رواية جحيم آل مارينتوس الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم سارة بركات


رواية جحيم آل مارينتوس الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم سارة بركات


متنسوش اللايك والشير

"واغفرلي ذنبي"

رفع دييجو يده على استعداد في جَلدِها ولكنها صرخت بخوف لتتوقف يده في الهواء:

- ماذا تفعل أيها المجنون؟

ظل يرمُقها بهدوء ويديه مازالت عالقة في الهواء، بينما كانت إيلينا مُغمضة العينين وجسدها يرتجف من الرُعب كما أن عبراتها قد انهمرت على وجنتيها .. واستأنفت قائلة من بين عِبراتها:

- ابتعد عني، أرجوك.

أردف دييجو ببرود:

- ما الأمر؟ أين ذهبت شجاعتكِ؟

فتحت عينيها اللامعتين وتقابلت مع خاصتيه .. وأردفت بارتجافة بسيطة:

- ماذا تُريد مني؟

ركع دييجو أرضًا لكي يُصيح مُقابلها، ثم مال قليلا نحوها حتى انعدمت المسافات بينهما وظل صوته هادئًا مما بثَّ الرعبُ داخل قلبها:

- أخبرتكِ من قبل، حينما تتحدثين عني وعن إخوتي، فكري جيدًا فيما تقولينه .. فأنتِ لا تعرفين بعدُ من نحن.

ظلا ينظران لبعضهما لثوانٍ، يرى ارتجافها .. يرى ضعفها وخوفها بينما شعرت إيلينا بصغر حجمها أمامه هكذا، تحدثت بارتعاش وبكاء:

- لقد قتلتَ أبي .. لقد حرَمَتَنِي منه.

ظل دييجو ينظر في عُمقِ عينيها بهدوء حيث كانت عبراتها تنساب على وجنتيها بينما ازداد صوتها اختناقًا:

- كيف تريدني أن أتحدث عنك باحترام وأنت من دمرني.

ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يُجيبها دييجو ببرود:

- أريدكِ أن تفهمي أن كراهيتكِ لي لا تمنحكِ الحق في تجاوز حدودكِ .. ثم إنكِ لا تعلمين الحقيقة الكاملة آنسة إيلينا.

تجمدت في مكانها وحدقت فيه بعدم استيعاب:

- أية حقيقة؟

ظل دييجو صامتًا للحظات قبل أن يتفوه بهدوء:

- سأرسل لكِ ما يُثبتُ أن آل مارينتوس لم يلطخوا أيديهم بدماء والدك.

ثم نهض ببطء ونظر إليها من عُلُو؛ ليقول قبل أن يُلقي السوط بعيدًا:

- وبالمناسبة، أنا لا أضربُ النساء.

رمقته إيلينا بدهشة بينما استأنف دييجو بتوضيح:

- لأن النساء خُلِقنَ للحُب والاهتمام والرعاية وهذا ما نشأنا عليه أنا واخوتي.

ثم انحنى قليلاً نحوها وأضاف بجدية:

- ولكن هذا لا يعني أنني سأسمح لإمرأةٍ بأن تقوم بإهانتي وتتهمني أنا وعائلتي بجرائم لم نرتكبها .. وحينما تعرفين الحقيقة سيكون لكِ كامل الحق في أن تكرهيني أم لا .. ولكن قبل أن تفعلي ذلك تأكدي فقط أنكِ تكرهين الرجل الخطأ.

ظلت ترمقه بعينين دامعتين، ثم خرجت منها تنهيدة عميقة كأنها أتت من أعماق روحها، أغمضت عينيها، وفي اللحظة التالية ترنح جسدها قبل أن يهوى للأمام ولكن قبل أن ترتطم بالأرض أسرع دييجو إليها وأمسك بها من كتفيها ثم جذبها نحوه ليضُمها إلى صدره، واستقرت رأسها على صدره بينما ظلت يداها مُقيدتين بالسلاسل الحديدية نظر دييجو إلى وجهها ليقول بصوتٍ خافت:

- إيلينا؟

لم تُجيبه بل كانت فاقدة للوعي ووجهها شاحبٌ ..

- اللعنة.

همس دييجو بتلك الكلمة ولكنه زفر ببطء حينما شعر بأنفاسها المنتظمة .. ظلت ملامحه هادئة ولكن نظراته لها كانت مُختلفة كثيرًا تلك المرة، فك قيدها وحملها بين ذراعيه، ووضعها فوق فراشٍ كان موجود بهذا المكان المجهول .. ليظل جالسًا بجوارها قبل أن يتحدث بصوتٍ خافِت:

- ستعرفين الحقيقة، وحينها ستُدركين أنني لم أكُن عدوًا لكِ أبدًا.

صمت للحظة ثم مد يده ومسح عبرةً كانت لا تزال مستقرة على وجنتها واستأنف بحزن:

- بل كنتُ رجلاً يرغبُ في الزواج منكِ، إيلينا.

كان ديميتري مُستلقيًا على إحدى الآلات الرياضية يرفع وزنًا ثقيلاً بينما استقرت سماعة الهاتف في أذنه يستمع إلى برنامجها الذي كان يعرض حلقاتها القديمة إلى حين عودتها .. كان يتخيل أنها أمامه دائمًا تُحيطه من جميع الجهات .. أنهى تمرينه على تلك الآلة وهو يتنفس بصعوبة، ثم اعتدل من مكانه وتناول زجاجة المياة ليرتشف منها، قبل أن يزفر بعمق وهو ينظر إلى الآلات التي تنتظره ليبدأ تدريبه عليها ومازال صوتها يتردد داخل أذنه اقترب من آلةٍ أُخرى وبدأ تمرينه بأوزانٍ لا تقل عن السابقة، ولكنه توقف لثانية حينما اصطدمت به فتاةٌ ما عن طريق الخطأ .. التفتت ديميتري نحوها ورمقها للحظة ثم عاد ليستأنف تدريبه وكأن شيئًا لم يحدث.. أردفت الفتاة باعتذار:

- أعتذر سيدي، لم أرك أمامي.

لم يُجِبها واكتفى بمواصلة تمرينه .. راقبته به الفتاة بهدوء وهو يحمل تلك الأوزان الثقيلة ويتدرب بها كأنها لا تُساوي شيئًا تعجبت الأمر كثيرًا وأردفت بهدوء:

- مهلا سيدي أنت تقسو على نفسك.

ولكن ديميتري لم يُنصت إليها لأن صوت جوداء كان يستحوذ على عقله تمامًا .. شعرت الفتاة بالإحراج ثم ابتعدت لتُكمل تدريبها ولكن أوقفتها صديقتها التي كانت تقف إلى جوارها وقالت بذهول:

- أليس هذا السيد ديميتري مارينتوس؟ الوريثُ الأكبر لآل مارينتوس؟

عقدت الأولى حاجبيها والتفتت من جديد نحوه .. محاولةً تذكر ملامحه جيدًا .. قبل أن تقول بهدوء:

- أجل، على مايبدو أنكِ مُحقة.

أردفت الثانية بنظرة حالمة وهو تراقب تدريباته القاسية تلك:

- إنه وسيمٌ وقويٌ للغاية، ألم تري حجم عضلات جسده.

قلبت الأُخرى عينيها بتأفف وأردفت:

- هيا يافتاة تجاهلي الأمر .. لنُكمل تدريباتنا، لقد وعدت ُ أبي أن أعود باكرًا.

زفرت صديقتها في استسلام واستكملا رياضتهما وأثناء تمريناتهما كانت الأولى تُراقبه بهدوء بين الحين والآخر .. وتتساءل لماذا هو قاسيًا على نفسه هكذا؟ .. كان ديميتري يواصل تدريبه بلا توقف، وقد بدأت آثار المجهود تظهر بوضوح على جسده .. التصقت ملابسه الرياضية بجذعه كاشفةً عن بنيته القوية وكتفيه العريضين بينما كانت عضلات ذراعيه وصدره تتقلص وتسترخي مع كل حركة، برزت عروق ساعديه مع ثقل الأوزان التي يحملها وانعكست قطرات العرق على بشرته تحت أضواء الصالة الرياضية، كما بدت عضلات بطنة مشدودة مع كل تمرين، ومظهر كجسده الجذاب هذا يعكس سنواتٍ من التدريب والإنضباط كما أنه يُظِهر قوته المُخيفة خلف هذا الهدوء الذي يُظهره دائمًا للجميع .. كانت عينا ديميتري شاردتين .. بل غارقتين في مكانٍ آخر عند حبيبته جوداء.

