه عند أهلك اليهود؟ ألا ترين ما هم عليه من التخلف والتأخر عن بقية الأمم؟ لو كانوا على دين حق، لكان الله وفقهم وسخر لهم الإمكانيات المادية. لكن دينهم لم يساعدهم إلا على التقهقر والانغلاق! انظري إلى الشوارع المتسخة، وإلى الإدارات العامة التي تسودها الفوضى والفساد. انظري إلى الأخلاق والمعاملات في الشوارع، في وسائل النقل، وفي الأماكن العامة... ومع ذلك فلبنان خیر حالا من بلدان كثيرة. لماذا برأيك؟ لأن هنالك فئة من المسيحيين تمتلك القسم الأكبر من الثروات وتديرها المصلحة البلاد، لأن السلطة بأيدينا!


تذكرت ندى على الفور زيارتها للمسجد في باريس. تذكرت تعليق أنابيلا على النظام في الصلاة. تذكرت كل ذلك، وتذكرت ما قالته في نفسها بعد ذلك... لو كانت أنابيلا عرفت المسلمين قبل الإسلام، لكانت ردة فعلها مختلفة جدا ! هتفت في وجه میشال في حماس:


- ميشال، لا تحكم على الإسلام هكذا! لا تنظر إلى ما يفعله المسلمون، بل انظر إلى ما تنص عليه تعاليم الإسلام! أنت تعلم أكثر مني أن الإسلام يقوم على الأخلاق الحميدة... على النظام والأمانة وإتقان العمل والنظافة. الإسلام بريء من كل هؤلاء: من الكاذب والمرتشي والمحتال والظالم والمبذر! أنا اخترت الإسلام لأنني وجدت فيه ذاتي، ولم أتساءل: ماذا عن بقية المسلمين؟


احتد ميشال الذي سيطر على غضبه حتى ذلك الحين:


- وماذا عن وضعية المرأة في الإسلام؟ هل بعد كل دراستك وأصلك السامي تريدين أن تصبحي شيئا لا قيمة له، يوضع وراء الأحجبة والأقمشة، يوارى عن العيون ولا يقول رأيه؟ وكيف يقول رأيه وصوته لا يجب أن يسمع... لأنه عورة؟!


أبعد كل سنين تعليمك وسفرك إلى أوروبا... وكل ما قدمته إليك عائلتك لتنالي أعلى المراتب، تنزلين إلى هذا المستوى؟! ترثين نصف ما يرثه الرجل، وشهادتك نصف شهادة؟ هل أصبحت نصف بشر؟


نظرت إليه في دهشة وامتلأت عيناها بالدموع. لماذا كل هذا التحامل؟ يعلم أنها حديثة عهد بالإسلام، ولا تملك الإجابات على كل أسئلته. سكتت وابتلعت مرارتها في صمت. لا تزال في بداية المشوار... لديها الكثير لتتعلمه.


* * * * *


«أخي في الله أحمد،


رغم كل ما تعلمته عن الإسلام وكل ما قرأته، فإنني أبقى بعيدة عن الإلمام بكل التفاصيل. أجدني في أحيان كثيرة عاجزة عن الرد على كل الأسئلة والاستفسارات التي تواجهني في محيطي. هناك أشياء أستشعرها بقلبي، لكن لا يمكنني أن أوصلها إلى من حولي؟


ميشال صار يسألني كثيرا ، ويحاورني أكثر عن الإسلام والقرآن. تعلم أن ميشال مطلع جدا على الأديان بحكم عمله كراهب كنيسة. لكن ما لا تعلمه هو أن لديه رسالة دكتوراه عن المسيح عيسى بن مريم في القرآن. يعني أنه قرأ القرآن عشرات، بل ربما مئات المرات! كل ما أحدثه عنه يعلمه، وله رؤيته الخاصة عن الإسلام وتأويله الشخصي للقرآن. أجدني أعجز كثيرا حين يواجهني بأشياء أجهلها أو لا أفهمها في القرآن. صحيح أنني أجيد العربية لكن الكثير من التعابير يتعسر عليها استيعابها! ليتك كنت معي... كنت على الأقل أرشدتني وساعدتني في البحث عن الإجابات المقنعة!»


* * * * *


جلست ندى قرب النافذة وهي تضع كتاب السيرة النبوية الذي أهداها إياه أحمد على ركبتيها. تعيد القراءة فيه دون كلل. كان نبي الرحمة ملهمها منذ البداية، وقد أيقنت أنها أصبحت تملك الجواب الآن عن السؤال الذي ألجمها منذ أكثر من سنة: من قدوتك؟


في تلك السهرة، كانت تحاول أن تركز في قراءتها. لكن نظراتها كانت تتجه كل هنيهة إلى ما وراء النافذة. كان النعاس قد بدأ يتسلل إلى جفونها، لكنها تحاول المقاومة مسلية نفسها بالمطالعة. دعكت عينيها، ومسحت وجهها بكفيها في ملل، ثم نظرت إلى الساعة للمرة المائة في تلك السهرة. تأخروا...


کان میشال وعائلته قد خرجوا لزيارة عائلة ماري ظهر ذلك اليوم، وها هي الساعة قد اقتربت من منتصف الليل ولم يعودوا بعد. ربما عليها محاولة الاتصال بميشال للاطمئنان عليهم. عائلة ماري تقيم في مدينة قريبة، تبعد مسافة ساعة واحدة بالسيارة عن قانا. ربما يقضون الليلة هناك؟ كان عليهم إعلامها على أية حال. أمسكت بهاتفها وضغطت على رقم میشال. انتظرت


الثوان طويلة وهي تسمع رنين الهاتف على الطرف الآخر من الخط... دون رد.


زمت شفتيها في قلق، وتطلعت مجددا من النافذة. سمعت أزيز سيارة تقترب.


انتبهت كل حواسها في ترقب. لكن الصوت ابتعد ببطء... لا أحد. تنهدت وهي تستلقي في مقعدها.


فجأة، فتحت عينيها في فزع. كان النعاس قد غلبها، وغفت لبعض الوقت.


صوت ما أخرجها من غفوتها. أجالت بصرها في الغرفة... لم يكن هناك أحد غيرها، والسكون قد خيم على المكان. مرت لحظات قبل أن يعود الصوت من جديد. رنين الهاتف! تناولته في لهفة: دانا تتصل! ألقت نظرة على الساعة في استغراب... الواحدة إلا ربع. ما بال دانا تتصل الآن؟ ضغطت على زر الإجابة في توجس، فجاءها صوت دانا وقد اختلط بالنحيب:


- ندی... بابا جورج، میشال وماري والأطفال تعرضوا لحادث!


هتفت ندى في رعب:


- هل هم بخير؟


- لست أدري بعد... أنا في طريقي إلى المستشفى...


- سآتي معك!


لكن دانا كانت قد أغلقت الخط قبل أن تسمع صرختها. ارتمت ندى على المقعد وقد أخذت أطرافها في الارتجاف. وضعت كفها على صدرها كأنها تمنع قلبها من الانفجار، يا إلهي... أنقذهم یا رب! يا إلهي، ارحمهم وارأف بهم. لا تقبضهم وهم على غير الإسلام! أخذت تذرع الغرفة جيئة وذهابا كالمجنونة. ما الذي يمكنها فعله؟ لا يمكنها الخروج في مثل هذه الساعة. ستنتظر اتصال دانا...


مرت الدقائق تلو الدقائق، ودموعها لا تتوقف عن الانهمار. تارة يغلبها الخوف وتارة يعلو الرجاء والأمل. حين تسللت خيوط النهار الأولى، جمعت شتاتها وخرجت لا تلوي على شيء. ركبت الحافلة العمومية، ثم ركضت إلى المستشفى. لم تتوقف عن الدعاء والابتهال طوال الطريق. حين وصلت إلى قسم الطوارئ، رأت دانا وسونيا قد انهارتا على المقاعد، وقد بدا عليهما الاستسلام.


