
رواية الوصية ونور النجع الفصل العاشر 10 بقلم ولاء عمر
ــ كان في حمل لسة في البداية وربنا ما أرادش ليه إنه يكتمل.
ــ يعني أنا سقطت من قبل ما أعرف بخبر حملي؟
بدأت تعيط وتأنب في نفسها وقالت:
ــ لو كنت أقوى مكانش زمان حصل كده..
قاطعتها وأنا بطبطب عليها وبهديها:
ــ بلاش تقولي كده يا زينة، مفيش حاجة اسمها لو كنت أقوى، الدكتور قال إن الحمل أصلاً كان ضعيف وفي كل الحالات مكنش هيكتمل.
ــ بس لولا خوفي مكنتش سقطت.
ــ لاء يا حبيبتي، أي حد مكانك كان طبيعي يخاف، وكان أي واحدة ممكن غيرك تصوت وتدخل في حالة إنهيار
ــ بس يا زيدان....
ــ مفيش بس خالص، الله جاب الله خد الله عليه العوض، ومتزعليش نفسك بكرا تقومي وتبقي أحسن وتملي الدوار عيال وتصدعوني.
ابتسمت وسكتت فقولت:
ــ شوفي يا زينة، الدكتور قالي قبل ما أدخلك إن الحمل أصلا كان ضعيف ومكنش هيكتمل، فـ الحمد لله إنه نزل قبل ما نعرف ونزعل, وربنا يعوضنا ويخلف عننا خير والحمد لله وربنا يرزقنا بالذرية الصالحة إن شاء الله.
سندت رأسها عليها وقالت بهدوء بعد ما هديت:
ــ الحمد لله.
كانت ساكتة كعادتها فقولت :
ــ تعرفي يا زينة؟
ــ إيه؟
ــ إني بحب إنك تتكلمي وتعبري عن اللي جواكي، يا ستي تماسكي قدام الكل بس تعالي وشاركيني، بلاش تبقي قافلة على نفسك وقلبك كده، بلاش تسيبي كل حاجة تزعلك تأكل فيكي كده، أنا بخاف عليكي من هدوئك الظاهر ده.
ــ عادي اتعودت أكون ساكتة وهادية، لا بعرف أعبر عن زعلي ولا بعرف أخرجه.
طبطبت عليها وأنا حاضنها وبعدين خرجت أشوف هتخرج ولا لاء، جبت العلاج اللي كتبه الدكتور والاذن ومشينا.
ــ يا زيدان نزلني وأنا هسند عليك بس مينفعش كده، الناس بتبص علينا.
ــ محدش ليه عندنا حاجة، مرتي تعبانة ومش قادرة تمشي .
ــ متحكسحتش أنا طيب، نزلني.
طنشتها ووصلت لحد العربية ونزلتها في العربية.
ــ بطل من أبطال السيما أنت يعني؟
ابتسمت بغرور وقولت:
ــ تؤ، أحلى منهم.
حاولت أخرجها من الزعل اللي فيه قبل ما نوصل بس وصلنا والحزن كان مخيم على النجع والسواد مالي الدنيا، وصوت الصريخ حوالينا.
دخلتها الدوار وحاولت أبقى معاها، خوفت عليها وأنا مش عارف اسيب معاها مين، ده غير إنها اتفتحت في العياط وبدأت ترتعش من الخضة والخوف.
ــ زينة، ارفعي وشك، بصيلي وبلاش عياط يا حبيبتي، ممكن تهدي؟
ــ بلاش دي كمان حقها يضيع يا زيدان، في غيرها كتير انتحروا وفي غيرها ماتوا من الضرب.
تنحت لثواني وسألتها:
ــ قصدك إيه يا زينة؟
حاولت ألين نبرتي وسألتها:
ــ ممكن تعرفيني قصدك بالهداوة؟
بدأت تتكلم:
ــ الجهل منتشر بطريقة مميته يا زيدان، عدد البنات والستات اللي بتموت كل سنة محزن، وعدد اللي بيسيبوا البلد بسبب كده من شباب وأولاد كتير مش قليل.
خدت نفسها من بين عياطها وقالت:
ــ في بنات كتير ماتت وهي بتولد علشان كانت صغيرة على الحمل والولادة وياريت الناس كانت بتتعلم، لاء دول كل شوية بيزيدوا عن الأول واللي بيتضربوا وتحصلهم عاهات يعيشوا بيها عمرهم كله عشان اعترضوا.. والوِلد اللي أهلهم بيقسوا علشان في نظرهم القساوة هتربي رجالة والضرب يعلم في جسمهم، ولا اللي ما بيصدق يشم نفسه ويسافر عشان ميجيش تاني.
سيبت كريمة بت اختي اللي كانت جاية تقعد كام يوم معاها وطلعت عشان ألحق الجنازة.
روحت الأول لدكتور اللي لحسن الحظ كان موجود في الوحدة وجيبته معاي لبيت المرأة اللي انتحرت.
لقيتهم كانوا بيجهزوا لغسلها، وقفت لثواني عاجز عن الحركة وخايف أدخل بس خدت الخطوة ودخلت ومعاي الدكتور وكان معاي كذا راجل من البيت وأبوي وخلوا الحريم توسع .
وقفتُ عند الباب، حاطط يدي في جيبي وماسك نفسي بالعافية. المكان كان كتمة وريحته تقيلة، وهي كانت ممددة على الدكة الخشب.. كدمات زرقاء مغطية وشها وجسمها، مشهد يوجع أي بني آدم عنده نتوءة ضمير، مش عشان هي بالذات، لكن عشان القرف والجهل اللي عايشين فيه ومغرقينا.
الدكتور دخل خطوتين ورجع لورا، بص لي بصة فهمت منها كل حاجة.. بصة واحد شايف البشاعة اللي بنحاول نغطيها بالستر والتقاليد.
جوزها كان واقف جنب الدكة، حاطط يده في وسطه وبيحاول يداري خشيته بصوت ناشف:
ــ في إيه يا دكتور؟ تكشف على إيه وهي خلاص طارت روحها؟ المغسلة مستنية برة عشان نخلصوا ونكفنوا.
الدكتور ما ردش عليه، قرب ورفع الغطا بشويش، وصوابعه مشيت على الكدمات.
أنا كنت واقف وراه، حاسس بغليان في صدري.. عيلَة صغيرة ما كملتش حتى السن اللي تتكتب فيه، يرموها لجوزها بالعرف ويضربوها لحد ما تطفش من الدنيا بالسم، وفي الآخر يقفوا يداروا على القذارة دي ويقولوا "استروا علينا"!
الدكتور بص له بصة حادة وقال بصوت قاطع:
ــ تغسيل إيه ودفن إيه؟! البت دي مضروبة ضرب مبرح، غير الريحة والأعراض اللي تقول إنها شاربة أدوية أو سم! أنا مش هكتب تصريح دفن، والجثة دي مش هتتمس بمية لحد ما الشرطة والطب الشرعي ييجوا.
أبوها جرى من جوة والتسبيح في يده، قال بصوت يترعش:
ـــ يا دكتور استر علينا الله يستر عرضك! دي ماتت بسكتة قلبية، عايز تجيب لنا الكلام والفضايح في البلد ليه؟!
هنا ما قدرتِش أسكت، قدمت خطوة وصحت فيهم والدم فاير في عروقي من كمية العفن الفكري اللي سايق النجع:
ـــ ستر إيه وفضايح إيه يا حاج؟! هو انتوا فاكرين روح البني آدم لعبة في إيدكم؟! تظلموا وتضربوا وتجوزوا عيال صغيرة، ولما تموت بالسم تيجوا تطلبوا الستر؟! الجهل والعرف المايل بتاعكم ده هو اللي يكسر النفس!
جوزها قرب مني وشه محمر بالغل:
ــ وانت مالك يا زيدان؟! طالع لنا فيها المحامي والحاكم ليه؟ بتنا ونحنا أحرار فيها!
قربت منه وشاً لوش، وقلت بصوت واطي بس أتقل من الجبل:
ــ مش حر فيها ولا في غيرها.. محدش حر إنه يدفن الجريمة تحت التراب ويقول عادات وتقاليد! الدكتور مش هيكتب ورقة، والمركز زمانه على وصول.. وروني بقى هتهربوا كيف من الطب الشرعي والشرع اللي بتتداروا وراه!
الدكتور طلع تليفونه المحمول الكبير ووقف عند الباب بيتصل بالمركز، وأنا بصيت للمكان كله بقرف.. الجهل اللي بيموت الناس ويمشي في جنازتهم، ده اللي كان لازم يقف عنده حد ويقول: كفاية
صوت السرينة شق السكون بتاع النجع، وعجل العربيات صوته علي وهو بيدوس التراب برة البيت. اللحظة دي بالذات كانت كفيلة تخلي الناس اللي وافقين برة يتهامسوا ويتراجعوا لورا كأنهم شايفين العار نزل عليهم من السماء.
الدبابير الحمرا والدوارة بتاعة عربية المباحث كانت بتعكس ضوئها على الوشوش، وطالعة منها خيالات مرعبة على جدران الطين.
رئيس المباحث ترجل بخطوة حاسمة، ووراه عساكر وأمناء شرطة ورجال الإسعاف بالمحفة.
خرجت من باب الدار ورا الدكتور، وقفت على العتبة وحطيت يدي في جيبي.. بصيت للجموع الملمومة، كبار البلد وشبابها اللي واقفين يتفرجوا.
النظرات اللي كانت موجهة لي مش نظرات تعاطف ولا فهم، دي كانت نظرات غل وقرف، كأني أنا اللي قتلت، مش أنا اللي بتصدم في العفن اللي عايشين فيه!
سمعت واحد من الكبار بيقول للي جنبه بصوت عالي يقصد يسمعهولي:
ــ شفت ولد العمدة؟ جايب لنا الشرطة للبيت عشان حريم! كاسر كلمة الكبار وجايب الفضايح للنجع كله.. بقى قتلة البت ولا موتها يفضحنا قدام المراكز عشان أفكاره الجديدة؟!
بصيت له بعينين جامدة، وقربت خطوتين ناحيتهم والدم فاير في عروقي. الناس فاكرة إن السكوت على الظلم هو الستر، فاكرين إننا لما ندفن الجثة تحت التراب ونقول "موتة ربنا" يبقى نحنا كده ناس أصول وعافيين!
قربت من الراجل وقلت بنبرة حادة وواطية بس سمعت الكل:
ـــ الفضيحة مش إن الشرطة تخش النجع يا حاج.. الفضيحة إن البنت تضرب لحد ما تموت بالسم وانتوا واقفين تداروا على القاتل وتقولوا أصول! الفضيحة هي الجهل اللي مالي دماغاتكم ومخليكم شايفين الروح رخيصة للدرجة دي!
الراجل اتلجم ووشه جاب ألوان، وناس تانية بدأت تتوشوش، بس محدش قدر يتكلم كلمة زيادة وهو شايف صرامة ظابط المباحث وهو يدخل البيت.
الظابط وقف عند الباب، بص لي وللدكتور وقال بطريقة حازمة:
ـــ فين الجثة؟ ومين اللي اتصل بالمركز؟
الدكتور قدم خطوة وقال:
ــ أنا يا فندم.. وفي شبهة جنائية واضحة ضرب وتسمم.
في اللحظة دي، خرجوا بجوزها وأبوها إيديهم فيها الحديد، ورجالة الإسعاف شايلين البت على السرير النقال ومغطينها بالغطا الأبيض.
المشهد كان ثقيل، والأهالي واقفين يتبادلوا النظرات كأني أنا اللي هديت المعبد على رؤوسهم.
وقفت في نص الطريق، عيني في عين كل واحد فيهم، وقلت في سري وأنا شايف عربية الإسعاف بتاخد طريقها للمشرحة:
ــ اتغاضوا عني واكرهوني براحتكم.. بس العفن ده لازم ينتهي، والجهل اللي بتاكلوا بيه عقول الناس لازم يقف عند حده، حتى لو كنت أنا الوحيد اللي واقف في وش البلد كلها.
اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك”. أخرجه مسلم.
“اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام ومن سيئ الأسقام”. أخرجه أبو داود والنسائي.
يتبع..