
رواية لسة أجمل يوم مجاش الفصل الاول 1 بقلم نور إسماعيل
المقدمة /
أوقاتٍ كثيرة يأتي الحب على حين غفلة، يمرّ بالقرب منا ولا نراه، كأنه نسمة خفيفة لم تنتبه لها أرواحنا المنشغلة. وساعاتٍ أخرى نقف أمامه وجهًا لوجه، لكنه لا يجد فينا من يعرفه أو يحتضنه، فنضيّعه بأيدينا دون أن نشعر. وقد يأخذنا الحب معه في طريقه، يملأ قلوبنا دفئًا وحياة، ثم يرحل فجأة، كأنه لم يكن، تاركًا خلفه فراغًا لا يُملأ بسهولة. والأصعب من ذلك حين يتركنا الحب، لا كوداعٍ عابر، بل كجرحٍ عميقٍ يظلّ يسكننا، يذكّرنا بكل لحظة صدقٍ عشناها، وكل حلمٍ رسمناه معه. عندها ندرك أن الحب ليس دائمًا نعمة خالصة، بل قد يكون اختبارًا قاسيًا، يعلّمنا كيف ننضج، وكيف نحمل داخلنا بقايا الشعور دون أن ننكسر تمامًا.
••••
إهداء/
لكلِّ من ظنَّ يومًا أنّه لن يجد نصفه الآخر، لا تيأس؛ فالأقدار تُخبِّئ لنا ما لا نتوقّعه في أجمل الأوقات. ستجد من يُشبه روحك، ويُكمل نقصك، ويمنح قلبك سكينة لم تعرفها من قبل. ثق تمامًا أنّ كلّ شيءٍ جميلٍ ما زال في الطريق إليك، ينتظر لحظته المناسبة ليُزهر في حياتك. فلا تُرهق قلبك بالقلق، ولا تُطفئ داخلك نور الأمل. ما كُتب لك سيأتيك، مهما طال الانتظار، وسيكون أجمل ممّا تخيّلت، لأنّ الله يدّخر لك الخير في وقته الأجمل.
••••
الفصل (١)
منذ عامين وبعض الأشهر، كان بطل الحكاية، وسام، شابًا في أوج اتزانه وهدوئه، يحمل من اسمه نصيبًا؛ وسامةُ خَلقٍ وخُلق، ورِقّةُ طبعٍ لا تخطئها عين. كان مثالًا للشاب الذي يُعتمد عليه، لا يُؤذِي أحدًا، ولا تصدر منه هفوة تُذكر، محبًّا لمَن حوله، ومحبوبًا منهم، يمدّ يد العون بلا تردد، ويزن كلماته قبل أن ينطق بها.
خطب وسام فتاةً تُدعى دنيا، فتاةً جميلة الملامح، رقيقة الحضور، تمّت الخطبة بينهما على الطريقة التقليدية، لكنها لم تخلُ من مشاعر صادقة. ومع مرور الأيام، لم يكتفِ وسام بقبولها، بل أحبّها بعمق، وتعلّق بها حتى غدت جزءًا من يومه وتفاصيله.
مرّت سنة الخطبة هادئة في ظاهرها، وبدأت الاستعدادات للزفاف، لكن شيئًا خفيًّا تبدّل. تغيّرت دنيا على نحوٍ لم يفهمه وسام؛ قلّ اهتمامها، تسرّب الخوف إلى عينيها، وأصبحت عصبيّتها سريعة الاشتعال، وردود أفعالها غير مفهومة. حاول وسام احتواءها مرارًا، تحدّث إليها بلين، وواجه انفعالاتها بصبر، لكنه لم يجد تفسيرًا لما يحدث.
إلى أن جاء اليوم الذي طلبت فيه الانفصال، مبرّرةً ذلك بأنها لم تعد تحبّه كما كانت. لم يستوعب وسام الأمر، حاول تجاهل طلبها، أقنع نفسه أنها مجرّد أزمة عابرة، لكنه فوجئ بها تُعيد إليه هداياه وشبكته، وكأنها تُسدل ستارًا نهائيًّا على ما كان بينهما. عندها، تراجع وسام، ليس عجزًا عن التمسّك بها، بل حفاظًا على كرامته التي شعر أنها مُسّت.
الغريب أن دنيا لم ترتبط بعده، ولم يدخل حياتها أحد، اكتفت بعملها، وهذا ما زاد حيرته. لم يستطع نسيانها، ولا فهم سبب تغيّرها، فبقيت ذكراها عالقة في ذهنه، تطارده كل يوم تقريبًا.
في صباحٍ عادي، كان وسام يقف في مطبخه يُحضّر قهوته، غارقًا في تلك الذكريات، حتى فارت القهوة على النار، فأفاق على صوتها. أطفأ الموقد، شربها على عجل، ثم ارتدى ملابسه وغادر بهدوء، حريصًا ألا يوقظ والديه. فهو الابن الوحيد، في الحادية والثلاثين، يعيش مع أبٍ متقاعد من شركة الكهرباء، وأمٍ ربة منزل بسيطة.
يعمل وسام في خدمة العملاء بإحدى شركات الاتصالات، حيث يقضي يومه بين شكاوى الناس ومشكلاتهم، يستمع لهم جميعًا، بينما لا يجد من ينصت لما بداخله.
وصل إلى عمله، فاستقبله صديقه شريف، بشخصيته العابثة، وعلاقاته العابرة، وزميلته منى، التي يعتبرها كأخته، والتي جاءت تبشّره بخطبة جديدة، كعادتها المتكررة. دار بينهما حديثٌ طويل، نصحها فيه بالتريّث، وبأن القلب ليس محطة عابرة.
هكذا كانت حياة وسام؛ وجوه كثيرة، حكايات لا تنتهي، وضجيج من حوله… لكنه في الداخل، كان صامتًا، مثقلًا بأسئلةٍ لا يجد لها جوابًا، ينتظر يومًا يجد فيه من يسمعه، لا من يحدّثه فقط.
•••••
بعد يومٍ طويلٍ ومرهق، عاد وسام من عمله مثقّل الخطوات، وما إن دخل إلى عمارتهم حتى لمح حركةً غير مألوفة؛ سيارةٌ تقف أمام المدخل، ورجالٌ ينزلون أثاثًا متنوعًا يوحي بأن شقةً جديدة ستُسكن قريبًا. صعد الدرج بهدوء، فإذا بفتاةٍ تندفع كالإعصار، ترتدي ثيابًا غريبة الألوان، وتتحدث في هاتفها بلهجةٍ متوترة. لم تنتبه لوجوده فاصطدمت به، فسقط حاسوبه من على كتفه إلى الأرض.
اعتذرت بسرعةٍ دون اكتراث، فردّ بهدوء طالبًا منها الانتباه، لكنها أجابته بنبرةٍ متعجرفة زادت من انزعاجه. مضت دون التفات، وتركته غارقًا في دهشته من أسلوبها.
صعد إلى شقته، وعلم من والدته أنها الجارة الجديدة، وأنها ستسكن وحدها. تعجّب قليلًا، ثم انشغل بكتابه وكوب الكابتشينو في شرفته الهادئة، مستغرقًا في القراءة.
وفجأة… سمع صوتًا غريبًا يقطع سكون المساء!
••••
لم يهتم ودخل وسام شقته كعادته، هادئ الخطوات، يحمل كتابه الذي لا يفارقه، ويتبعه مجّ الكابتشينو الدافئ. اتجه نحو شرفته الصغيرة، حيث الهواء العليل يلامس وجهه، وجلس مندمجًا في القراءة، غارقًا بين السطور، كأن العالم قد اختفى من حوله.
وفجأة… دوّى صوت ارتطام قوي أعقبه تهشّم حاد، قطع سكون المكان، واقتحم انسجامه اقتحامًا مفزعًا. انتفض وسام، والتفت حوله، قبل أن يدرك أن الصوت قادم من الشقة المجاورة… شقة الساكنة الجديدة.
وهنا تظهر "مي"؛ فتاة لا تعرف للجدية طريقًا، تعيش حياتها بخفة، بين ضحكات الأصدقاء، وسهرات لا تنتهي. نشأت وسط مجموعة كبيرة من الأصحاب، رافقوها منذ الجامعة، حتى أسسوا معًا شركة صغيرة في مجال الحاسبات. كانت دائمًا محط الأنظار؛ بذوقها المختلف، وأزيائها الجريئة، وشخصيتها التي تجمع بين العناد والثقة المفرطة بالنفس.
تنتمي مي إلى عائلة ميسورة، فقدت والدتها في سن مبكرة، فعاشت مع والدها الذي أغدق عليها حبًا وحرية، لكنها كانت حرية واعية، قائمة على الثقة. وحين قرر والدها أن يبدأ حياته من جديد، لم تعترض، بل اختارت أن تستقل بحياتها، فانتقلت إلى هذه الشقة القريبة من عملها.
مرّت ثلاثة أيام فقط، لكنها كانت كافية لتجعل وجودها واضحًا للجميع، وخاصة وسام. فصوت الطرق، والاصطدام، وكأنها تعيد تشكيل الشقة من جديد، لم يتوقف منذ لحظة وصولها.
في إحدى الليالي، وبينما كانت الموسيقى تعلو، والضحكات تتصاعد من شقتها، لم تحتمل والدة وسام الضوضاء. نظر وسام إلى أمه، فوجد الإرهاق باديًا على وجهها، فقرر أن يتدخل.
صعد الدرج بخطوات مترددة، ثم وقف أمام باب شقة مي، وطرق الباب مرة، ثم أخرى، ثم ثالثة، لكن دون جدوى. استمر في الطرق، حتى بدأ صبره ينفد.
وبعد دقائق، انفتح الباب أخيرًا…
ظهرت مي، بعفويتها المعتادة، شعرها مبعثر قليلًا، وعيناها تلمعان بحيوية، وخلفها أصوات الضحك والموسيقى لا تزال تعلو.
تلاقَت أعينهما لأول مرة.
لحظة قصيرة… لكنها لم تكن عادية.
توقف الزمن بين هدوء وسام الصامت، وفوضى مي الصاخبة.
وكأن القدر، في تلك اللحظة تحديدًا، قرر أن يضع عالمين مختلفين تمامًا… وجهًا لوجه.
_نعم؟
_ حضرتك الصوت عالي اوي ..ووالدتي مش عارفه تنام فياريت الصوت بس يهدى شوية
ترصصن الفتيات بجانبها كالقطط وضحكن في خباثة رغم ليس هناك مايُضحك
_ممم والمطلوب يعنى
استنكر وسام ردها فقال
_ مطلوب إيه مانا قلتلك
قامت مي بإزاحته بعيدًا بتقليل منه وأردفت تتشدق يمينًا ويسارًا
_ طب يلا روّح عشان تنام بدري لاحسن الحصة الأولى تفوتك!
أمتقع وجه وسام ونظر لها إمتعاضًا
_فاكرة نفسك دمك خفيف وللا حاجة ؟! دي قلة ذوق انك تردي بالشكل ده وانا بتكلم بإحترام معاكِ وبقولك لو سمحتِ وطي الصوت شوية
_ وهي مش قلة ذوق منك يا عديم الإحساس إنك تخبط فالوقت ده
_ في أميريكا لما حد من النيبورز يعلي الصوت أو يحصل إزعاج بيطلبو البوليس
تضاحكت مي بسخرية من حديثه قائلة
_ احب اقولك إن طيارة حضرتك وصلت القاهرة خلاص ،حمدلله عالسلامة وعن اذنك عشان عايزة اقفل
_ لو فضلتي عالوضع ده مش بتراعِ جيرانك ..انا هشتكي لإتحاد المُلاك وممكن الموضوع ياخد شكل انا مش حابه ، خصوصًا إنك آنسة وقاعدة لوحدك
_لا يا بابا بنت بس بميت راجل اوعى تفتكرني بنت ومكسورة والحركات دي انسى
رمقها وسام بنظرة ازدراء من رأسها حتى أخمص قدميها، ثم استدار في صمتٍ بارد، ودخل شقته وأغلق الباب في وجهها قبل أن تتمكن حتى من استيعاب ما حدث. كان الموقف صادمًا، لكن غضبه كان أشد من أن يسمح له بالتفكير. في الداخل، كانت والدته قد تابعت المشهد كله، فاستقبلته برأي حاسم، زاد من حدة انفعاله، بينما حاول والده تهدئة الأجواء، مقترحًا التدخل بحكمة لتفادي أي مشكلات مع الجارة الجديدة. لم يبدِ وسام اعتراضًا صريحًا، لكنه انسحب إلى غرفته مثقلًا بالضيق، مستنكرًا في داخله جرأة تلك الفتاة التي تجاوزت حدودها في نظره.
على الجانب الآخر، كانت شقة مي تعج بالضحك والضوضاء. راحت صديقاتها يتبادلن التعليقات الساخرة والمعجبة في آنٍ واحد حول وسام، بينما حاولت مي التقليل من شأنه، مدفوعةً بغيظها من تصرفه، فأخذت تسخر منه وتتوعد برد اعتبارها. وسط هذا الصخب، برز صوت منة مختلفًا، إذ رأت أن ما حدث لم يكن مبررًا، وأن مي قد أخطأت بتصرفها، فحاولت تهدئة الأجواء واقترحت خفض صوت الموسيقى احترامًا للجيران.
لم تلقَ كلماتها ترحيبًا كبيرًا، بل قوبلت بالسخرية، إلا أنها تمسكت برأيها بهدوء. ومع ذلك، لم تستطع الانفصال عنهن، فهي، على عكسهن، لا تشبه هذا الصخب، لكنها تخشى الوحدة أكثر، فآثرت البقاء ضمن الدائرة، حتى وإن اضطرت أحيانًا لمجاراة ما لا يشبهها.
••••
مع إشراقة صباحٍ هادئ، نهض وسام من نومه كعادته، يتحرك بروتينٍ محفوظ لا يكاد يختلف عن سابقيه. أعدّ قهوته بعناية، وارتدى ملابسه في صمت، ثم وقف أمام المرآة يرتب مظهره، حتى توقفت عيناه فجأة عند خصلاتٍ بيضاء تسللت إلى شعره دون استئذان. مرّر أصابعه عليها ببطء، وكأنّه يتحسس مرور الزمن فوق رأسه، فداهمه شعورٌ خافت بأن العمر يمضي أسرع مما ينبغي، وأنه لم يحقق بعد ما يستحقه من أحلام. غير أنه سرعان ما طرد تلك الفكرة، رافضًا أن يفسد صباحه بهذا الثقل، ومضى إلى يومه متماسكًا.
في العمل، بدا كل شيء عاديًا، حتى حانت استراحة الغداء. اقتربت منه منى برفقة شريف، ودعواه لمشاركتهم الطعام، فحاول الاعتذار مكتفيًا بوجبةٍ خفيفة، إلا أن شريف لم يترك له خيارًا، فاستجاب على مضض، وخرج معهم إلى مطعمٍ قريب اعتادوا الذهاب إليه بين الحين والآخر.
جلس الثلاثة يتبادلون أطراف الحديث، وسرعان ما أخبرتهم منى بأنها التقت بالشخص الذي تقدم لخطبتها، وأنها تشعر بالارتياح نحوه، بل وتتوقع أن تُزف إليهم أخبارًا طيبة قريبًا. هنأها وسام بصدق، متمنيًا لها التوفيق، بينما لم يفوّت شريف الفرصة لإضفاء مزاحه الثقيل، مما أثار ضيقها وضحكهما في آنٍ واحد، قبل أن يبتعد قليلًا ليرد على مكالمة هاتفية.
بقي وسام مع منى، وسألها بهدوء عن اقتناعها، فأكدت له أنها استخارت الله وتشعر بالطمأنينة. وبينما كان الحديث يسير بهدوء، انفتح باب المطعم ودخلت دنيا… خطيبته السابقة.
تجمد الزمن للحظة في عينيه. مر عامٌ كامل منذ آخر مرة رآها، لكنها لم تعد كما كانت؛ بدا عليها الإرهاق، وتلاشى ذلك البريق الذي كان يأسره يومًا. تسارعت دقات قلبه، وكاد ينهض دون تفكير ليسألها عما أصابها، غير أن عقله شدّه بقوة إلى مقعده، مذكّرًا إياه بأنها من اختارت الرحيل. فظل جالسًا، يتنازع داخله صوتان: أحدهما يدفعه نحوها، والآخر يكبّله في مكانه.
عاد شريف، وعاد معه إيقاع اللحظة، لكن وسام لم يعد كما كان. أنهى طعامه على عجل، يسرق نظراتٍ خفية نحوها، فوجدها تجلس وحدها، تأكل في صمتٍ ثقيل يحمل من الحكايات ما يعجز الكلام عن قوله.
وحين همّ بالمغادرة، مرّ بالقرب منها دون أن يلتفت، كأنّه يحاول الهروب من شيءٍ يعرفه جيدًا. لكنها أوقفته بصوتٍ هادئ، يحمل أثر الماضي:
سلّم عليها بصوتٍ متردد، فترددت لحظة، ثم طلبت منه دقائق معدودة. نظر إلى أصدقائه معتذرًا، واتجه نحوها، وجلس أمامها… وبينهما ألف سؤال لم يُطرح بعد..