رواية الماسة المكسورة 2 الفصل السادس والاربعون 46 ج 2 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل السادس والاربعون 46 ج 2 
بقلم ليله عادل


في صباح اليوم التالي.

فيلا لوجين وياسين،9ص

استيقظت لوجين مبكرا على غير عادتها، وجلست أمام المرآة تصفف شعرها في هدوء، بينما بدت ملامحها ساكنة أكثر مما ينبغي، لم تنم جيدا طوال الليل، وكلما أغمضت عينيها عادت إليها صورة الطعام الذي أعدته، والشموع التي أطفأتها، وانتظارها الطويل بذلك الألم الذي أثقل قلبها ولم تستطع التخلص منه.

قاطع شرودها، دخول ياسين: صباح الخير يا حبيبتي.

لم تجبه، وأكملت تصفيف شعرها للحظات، ثم قالت ببرود: صباح النور.

لاحظ أن بها شيء ليس علي ما يرام: مالك؟

التفتت إليه أخيرا، بابتسامة بارده: مالي؟

اقترب منها خطوة: أنتِ مش طبيعية!

ضحكت ضحكة قصيرة لم تصل لعينيها: لا، أنا طبيعية جدا، يمكن لأول مرة من فترة.

عقد حاجبيه: لوجين، أنا عارفك، قولي في إيه؟

وضعت المشط جانبا، ثم استدارت إليه بغضب مكتوم: عايز تعرف في إيه؟

أومأ: أيوه.

نظرت إليه للحظات، ثم قالت بهدوء أثقل من أي صراخ: أنا تعبت يا ياسين!

تبدلت ملامحه: تعبتي من إيه؟

ارتجفت عينيها، وقالت بنبرة موجوعه: من إني كل مرة أحاول أفهم، وأبرر، وأقول لنفسي إنك عندك بنت ولازم تكون جنبها، وأقول معلش، فترة وهتعدي..

صمتت لحظة، ثم تابعت وهي تثبت عينيها عليه: بس إمبارح فهمت إن المشكلة مش في نالا، المشكلة إني بقيت دايما الحاجة اللي ينفع تتأجل..

نهضت من مكانها، وتوقفت أمامه مباشرة، قالت بصوت حاولت جعله ثابتا، لكنه خرج مرتجفا من شدة ما تحمله بداخلها: قلبي مبقاش قادر يتحمل، أنا عارفة إن ده كان اختياري، وعارفة إن بنتك ليها حق عليك، بس مكنتش متخيلة إن الموضوع هيوصل لإنك كل يوم والتاني تروح تبات عند طليقتك وأنا مطلوب مني أوفق وابقى عادي، مش طبيعي إني اقبل بالوضع الغريب ده؟! أنا بقيت احسن أني دخلية عليكم..

تغيرت ملامحه، وقال بضيق: إنت إزاي تفكري بالطريقة دي يا لوجين؟

نظرت إليه بألم: أنا مبقاش ينفع أفكر غير كده..

مد يده محاولا الإمساك بيدها، لكنها أبعدتها عنه، فقال معلقا: إنتِ مالك النهارده؟ إيه حكايتك؟

ضحكت بمرارة: حكايتي هي إنت يا ياسين..

نظر إليها بعدم استيعاب، فهو لم يتوقع أن يصل الأمر بها إلى هذه الدرجة..

بينما تابعت وهي تحاول السيطرة على دموعها: حكايتي إني مش هقدر أتحمل فكرة إنك تروح تبات عند طلقتك كل يومين بالمنظر ده، عايز تشوف بنتك على عيني وراسي، تتواصل معاها، تروحلها، تقعد معاها، تطمن عليها، ده حقها وحقك، وأنا عمري ماهعترض عليه، حتى تواصلك مع هبة طبيعي..

حاول أن يقاطعها، لكنها رفعت يدها تمنعه من الكلام: لكن كمان تنام هناك؟! وده يبقى الطبيعي؟ ومش مرة حصلت بشكل مفاجئ، لا ده بقى الطبيعي إنك تبان وأنا مطلوب اقبل بالوضع المريب ده..

زفر ببطء، وأطرق برأسه للحظة، وكأنه بدأ يدرك حجم ما كانت تخفيه طوال الفترة الماضية.

خفضت عينيها أضافت بصوت أكثر وجعا: إمبارح كنت مستنياك، وفاكرة إن إنت كمان مشتاق إننا نقعد مع بعض بعد الفترة دي كلها، أنا حتى عملتلك مفاجأة، واستنيتك ساعة ورا التانيه، وفي الآخر لقيتك بتقولي بكل بساطة إنك هتبات هناك..!

ارتجفت عيناه قليلا، وبدا عليه الندم: لوجين...

واصلت بهدوء موجوع: حسيت إن الموضوع عادي جدا بالنسبالك، كأنك مفكرتش حتى للحظة إن ده ممكن يوجعني، أو إن أنا محتاجاك، أو إنك غايب عني بقالك فترة وواحشني..

خفض عينيه، ومرر يده على وجهه بتوتر.

فتابعت بعتاب موجوع: ده إنت حتي مجيتش في مرة من المرات اللي بت فيها هناك تقولي أنا آسف، أو تحاول تفكر إزاي الموضوع ده ممكن يأثر فيا، أنا تعبت من إني كل مرة أقول لنفسي عادي، هو أب، وأنا لازم أفهم وأكبر دماغي..

ارتجف صوتها بوجع: بس أنا مش عايزة أكبر دماغي يا ياسين، أنا غيرانة، ومش هكدب عليك، ولا هقدر أفضل أمثل إن الموضوع عادي، وإني ناضجة ومتفهمة طول الوقت وأنا من جوايا نار بتاكل فيا...

رفع عينيه إليها، وكانت ملامحه قد فقدت أي محاولة للدفاع عن نفسه، لكنه ظل صامتا.

تابعت هي بصراحة موجعة: أنا عارفة إن مفيش حاجة بتحصل بينك وبين هبة، بس ده مش معناه إن مشاعري ملهاش حق، أنا مراتك يا ياسين، وليا حق أحس إن ليا مكان في حياتك، مش أفضل مستنية دوري لما تخلص كل مسؤولياتك..

ابتلع ريقه، وبدا وكأنه يريد أن يقول شيئا، لكنه تراجع وصمت.

ثبتت عينيها عليه، وقالت بصوت أكثر هدوا: ولو إنت عايز ترجع لمراتك، أنا مش هقف قصادك!

اتسعت عيناه، وقد بدا واضحا أن جملتها الأخيرة أصابته أكثر من كل ما سبق: إنتِ بتقولي إيه يا لوجين؟! إزاي تفكري كده؟! أرجع لهبة إيه بس؟!

تابع بندم واعتذار: الموضوع مش كده خالص، إنتِ عندك حق! أنا كان المفروض أفهمك أكتر، وأعتذرلك عن الفترة اللي فاتت، يمكن سكوتي خلاكي تفسري حاجات كتير غلط، بس والله ده مكانش قصدي أبدا، أنت مش آخر اهتمامي، أنت زيك زي نالا صدقيني..

امسك يدها، وتابع وهو ينظر داخل عينيها: أنا لو كنت عايز أرجعلها كنت رجعتلها من بدري، أنا اخترتك إنتِ، ولسه اختياري ليكي هو هو، وجودي جنب نالا مش معناه إن مكانك اتغير، ولا إني عايز أرجع لحياة انتهت..

تابع بتوضيح صادق: أنا بس كنت بخاف ارفض ترجع تنتكس تاني بعد ما بدأت تتحسن، بس إنتِ عندك حق... أنا غلطت، وكان المفروض أتعامل مع الموضوع بشكل أفضل من كده..

اقترب منها أكثر، وهو يتابع باعتذار: لوجين، صدقيني أنا بحبك أنتِ، وكل اللي بتمناه إنك تقبلي اعتذاري، ووعد مني إن اللي حصل ده مش هيتكرر تاني، أنا هتعلم إزاي أتعامل مع مشاكلي بعقل ونضج أكتر من كده، يمكن الحقيقة إن أنا اللي مكنتش ناضج كفاية الفترة اللي فاتت، بس إنتِ كلها 7 شهور وهيكون عندك طفل، وقتها هتفهميني، نالا نقطه ضعفي، خوفت اظلمها فظلمتك أنتِ! حقك عليا..

ارتجفت عيناها، واهتز شيء بداخلها وهي تستمع إليه. فقلبها النقي لم يرد إطالة الحزن، وكان اعتذاره الصادق وطريقته معها كافيين لتهدأت غضبها.
فابتسمت بهدوء: تمام يا ياسين، أتمنى إنك فعلا تعمل كده.

ابتسم لها، وقبل يديها برفق، ثم ضمها إليه في هدوء، وظلا هكذا للحظات، قبل أن يبتعد وهو يتساءل بابتسامة مشاغبه: طيب قولي بقى، كنتي عاملة إيه إمبارح؟

اجابته بابتسامة: كنت عاملة الأكل اللي بتحبه وولعت شموع، وقعدت مستنياك..

زم شفتيه بحسرة: يعني أنا ضيعت على نفسي حاجة مهمة اوي؟

تابع و هو يهز رأسه بأسف: تصدقي؟ ده عقاب إني أخسر حاجة زي دي.. أنتِ كده عقابك وصل..

ضحكت رغما عنها، فضحك هو أيضا، ثم حملها بين ذراعيه.

شهقت وهي تتشبث به: ياسين! إنت بتعمل إيه؟

ابتسم وهو يتجه بها نحو الفراش: بنعوض اللي فات.

نظرت إليه باستغراب: نعوض إيه؟

اقترب منها بابتسامة مشاكسة: مفاجأة إمبارح، بس المرة دي على طريقتي أنا..

فيلا سليم وماسة،9ص

وقف سليم أمام المرآة يعقد رابطة عنقه، ويستعد للخروج إلي العمل.

وبعد قليل، خرجت ماسة من المرحاض، وهي تلف منشفة حول جسدها، وأخرى على شعرها، ومازالت قطرات الماء على عنقها: خلصت يا كراميل؟

اومأ لها عبر المرأه: آه يا عشقي.

اقتربت منه، وأحضرت سترته وساعدته في ارتدائها: يومك طويل؟

مد شفتيه: مش عارف.

توقفت أمامه: طيب، أنا على الظهر كده هاخد حور وأخرج.

سألها بهدوء: هتروحي فين؟

تبسمت: هروح عند مي.

رفع حاجبه متهكما: وطبعا رايحة عشان خاطر رشدي؟

ردت بانزعاج: سليم، ملكش دعوة أنا رايحة ليه؟ وهتكلم معاها في إيه؟ أنا هروح عند صاحبتي وبس..

رمقها بنظرة حادة: طب بلاش طولة لسان، واتكلمي بأدب، عشان أنا ممكن أقولك ببساطة، مفيش خروج.

ابتلعت ريقها، وشعرت أنها بالفعل تمادت في طريقتها، فحاولت تدارك الأمر بدلال: لا يا كراملتي أنا بهزر معاك، بقولك يعني إني رايحة لصاحبتي وخلاص، ملكش دعوة هنتكلم في إيه، أن شالله نتكلم في كيفية تخليل اللفت.

نظر لها بصمت، فسألته برفق: طب فهمني إيه مشكلتك؟!

تنهد وقال بجدية: إنك رايحالها عشان رشدي، أنا معنديش مانع خالص إنك تتواصلي مع مي، بس أنا عارف ومتأكد أنتِ رايحة ليه؟!

صمت للحظة. لم يرد اجبارها على شيء، ولا جعلها تشعر أنه يقرر عنها كل شيء، هو يعرف أنها مهما كبرت ستظل في عينه حبيبته الصغيرة، لكنه لم يشأ أن يكون هذا الحب سببا في تقيد حقها في الاختيار..

تنهد بهدوء: عموما يا ماسة، أنا هخليكي تعملي اللي إنتِ عايزاه ومش هفرض عليكي حاجة، لأنك كبيرة وعاقلة كفاية وتقدري تختاري بنفسك، ولو اختيارك طلع غلط مش هقف ضدك، هفضل جنبك، ونصلح الغلط سوا.

احتضنته، وقالت بثقة: وأنا متأكدة إني مش هغلط.

ابتسم وبادلها العناق: وأنا كمان.

ابتعدت بابتسامه مشاكسة: طب يلا روح بقى شغلك بدل ما إنت قمر كده وتخليني اتحمرش بيك.

ضحك عاليا: ياريت، بس للأسف عندي اجتماع مهم،  بالليل نشوف موضوع الحمرشة ده.

وضع قبله سريعه علي شفتيها: خدي بالك من نفسك.

أومأت: حاضر.

هم بالتحرك، لكنها نادته: مش هتفطر؟

التفت إليها: لا، مش هلحق خالص، سلام

ثم تحرك مبتعدا، بينما ظلت ماسة تتابعه بنظراتها قبل أن تلتقط المخده وتحتضنها بشده وهي تردد: بحبه اوي!

فيلا مصطفى،9م

كانوا مجتمعين حول طاولة الإفطار؛ وبين الحين والآخر كان مصطفى وآلاء يتبادلان النظرات، وهو أمر لم يخف بالتأكيد عن عائشة.

نهض مصطفى: أنا همشي بقى، علشان يومي النهارده طويل. 

ثم نظر إلى آلاء: أنتِ عندك حاجة النهارده يا لولو؟

هزت رأسها: لا، أنا في البيت، هقعد أذاكر عشان عندي امتحان بكرة.

ابتسم: ربنا معاكي، هحاول أجي بدري عشان أذاكرلك شوية.

تحرك مبتعدا، وما إن خرج حتى اقتربت عائشة من آلاء وجلست بجانبها: إيه الحكاية؟ في حاجة، صح يا ماما؟

أومأت نبيلة بحماس: صح اوي.

نظرت آلاء للأرض بخجل: خلاص بقى، متكسفنيش.

ابتسمت عائشة: تتكسفي من إيه يا بنتي؟ ما تقولي وتطمنينا.

ترددت لحظة، ثم قالت: أنا ومصطفى امبارح اتكلمنا واتصالحنا، وهو المفروض بعد ما أخلص امتحانات هيكلمكم، كان عايز يكلمكم النهارده، بس أنا اللي قولتله يستنى عشان كنت مكسوفة.

زمت عائشة وجهها: والله موكوسة!

ضحكت نبيلة: خلاص يا بنتي، سيبيها، المهم الحمد لله ربنا هداهم.

انهار بابتسامه: الحمد لله، كده قلبي اطمن عليكي.

ضحك الجميع، بينما احمر وجه آلاء من الخجل.

شركة السياحة،10ص

دخل سليم بهيبته المعتاده، فاستقبله الموظفون بالترحاب، ثم اتجه إلى قاعة الاجتماعات الكبيرة، حيث كان عمار ويوسف هناك إلى جانب عدد من الموظفين الجدد.

وقف أمامهم بهدوء وثقة: صباح الخير جميعا، أتمنى يكون يوم موفق لينا كلنا، إحنا الفترة اللي فاتت وقفنا وقت كبير، وده أكيد أثر علينا، لكن إحنا راجعين أقوى من الأول..

تجولت عيناه بين الحاضرين، وتابع بثبات: الناس الجديدة اللي موجودة معانا النهارده مش اختيار عشوائي، دول من أكفأ الموظفين اللي اشتغلت معاهم على مدار السنين اللي فاتت، وواثق في كل واحد فيهم..

صمت لحظة، ثم أكمل: شغلنا الفترة الجاية مش هيكون مقتصر على السياحة بس، هنرجع نشتغل في المقاولات، وكمان عندي خطة لشغل خاص بتصنيع الألماس والذهب..

ثم أضاف: هنبدأ من هنا بشكل مؤقت، لحد ما المقر الجديد يخلص، فاضل تقريبا 3شهور والمباني تخلص، وبعدها هننقل الإدارة هناك، والشغل كله هيكون تحت اسم مجموعة الماسة...

تبادل عمار ويوسف نظرة سريعة، بينما ظل الجميع منصتا إليه

ابتسم سليم ابتسامة خفيفة، وقال وهو يجلس: يلا بينا نبدأ نرتب الشغل وندخل في المشاريع اللي هنشتغل عليها.
♥️_________________بقلمي_ليلة_عادل.

فيلا سليم وماسة،1م

ارتدت ماسة ملابس خروج أنيقة، وهي تمسك يد حور، وكانت الصغيرة ترتدي ملابس جميلة هي الأخري، وقفتا أمام الاستراحة برفقة مكي وسلوى، بينما كان أحد المهندسين يشرح لهم آخر التجهيزات.

وبعد أن انتهى وغادر، التفتت ماسة إلى سلوى: أنا همشي بقى، علشان اتأخرت على مي، المفروض كنت اروحلها من ساعة.

سألتها: هتتأخري؟ أنا عايزاكي.

أومأت: مش هتأخر.

حور بملل: بطلي رغي بقى يا سوسكا عشان نمشي، مي وحشتني.

ضحكت سلوى وهي تمسح على شعرها: لمضة زي أمك، ده سليم هيعملك إعادة تدوير عشان طولت لسانك دي.

ماسة ضاحكه: مبتعملش كده قصاده.

ضحك الثلاثة، ثم قال مكي: عشري مستنيكي.

رمقته بنظرة مازحة: جه الوقت إنك تركز في حاجة تانية غير جو المسدسات والمطاردات ده بقي يا مكي.

تدخلت سلوى وهي تضحك: يا شيخة، ده مبيعملش حاجة أصلا، معندوش غير إنه يهز راسه ويقول حلو وبس.

ضحكت ماسة: المهم إنه بيدعمك، يلا سلام.

لوحت حور بيدها: باي باي يا مكي... باي يا سوسكا.

ابتعدت ماسة وحور، وما إن اختفتا عن أنظارهما، حتى نظر مكي إليها بطرف عينه وقال بمكر: بقي أنا بهز راسي وبس؟

وقبل أن تفهم قصده، اقترب منها فجأة وبدأ يدغدغها، فصرخت من الضحك: مكي! بطل!

ركضت مبتعده وظل يلاحقها حتى جلست على الأرض وهي تضحك: خلاص، بجد بقى... كفاية!

توقف مكي أخيرا، فجلست تلتقط أنفاسها، ثم نظرت إليه: خلينا نشوف هنعمل إيه، إحنا ورانا حاجات كتير.

ابتسم مكي: يلا يا ستي، أنا واخدلك إجازة النهارده.

فيلا ياسين ولوجين،1م

جلست نالا في الحديقة تلعب بالعابها برفق هبة، بينما اقتربت منها لوجين برفقة ياسين، وفي يدها علبة كبيرة.

ما إن رأتها نالا حتى أسرعت نحوها، واحتضنتها بسعادة، بينما قالت لوجين: إزيك؟ عاملة إيه؟ وحشتيني أوي.

أجابتها بابتسامة واسعة: وإنتِ كمان يا جوجا وحشتيني، النونو عامل إيه؟ خف؟

ضحكت وربتت على بطنها: آه، النونو خف.

ثم رفعت العلبة أمامها بحماس: بصي جبتلك إيه، أنا والنونو..

فتحت العلبة، ليظهر بداخلها قطار كبير وملون.
اتسعت عينا نالا بسعادة: إيه ده؟! القطر ده حلو أوي! أنا كان نفسي في واحد زي ده، عرفتي منين؟

ابتسمت لوجين: الجنية الطيبة جت قالتلي في الحلم إن نانا الحلوة نفسها في قطر كبير.

تسألت هبة: حقيقي عرفتي منين؟

اجابتها بهدوء: كانت مرة عندنا وشافت قطر في فيلم، وقالت إنه حلو أوي وإن نفسها في واحد زيه.

هبه بسخرية مبطنه: أممم، إنتِ من النوع اللي بيركز في التفاصيل وكده.

أومأت وقد فهمت سخريتها: آه، أصل التفاصيل بتوضح إن اللي قدامك مهتم بيكي فعلا ولا لا، وهو ده اللي بينجح العلاقات..

ثم التفتت إلى نالا بحماس: يلا نلعب أنا وإنتِ، ونخلي ماما وبابا يلعبوا معانا بالقطر..

صفقت نالا بحماس: يلا!

وبالفعل، جلس الأربعة على العشب، وانشغلوا باللعب بالقطار، بينما كانت ضحكات الصغيرة تملأ المكان
وبعد قليل، عادت لوجين وهي تحمل طبقا صغيرا من كعكة المانجو التي تحبها نالا.

ابتسمت نالا بسعادة: الله كعكة المانجو، بحبها اوى.

مسحت لوجين على شعرها: أنا عملاها مخصوص علشانك.

جلست بجوارها، وبدأتا تتناولان الكعكة معا، بينما كان ياسين يراقبهما بابتسامة هادئة.

وبعد انتهائهم من تناول الكعكه، جلسوا تحت أحدى الأشجار، وأخذت لوجين تروي لها إحدى الحكايات من كتاب الأطفال، حتى انتهت منها.

صمتت قليلا، ثم نظرت إليها وتساءلت: لسه زعلانة، وبتخافي مني؟

هزت نالا رأسها: لا خلاص يا جوجا، أنا مش زعلانة منك.

ثم ابتسمت وأضافت: أنا بحبك، عشان بتخلي بابي ييجي يبات ويلعب معايا.

نظرت إليها بحنان، ثم سألتها: طب إيه رأيك تيجي تباتي معانا إنتِ كمان وتنامي جنبي؟

ابتسمت نالا: ماشي.

كان ياسين وهبة يقفان بعيدا، يراقبان المشهد في هدوء.