- هل هم بخير؟


رفعتا إليها عيونا متعبة، تغشاها نظرات باهتة. أمسكت بكفي سونيا تسألها في رجاء:


- سينجون، أليس كذلك؟


لكنها لم تجد ردا إلا الصمت والدموع. اندفعت نحو الباب المغلق، فأوقفتها الممرضة. هتفت في اختناق:


- يجب أن أراهم... يجب أن أراهم! بابا جورج... میشال!


وقلبها يصرخ دون صوت... يجب أن ألقنهم الشهادة. يجب أن أحدثهم عن الإسلام. لن ترحلوا هكذا !!! لكنها ما لبثت أن انهارت هي الأخرى على مقعد منعزل في يأس واستسلام... فقد فات الأوان.




«أخي في الله أحمد،


رحل ميشال. رحل بابا جورج. رحلت ماري. ورحل الملاكان کریستینا وجابريال.


رحلوا جميعا مرة واحدة في حادث سيارة أليم. رحلوا قبل أن أعلمهم الإسلام.


رحلوا وهم على ضلال. رحلوا مخلفين في صدري ألما وحسرة كبيرين.


هل تراني أفكر بأنانية حين أقول إنهم تخلوا عني بعد أن كانوا هم كل سندي في الحياة؟ بعد رحيلهم دفعة واحدة أجدني وحيدة في هذا العالم. بابا جورج كان الوحيد الذي أيدني وساندني حين أسلمت... وميشال كان الذي استمع إلي وأواني حين طردتني أمي وأقرب الناس إلي! مصاب مضاعف هو؟ لست أدري ما الذي سأفعله دونهم وكيف ستكون أيامي بعد فقدهم.


كنت قد ظننت أنني مررت بأقسى التجارب حين فقدت ريما... ثم فقدتك. لكن أحداث حياتي الأخيرة أثبتت لي أنه لا حدود لقسوة الحياة وتجاربها! أحمد الله على كل حال، ولا أعترض على قضائه. لكنني ضعيفة... ضائعة، دونهم...


ودونك! یا رب، أعلم أن هذا امتحانك لصبري وثباتي، لكنني أسألك ألا تطفئ كل الشموع في وجهي! يا الله اترك لي بصيص أمل أعيش به باقي أيامي...


فإنني قد وهنت...»


توقفت عن الكتابة وأجهشت بالبكاء من جديد. تحس بمرارة في حلقها وألم في ضلوعها. عيناها تورمتا من البكاء المتواصل، ووجهها لم يزدد إلا شحوبا وجسدها قد تمكن منه الضعف والنحول. هل كتب عليها أن تعيش حدادا متواصلا؟ كلما استفرغت حزنها على حبيب فقدت غیره. دفن الأحبة جميعا منذ يومين حسب الشعائر المسيحية... لكنها صلت عليهم بمفردها حسب الشريعة الإسلامية، ودعت الله أن يتقبل صلاتها حتى إن ماتوا على غير الإسلام.


عادت لتقيم في غرفتها في منزل العائلة طيلة أيام الحداد. دانا لا تزال هنا أيضا. ثلاث نساء وحيدات... يتقاسمن جرعات الحزن في صمت طوال النهار.


هل ترى قلب سونيا يلين وقد اجتمعن بالمصاب؟ هي لا تملك أي ملجأ أخر بعد وفاة ميشال وعائلته. إن طردتها سونیا مجددا، فهل تستقبلها دانا؟ لم تكونا يوما على وفاق، لكنها شقيقتها الوحيدة على أية حال!


قاطع أفكارها صوت عنیف أحدثته دفة الباب وهي ترتطم بالجدار. التفتت في فزع إلى مصدر الصوت. كانت سونيا تطالعها بنظرات باردة مخيفة. ارتجفت أناملها وهي تشد على رسالتها التي لم تملك الوقت الكافي لإخفائها. لكن يبدو أن سونيا لم تكن تملك الكثير من الوقت للحديث عن خواطرها ومدوناتها، بل صرخت في وجهها بصوت هادر:


- ما زلت هنا؟


ازدردت ندى ريقها بصعوبة، وهي تتطلع إليها في رعب. فصرخت من جديد:


- أيام الحداد انقضت، لذا لا أريد أن أراك مرة أخرى في بيتي؟.....



         الفصل السادس والعشرون من هنا 

       لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة