
رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الثامن 8 بقلم خولة حمدي
- الغداء جاهز، إلى المائدة جميعا...
ترك باسكال ما بين يديه على الفور، وجرى ليقفز على
الكرسي وهو يهتف في صبر نافد:
أنا جائع!!
رمقته سارا بنظرة قاسية، وهي تجذب كرسيها في هدوء
وتجلس في رصانة:
- متى ستتعلم التصرف بأدب؟
عقد باسكال ذراعيه أمام صدره في احتجاج، ورمى
إلى سارا نظرة نارية أتبعها بمد لسانه محاولا إغاظتها.
أشاحت سارا بوجهها في استهانة، وهي تضيف
بصوت مس.
- ستبقى طفلا دائما...
ابتسمت تانيا وهي تضع الوعاء الساخن الذي يحمل
دسى، وقالت معاتبة ابنتها:
الطبق الر
- إنه لا يزال صغيرا... دعيه يعش طفولته!
- ولكن يا ماما... يجب أن يتعلم الأدب من الآن...
في تلك اللحظة، دخلت ريما وهي تلبس ثوب الصلاة
الفضفاض والحجاب، ألقت التحية، وجلست في هدوء
على مقعدها المعتاد. لكن سارا شهقت في استهجان:
- وهذه أيضا... ألا تزال طفلة؟! إنها حتى لم تغير
ملابسها قبل الجلوس إلى المائدة!!
ألقت تانيا نظرة صارمة على سارا، ثم التفتت إلى ريما
وقالت في لطف:
- ريما عزيزتي... لماذا لم تغيري ملابسك بعد؟ سيتسخ
ثوبك ووشاحك...
لكن ريما لبثت مطرقة وأجابت في حزم واقتضاب.
- سأبقى بهما...
نظرت إليها تانيا في استغراب، ثم دخلت مجددا إلى
المطبخ حيث تركت جاكوب ينهي تحضير السلطه ما
هي إلا دقيقتان حتى عادت وإياه إلى غرفة الطعام.
جلس جاكوب إلى جانب ريما كعادته، ولم يعلق بكلمة،
أخذ يوزع قطع اللحم على الصحون في صمت، في
حين راحت تانيا تلمزه وتشير إليه كي يتحدث إلى ريما
بشأن ملابسها، حدجها بنظرة متذمرة، ثم التفت إلى
ريما مبتسما وقال:
ريما حبيبتي... لماذا لم ترتدي ثياب البيت؟
وضعت ريما شوكتها إلى جانب الطبق، ولبثت مطرقة
دون أن تحرك ساكنا، سرى التوتر إلى الجلوس حول
المائدة، وساد الصمت للحظات، وأخيرا تكلمت ريما في
صوت حازم لم يعهد عند الصغيرة:
- منذ اليوم سيكون هذا لباسي...
تبادل الطفلان نظرات متسائلة، في حين رنت تانيا إلى
جاكوب في انفعال، وقد أدركت جزءا مما ترمي إليه
ريما، أما جاكوب فقد تمهل للحظات، ريثما استوعب ما
ينطوي عليه قرار الفتاة ثم قال في هدوء:
- حسن... دعينا نأكل الآن، وسنتحدث في ذلك لاحقا...
تناول شوكته وشرع في الآكل، وعقله لا يزال مشغولا
بالتفكير، فما كان من الأطفال إلا أن حذوا حذوه، وأخذ
الجميع يأكلون في صمت، لكن علامات الانزعاج ظلت
بادية على وجه تانيا التي لم تأكل إلا شيئا قليلا، ثم
مسحت يديها في عصبية وتركت مقعدها. رفع باسكال
وسارا رأسيهما في توجس، وتبادلا نظرات واجمة،
فبادرهما جاكوب:
- أنهيا طبقيكما قبل أن تفكرا في مغادرة المائدة،
انصاع الطفلان على مضض،أ د. ،
ما بما فكانت تأكل
في هدوء، وعيناها مركزتان على صحنها. كأنها
تتحاشى نظرات جاكوب وبقية أفراد العائلة، وما ان
أنهت نصيبها حتى قامت لتغادر المائدة، وتنسحب إلى
غرفتها.
اهتم جاكوب بطفليه ريثما انتهيا من الأكل، ثم جمع
الصحون ونظف المائدة، تردد للحظات قبل أن يدخل إلى
غرفة نومه حيث اختفت تانيا الغاضبة منذ دقائق طويلة.
كانت تجلس على السرير، وهي تهز إحدى ساقيها في
توتر، مولية الباب ظهرها، وما إن فتح الباب حتى
استد رت وقد تطاير الشرر من عينيها وهتفت:
- هل يمكنك أن تفسر لي ما الذي تفعله ريما؟
ارتبك جاكوب الذي لم يكن يدري كيف عليه أن يعالج
الموقف وقال:
- يبدو لي أنها قد قررت ارتداء الحجاب الإسلامي...
وذلك حقها...
وقفت تانيا في عصبية متزايدة وأخذت تصرح:
- حقها؟ عن أي حق تتحدث؟ تعلم أن باسكال وسارا لا
يزالان صغيرين، وقد بدأت تصرفاتها المختلفة تثير
الكثير من التساؤلات لديهما... حول الصلاة التي تؤديها
مر ت عديدة في اليوم الواحد، وذهابها إلى المسجد يوم
الجمعة... والكتاب الذي تقرأ فيه باستمرار... وأنا أحاول
في كل مرة أن أجد تفسيرات معقولة ومقنعة للطفلين
دون أن أدخل شكوكا عقائدية لديهما، والآن ماذا؟
الحجاب مرة واحدة؟! كيف يمكنني أن أتعامل مع هذا؟
إن الأمر وصل إلى حد لم يعد مقبولا... وعليك أن
تتصرف!!
تنهد جاكوب في تسليم، وقال متلطفا:
- حسنا يا عزيزتي... اهدئي... سأحاول التحدث
إليها...
- لا تتحدث إليها وحسب... بل أقنعها!
ترك جاكوب الغرفة وتوجه إلى غرفة ريما حيث أغلقت
على نفسها هي الأخرى، طرق الباب ودفعه بلطف،
فرفعت ريما، التي كانت قد أكبت على مراجعه دروسها،
رأسها، اقترب منها جاكوب، وجلس على طرف سريرها،
وهو يحاول رسم ابتسامة محايدة على شفتيه، لكنه
فشل في إخفاء الخطوط العابسة التي تخللت جبينه،
نظر إليها متوددا وقال:
- إذن قررت ارتداء الحجاب؟
هزت ريما رأسها علامة الايجاب، فقال جاكوب:
- جيد... أنت تتعلمين الدين بسرعة...
ربما لم يكن مقتنعا بما يقول، لكنه يعرف الكثير عن دين
الاسلام، ويدرك أن ارتداء الحجاب ضرورة للمرأة
المسلمة، ولا يمكنه أن يفعل شيئا حيال ذلك، ولا حتى أن
يحاول إقناعها بالعكس... هو وعد والدتها بألا يفعل،
وسيظل يفي بوعده مهما حصل، أضاف بعد صمت
- هل تريدين أن نخرج لشراء عباءات جديدة؟ فأنت
تملكين واحدة فقط...
اتسعت ابتسامة ريما وهتفت في فرح حقيقي:
... أنت رائع بابا يعقوب!
- نعم، أريد ذلك
تذكر جاكوب عندها غضب تانيا وملامحها المكفهرة،
فقال:
- ولكن يا حبيبتي، لا داعي لارتدائها داخل المنزل... في
المقابل يمكنك الخروج بها مثلما تريدين...
أطرقت الفتاة وهمست:
- لا أستطيع... يجب أن أبقى بها حتى في المنزل...
- لكن لماذا؟ ليس هناك غيرنا في البيت!
طال صمت ريما كأنها تفكر في الجملة التالية وتزن
نتائجها، لكنها قالت أخيرا في شيء من الحزن:
- ولكنك رجل أجنبي عني... لذلك لا يمكنني أن أنزع
الحجاب أمامك!
صعق جاكوب من كلماتها التي لم يتوقعها، فتسمر
مكانه من الصدمة، أنا رجل أجنبي عنها؟! أنا الذي
ربيتها مثل ابنتي، وأحببتها أكثر من أطفالي الذين من
صلبي؟! هل ستضع حدودا بيني وبينها... أنا الذي
تناديني بابا؟ كان قد لاحظ في صمت التطور الذي
حصل في تصرفات ريما منذ أسابيع قليلة، كان يهون
الأمر على نفسه وعلى تانيا... لأنه اعتقد أن ريما لا تزال
صغيرة، وتحتاج إلى مساندته ورعايته مثل السابق، لكن
أن يصل الأمر إلى إقصائه من حياتها بهذه الصفة...
فذلك ما لم يتوقعه!
ربما كانت تانيا على حق في مخاوفها.
لالا لا لا
ابتعدت السيارة تطوي الأرض طيا، وكأن سائقها فرح
بانطلاقها من جديد، عبرت شوارع قانا التي أخذت تدب
فيها الحركة مع ارتفاع الشمس إلى عنان السماء.
التفت حسان إلى أحمد وهتف في تأثر:
- هل تعتقد أن هناك الكثير من اليهود ممن يفكرون مثل
ندى
انتبه أحمد من أفكاره، ونظر إلى صاحبه في شرود،
كأنه لم يستوعب كلماته، هتف حسان في قلق:
- أحمد.. هل أنت بخير؟ ربما من الأفضل أن نمر
بالمستشفى...
لوح أحمد بيده مهونا، وقال وهو يسترخي في مقعده
نمد ساقه أمامه:
للحظات... لكنني بخير...
- لا، لا داعي للقلق... سرحت
أضاف مبتسما وهو ينظر إلى جرحه المضمد بمهارة:.......