وفي روسيا، كانت سيلفانا جالسةً بفراشها في الغرفة التي تبقى بها في قصر سيباستيان وكيساندرا، مُرتديةً منامةً تخُصُ الثانية، كانت مُبتسمة تنظر لصورها التي تم التقاطها لها على غفلة منهما هي وسايلِس في حفل الخطبة .. تلك الصورة حينما كانت بين ذراعَيه يرقُصان بينما كانت نظراتهما لها لغة أُخرى لا يفهمها إلا من ذاب عِشقًا..

قالت بابتسامة دافئة:

- أُحِبُكَ كثيرًا أيها الشرير.

زفرت بعمق وأخذت تتصفح هاتفها لتجد أن جوداء كانت تحاول الوصول إليها عقدت حاجبيها وقامت بمحاولة الإتصال بها وبعد ثوانٍ قليلة أجابت جوداء المُستلقية على فراشها بالمشفى فورًا:

- سيلفانا؟

زفرت الثانية بارتياح لتقول:

- أخيرًا سمعتُ صوتكِ! أين كُنتِ يا فتاة وأين أنتِ الآن؟ هل شغلكِ السيد ديميتري عنا جميعًا لهذه الدرجة؟

عقدت جوداء حاجبيها بعدم فِهم وأردفت بحيرة:

- ماذا؟

ابتسمت سيلفانا قائلة بخُبث:

- لستِ بحاجة لإخفاء الأمر، علمتُ من سايلِس أنكما كُنتمَا سويًا في الهند، أين أنتِ الآن؟

زفرت جوداء ببطء لتقول بهدوء:

- في المشفى بإيطاليا.

عقدت سيلفانا حاجبيها وأردفت بحيرة:

- ماذا تفعلين هُناك؟

احتارت جوداء في أن تُخبرها أن حبيبها حاول قتل ديميتري لتأخذ صديقتها الرُصاصة بدلاً عنه؟ أم تُخبرها ماذا؟ ولكنها زفرت قائلة:

- تتذكرين مرضي في الآونة الأخيرة، صحيح؟

- أجل، ماذا حدث؟

- لقد كانت الزائدة الدودية وقد جعل الله سيد ديميتري سببًا في إنقاذي .. الحمدلله.

عقدت سيلفانا حاجبيها قائلةً بتوجس:

- كيف حالُكِ؟ هل أصبحتي بخيرٍ الآن؟ متى ستخرُجين؟

أجابتها جوداء بهدوء:

- يقولون أنني أستطيع الخروج غدًا .. أستطيع المشي قليلاً كانت الممرضات يُساعِدنني اليوم في هذا الأمر.

صمتت سيلفانا لثوانٍ ثم أردفت:

- اشتقتُ إليكِ جوداء.

ابتسمت جوداء بدفء والتمعت عينيها محاولة منع غصتها ولكنها لم تستطع:

- وأنا أيضًا .. كثيرًا.

أردفت سيلفانا بعدم فهمٍ من نبرة صوتها تلك لتقول بحيرة:

- ماذا هُناك؟ هل أنتِ بخير؟ ماذا حدث؟

انهمرت عبرات جوداء وأردفت بهدوء:

- لقد حدث الكثير .. أنا فقط أحتاجُكِ سيلفانا.

قالت آخر جُملة ببكاء شديد .. تحدثت سيلفانا بقلق:

- جوداء، ماذا هٌناك؟ هل تريدينني أن أعود الآن؟ هاه؟

هزت جوداء رأسها كأنها تراها أمامها دون أن تنطق بكلمة، زفرت سيلفانا بهدوء ثم أردفت:

- سآتي إليكِ حسنًا؟

تحدثت جوداء قائلةً بغصة:

- وسايلِس؟ هل سيعترض إذا أردتِ الرحيل باكرًا؟

اشتدت نظرات سيلفانا وأردفت بضيق:

- فليذهب إلى الجحيم.

قهقهت جوداء من بين دموعها لتبتسم سيلفانا هي الأُخرى مُستأنفةً:

- انظُري، سايلِس لن يعترض، سيبحث عن راحتي .. ثم إنني مللتُ المكان الذي أنا به، هو جالسٌ مع صديقه وأنا أبقى وحدي داخل غرفتي .. بالطبع طردته من غرفتي قبل قليل ولكن هذا ليس مُبررًا لأن يتركني وحدي هكذا.

عقدت جوداء حاجبيها بعدم فهم:

- ماذا؟

أردفت سيلفانا باستيعاب:

- لقد نسيت أن أُخبركِ .. لقد حدثت الكثير من التطورات وانتهت بارتباطي أنا وذلك الشرير المغرور المتعجرف، قاسي القلب.

زفرت بارتياح بمجرد أن أنهت كلماتها تلك، بينما كانت جوداء مصدومة بتلك التطورات الغريبة استأنفت سيلفانا حديثها بهدوء:

- ساُغلق الآن وسأخبر سايلِس أنني أرغب بالعودة.. لا ترحلي من المشفى بدوني هل سمعتي؟

أردفت جوداء بهدوء:

- حسنًا.

أغلقتا سويًا وقامت بالإتصال بسايلِس والذي بعد دقائق دخل غرفتها، قائلاً بقلق وهو يقترب منها:

- ماذا هُناك؟ هل أنتِ بخير؟

عقدت حاجبيها كما أنها طبقت ذراعيها وأردفت:

- أريد العودة لإيطاليا.

رمقها سايلِس بحيرة ليقول:

- بالطبع سنعود بعد ثلاثة أيام كما تعلمين.

نفَت برأسها قائلةً:

- الآن.

حرك سايلِس رأسه بعدم فهم من تقلُباتها تلك، قائلاً بهدوء:

- لماذا؟

زفرت ببطء قائلة:

- إن جوداء مريضة بالمشفى ويجب أن أكون بجانبها لا أستطيع البقاء هنا وأنا أعلم أن صديقتي تحتاجني.

أظلمت عينا سايلس ورمقها بهدوء ليقول:

- وما سبب وجودها بالمشفى؟ ماذا أخبرتكِ؟

زفرت سيلفانا قائلة:

- الزائدة الدودية، لا أحب أن أتركها وحدها .. من فضلك سايلِس يجب أن أكون بجانبها.

همهم سايلِس بهدوء قائلا:

- بالطبع، يجب علينا أن نقوم بزيارتها .. هيا سنذهب.

ذُهِلَت سيلفانا بسبب موافقته السريعة تلك ودون أن تشعر ألقت نفسها بين ذراعيه ..

- شكرًا، سايلِس .. شكرًا كثيرًا.

ضمها سايلِس بقوة وقبل شعرها الأسود بدفء، بينما كان يفكر في بعض الأشياء التي يجب أن يفعلها حين عودته إلى إيطاليا.

ساعد ستيفانو جلوريا في نزع المريول عنها ..

- لقد أرهقتكِ كثيرًا اليوم.

قال تلك الكلمات باعتذار وهو يقوم بضبط هيئة شعرها ثم في النهاية طبع قُبلةً استقرت على كتفها.. التفتت جلوريا نحوه بحِرص وساعدها في ذلك لتستقر بين ذراعيه القويتين ..

- سأكون دائمًا إلى جانبك ستيفانو، أعدُكَ بذلك.

حدق بها ستيفانو وأردف بهدوء:

- لا أدري كيف أحببتكِ جلوريا ولكن حينما رأيتكِ عرفت وقتها أنني سأذوب بكِ عشقًا.

احمرت وجنتيها خجلاً ليرى ستيفانو خجلها ذلك ليهمس لها:

- أريد أن نتزوج جلوريا.

تجمد جسدها من صدمتها مما سمعته وارتجفت شفتيها .. لاحظ ستيفانو صمتها ذلك ليتساءل بحيرة:

- ماذا هناك؟

ابتلت ريقها بهدوء وأرددفت بتخبط:

- لقد فاجأتني، ستيفانو .. أشعر أن الأمور بيننا تتطور بشكلٍ سريعٍ قليلاً.

أردف ستيفانو بهدوء:

- لماذا؟ أنتِ تُحبينني وأنا أُبادلك الشعور ذاته بل وأكثر بكثير .. فلماذا لا نتزوج؟

التمعت عينيها التي تُنظران للفراغ بدفء ثم أردفت:

- لا أدري، ربما لأن إعاقتي تلك ستكون.........

عقد ستيفانو حاجبيه وأردف بغضب:

- إذا تحدثتي هكذا عن نفسك بهذه الطريقة مُجددًا؛ فلن يمر الأمر مرور الكرام جلوريا.

ابتلعت جلوريا ريقها وأردفت بهدوء:

- أنا أعتذر.

لانت ملامحه قليلاً ثم قَبَّل يديها الإثنتين وأردف بتلقائية:

- أنا من يجب عليه الإعتذار، ماكان ينبغي لي أن أغضب .. أنا فقط أحِبُك .. أحب كل شيءٍ بكِ جلوريا وما ذكرتيهِ لا يهمني .. بل سأتكفل بعلاجكِ بالكامل .. كما أنني سأبحث لكِ عن متبرع إن لزم الأمر.

استوعب ستيفانو ما قاله وضرب مقدمة رأسه بكف يده، بينما عقدت جلوريا حاجبيها بعدم فهم وأردفت بحيرة:

- كيف ستأتي بالمال ستيفانو؟

حمحم ستيفانو وحاول أن يبحث عن إجابةٍ منطقية ولكن قاطع حديثهم دخول ماولو للمطبخ:

- ستيفانو، هيا سنُغلِق المتجر.

استغل ستيفانو فُرصة دخول ماولو وأردف قائلاً:

- حسنًا، ماولو.

ثم التفت برأسه نحو جلوريا وأردف بهدوء:

- هيا نرحل جلوريا.

أمسك بيدها ليجعلها تتبعه بينما كانت شاردة في حديثه ..

انتهى ديميتري من تمارينه في الصالة الرياضية وذهب للحمام ليُزيل عن جسده إرهاق التمرين وبعد أن انتهى ارتدى ثيابًا أُخرى نظيفة ثم حمل حقيبته الرياضية وخرج من الصالة الرياضية بينما كان ينزل على أدراج المبنى آتاه إتصال هاتفي، التقط هاتفه وابتسم بدفء حينما رأى اسمها يحتل شاشته وأجاب فورًا:

- مرحبًا فيرونيكا.

ليسمع صوتها في الجهة المُقابلة:

- كيف حالك أخي؟ اشتقتُ إليك كثيرًا.

زفر ديميتري ببطء حينما خرج من المبنى وأردف:

- وأنا أيضًا.

صعد ديميتري سيارته وأمر سائقه بالتحرك، واستكمل حديثه مع فيرونيكا.

توقف ستيفانو أمام شقة الفتيات وهو يمسك بيد جلوريا الشاردة طوال الطريق، يعلم جيدًا أنها تفكر بحديثه معها، ولكنه تصرف كأن شيئًا لم يكن لكي لا يثير الشكوك نحوه، ضغط على زر الجرس لتقوم كارلا بفتح الباب بهدوء ..

- جلوريا، هيا ادخلي.

التفتت ببطء نحو ستيفانو على حسب إتجاه صوت أنفاسه ثم أردفت بهدوء:

- تصبح على خيرٍ، ستيفانو.

ثم دلفت داخل الشقة بمساعدة كارلا .. تعجب ستيفانو أن وداعها لها كان جافًا قليلا، ليس ككُل مرة.

بعد منتصف الليل:

اعتدلت جوداء من فراشها بصعوبة، حيث كانت محمرة العينين بسبب بكاءها وأخذت تسير صوب حمام غرفتها وقامت بغسل وجهها ثم عادت من جديد إلى فراشها وجلست فوقه بصعوبة .. أخذت تفكر كيف ستعيش الأيام القادمة وهي بتلك الحالة، لقد اكتشفت في تلك الرحلة الصغيرة أن دقات قلبها لا تدُق الطبول إلا له .. قبضت على كفي يدها بقوة محاولة التقاط أنفاسها، ابتلعت ريقها وانهمرت عبراتها من جديد .. وقعت عينيها على هاتفها التقطته بتردد وفتحته وكتبت إسمه في خانة البحث .."ديميتري مارينتوس" .. ظهر لها العديد من الصور له والتي تم تناقُلِها عن طريق الحفلات والمؤتمرات التي قام بحضورها خلال الفترات السابقة .. قامت بفتح صورة حديثة له .. وانهمرت عبراتها بكثرة لقد اشتاقت لرؤيته حقًا .. شهقت بعنف بسبب بكاءها ثم أغلقت هاتفها تحاول أن تمحو ملامحه من عقلها مرددةً دعوةً من صميم قلبها باللغة العربية الفصحى:

- يا رب، أنت وحدك تعلم كم أحببته وتعلم أنني لم أختر أن يقع قلبي فيه، ولا أردتُ أن يكون هذا الحب إمتحانًا بين قلبي وديني، لذلك جئتُكَ بقلبٍ مُثقل بالجراح، تعلم أنني لا أريدُ أن أُعصيكَ ولكنني أحببته، لذلك جئتُكَ بقلبٍ لا يُريدُ أن ينساه .. اغفرلي ذنبي؛ وأعِنِّي على ماعجزت عنه وحدي، لا تجعلني أعيش معلقة بين حبه وبين ما أؤمن أنه الطريق الصحيح؛ إن كان بقاؤه في قلبي سيأخذني بعيدًا عنك فانزعه منه برحمتك وان كان الفراق هو قدري فاجعلني أتحمله دون أن أندم على حبٍ كان صادقًا .. لا أُطلب منك أن تحول حُبي إلى كراهية ولا أن أنساه .. بل أطلب أن يهدأ قلبي لأنني أشعر أنني لا أتنفس بدونه .. هو غير مسلم وأنا مسلمة وقد يكون هذا وحده كافيًا لأن نفترق حتى وإن بقي الحب بيننا .. فاجعلني أختار ديني ورضاك واجعل قلبي يرضى بما كتبت وعوضني عن هذا الحب بسكينةٍ لا تنتهي .. خذ بيدي من حبه إليك ومن التعلق به إلى الرضا بك.

زفرت بارتياح ووضعت يدها فوق موضع قلبها .. تردد بعض الآيات القرآنية تستمد منها العون لتهدأ قليلاً، ثم استلقت بعد ذلك على فراشها لتُغمِض عينيها بسكينة.. مرت دقائق قليلة وفُتِح باب غرفتها بهدوء ثم أغلقه بعدما دلف للداخل .. اقترب ديميتري من فراشها وسحب كُرسيًا ليجلس بالقرب منها كان يُطالعها في صمتٍ تامٍ يستمع لأنفاسها المُنتظمة .. كان يُحِدقُ بملامح وجهها الهادئة، ولكنه انتبه على عبراتها الساكنة أسفل جفنيها .. مال نحوها قليلا ومد يده ليمسح عبراتها تلك ولكن تعلقت يده في الهواء مُتذكرًا أنه لا يستطيع أن يلمسها كما يريد .. ولا أن يقترب منها كما يقترب الرجل من المرآة التي يُحبها .. لقد وقع بها منذ أن رآها ولا يدري كيف؟ ولماذا؟ ولكنه يعلم أن الأمر ليس بهيِّن .. كان يجب ألا يعود إليها .. هذا ما ظل يردده لنفسه منذ أن غادر صالة الرياضة، محاولاً إقناع نفسه بأن جسده المُنهك سيجبر عقله على الاستسلام للنوم، ولكن رغم حاجته الشديدة للراحة لم يستطع أن يُغمض عينيه .. كان تفكيره بها أشد إرهاقًا من تمارينه لأنه لا يسكُنُ سوى بجانبها .. إنها كالهيروين .. أدمنها منذ اللحظة التي التقيا بها .. وقتها شعر بسكونٍ غريب بداخله .. ذلك السكون لم يشعر به من قبل .. كأن هُناك ضجيج مستمر بداخل عقله ومجرد رؤيته لها يجعل هذا الضجيج يختفي .. في كل مرةٍ يراها بها كان عقله يهدأ من التفكير، لأنها أصبحت سكونه وملجأه الوحيد؛ فوجودها أمامه يجعله يشعر بشيءٍ يشبه النجاة .. شعر بثقلِ جفنيه وهو يحدق بها وظلت عيناه معلقتين بها حتى شعر بالنعاس يتسلل إليه ببطء، ثقل جفنيه أكثر، ولم يمضِ سوى لحظات حتى مال بجسده نحوها ثم استسلم للنعاس، لتستقر رأسه بهدوء إلى جوار رأسها فوق الوسادة.

في صباح اليوم التالي:

تقلبت إيلينا في نومها قبل أن تعقد حاجبيها فجأة وكأن شيئًا ما أزعجها في نومها .. فتحت عينيها على اتساعهما وظلت لوهلة تحدق أمامها بذهول قبل أن تتفحص المكان من حولها لتجد نفسها داخل غرفتها بمنزلها .. رفعت رأسها قليلاً وأخذت تتلفت حولها محاولة استيعاب الأمور، وجلست فوق الفراش ببطء وحاولت أن تتذكر كيف أتت إلى هنا .. هل أتى دييجو بها إلى هُنا حقًا؟ ماذا حدث؟ وبينما كانت مششتة تحاول التذكر وقعت عينيها على مظروفٍ مُغلق كبير كان موضوعًا بانتظام أعلى مكتبها الخشبي .. ابتلعت ريقها بتوتر وشعرت أن ما يحمله هذا الملف هو الحقيقة التي كانت تبحث عنها منذ زمن والذي سيُخالف ماكانت تعتقده خلال السنوات الماضية .. الحقيقة التي يريد أن يخبرها بها دييجو كما وضح لها بالأمس .. قربت يدها نحو الملف لتحمله بين يديها المُرتجفتين وأغمضت عينيها للحظات ثم أخذت نفسها عميقًا قبل أن تفتحه وعندما فتحت الصفحة الأولى تغيرت ملامحها تمامًا .. الملف يحتوي على صورٍ كثيرة مُتسلسلة الأحداث داخل أحد الأماكن حيث صورته آلات تصوير المكان منذ زمنٍ، وكان هُناك صورًا لوالدها بين تلك الصور، حيث ظهر وجوده أثناء عمله .. كان عاملاً بسيطًا في ذلك المطعم وأيضًا توجد صورة لدييجو جالسًا مع بعض الأصدقاء يتناولون الطعام سويًأ، عقدت حاجبيها عندما رأت في صورةٍ أُخرى ظهور رجال مُسَلَّحِين فجأة داخل المطعم يوجهون أسحلتهم نحو ظهر دييجو وفي صورة أُخرى رأت والدها قد ترك مابيده وصورة أخرى تُظهر أنه ركض نحو دييجو الغير مُنتبه لما يحدث ليُنقذه والصورة التي تليها أن رجال العصابة انتبهوا له وأطلقوا رصاصتهم نحوه ليقع والدها غارقًا في دماءه .. وعند تلك الصورة تجمدت وانهمرت عبراتها دون توقف .. في ذلك اليوم علمت لماذا اعتذر لهم رجال آل مارينتوس .. لأن والدها أنقذ حياة أحدهم .. علمت الآن لماذا كانوا يريدون صًرف هذا التعويض الضخم لهم ليس لإسكاتهم ولكن إمتنانًا لروح والدها .. شهقت بقوة بسبب انهيارها .. لم تنظر لباقي الصور والتي هي على علمٍ تامٍ بما حدث فيما بعد وهو أن دييجو أجهَزَ عليهم وقتلهم جميعًا .. لقد ظلمتهم كثيرًا وتمنت لو تنتقم منهم جميعًا ولكن الآن ماذا ستفعل؟

- حبيبتي ماذا هُناك؟ ومتى عُدتِ بالأمس من العمل؟

دخلت والدتها الغرفة لترى ابنتها في حالة بكاءٍ هيستيري.. لتقع عينيها على ما يوجد بيد ابنتها .. وفي المشفى، كانت جوداء نائمةً مُطمئنة مرسومٌ على وجهها ابتسامة جميلة ولكن اختفت تلك الابتسامة وحل محلها الإنزعاج بسبب طرقات على باب الغرفة .. فتحت عينيها بصعوبة لتستقر على سقف غرفتها والتفتت برأسها حولها كانت قد انتشر ضوء النهار بداخل الغرفة بصورة كاملة .. التفتت بعينيها نحو الباب والذي تم فتحه من خلال دييجو الذي ابتسم بهدوء:

- صباح الخير، آنسة جوداء.

رمقته جوداء قليلاً ثم أردفت بنعاس:

- صباح الخير، سيد دييجو.

- لقد طمأنني الأطباء على حالتكِ، وقاموا بالتأكيد عليَّ أنه يمكننا إنهاء أوراق خروجكِ اليوم كما أخبرونا يوم أمس.

أومأت جوداء بهدوء وتنهدت بثقل تشعر أنه كان هُناك شيء قد خفف عنها ثِقلَ ماتشعر به ولكنه اختفى بمجرد استيقاظها .. استفاقت عندما تحدث دييجو بابتسامةٍ هادئة:

- هل أنتِ بخير، آنسة جوداء؟

رمشت بسرعة كأنها قد استفاقت للتو من غفوتها تلك وأردفت بهدوء:

- لا .. أنا بخير شكرًا لك سيد دييجو .. وأبلِغ شُكري للسيد ديميتري على حراسة رجاله لي .. ولكنني أستطيع أن أُكمل الباقي وحدي.

عقد دييجو حاجبيه وكاد أن يتحدث.. بينما زفرت جوداء ببطء لتقاطعه:

- أعلم أنه لا يُريدُك أن تتركني حتى أعود للمنزل ولكنني لا أقبل ذلك؛ لقد أرهقتك كثيرًا معي في الآونة الأخيرة.

أردف دييجو بهدوء:

- ولكنني لا أستطيع أن أترككِ وحدكِ.

هزت رأسها نافية وأردفت:

- من قال أنني وحدي، ستأتي صديقتي اليوم وتصطحبني إلى المنزل .. لا تقلق.

تردد لثوانٍ ولكن لم يكن لديه شيءٌ يفعله سوى أن يخضع لقرارها..

- حسنًا آنسة جوداء، كما تريدين.

هزت رأسها بابتسامة هادئة ليخرج دييجو من الغرفة وبعد دقائق قليلة كان قد انسحب رجال ديميتري من المشفى وفي غضون دقائق قليلة انتشر رجال سايلِس في ممرات المشفى ليسير سايلِس بخطواتٍ هادئة ومدروسة ممسكًا بيد سيلفانا يسيران صوب غرفة جوداء بعدما علموا بيانات غرفتها من الاستقبال ... طرق أحد رجال سايلِس باب الغرفة قبل أن يدلفا هو وسيلفانا للداخل، لترمُقهم جوداء بدهشة وهما سويًا لم تكن تتوقع أن يظهر سايلِس أمامها في يومٍ ما! ولكن هذا اليوم قد أتى .. لقد جاء لزيارتها، سايلِس الذي يحاول قتل جميع من حولها.

- جوداء.

استفاقت من شرودها حينما تركت سيلفانا يد سايلِس وهرولت نحوها، ثم انحنت لتُعانقها ولكن جوداء تأوهت فور ان لامست ذراعها موضع جرحها لتبتعد عنها سيلفانا بسرعة ..

- آسفة .. آسفة .. هل أنتِ بخير؟

أومأت جوداء بهدوء محاول تجاهل ألم جرحها ثم رمقت سايلِس الذي ابتسم لها ابتسامة غريبة وهادئة .. ابتسامة فهمتها جوداء جيدًا .. لأنه صاحب تلك الرصاصة التي استقرت بجسدها منذ أيام ..

- أعتذر، لم أعرفكما ..

قالتها سيلفانا محاولة كسر ذلك الصمت الغريب ثم أشارت إلى جوداء قائلة:

- سايلِس هذه صديقتي وعزيزة قلبي جوداء .. أما هذا يا جوداء فأنتِ تعلمين كل شيءٍ بالطبع.

قالت سيلفانا تلك الكلمات بمزاحٍ خفيف .. بينما ظلت جوداء ترمُق سايلِس بحذر، أنا هو فتقدم نحوها بخطواتٍ قليلة حتى وقف أمامها، ثم قال بنبرةٍ هادئة:

- مرحبًا آنسة جوداء.

صمت للحظة وعيناه تستقران عليها بثبات بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة لم تستطع جوداء أن تفهم إن كانت مُجاملة أم تهديدًا:

- سُرِرتُ بلقاءكِ، وأعتقد أن تلك لن تكون المرة الأخيرة التي سنتقابل بها.

****************************************

آرائكم؟ توقعاتكم؟ ريفيوهاتكم؟ 

ياريت نتفاعل ده اللي أقدر أقوله، وشكرا..



            الفصل الثاني والعشرون من هنا 


تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة