
بقلم خديجه احمد
دخلوا المجمع، والهوى جوا المكان تقيل، ريحة الغبار والدخان مختلطة بريحة الدم الجاف. كل واحد فيهم ماشي بخطوات مترددة، وكأنه بيحسب كل حركة، وكل نفس بيأخده بيحمد ربنا إنه لسه عايش.
سيف بيوصل هانيا لأوضتها. قلبه كان بيتقطع وهو بيحطها على السرير، إيده بتترجف كأنه خايف حتى من لمسها. بيهمس بصوت خافت مليان خوف وحزن:
"كله هيعدي… هيعدي… أهم حاجة دلوقتي تاخدي قوتك… الطباخين هيبدأوا في الأكل… وبعتلك أكلك… ياريت تاكلي… بس… ياريت…".
بيلف حواليها بنظرة طويلة، كأنه بيحاول يكتشف أي علامة حياة جواها، لكن مفيش رد. قلبه اتقصف، بيتنهد بصوت مليان وجع، وببطء بيبعد عن الأوضة، وعينه لسه بتراقبها من بعيد.
المساعدات وصلت، لكن التوتر مالي المكان. كل مورد يعني خطوة أقرب لصناعة القنابل المزروعة، وكل ثانية ضايعة ممكن تغيّر كل حاجة. سيف بيجمع الباحثين حواليه، وعيونه مليانة توتر وأمل متشابك:
"احنا دلوقتي قدام مسؤولية كبيرة… لازم نفهم المطلوب صح… كل خطوة محسوبة… عشان الحياة ترجع طبيعية… أو على الأقل، ندي نفسنا فرصة."
الجو مليان صمت ثقيل، غير صوت المعدات اللي بتتحرك بصعوبة، والباحثين عيونهم مليانة خوف وقلق، بس فيه لمعة أمل صغيرة، اللي سيف ماسك فيها بكل قوته.
بتعدي الأسابيع وأخيرًا…
القنابل بتتجهز، والأسلحة بتتعمر. كل حاجة مستعدة لحرب الإبادة. كل واحد حاطط قلبه في إيده، وماشي على طريق مجهول، مش عارف هيرجع عايش ولا جثه خامله على الأرض.
هانيا بتدخل على سيف، وعيونها مشتعلة:
"سيادة المقدم، أنا هروح معاكوا."
سيف بيتوتر، بنبرة قلق:
"متأكده يا هانيا؟ مش عايزك تنهاري هناك ومتعرفيش تسيطري على نفسك."
هانيا ترد بإصرار، وصوتها صارم وقاسي:
"متقلقش يا فندم… أخويا ما ضحاش بنفسه هباءً."
سيف بيهز راسه بالموافقة، وبصوت حازم:
"تمام… اتفضلي، حضري نفسك… هنتحرك كمان نص ساعة بالظبط."
هانيا بتهز راسها وتتحرك، رجليها بتخطو بخطوات ثابتة، وكل خطوة فيها قوة وغضب مكبوت. بتدخل غرفتها، وتقف قد المرايا.
بتبدأ تلبس البدلة، ماسكة سلاحها بإحكام، كل حركة محسوبة، وكل نفس فيها تركيز. عينيها بتلمع من داخل الكمامة، وشفتها في المرايا بقت صارمة، مليانة حزم لا يعرف الرحمة مكان فيها.
بتنطق لنفسها، بصوت خافت لكن مليان غضب:
"أنا هنتقم من أي حد أذاني… وأولهم… إنتِ يا هند."
المرايا تعكس صورة فتاة اتغيرت… مش مجرد ضحية، لكن محاربة جاهزة لكل اللي هيجي.
بيتجمعوا في ساحة المجمع… صفوف متراصة، وجوه مشدودة، وكل عين شايلة حكاية خوف وأمل. صوت الريح كان بيحمل ريحة الغبار والموت، ومعاها رهبة الحرب اللي على وشك إنها تبتدي.
سيف بيقف قدامهم، ملامحه صارمة، لكن عيونه فيها لمعة إيمان قوية. بيرفع صوته بثبات:
"بسم الله الرحمن الرحيم…
نبدأ الخطبة بذكر الله اللي به نستعين.
أولا… العملية دي هتبقى الفيصل… يا إما نقدر نقضي على الكائنات… يا إما نرجع مهزومين.
لكن اسمعوني كويس… النصر مش بالسلاح بس… النصر في قلوبنا وإيماننا، وما النصر إلا من عند الله.
النهارده… إحنا مش جنود بس… إحنا إخوة… دمنا واحد… وقلبنا واحد. لو حد فينا وقع، التاني يسنده… ومهما حصل، محدش يسيب حد وراه.
اذكروا الله واستعينوا بيه… اعملوا اللي عليكم… والباقي كله على الله وحده."
صوته كان تقيل، كل كلمة بتنزل زي الطلقة في قلوبهم. العيون بدأت تلمع بالدموع، مش دموع خوف… لكن دموع إيمان. جنود كانوا لسه من شوية شايلين الخوف في قلبهم، والخطبة دي حطت مكانه عزيمة صلبة.
هانيا واقفة وسط الصفوف، ماسكة سلاحها بإيد ثابتة، قلبها بينبض بسرعة، بس كلام سيف نزل عليها زي البلسم… لأول مرة من شهور بتحس إنها مش لوحدها، وإنهم كلهم جسد واحد.
صوت المعدات بيتشيك، والأحذية بتخبط في الأرض، والهدوء اللي بعد الخطبة كان أبلغ من أي هتاف. كانوا جاهزين… مستعدين يواجهوا الموت بعزيمة ما بتهزش.
سيف ينهي كلامه، يرفع صوته بصيحة قوية:
"توكلنا على الله!"
والصف كله يرد بصوت واحد، هزّ الساحة كلها:
"توكلنا على الله!"
الهواء تقيل… الأرض نفسها بتحس بيهم… وكأن اللحظة دي هتكتب مصيرهم للأبد.
المعدات كلها اتجهزت… اللحظة الحاسمة وصلت.
الجنود بيتحركوا بخطوات ثابتة ناحية بوابة المجمع الكبيرة، وكل خطوة منهم تقيلة كأنها شايلة العالم كله.
سيف بيرفع إيده، صوته بيعلو وسط الهدوء المشحون:
"اسمعوني كويس! هنقسم القوات لأربع مجموعات… كل مجموعة ليها قائدها ومسؤوليتها."
أول مجموعة… سيف نفسه بيرأسها، ومعاه هانيا.
من أول ما شاف إصرارها قرر يخليها في مجموعته عشان يبقى شايفها بعينه، وحاميها مهما حصل.
هانيا كانت واقفة جنبه، ماسكة سلاحها بقوة، عيونها ثابتة قدامها، بس جواها خليط من الخوف والإصرار، وصوت واحد في دماغها:
"دي لحظتي… دي معركتي."
المجموعة التانية بقيادة مالك…
مالك كان واقف مستقيم، وشه جامد، لكن عيونه بتفضحه.
حاسس بثقل المسؤولية على كتافه، عارف إن كل جندي في مجموعته أمانة في رقبته.
بيشد على سلاحه وكأنه بيتعاهد مع نفسه:
"مش هرجع غير وأنا محقق النصر أو شهيد."
المجموعة التالتة، بيتولاها الملازم حسام…
شاب لسه صغير بس عنده شجاعة مش طبيعية، عارف إنه لازم يثبت نفسه وسط القادة الكبار.
أما المجموعة الرابعة… تحت قيادة الرائد خالد، الخبير في القتال الميداني. صمته كان مرعب، وكل اللي معاه متطمنين إنه موجود.
سيف بصوت حازم وهو بيتأكد من جاهزية الكل:
"كل قائد مسؤول عن رجاله… أي خطأ صغير هيدفعنا تمنه كبير. تذكروا… إحنا بنحارب عشان نعيش، عشان نحمي نفسنا، وعشان نرجع وطننا. الهدف واضح… وما النصر إلا من عند الله."
الجنود هزّوا راسهم، وكل واحد فيهم شايل وصية في قلبه… وصية لحد بيحبه، لحد منتظر عودته.
ساحة المجمع اتملت بصوت تهيئة الأسلحة، كأنها سيمفونية موت أو حياة.
البوابة الحديدية اتفتحت، وصوتها العالي كأنه إعلان بداية معركة فاصلة… حرب إبادة يا هيرجعوا منها منصورين… يا إما مش هيرجعوا خالص.
أربع مجموعات… أربع اتجاهات… أربع مصاير مختلفة.
سيف ومجموعته في الشمال،
مالك ورجاله في الجنوب،
حسام يقود فريقه في الغرب،
والرائد خالد واقف برجاله في الشرق.
كل مجموعة عارفة إن الخطوة دي هتحدد مصيرهم… يا موت يا حياة.
عند مجموعة سيف
سيف واقف قدام المبنى الضخم اللي اختاروه فخ…
وشه جامد لكن صوته ثابت، بيشرح الخطة لآخر مرة:
"هنزرع القنابل في كل طابق… السماعات هتشتغل بكامل قوتها، هتجذب الكائنات كلها جوه… وبعدها نفجره على دماغهم."
الجنود اتحركوا بسرعة صامتة، كل واحد عارف مكانه.
هانيا كانت وراه بخطوة، ماسكة سلاحها بإيد، والقنبلة الصغيرة بإيد تانية، قلبها بيرقص رعب وإصرار في نفس الوقت.
بعد دقائق…
القنابل كلها اتثبتت… السماعات اتشغلت.
صوت حاد مرعب بيشق المكان… صوت ترددات عالية بتخترق الهوا.
بدأت الأرض نفسها تتهز تحت رجليهم…
آلاف الكائنات طالعة من كل ناحية، عيونهم بتلمع، أصواتهم بتعوي، بيتجمعوا حوالين المبنى زي موجة سودا ضخمة.
الوقت بيعدي ببطء قاتل…
ربع ساعة كاملة وسيف واقف عينه مثبتة ع المبنى، بيحسب عدد الكائنات اللي دخلت.
لما اتأكد إن المبنى اتحوّل لعش للكائنات… بص للهوا ونزل نفسه العميق.
بصوت هادي لكن مليان ثقل:
"سبيني أنا أفجره."
هانيا تبصله، عيونها بتلمع بالأمل والقلق، وتهز راسها بالموافقة.
سيف يمسك جهاز التفجير…
صوت دقات قلبه عالي كأنه بيعد معاه:
واحد…
الجنود بيحبسوا أنفاسهم.
اتنين…
الهوا بقى تقيل، كأن كل الكون واقف مستني اللحظة.
تلاتة…
ضغط الزر.
انفجاررررررررررررر!!!
المبنى بيتفجر في لحظة…
كرة نار هائلة طلعت للسماء، موجة صدمة عنيفة هزّت الأرض لدرجة إنهم وقعوا على ركبهم.
الانفجار كان أقوى من أي حاجة شافوها قبل كده، صوت الزجاج المتكسر والخرسانة المتفتتة بيرن في ودانهم.
وبعدها… صمت.
ماحدش عارف… هل ماتوا؟
ولا لسه؟
الضباب الكثيف غطّى المكان بالكامل، والجو مليان ريحة بارود ورماد.
الجنود شايلين سلاحهم… أصابعهم على الزناد… عيونهم بتدور في كل اتجاه.
كل نفس محسوب، وكل صوت خافت ممكن يبقى بداية النهاية.
ثواني بقت دقايق…
ودقايق بقت أبدية.
وفجأة…
الضباب بدأ يتبدد ببطء…
هانيا ماسكة سلاحها ومش قادرة ترمش حتى، وسيف شايل القنبلة الاحتياطية في إيده، مستعد لأي هجوم.
ولما الضباب اختفى تمامًا…
الكائنات كلها مرمية… ميّتة… ولا واحد فيهم بيتحرك.
لحظة صمت… بعدها سيف بيصرخ بأعلى صوته، صوته بيرج الجبال:
"نجحنااااااااااااااا!"
الجنود انفجروا في صيحات فرحة… بعضهم وقع على ركبته بيبكي، بعضهم رفع سلاحه للسماء، وهانيا نفسها دموعها نزلت وهي ماسكة سلاحها بقوة، بتبص على الأنقاض كأنها بتودّع أخوها و فارس
السماء لسه متشربة ريحة البارود، والدخان لسه بيطلع من المباني المهدودة، لكن في حاجة مختلفة… في سكون، سكون غريب كأنه أول مرة من شهور الدنيا بتتنفس.
سيف واقف وسط رجاله، ماسك سلاحه وعيونه بتجري وسط الركام.
هانيا واقفة جمبه، وشها مترب وعرقها نازل، بس عينيها فيها لمعة ما شافهاش قبل كده… لمعة النصر.
بيسمعوا عبر اللاسلكي صوت الرائد خالد:
"المناطق الشرقية آمنة… الكائنات انتهت."
بعده بثواني صوت مالك بيرن، صوته تعبان لكنه مليان قوة:
"الجنوب تحت السيطرة."
سيف بياخد نفس عميق، كأنه أول نفس حقيقي من شهور، وببص للهوا حواليه:
"خلصنا المعركة… بس لسه التعب منتهاش."
هانيا بتبصله بنظرة كلها وجع وفقد، لكنها لأول مرة فيها أمل:
"المهم إن فينا لسه روح… ولسه اللي جي اهون من اللي راح."
هند
في مكان بعيد عنهم شوية… هند كانت قاعدة في غرفة مظلمة، إيديها متكتفة ووشها متورم من التعب.
من ساعة ما اكتشفوا خيانتها وهي محبوسة تحت حراسة مشددة.
كانت سامعة أصوات الانفجارات والصرخات من بعيد، وكل ثانية كانت بتحس إن نهايتها قربت.
لكن الغريب… إن لسه محدش قرر مصيرها.
الرائد خالد أمر إنها تفضل عايشة لحد ما القيادة العليا تحدد هيتعمل فيها إيه.
بعد ساعات، المجموعات كلها اتجمعت في ساحة المجمع.
الجنود رافعين سلاحهم للسماء، والصرخة اتجمعت من الكل:
"الله أكبر!"
هانيا حطت إيدها على قلبها وهي بتبص للشمس اللي بدأت تطلع.
حست بدفا غريب، لأول مرة من شهور بتصدق إن فيه مستقبل.
سيف بيبص عليها، ولأول مرة من غير ما يتكلم، ابتسامة صغيرة بتظهر على وشه.
ابتسامة هانيا ردت عليها بابتسامة أكبر…
ويمكن دي كانت أول لحظة حقيقية بين الاتنين.
الكاميرا بتطلع ببطء لفوق، بتوري الركام، الجنود، والدنيا اللي اتغيرت،
وصوت سيف في الخلفية بيقول بهدوء:
" كسبنا المعركة…
واللي جي اسهل بإذن الله."