هبة بابتسامة: كويس والله إن نالا رجعت تتعامل معاها كويس.

نظر إليها وقال بجدية: أتمنى بقى متبوظش دماغها تاني.

رفعت حاجبها: مش هرد عليك.

تنهد: المهم، أنا كلمت الدكتور في موضوع البيات وقال إن الأفضل تفهم إن مش هينفع ابات عندها كل مرة، ولو حصل، يبقى في ظروف معينة مش بشكل مستمر، والأفضل كمان إنها تروح تبات عندي أوقات، وإنتِ كمان ممكن تيجي تقعدي معاها 

أومأت: مفيش مشكلة، المهم نعمل اللي يكون في مصلحتها.

المصحة التي بها طه،1م 

جلس طه على الفراش بجسد ساكن، وعينان مثبتتان في الفراغ، غارقا في حالة من الانفصال التام عن الواقع.

دخل سليم برفقة الطبيب: زي ما إنت شايف، مفيش أي استجابة..

نظر سليم إلى طه بحزن: طب هيفضل كده؟

تنهد الطبيب: للأسف، إحنا بنحاول معاه بالجلسات والأدوية، بس لحد دلوقتي مفيش استجابة.

سأله: هو أصلا سامعنا؟

هز الطبيب رأسه: يجوز.

صمت لحظات: طب أنا عايز أقعد معاه لوحدنا.

أومأ الطبيب: خد راحتك.

خرج الطبيب، وبقي سليم مع طه.

جلس أمامه، وظل يتأمله بحزن، قبل أن يقول بخفوت: أنا مش عارف إنت سامعني ولا لأ، بس بتمنى من قلبي تكون سامعني.

صمت لحظة، ثم تابع: مراد راح اه، بس لسه عندك تيم، هو مبقاش عنده غيرك، ارجع عشانه..

انخفض صوته أكثر: اللي حصلك بشع بكل المقاييس، وأنا عارف إن للإعتذار مش هيرجع حاجة، بس إنت لازم تبقى كويس عشان تيم، تيم محتاجك يا طه، محتاج أبوه، مش هينفع يخسرك بعد مراد ومنى..

لكنه لم يتحرك ساكنا، ظل كما هو، تنهد سليم بثقل: بس أوعدك، وإنت عارف وعد سليم، أني هاخد بالي من تيم، وهحاول أخليه إنسان كويس، يمكن يطلع أحسن مننا كلنا..

نظر إليه طويلا، ثم همس: يمكن دي الطريقة الوحيدة اللي أقدر أكفر بيها عن ذنبي... 

صمت قليلا، وعيناه لم تفارقا طه: أنا مكنتش عايز كل ده يحصل، بس انتقام ربنا كان كبير، وأنا مش هبطل أجيلك، وإن شاء الله هتكون أحسن المرة الجاية..

قبل رأسه، وتحرك إلى الخارج.

فيلا فريدة،2م.

جلس فريدة وسليم معا في الحديقة، يتبادلون الحديث.

فريدة بصدمة: أنا مكنتش أعرف إن كل ده بيحصل ليه محكيتليش؟

زفر بثقل: لأني بطلت أثق في حد، بتمنى الكلام ده ميتقالش لإبراهيم، أنا حكيتلك عشان أفهمك اللي حصل ده حصل إزاي.

سألته: وإنت ناوي تعمل إيه؟

تنهد: قررت أوقف كل حاجة، وهركز في حياتي مع مراتي ووولادى.

ثم سأل: مريم وزين وتيم فين؟

فريدة: مريم وزين ف المدرسه، وتيم في أوضته، تعبان جدا من ساعة اللى حصل، بفكر اوديه لثرابيست.

نهض: طب هطلعله.

وبالفعل، صعد إلى الطابق الثاني حتى وصل إلى غرفة تيم طرق الباب، ثم دخل.

كان تيم جالسا على الفراش، يبدو عليه الحزن، وقد نمت لحيته بعشوائيه.

دخل بخطوات هادئة، وحاول التحدث بمرح: إيه يا عم المنظر ده؟ مفيش مرايات هنا تبص فيها ولا ايه؟ 

رفع عينيه إليه: سليم.

جلس أمامه: يا ابني، قول عمو، شوية احترام.

لم يبتسم تيم، فامسك سليم بيده: طب هتفضل زعلان كده؟ ده هيغير حاجة من الواقع؟ هيرجعهم؟ لو الزعل والحزن بيرجعوا اللي ماتوا، كنا زعلنا عشان نرجع كل الناس اللي بنحبهم تاني.

نظر إليه تيم بعينين ممتلئتين بالحزن: أعمل إيه؟ أنا ما بين يوم وليلة فقدت امي واخويا، وابويا كمان بعدهم، مش قادر أستوعب إنهم سابوني لوحدى ومش هشوفهم تاني.

ضغط سليم على يده: إنت مش لوحدك، إحنا جنبك.

تيم بحزن: حتى لو كنتوا جنبي، محدش هيقدر يعوض مكانهم.

أومأ سليم بحزن: أنا عارف إن منى كانت قريبة منكم، بس تفتكر إنهم هيبقوا مبسوطين وإنت كده؟ أنا عارف إن الموضوع صعب، بس حاول تقاوم الحزن علشان تقدر تكمل.

سأله بهدوء: هم بجد ماتوا في حادثة ولا حد قتلهم؟

سليم بثبات محتال: محدش قتلهم، ماتوا في حادثة فعلا.

صمت لحظة، ثم قال: طيب إيه رأيك تيجي تعيش معايا؟ بيتي حلو اوي، هتحب القعدة هناك وهتلاقي أجواء مختلفة تماما عن القصر.

رمش تيم بحزن: أنا أصلا مش عارف أنا ليه قاعد عند عمتو، عايز أرجع القصر، مش عايز اخس إني لاجئ او عبيء علي حد.

سأله بعقلانية: هتعمل إيه في القصر؟ مفيش حد هناك، مش هتلاقي غير جدك وجدتك، وذكريات مؤلمة، اسمع الكلام وتعالى اقعد معايا، مش عندك امتحانات الفترة دي؟

هز تيم رأسه: مدخلتهاش.

نظر إليه بحنان: مفيش مشكلة، عوض السنة الجاية، وممكن أنجحك برضو بمكالمة تليفون، انت تيم الراوي.

تبسم تيم رغما عنه.

ربت سليم على كتفه: أيوه كده اضحك، وفكر في موضوع إنك تيجي تعيش معايا، صدقني هتنبسط، وهتكون في بيت عمك.

أومأ تيم بحزن، فنظر إليه سليم بتأثر، ثم سحبه نحوه وضمه، وربت على ظهره بحنان.

منزل مي،2م.

وقفت ماسه امام الباب تحمل علبة انيقه من الشيكولاته، بينما كانت حور تحمل بين يديها بوكيه من الورد.

نظرت حور إليها: هي تعرف إني معاكي؟

هزت رأسها: لا متعرفش، عاملينلها مفاجأة.

اومأت بحماس ووقفت تنتظر فتح الباب وظهور مي، بينما قرعت ماسة الجرس.

وبعد ثوانٍ، فتحت مي الباب، وما إن وقعت عيناها على حور حتى تجمدت من المفاجأة: جنة!

جلست أمامها واحتضنتها وقبلتها بسعادة: وحشتيني أوي! عاملة إيه؟

قدمت لها باقة الورد: الحمد لله، خدي الورد ده أنا جبته ليكي، مع إني زعلانة منك يوم ويوم ويوم، عشان مكنتيش بتيجي ولا بتكلميني في التليفون.

ضحكت ماسة: ما هي كانت تعبانة، ومكانش معاها تليفون، بعدين احنا لما بنشوف حد تعبان بنقوله إيه؟

قالت حور: سلامتك يا مي.

ماسة بتصحيح: حور عيب، اسمها طنط مي.

اعترضت فورا: لا، مي صاحبتي!

ابتسمت مي: سيبيها براحتها.

ثم قالت بفرحة: عاملة إيه؟ أنا مبسوطة أوي إنك جبتيها معاكي، مفاجأة حلوة.

قدمت لها علبة الشوكولاتة، فاخذتها منها: ميرسي، اتفضلوا.

دخلوا جميعا إلى الصالون.

جلست ماسة على الأريكة بجانب حور، بينما جلست مي على الكرسي المقابل.

سألتها ماسة باهتمام: أخبارك إيه؟ وحشاني جدا.

اومأت بابتسامة: الحمد لله.

ماسة بخجل: معلش بقى، الفترة اللي فاتت كانت ملخبطة، معرفناش نتكلم.

أومأت بتفهم: أنا عارفة وفاهمة والله.

ثم سألتها: بقولك صح، متعرفيش حاجة عن لوجين؟ اختفت فجأة!

تنهدت ماسة: هي حامل وحملها تاعبها، أنا مبتواصلش معاها خالص لأسف، بس كلمتها مرة من عند ياسين.

أومأت مي: أنا برضو قفلت تليفوناتي، فممكن تكون بتكلمني على الأرقام القديمة ومش عارفة توصلي.

قاطعتهم حور فجأة وهي تمسك يد ماسة: شوفتي يا مي؟ ماما حلوة إزاي! طلعت عينيها شبهي.

أضافت بعتاب: إنتِ ليه مقولتليش إنك تعرفي ماما؟ إنتوا كنتوا عاملينلي مفاجأة وحشة! أنا محبيتش المفاجأة دي.

توترت مي ولم تعرف ماذا تقول، بينما تدخلت ماسة سريعا: هي مكانتش شافتني، علشان عمو رشدي اتجوز مي بعد ما أنا وبابا سافرنا بسنين كتير، بس اتعرفنا علي بعض لما رجعت من السفر، بقينا أصحاب.

هزت مي رأسها مؤكدة: آه، بالضبط كده، أنا مكنتش عارفاها، ومشوفتهاش قبل كده، رشدي عملي مفاجأة برضو، وأنا كمان محبيتش المفاجأة الوحشة دي، وزعلت منه يوم ويوم ويوم زيك.

ضحكت حور: خلاص يا مي، أنا هصالحك وهرسمك، ولما اشوف رشدي هضربه عشان مش عرفك مين بابا وماما.

مسحت ماسه على شعرها: حوري، إيه رأيك ترسمي مي دلوقتي، عشان ماما عايزة تتكلم معاها كلام كبار لحد ما تخلصي الرسمة؟

نظرت إلى يديها: أنا مش معايا ألوان.

همت مي بالتوقف: أنا هجيبلك ألوان وكراسة رسم من عند أولاد أخويا.

نهضت، وبعد قليل عادت ومعها كراسة وألوان وأقلام رصاص، وقدمتها لحور: اتقضلي يا ستي.

اخذتهم منها: هعملك رسمه حلوه خالص.

جلست حور بعيد قليلا، بينما جلست ماسة بجوار مي، وهمست بهدوء: كنت عايزة اطمن عليكي، بقلنا كتير مبنتكلمش، عايزين نرجع تاني أصحاب زي زمان ونخرج انا وانت ولوجين وسلوى.

ثم أضافت بتهكم: ولا هتبقوا زي هبة وأصحابها؟

هزت مي رأسها: لا يا ستي أنا عن نفسي مش زي حد، بس والله الدنيا ملخبطة معايا خالص، وكنت عايزه اجي أعزي في مراد ومنى بس معرفتش، مش عايزه احتك بيهم خالص.

تأملتها للحظة، ثم سألتها: طب إنتِ ليه مبتروحيش لدكتور نفسي؟

أومأت: ما أنا بروح فعلا لدكتور شريف.

رفعت حاجبها بمكر: الدكتور اللي بتتصوري معاه كتير؟

أومأت: آه، هو.

شعرت أن بإمكانها استخلاص معلومات أكثر، فسألتها بنبرة تبدو عفوية: إيه الحكاية بقى؟

أومأت مي سريعا: لا، دماغك متروحش بعيد.

تبسمت ماسة: أصل بصراحة صوركم يعني، توحي أن الموضوع مش مريضه ودكتور وبس!

أومأت: صدقيني لا، هو بس حد أنا برتاح معاه في الكلام، وبيحاول يخليني مبسوطة، بس صدقيني مفيش أي حاجة، أصلا معنديش حاجة أديهاله.

تساءلت: طب افرضي هو كان عنده مشاعر؟

أجابتها دون تردد: أنا معنديش مشاعر لا ليه ولا لغيره، صدقيني يا ماسة، شريف بالنسبالى مجرد دكتور وبس، وبعدين يا بنتي أنا لسه في عدتي، إزاي أفكر أصلا في فكرة زي دي؟ عيب وحرام.

قالتها وشردت للحظة، وكأن عقلها ذهب رغما عنها إلى رشدي.

لاحظت ماسة ذلك، فسألتها بمكر: لسه قلبك متعلق برشدي؟

مي بضيق: ماسة، أرجوكي مش عايزة أتكلم في الموضوع ده.

نظرت إليها للحظات، ثم قالت بهدوء: حاولي تديله فرصة يا مي، متجمديش قلبك، أنا نفسي كنت الغلطانة لما مسمعتش سليم، ويمكن لو كنت سمعته، أو سمعت قلبي، مكناش خسرنا سنين كتير وإحنا بعيد عن بعض.

امسكت بيدها: أنا مريت بكل اللي مريتي بيه، واخترت إني أسامح؛ لأني بحبه ولانه يستاهل الفرصه، كل انسان لازمه فرصه.

مي بحدة ممزوجة بالضيق: بس سليم مخانكيش يا ماسة؟! ومكانش سبب في تدمير حيات ناس تانيه، أنت مشكلتك مع سليم كانت علشان اسلوبه معاكي، وبصراحه بقي ردود فعله مهما كانت عنيفه، كان عنده سبب ليها، وبعد عشرتي مع العيلة دي، سليم يعتبر الملاك اللي فيهم..

نظرت إليها بجدية: لكن رشدي خاني مرتين وأنا في حياته، ده كان بيعاكس بنات وأنا قاعدة جنبه في شهر العسل! ودمر أخوه، وسرق بنته، وكان هيقتلك وهددك، بتقارني إيه ب ايه بجد؟!

صمتت لحظة، ثم قالت برجاء ممزوج بالاختناق: أرجوكي، مش عايزة أتكلم في الموضوع ده، لو بتحبيني وبتعزيني متجبيش سيرته قدامي تانى.

تنهدت ماسة استسلام: خلاص، أنا آسفة، متقلبيش وشك عليا، أنا جاية أقعد معاكي ونقضي وقت حلو.

ثم نظرت إلى حور: تعالي نقعد مع حور.

جلستا بجوار الصغيرة، وسرعان ما انشغلن بالحديث معها، بينما أخذت مي ترسم معها وتضحك على اختياراتها في الرسم.

وبعد قليل، نهضت مي إلى المطبخ، ثم عادت وهي تحمل أكوابا من الهوت شوكليت، قدمت أحدها إلى ماسة وجلست بجوارها.

أمسكت كوبها، وقبل أن ترتشف منه، تغيرت ملامحها وأبعدته عنها قليلا فور أن اشتمت لرائحته.

لاحظت ماسة ذلك، فسألتها بقلق: مالك يا مي؟

أخذت نفسا عميقا وهي تحاول السيطرة على شعورها بالغثيان: مش عارفة، فجأة حسيت إني هرجع.

ماسة باهتمام: أنتِ كويسة؟

أومأت: آه، بس الموضوع ده بقاله كام يوم بيحصلي، ساعات بدوخ، وبعض الروائح بقيت تقلب معدتي.

تأملتها ماسة لثوان: لتكوني حامل يا مي؟!

نظرت إليها بدهشة: حامل؟! إزاي يعني؟

ماسة ببساطه: عادي، وارد يعني يكون حصل بينكم حاجه بعد ما خرجتي من المستشفى، الأعراض دي ممكن تكون من الحمل.

صمتت مي للحظة، وكأن الفكرة لم تخطر ببالها من قبل، ثم هزت رأسها سريعا: لا، مستحيل.

اقتربت منها ماسة: اسمعيني بس، أنا كنت زيك كده لما كان عندي نفس الأعراض، وقعدت أقول مستحيل، وبعدها ب3شهور عرفت إني حامل، هاتي اختبار حمل وجربي مش هتخسري حاجة.

نظرت إليها بدهشة، ثم انهت الحديث، وكأنها ترفض حتى مجرد تصديق هذا الاحتمال: مفيش الكلام ده، ده برد، يومين وهخف.

ثم التفتت إلى حور: حور، يلا تعالي اشربي الهوت شوكليت بتاعك.

أمسكت حور الكوب وبدأت تشرب منه: ولاد اخوكي قدي يامي؟

اومأت: آه، في قدك وفي أكبر منك.

حور بحماس: طب هما فين؟ ألعب معاهم؟

مي بابتسامة: عند جدتهم.

عبست حور بحزن: خسارة!

مسحت علي شعرها: معلش يا قلبي، المرة الجاية تلعبي معاهم.

ثم سألتها: حلو الهوت شوكليت؟

ابتسمت بحماس: أوي!

مي بابتسامه: بألف هنا يا قلبي، اشربي على مهلك.

عم الصمت المكان، فشردت مي للحظات، تفكر في كلام ماسة، لكنها سرعان ما هزت رأسها رافضة تصديقه، ثم عادت للحديث واللعب مع حور، لتعود الضحكات تملأ المكان من جديد

المكان الذي تحتجز فيه صافيناز،3م.

توقفت سيارة فايزة تتبعها سيارة الحراس، نزلت فايزة بخطوات ثابتة، تحمل في حضورها هيبة اعتادها الجميع.

انتشر الحراس حول المكان، بينما اتجهت فايزة نحو الباب، توقفت أمام الحارس، ورمقته بنظرة حادة: افتح الباب.

تردد الحارس، وقال بتوتر: مش هينفع يا فندم.

أجابته بلهجة قاطعة: إنت اتجننت؟ بتقولي أنا فايزة هانم مش هينفع! 

زادت حدتها، بنبرة لا تحتمل النقاش: افتح الباب.

ارتبك الحارس أكثر، وحاول التبرير: سليم بيه...

قاطعته بنظرة جعلته يبتلع باقي كلماته: أنا مش هعيد كلامي مرة كمان... 

ابتلع الحارس ريقه بخوف، ونظر إلى الرجال من حوله، ثم عاد بعينيه إليها، مدركا أن الوقوف في طريقها لن يكون قرارا سهلا.

تنحى جانبا وفتح الباب.

دخلت بخطوات ثابتة، وأغلق الحارس الباب خلفها.

كانت صافيناز تجلس فوق الفراش، تحتضن نفسها، فقد كان المكان خاليا إلا من سرير وحمام وجدران باردة.

وما إن رأت فايزة حتى نهضت مسرعة: مامي!

احتضنتها وهي تقول بانهيار: الحقيني يا مامي، خرجيني من هنا، أنا هتجنن!

لكن فايزة أبعدتها وباغتتها بصفعه قويه علي وجهها،
تجمدت صافيناز مكانها، ووضعت يدها على وجهها بصدمة: إنتِ بتضربيني يا مامي؟

هتفت بغضب: أيوه، إيه اللي عملتيه مع سليم ده؟

تسارعت أنفاسها، وظل صدرها يعلو ويهبط من شدة الارتباك، قبل أن تقول بتقطع: أ أ أننا؟

رمقتها بغضب، وقد بدا الضيق واضحا في ملامحها: لما سليم قالي إن إنتِ وجوزك مشتركين في الحادثة، أنا مصدقتش، قولت مستحيل صافيناز تعمل كده، مستحيل أقرب واحدة ليا تخدعني بالشكل ده.

هزت رأسها بسرعة: أنا معملتش حاجة، ده عماد...

قاطعتها بحدة: كفاية كذب يا صافيناز! كفاية!

اقتربت منها، وعيناها ممتلئتان بالخذلان: لعبتك انكشفت خلاص، إنتِ وجوزك اتكشفتوا، والمافيا صفوا عماد، وهو دلوقتي عاجز في المستشفى، وداق نفس المصير اللي كنتوا عايزين تدوقوه لسليم..

صمتت لحظة، ثم تابعت: وكل فلوسه راحت لأولادك اللي طلعتي متبنياهم، كل حاجة كانت كذب يا صافيناز، كل حاجة!

انكسرت ملامحها: عماد هو السبب.

اندفعت فايزة نحوها وأمسكتها من كتفيها: أوعي تقوليلي عماد السبب! إنتِ اللي اخترتي، انطقي وقوليلي كل حاجة، أنا عايزة أعرف كل حاجة!

حاولت الإفلات من يديها: مش قبل ما تخرجيني من هنا، ابنك المجنون حابسني.

نظرت إليها ببرود: ده كويس إنه سايبك عايشة أصلا.

ثم هزتها من كتفيها مرة أخرى: انطقي يا صافيناز! سليم عرف إيه؟!

ارتجفت، وكادت تتحدث: ابنك أصلا...

وفجأة انفتح الباب.

التفتت فايزة وصافيناز في اللحظة نفسها.

كان سليم واقفا عند الباب.

هادئا... مهيمنا... وكأنه يعرف ما يحدث داخل الغرفة.

تقدم نحوها بهدوء: تعالي معايا يا هانم.

اعترضت فورا: سليم، أنا عايزة أتكلم مع صافيناز.

رامقها بنظرة قاطعه: الكلام خلص.

اومأت باصرار وهي تنظر لصافيناز بعيون مشتعله: لأ، لسه مخلصش! أنا عايزة أعرف منها كل حاجة.

أمسك بذراعها وأخرجها من الغرفة بهدوء رغم اعتراضها، وأغلق الباب خلفه.

استدارت إليه بغضب: إيه اللي بتعمله ده؟ اوعى.

توقفت أمامه، وعيناها تشتعلان بالغضب: إيه اللي عملته في أختك ده؟

نظر إليها بثبات: اللي بعمله معاها ده جزء بسيط جدا من اللي هي عملته معايا..

ثم أضاف بلهجة حاسمة: وبعدين، متقوليش أختك، هي اختارت بنفسها تبقى عدوتي.

صمت لحظة، ثم تابع ببرود أشد: وحبسها هنا؟ ده جزء بسيط جدا من العقاب.

حدقت فيه: يعني مكنتش بتعالجها زي ما كنت بتقول؟

أجابها دون تردد: كنت بعالجها... ودلوقتي بعاقبها.

سألته: وعزت عارف؟

أومأ بهدوء مريب: عارف، واعتبرها ماتت، واتمنى إنتِ كمان تعتبريها ماتت.

نظرت إليه بغضب: إنت أزاي تسمح لنفسك تقرر كل ده من غير ما تقولي؟

رد بجمود مهيمن: وإنتِ إزاي تيجي هنا من غير ما تقوليلي؟

ردت بضجر حاد: أنا بقالي أكتر من شهر بقولك إني عايزة أشوف صافيناز، وإنت كل مرة بترفض!

نظر لها مباشرة: يبقى تحترمي كلمتي يا فايزة هانم، واحدة غيرك المفروض كانت عملت اللي أنا عملته، مش تجري على بنتها لمجرد إنها عايزة تشوفها..

نظر إليها من أعلى إلى أسفل، متعمدا استفزازها والضغط على أعصابها: ولا يكون في سر أنا لسه معرفوش؟

رفعت عينيها إليه بتوتر: سر إيه؟

أجابها ببساطه: أصل إصرارك إنك تشوفيها؟ ميتفسرش عندى غير لحاجة من اتنين، يا إما في سر مش عايزاني أعرفه، يا إما وحشتك وصعبانة عليكي، وأنا استبعد الاحتمال التانى، لأني عارف إن جو المشاعر ده مش بتاعك يا هانم.

أشاحت بعينيها: أكيد لازم أزعل على صافي، هي بنتي في الآخر..

التفتت إليه وأضافت: بس لازم أفهم ليه عملت كده؟ أنا جاية عشان أفهم.

سليم ببرود: مفيش حاجة ممكن تفهميها، مفيش مبرر واحد يخليها تعمل اللي عملته، صافيناز بتاخد عقابها، والموضوع انتهى..

أشار لها: ومتجيش هنا تاني، لأنك مش هتلاقيها، أنا هنقلها من هنا...

ضيقت عينيها: وتفتكر أنا مش هعرف هتنقلها فين؟ زي ماعرفت هنا!

ضحك بسخرية هادئة: لا، إنتِ أذكى من كده، تفتكري لو أنا مش عايزك تعرفي مكانها، كنتي هتعرفيه؟

مال عليها قليلا، وهمس بجانب أذنها: أنا سايبك تعرفي بس اللى أنا عايزك تعرفيه!

نظرت إليه بحدة: عايزة أفهم إيه العقاب الغريب اللي إنت عامله ده؟

أجابها بطريقه المعتادة: مش مطلوب مني أبررلك كل حاجة بعملها.

ثم اتجه نحو الباب السيارة، وفتحها: اتفضلي.

جزت على أسنانها، وصعدت السيارة، أغلق الباب خلفها وطرق بيده على سقف السيارة، فانطلقت، وخلفها سيارة الحراسة.

بينما ظل سليم واقفا يراقب ابتعادها للحظات، قبل أن يقترب منه عشري: إيه يا ملك؟ هنعمل إيه؟

أجابه دون تردد: انقلها مكان تاني.

سأله: في مكان معين في دماغك؟

اومأ: المغارة.

تردد عشري: بس هناك مفيش حاجة، وسط الصحراء.

رفع حاجبه بستنكار: صعبانه عليك؟

ضحك باستنكار: لا يا ملك، قصدي المكان محتاج يتوضب ويتجهز.

تنهد تنهيدة طويلة: مش لازم النهارده، بس بكرة بالكتير لازم تكون هناك، كلم عرفان وظبط معاه.

أومأ: تمام يا ملك..

صمت عشري لحظة، ثم أضاف بجدية: على فكرة، هم قربوا يعرفوا إن إنت اللي بتعمل كل ده، خد بالك..

رفع عينيه إليه: عارف، وعشان كده لازم أتخلص من عزت بسرعة..

تردد عشري قبل أن يسأله: هو إنت مش قولت إنك مش هتكمل في الانتقام؟

هز رأسه: أنا مش هنتقم منه، أنا هسلم الورق اللي معايا للنيابه وهسيب القانون ياخد مجراه، أنا هحمي نفسي بس.

عشري بحذر: الباشا حتى لو دخل السجن، إيده طايله، السجن مش هيحميك منه بالعكس ممكن يزود شراسته، من رأيي يكفي إنك تواجههم وتقطع علاقتك بيهم للابد، صدقني هم خسروا كتير، ولو أذاك وقتها نشوفله حل.

تنهد بإرهاق: أنا تعبت يا عشري بجد تعبت، ومش عارف الحكاية دي هتخلص إمتى؟! كل ما أفتكر إنها خلصت ألاقي لسه فاتحة جديدة.

ربت على كتفه: إحنا في ظهرك يا ملك، بس خلينا نلعبها بذكاء.

أومأ سليم: عشان كده خلينا نفتح عنينا الفترة الجاية على التسجيلات، خصوصا لعزت وفايزة.

ابتسم بثقة: متقلقش يا ملك، أنا هخلي عيني عليهم.
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل.
قصر الراوي،5م

جلس عزت خلف مكتبه، يتصفح بعض الأوراق، حين فتح الباب ودخلت فايزة: كويس إنك هنا.

رفع عينيه إليها، وتسأل: إنتِ كنتِ فين؟ إنتِ مجيتيش المجموعة النهارده؟!

تنهدت وهي تتجه نحوه: كان عندي شوية مشاوير وروحت لصافيناز.

توقفت لحظة، ثم تابعت بمرارة: وضعها مزري جدا، أنا متضايقة منها، ونفسي أخنقها بإيدي، بس في الآخر صعبت عليا، حتى لو محسستهاش بده.

اجابها ببرود حاسم: أنا صافيناز ماتت بالنسبالي يا فايزة.

نظرت إليه في صدمة، فتابع وهو يثبت عينيه عليها: البنت اللي تتفق على قتل أخوها بالنسبالي ماتت، بعد كده سليم يعمل فيها اللي هو عايزه.

اومأت: بس هو مش بيعالجها!

رفع حاجبه: طب ما أنا عارف!

ثم مال إلى الخلف: واخدها عنده عشان يطلع منها معلومة، ولما يعرف كل حاجة هيعاقبها، وصدقيني احمدي ربنا إنه استكفى باللي عمله بس، ده أسهل عقاب كانت ممكن تاخده..

أضاف بصوت أكثر جدية: بعدين الموضوع أكبر من كده يا فايزة..

أكمل وهو ينظر إلى الأوراق أمامه: أنا بدأت أتأكد إن سليم هو اللي ورا كل ده.

تمتمت بصدمه: سليم؟!

اومأ مؤكدا: آه سليم.

جلست أمامه ببطء: إزاي؟ إيه اللى خلاك تقول كده؟

أجابها: أنا موصلتش لمعلومة مباشرة، بس كل حاجة بتوصله..

صمت لحظة، ثم تابع: هو مقفل ورقة بامتياز، ومتفق مع حد بيساعده، وأنا بدأت أتأكد بنسبة 99% إن سليم هو السبب في كل حاجة بتحصل.

هزت رأسها بعدم تصديق: إنت بتقول إيه يا عزت؟

قال بدهاء: فكري كده؛ مي فجأة تقرر تسيب رشدي بعدها صافيناز تتحبس، وبعدها ييجي سليم يقولنا إن هي وعماد اللي دابروله الحادثة، وبعدين يقولنا إنه مسامح ماسة وإن علاقتهم كويسة، وفجأة نكتشف إنها حامل..!

ضيقت عينيها، وبدأ القلق يتسلل إلى وجهها، بينما تابع عزت: وبعدها منى تطلق بطريقة غريبة، وهو اللي يقول لطه إنها بتخونه! ليه بعد السنين دى كلها يعمل حاجة زي دي؟ ليه في التوقيت ده بالذات؟

ساد الصمت للحظات، قبل أن يتابع: وبعدها فجأة المافيا تصفي عماد وسارة وأولادها، وموت مني ومراد اللى كان في مكتبه!!

اتسعت عينا فايزة وابتلعت ريقها، بينما تابع هو على نفس الوتيرة: انفجار المصنع والفضايح اللي اتفتحت علينا من بعده، ومحدش عرف يوقفها، او بمعني اصح محدش اهتم يوقفها..

مال إلى الأمام: لأن سليم بينتقم، وبيرد كل حاجة حصلتله.

ثم أضاف وهو يشير بأصبعه بثقه: ولعلمك سليم مش لوحده، ياسين وفريدة معاه..

تساءلت: ازاي؟!

مال للأمام: لو تلاحظي، كل واحد فيهم كان بيقول إنه بيعمل حاجة بس مفيش حاجة كانت بتتم، كأنهم بينفذوا أوامر، اوعى تنسى سليم لما استولى على الأسهم أول ناس باعوا ليه كان ياسين وفريدة، هما من زمان معاه..

هز رأسه بإقناع تام: كل الخيوط بتصب في مكان واحد عند سليم!

حدقت فيه، وقالت بصوت مرتجف: طب هو هيعمل كده ليه؟

نظر إليها طويلا قبل أن يقول: بالتأكيد عرف إن إحنا اللي عملنا كده في ماسة، أكيد وصل لمعلومات مؤكدة وإلا مكانش سامحها، مفيش راجل عمره يقدر يسامح في حاجه زى دي، وخصوصا لو بشخصيه سليم!

تسارعت أنفاسها، بينما تابع عزت: وطبعا موضوع الحادثة منى كانت طرف فيه، كدة مفضلش غير رشدي...!

توقف لحظة، ثم قال: اكيد عاقبه لأن ماسة حكتله إنكم كنتم بتهددوها، وإنكم السبب في هروبها، وسليم ذكي جدا ربط كل حاجة، ومش بعيد يكون في مرة من المرات سمع تهديد منكم، سواء إنتِ أو رشدي، أو حتى صافيناز.

شهقت: يا نهار أسود..!

ثم وضعت يدها على صدرها: دي كارثة يا عزت لو تفكيرك طلع صح!

رد بهدوء مخيف: أنا كل اللي محتاجه دليل.

صمتت لحظة، ثم سألت: ولو اتأكدت؟ هتقف قصاد سليم؟

أجابها بنبرة مهتزة بإنين: أكيد مش هقف قصاد ابني، ولا هأذيه بس أكيد مش هسيبه يهدم كل اللى بنيته..

تابع بمرارة: سليم مش هيقف يا فايزة، لو كان عرف فعلا كل حاجة زي ما أنا بحلل، مفيش حاجة هتوقفه.

ارتبكت: عزت، مينفعش تقف قصاده!

رد بقهر: عايزني أعمل إيه اسيبه يفلسنا؟

هزت رأسها برفض: أكيد لا، بس في حلول.

تنهد تنهيدة طويله: اتأكد الأول، وبعدها نشوف هنعمل إيه.

ثبت عينيه عليها وتسأل بصرامة: ومش هقولك تاني يا فايزة، لو في حاجة مخبياها لسه، قوليها دلوقتي. 

نظرت بطرف عينيها، وشدت على طرف فستانها بأصابع متوترة، ثم هزت رأسها نفيا: لا، مفيش حاجة زيادة عن اللي أنت عارفها.

ظل ينظر إليها بشك للحظات، ثم قال: ماشي يا فايزه.

شرد بعيدا بنظرة غامضة، وكأن شيئًا آخر بدأ يدور في رأسه.

فيلا مصطفى،9م

جلسوا داخل المكتب، يشرحلها بعض النقاط المهمة في المادة، ويتوقف بين الحين والآخر ليسألها عن بعض الأسئلة، وحينما تعطي إجابه صحيحه، يدعمها قائلا: شطورة يا لولو.

استمر الاثنان في المذاكرة لبعض الوقت، يتخللها ضحكات بسيطة كلما أخطأت في الإجابة أو حاولت التهرب من سؤال صعب.

وبعد لحظات، أغلقت آلاء الكتاب بإرهاق: كفايه كده تعالي ناخد ريست شويه.

قطب حاجبيها، وأشار لها بالمسطره بحزم: ريست إيه، الامتحان بكره، بلاش مرقعه.

ضحكت بخفوت: والله دماغي هنجت، أنا بشر!

نظر إلي ساعته: معاكي 10دقايق بالظبط وهنكمل تاني.

قالت باستنكار: أعمل فيهم ايه دول، ده انا مش هلحق ادخل فيهم التويلت حتي.

ضحك رغما عنه: مليش دعوه، اتصرفي، هما 10دقايق مفيش غيرهم.  

تأففت: عشره عشره، حد لاقي.

عم الصمت قليلا، قبل أن تقطعه آلاء بخجل: علي سألوني الصبح، وأنا قولتلهم. 

نظر لها بابتسامه: طب كويس أوي، كده مش محتاجين نستنى لما تخلصي امتحانات، بكرة هكلم محمود.

نظرت إليه بدهشة ممزوجة بسعادة: هتكلم محمود بجد؟

أومأ دون تردد: آيوه طبعا، لازم يفهم إنك كنتي صادقة لما قولتي إن كل اللي بينا كان اتفاق، وإن دلوقتي الموضوع اختلف..

ابتسمت بحماس: أنا أصلا نفسي أشوف المكان اللي بيشتغل فيه دلوقتي.

ضحك مصطفى: هكلم سليم واظبط معاه.

تنهدت بسعاده، بينما فتح مصطفي الكتاب مره آخري: يلا بقي نكمل، علشان امتحان بكره؟

تأفتت بتذمر: إيه النصب ده، معداش خوخدقايق حتي.

اجابها بهدوء: يلا يا لولو علشان تلحقي تخلصي وتنامي بدري، علشان تصحي بكره فايقه، خلاص هانت قربتي تخلصي أهو وتحققي حلمك.

تنهدت باستسلام، وأمسكت القلم، ثم نظرت إليه للحظة، وقالت بخفوت: بس على فكرة... إنت وحشتني.

قالت كلماتها واخفضت رأسها بسرعة، وقد اشتعل وجهها بحمرة شديدة، بينما نظر هو إليها بابتسامة دافئة، ولم يقل شيئا، وكأنه تعمد أن يتركها لخجلها دون أن يزيده بكلمة.

أكمل معها المذاكرة بهدوء، بينما ظلت ابتسامته الصغيرة معلقة على شفتيه.

فيلا سليم وماسة،11م

جلست ماسة فوق خصره وهي ترتدي بيجاما، بينما كان مستلقيا على الفراش، مسندا رأسه إلى ظهر الفراش ويحاوط ظهرها بيده.

مررت أصابعها على صدره: بس بقى يا سيدي، هو ده كل اللي حصل، ممكن بقى تديني التليفون أكلم رشدي؟

رمقها بتهكم ساخر: عايزة تطمني قلبه؟ حنينة أوي.

ابتسمت: مش قولتلي الصبح هتسيبني أعمل اللي أنا عايزاه؟

لمس شعرها بحنان: أنا مش عايز قلبك يتجرح، خايف يخذلك مرة ثانيه لما تقفي قصاد مصلحته.

هزت رأسها: أنا مش هيبقي ليا تعامل معاه بالشكل المبالغ فيه، الحكاية إنه فعلا صعبان عليا، وحاسة إنه صادق المرة دى، يا سيدي حتى لو خذلني...

أضافت بدلال: أنا متأكده إن الكوتي موتي بتاعي هيداوي جروحي.

مالت نحوه وقبلته قبلة سريعة من شفتيه: يلا بقى يا كوتي موتي، كلمهولي.

قال بستنكار: كوتي موتي هيكلمهولك إزاي؟ احنا بالليل واكيد الدكتور مشي. 

رفعت حاجبها: قفلتهالي يعني؟ ماشي خلاص يبقى سيبني اروحله، بس اليومين الجايين هبقي مشغولة مع سلوى.

تبسم بسخريه: خلي قلبه ياكله شوية عليها.. 

ضحكت ماسة: أنت فظيع 

صمتت لحظة، ثم قالت بتفكير: سليم... تفتكر مي ممكن تكون حامل بجد؟

مد شفتيه: مش عارف.

تنهدت: أنا قولتها إني مريت بده قبل كده، فأحسنلها تعمل اختبار بدل ما تتصدم بعد كام شهر.

زم شفتيه: هتبقى كارثة لو طلعت حامل!

رفعت حاجبه: كارثة ليه؟ بالعكس، ممكن تخليهم يرجعوا لبعض، وبعدين يمكن تكون خير لرشدي.

قبض على فكه بضيق: هو إحنا مورناش الا رشدي نتكلم عنه، ما خلاص بقى!

زمت شفتيها بزعل: تصدق، أنا غلطانة إني بحكيلك أصلا، المفروض أخبي عليك، إنت مينفعش معاك إلا كده.

همت أن تنهض، فأمسكها من خصرها: رايحة فين؟

عبثت بوجهها بتزمر: زعلانة منك.

مرر أصابعه على خدها: في حد يزعل من روحه يا قطعة السكر.

أومأت: أها

تأملها للحظة برغبه، ثم اعتدل في جلسته، بينما ظلت هي على الوضع نفسه تحاوط خصره بقدميها، اقترب منها، ومسح على خدها بحنان، ثم اقترب منها أكثر وتبادلا قبلة دافئة سرعان ما تحولت لقبله حاره شغوفه.

بدات شفتاه تهبط إلى عنقها، ويفتح ازرار بيجامتها ببطئ، ولكن فتح الباب فجأة، وظهرت حور: بابا!

ابتعدت ماسة بسرعة، وجلست إلى جواره، بينما عدل سليم تيشرته على عجل، وأغلقت ماسة أزرار بيجامته، وحاول الاثنان كتم ضحكتهما.

دخلت حور، ونظرت إليهما باستغراب: إنتم بتعملوا إيه؟

وضعت ماسة رأسها أرضا، بينما أجابها سليم بثبات: كنا بنتكلم، أنتِ عايزه حاجه؟

صعدت حور إلى السرير، وتساءلت: أنتم هتناموا دلوقت؟

ضحك سليم: لا يا حبيبتي، أحنا بس قاعدين شويه نتكلم كلام كبار.

ثم أخذها على قدمه: يلا تعالي قوليلي، عملتي إيه النهارده؟

مدت وجهها: ولا حاجة، روحت لمي واتصالحنا.

اخرجت شفتيها السفلية بضجر: بابا، أنا زهقت وعايزة أروح لنالا، وكمان عايزة أشوف أصحابي، إنت مش بتوديني الحضانه ليه؟

نظرت ماسة إليه: ممكن ندخلها حضانة من الحضانات العادية دي لحد السنة الجاية، وندخلها مدرسة.

نظر إليها يذكرها بالمافيا: ماسة، إنتِ عارفة اللي فيها.

ثم التفت إلى حور: مش إحنا اتفقنا لما الدراسة تبدأ؟

ربعت ذراعيها بضيق: ما أنا زهقانة.

سليم باستغراب: أنا عايز أعرف إنتِ زهقانة من إيه؟ لعب وبتلعبي، وخروج وبتخرجي، عايزة إيه تاني؟ إنت ليه فرط حركه زي أمك..

وفجأة حملها ووضعها على الفراش، وبدأ يدغدغها، فانفجرت في الضحك: خلاص يا بابا! ههه يا بابا!

توقف، فقالت وهي تضحك: عايزة حد يلعب معايا، ما تيجي تلعب معايا إنت؟

سألها: عايزة تلعبي إيه؟

وضعت يدها على رأسها تفكر، ثم قالت بحماس: تعالى نلعب القطة العمية، وماما تلعب معانا.

صفقت ماسة بحماس طفولي: آه، سليم! حلو ده تعالي نلعب!

هز رأسه باستسلام: بربي طفلتين! 

ثم ضحك: ماشي، يلا بينا.

قفزت حور من على الفراش: يلا يا بابا! انت هتبقى اللي فيها 

سليم: ماشي 

أمسكت ماسة بطرحة، ثم وضعتها على عيني سليم.

وبدأ الثلاثة في اللعب، بينما راحت ماسة وحور تحاولان الهرب من سليم، وهو يحاول الإمساك بهما. كانت حور تركض في أرجاء الغرفة، وكلما اقترب منها سليم ابتعدت عنه وهي تضحك، بينما أخذت ماسة تلاحقه وتشاكسه.

وفي النهاية، تمكن من الإمساك بحور، فأخذت تضحك، وظلوا يلعبون بسعاده وضحكاتهم تمليء أرجاء المكان.

في صباح يوم جديد 

المصحة،10ص.

كان رشدي غارقا في نوم عميق، وفجأة فُتح الباب، ودخلت هيا تفتح الستائر بحماس: يلا يا رشدي، قوم!

فتح عينيه ببطء، محاولا استيعاب ما يحدث من حوله.

بينما توقفت هي أمام الفراش بحماس: يلا قوم، الساعة عشرة! كل ده نوم؟ انتوخ أوي!

فتح عينيه بصعوبة، وقال بنعاس: أصحى بدري ليه؟

ردت بسخرية: اعمل تمارين الصباح.

نظر إليها باستغراب: إنتِ عايزة مني إيه؟ عايز أفهم.

اجابته ببساطة: عازمة نفسي على فطار علي حسابك، يلا إنت لسه هتتنح؟

سحبته من يده بسرعة، ودفعته نحو المرحاض: يلا اغسل وشك وسنانك، بدل ما اخدك بعماصك؟

ضرب كفا على كف: والله العظيم أنتِ مناخوليا.  

قال كلماته ودخل المرحاض، بينما ظلت هي متوقفه بانتظاره، وما إن خرج حتى أمسكت بيده وسحبته معها نحو الخارج، فعلق متزمرا: هو إنت معندكيش اوبشن تانى غير إنك تفضلي سحباني وراكي زي البقرة علطول كده؟  

اومأت بمزاح: ايوه، قابضه عليك، وبلغتهم الفطار والغدا على حسابك النهارده.

علق متعجبا: إيه جو الاستغلال ده؟

ضحكت بخفوت: باين عليا إني بستغلك؟ طب كويس عشان مبيتش أكتر!

وبالفعل، دخل الاثنان إلى المطعم، وجلسا إلى إحدى الطاولات.

تنهد بضيق: أنا عايزة أعرف إنت عايز مني إيه، واخدني محتوي ليه؟

ابتسمت بعفوية: عادي يعني يا مز يا صامت شايفاك علطول قاعد لوحدك، مبتتكلمش مع حد حتى في الزيارات، وعامل فيها زي المطلقه اللي جوزها سابها وطفش ومعناها 10عيال ومش عارفة تعمل بيهم إيه! فقولت أفكك شوية وأسمعك حكايتك، يعني لو مشكلتك في العيال، انا ممكن ألملك فلوس ونعملك كشك.

ثم عمزت له بمزاح..

تبسم رغما عنه: جه اليوم اللى يترمي عليا افيهات فيه؟ أنتِ حظك إنك جايالي وأنا بره الملاعب، لو كنتي  وقعتي في ايدي زمان أقسم بالله ما كنت حليتك!

رفعت حاجبيها بسخرية: الله الله الله، طب ما أنت طلعت نغش وبتعرف تهزر أهو!

ثم ضحكت، وأضافت: بكلمك جد... ما تحكيلي حكايتك.

رشدي باستغراب: مهتمه تعرفي حكايتي ليه؟

تبسمت بهدوء: أنا بحب أسمع حكاوي الناس.

تنهد بمرارة: مش هتفيدك بحاجة، ويمكن تكرهك فيا، ومتخليكيش حتى طايقة تمشي من قدام أوضتي.

نظرت إليه باستغراب، وشعرت أن وراء كلماته شيئا كبيرا يخفيه: طب إيه رأيك تسمع حكايتي أنا، ونشوف أنهي أكتر بؤسا؟

اومأ باستسلام: احكي.

وضعت يدها علي معدتها، وقالت باعتراض: لا معلش، اكل الأول وأشرب كوباية الشاي، وبعدين نتكلم، أنا معرفش اتشحتف ع معده فاضيه.

لم يعلق، واومأ بصمت

وبالفعل، تناولا الإفطار معا، وكانت هيا طوال الوقت تحاول مشاكسته ليشاركها الحديث، لكنه ظل جامدا، لا يشبه رشدي الذي عرفه الجميع.

وبعدما انتهوا جلسوا في الحديقة، وكل منهما يمسك كوب الشاي في يده.

نظر إليها: قولي بقى حكايتك.

سألته: عايز تسمعها من الأول؟

رفع كتفيه: اللى تحبيه!

تنفست بعمق: أنا اسمي هيا، عندي ٢٨سنة، وبطلت كوك بقالي حوالي 3سنين، أول سيجارة شربتها كان عندي  16سنة، وكانت حشيش، لحد ما وصلت للكوك..

صمتت لحظة، ثم تابعت: من ساعة ما اتولدت تقريبا وأنا لوحدي، بابا وماما دايما مشغولين، بابا رجل الأعمال منير الزيات لو تعرفه، وماما مدام دولت الصريطي، ديما مشغوله بالجمعيات الخيريه وجو الرفق بالحيوان والحاجات دى..

ابتسمت ابتسامة باهتة: مش هنكر إني كنت متدلعة، واللي كنت عايزاه كان بيجيلي، كان عندى عربيه من وأنا عندي 16سنة، وكل سنه بغيرها لأحدث موديل نزل.

زمت شفتيها: بس مع كل ده، مكنتش مبسوطه، مكنتش عايزه كل ده، كنت عايزه مشاعر بجد، كنت عايزه احس بحبهم ليا، يمكن علشان كده كان أي حد كان يقولي كلمة حلوة، كنت بتعلق بيه جدا.

صمتت قليلا، ثم تابعت: وبسبب الموضوع ده، اتجرحت كتير، واتضحك عليا أكتر، لأني مكنتش مشبعة من الحب، لدرجة إني بدأت أسرق، رغم إن معايا ملايين، ولو عايزة نجمة من السما هجيبها.

هزت رأسها بشرود: بس كنت مفكره إني بكده بنتقم منهم او يعني ربما ينتبهوا ليا..

علق على مضض، فقد لمست كلماتها وجعا بداخله: وطبعا محدش اهتم، وشافوكي مستهتره!  

أومأت بتأكيد: أيوه، فضلت عايشة حياتي بالطول والعرض؛ سفر، وشرب، وعلاقات، لحد ما في يوم اتخانقت مع بابا خناقه كبيره، كان غضبان من تصرفاتي، وخايف علي شكله قدام الناس، يومها سبت البيت وخرجت وفضلت اتعاطي بكميات كبيره كأني بنتقم منه.

صمتت لحظه، ثم تابعت: بس وأنا راجعه في الشارع، تعبت، حسيت بدوخه كبيره وبدأت أرجع، وأعصابي كلها اتشلت. 

ابتلعت ريقها، وأكملت: نزلت من العربية، ومش عارفة أعمل أي حاجة، كنت حاسة إن روحي بتتسحب مني بالبطيء، والشارع كله اتلم عليا، آخر حاجة فاكرها كانت الناس وهي بتقول: «يا حرام، مين دي؟ إيه اللي حصل لها؟»

صمتت للحظات، ثم قالت: صحيت بعدها لقيتني في المستشفى، وهناك عرفت إني جيت في أوفر دوز، بس وهما بيحلولي اكتشفوا إن عندي لوكيميا.

ارتجفت عيناه بتاثر لوهله لكنه ظل يستمع باهتمام تابعت: بابا كان في باريس عنده شغل، وماما كان عندها اجتماع في الجمعيات الخيرية، تصور؟ محدش جالي، اكتفوا بمكالمة تليفون..

صمتت قليلا، ثم قالت: وقتها كنت شايفة إن دي نهاية الدنيا، كنت زعلانة من كل حاجة؛ من أهلي، ومن المرض، ومن نفسي..

ابتلعت غصتها، وتابعت: لحد ما قابلت بنت في المستشفى، كانت في نفس سني تقريبا، وعندها نفس المرض، بس كانت حالتها أسوأ بكتير وموتها محتوم، ومع ذلك كانت بتضحك كل ما أختها الصغيرة تدخل عليها، سألتها في مره أنتِ ازاى قادره تضحكي كده وانت تعبانه بالشكل ده؟

ابتسمت بحزن: قالتلي:عشان أختي فاكرة إني هخف وأرجع معاها البيت، وأنا مش عايزة آخر حاجة تفتكرها عني إني كنت خايفة

انخفض صوتها اكثر: اليوم ده أنا حسيت إني صغيرة أوي، أنا كنت زعلانة إن أهلي محضنونيش، وهي كانت بتحاول تطمن طفلة أصغر منها وهي عارفة إنها هتموت.

نظرت إليه وقالت بحكمه: ساعتها فهمت إن الوجع مش مقياسه اللي إحنا فقدناه، أحيانا بيبقى في ناس موجوعة أكتر، ومع ذلك لسه عندها سبب تحب وتكمل عشانه..

انقبض وجهه بحزن من أجلها، فقد شعر أنها تشبهه إلى حد كبير، وكأنها تحمل في داخلها وجعا يعرفه جيدا.

ضحكت بسخرية خافتة: ساعتها عرفت إني مكنتش بانتقم من حد قد ما كنت بنتقم من نفسي..!

خفضت عينيها إلى كوب الشاي بين يديها: وقتها أخدت القرار إني أبطل، دكتور علاء ساعدني، وجيت هنا وشوفت عالم تاني، كنت فاكرة إن كل اللي هنا مجانين وإن أنا أحسن منهم.

نظر إليها بطرف عينه، وقال بسخرية مريرة: وبعدين اكتشفتي إنك واحدة منهم؟

أومأت: أيوه هنا الناس قلبها حلو ومرتبطين ببعض جدا

ظل يستمع اليها بصمت، ولكن ملامحه لم تعد بنفس الجمود: هنا لأول مرة حد سألني إنتِ عاملة إيه؟ ويفهموا وجعي من غير ما احتاج اشرح أو ابرر.

مال نحوها وسألها، وكأنه يتشبث بكلماتها بحثا عن أمل ينقذه من ذلك اليأس: وإيه اللي حصل بعد كده؟

نظرت إليه، وكأنها فوجئت بأنه هو من يسألها هذه المرة: بدأت أفهم إن المشكلة مكانتش في الفلوس، المشكلة إني كنت بحاول أشتري حاجة عمر الفلوس ما هتجيبها.

صمت رشدي للحظات: الحب؟

أومأت برأسها: والاهتمام... والأمان.

دقق النظر فيها بتركيز أكبر، وكأنه كان يبحث خلف كلماتها عن أي خيط يمنحه الأمل.

تابعت: عشان كده أول ما شوفتك، حسيتك شبهي.

تغيرت ملامحه قليلا بتعجب: شبهك؟

اومأت: آه، نفس النظرة اللي في عينيك، بتاعة واحد عنده كل حاجة، ومع ذلك حاسس إنه معندوش حاجة.

ظل صامتا، فما زال غير قادرا على مواجهة ما بداخله، لكنه وجد أمامه شخصا يشبهه أكثر مما يتوقع.

لاحظت صمته، فابتسمت بخفة: بس متقلقش، مش هقولك احكيلي حكايتك دلوقتي، لما تحب تحكيها، احكيها.

ثم رفعت كوب الشاي إلى شفتيها: أنا أصلا لسه مخلصتش حكايتي، تعالى بقى اكملك انا تعرفت على علوش ازاي، على فكره علوش برضو كان زينا بيضرب، بس هو يبقى يحكيلك حكايته عشان حكايته اصعب مني ومنك بكتير.

أومأ بصمت، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باهته، لم يعرف كيف استطاعت انتزاعها منه، ولا كيف استطاعت فك ذلك الحصار الذي أحاط نفسه به، ربما لأنها تحمل في داخلها الكثير من الأوجاع التي تشبه أوجاعه إلى حد كبير.

المكان الذي تحتجز فيه صافيناز،1م

كانت تجلس على الفراش، تحتضن نفسها وتبكي بصمت، حين فتح الباب فجأة، ودخل أحد الرجال، يقول بهدوء حازم: اتفضلي معانا.

رفعت عينيها إليه بقلق: أروح فين؟

تقدم منها، وأمسكها من كتفها: يلا.

تحركت معهم بخطوات مضطربة، والخوف يسيطر علي ملامحها: هتودوني فين؟

رد أحدهما بصرامة: امشي معانا من غير كلام.

نظرت إليه بضيق، لكنها لم تجد أمامها خيارا آخر، فتابعت السير حتى وصلت إلى السيارة.

ركبت في المقعد الخلفي، وجلس أحد الرجلين بجوارها، بينما جلس الآخر بجوار السائق.

تحركت السيارة، وبعد مسافه طويله، اهتزت فجأة، ثم انحرفت قليلا قبل أن تتوقف

التفت احد الحراس: إيه اللي حصل؟

نزل السائق ليتفقد السيارة: الكاوتش ضرب.

زفر الحارس: هنزل اشوفه، خليك معاها.

نظرت صافيناز إلى الحارس بجوارها: أنا محتاجة أنزل آخد نفس.

أجابها بحسم: اقعدي مكانك.

ابتلعت ريقها بتوتر: الجو خنقه هنا، أنا مش ههرب يعني، وبعدين أنت هتقف جنبي.

نظر إليها لحظة، ثم قال بغلظه: انزلي بس لو عملتي حاجه متلوميش الا نفسك 

نزلت من السيارة، ووقفت بجوارها والحارس إلى جوارها، بينما انشغل السائق والحارس الآخر بإصلاح العطل.

كان المكان زراعيا تحيط به الأراضي من الجانبين، وعلى مسافة قريبة كان يمر شريط القطار، وبعد لحظات، اقترب اثنان من الحراس الذين كانوا في السيارة الأخرى، ونظر أحدهما إلى السائق: هياخد وقت؟

رد السائق وهو ينحني ليتفقد العجلة: لا، بس لو ساعدتوني هتخلص أسرع.

أشار أحد الحراس برأسه، فتوجه الاثنان لمساعدته، بينما بقي حارسان بجوار صافيناز.

أخرج أحدهما علبة سجائر، وأشعل سيجارة، بينما وقف الآخر إلى جواره يتحدثان.

أما صافيناز، فالتقطت نفسا عميقا، وعاد حديث والدتها يتردد في رأسها من جديد "عماد في المستشفى لسه عايش.

عماد الرجل الذي أخذ أموالها، وتزوج عليها، وتركها تواجه مصيرها وحدها، هو الآن في المستشفى حرا، بينما هي محبوسة، ولا تعرف إلى أين يأخذونها، ولا ماذا ينتظرها هناك.

شعرت بقلبها ينقبض، وتسارعت أنفاسها، كان لديها إحساس ثقيل بأن المكان الذي سيأخذونها إليه لن تعود منه كما كانت، وربما لن ترى ضوء الشمس مرة أخرى.

رفعت يدها ومسحت وجهها: لازم ألاقي حل.

راحت عيناها تتحركان في المكان بحذر، تبحث عن أي فرصة تمنحها طريقا للهروب وفجأة، سمعت صوت القطار من بعيد..

التفتت نحو الصوت، فرأت القطار يقترب، نظرت أمامها لوهلة، ثم خلفها؛ فوجدت الرجلان منشغلين بالسيارة، بينما كان الآخرون يتحدثون فيما بينهم.

كانت تلك اللحظة التي انتظرتها، فجأة، استدارت وبدأت تركض بأقصى سرعتها.

التفت أحد الرجلين، وأدرك ما يحدث، فصاح: الحقها!

ركض خلفها، بينما كانت صافيناز تقترب من شريط القطار: صافيناز هانم! استني هنا!

نظرت خلفها، فرأت الحراس يقتربون منها، ثم عادت بعينيها إلى الطريق أمامها.

لم يعد أمامها سوى لحظات قليلة، قبل أن تتخذ قرارا متهورا "إما الموت تحت عجلات القطار، أو الموت بالبطيء داخل سجن سليم.."

اندفعت فجأة علي شريط القطار، بينما اضطر الرجلان إلى التوقف مكانهما وهما يصرخان: صافيناز!

مر القطار أمامهم، وحجب رؤيتهم تماما، بينما ظل الرجلان واقفين في مكانهما بقلق، ينتظران عبور القطار.

وحين انتهى مروره، لم يجدوها.

قال أحدهما بارتباك: هي راحت فين؟!

قال الآخر بفزع: دور عليها! أكيد مستخبية في حتة قريبة.

ركض الرجل إلى الجانب الآخر، وبدأ هو وزميله يبحثان في المنطقة بقلق، بينما ظل صوت القطار يتلاشى شيئا فشيئا.

أما صافيناز، فكانت مختبئة خلف مجموعة من النباتات الكثيفة على مسافة ليست ببعيدة، تحبس أنفاسها وتضع يدها على فمها حتى لا يصدر منها أي صوت.

سمعت أحد الحراس يصيح: صافيناز هانم! اظهري، إحنا مش هنأذيكي!

أغمضت عينيها بقوة، ولم تجب.

مرت ثوانٍ ثقيلة، ثم سمعت خطوات تقترب من مكان اختبائها، فتجمدت في مكانها، قبل أن تنحرف الخطوات إلى الجهة الأخرى.

قال أحدهم بضيق: مفيش هنا حاجة.

قال أحدهما: كمل تدوير، مستحيل تكون اختفت كده.

ابتعدت الخطوات شيئا فشيئا، وظلت صافيناز مكانها، لا تجرؤ حتى على التنفس بصوت مرتفع، ولأول مرة منذ احتجازها، شعرت أن أمامها فرصة حقيقية للنجاة.

لكنها لم تكن تعرف إلى أين ستهرب، ولا ماذا ينتظرها خارج المكان.

مرت دقائق ثقيلة، ثم ابتعدت الأصوات تدريجيا. انتظرت قليلا قبل أن تخرج من مخبئها، وواصلت الركض دون أن تلتفت خلفها.

على اتجاه اخر...

عاد الرجلان إلى السيارة بوجوه متجهمة، أخرج أحدهما هاتفه واجرى إتصال، وما إن جاءه الرد حتى قال بتوتر: عشري...

صمت لحظة، ثم ابتلع ريقه: صافيناز هانم هربت.

جاه صوت عشري صائحا: يخرب بيتك! اقلب الدنيا عليها!

أغلق الهاتف بسرعة، واتجه إلى الداخل.

كان سليم يجلس في مكتبه مع مكي، يلعبان الشطرنج. دخل عشري على عجلة: يا ملك، في حاجه مهمه حصلت.

رفع عينيه إليه ينتظر أن يتحدث، فابتلع عشري ريقه قبل ان يقول بتردد: صافيناز هربت!

نهض سليم فجأة، واتسعت عيناه بغضب: هربت أزاى؟ هو أنا باعت شوية عيال يحرسوها؟

أسرع عشري قائلا: هم هيفضلوا يدوروا لحد ما يلاقوها، متقلقش، أنا بنفسي هروح ادور معاهم ومش هرجع من غيرها.

توقف أمامه، وقال بغضب مكتوم: ده من مصلحتك يا عشري، علشان أنا مش هقبل بأي غلطات تاني، اتفضل.

خرج عشري، بينما جز سليم على أسنانه، وقبض يده، قبل أن يضرب المكتب بكفه.

نظر إليه مكي بهدوء: أهدي يا سليم، هتروح فين يعني؟ ملهاش مكان تروحله، هيجيبوها.

زفر باختناق: أنا مش هسيب نفسي لاحتمالات يا مكي، كفايه عليا موضوع المافيا، لحد دلوقتي مش عارف ناوين علي ايه.

نهض مكي وربت علي كتفه: أهدأ أنت بس وبإذن الله كله هيبقي تمام.

على اتجاه اخر عند صافيناز 

ظلت تركض بأنفاس متقطعة، وقلبها يخفق بعنف، لم تكن تعرف إلى أين تذهب، كل ما كانت تعرفه أنها يجب أن تبتعد عن المكان بأسرع ما يمكن.

وصلت إلى طريق عمومي، رفعت يدها وأوقفت سيارة أجرة، ثم أسرعت إلى المقعد الخلفي.

سألها السائق: على فين يا مدام؟

قالت بسرعه وهي تنظر حولها بتوتر: اى حته بعيد عن هنا.

ظلت طوال الطريق تحدق من النافذة بشرود، بينما كان عقلها يدور في دائرة واحدة... ماذا ستفعل الآن؟
♥️_______________بقلمي_ليلةعادل.
منزل مي،3م

قبضت على اختبار الحمل بين أصابعها المرتجفة، وعيناها معلقتان به وكأنها تنتظر منه إجابة تخشاها، كانت أنفاسها متقطعة، وقلبها يخفق بعنف، وقدماها تهتزان دون توقف.

ظلت تحدق فيه، تراقب النتيجة وهي تتشكل أمامها ببطء وفجأة، ظهر خطان.

توقفت أنفاسها للحظة، واتسعت عيناها في صدمة، وكأن العالم من حولها توقف تماما.

همست بصدمة: لا مستحيل.

سقط الاختبار من يدها، وانزلقت إلى الأرض تبكي، غير قادرة على استيعاب ما تراه.

نظرت حولها بعدم تصديق، لتجد أكثر من اختبار ملقى بجوارها جميعهم يحملون النتيجه ذاتها.

انهمرت دموعها أكثر، ووضعت يدها المرتجفة على بطنها، وقد أدركت الحقيقة التي حاولت الهروب منها، فهي بالفعل تحمل في أحشائها طفلا من رشدي، طفلا سيبقى رابطا مقدسا بينهما حتى آخر أنفاسها.

مستشفى شمس الحياة،3م

جلس مصطفى داخل مكتبه، يتفحص بعض الأوراق، حين طرقت الممرضة الباب: المريضة وصلت يا فندم.

اومأ بهدوء: خليها تتفضل.

خرجت الممرضة، ولم تمر سوى ثواني حتى تحرك مقبض الباب من الخارج.

ظهرت يد أنيقة، تحمل في إصبعها خاتم من الألماس الفاخر، الذي التقطه الضوء بقوة، فلفت انتباه مصطفى قبل أن تظهر صاحبته.
ثم فُتح الباب ودخلت فايزة، بخطوات ثابتة، وهيبة اعتادها كل من يعرفها: هالو دكتور مصطفى.



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة