رواية القدر الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم خديجه احمد

رواية القدر الفصل الخامس والعشرون 25
بقلم خديجه احمد


الدموع نزلت فجأة من عين هانيا، بس مفيش صوت… كأن الحنجرة اترفعت من مكانها.
إيديها بتترعش وهي ماسكة طرف الكرسي، بتحاول تستوعب…
وفجأة… قامت واقفة بعنف، الكرسي وقع وراه، وصوت دبدبة رجليها دوّى في القاعة.

هانيا، بصوت مبحوح، عيونها حمراء زي جمر مشتعل:
"قذرة! حيوانة! إنتي مش بني آدمة! انتي وحش!"

هند ضحكت… ضحكة باردة متقطعة، كأنها بتشق الهوا نصين:

"آه يا هانيا… ده لسه إنتي مشفتيش حاجة… فاكرة فارس؟ ده حتى دمه لسه عالق في أيديا… وريحة موته لسه جوه مناخيري."

هانيا بتنهار، بتكعبل في نفسها وتقع على ركبتها، ودموعها بتبلل الأرض…
بس فجأة… لحظة غريبة بتحصل.

الدموع وقفت.
التنفس بقى بطيء.
مفيش صوت غير دقات قلبها، ووشها بدأ يتجمد.

هانيا رفعت راسها ببطء… عنيها بقت سودا، مش شايفة حد.
قامت واقفة من غير كلمة.
مفيش صريخ، مفيش انهيار.
بس هدوء قاتل… هدوء يخوّف حتى هند نفسها.

سيف، اللي واقف ورا الإزاز، حس قلبه بيوقع جوه صدره…
كان على وشك يكسر الإزاز برجليه، صوته اتحشر في حلقه، لكن ضابط التحقيق حط إيده على كتفه عشان يوقفه.

الهوا نفسه بقى تقيل…
الجدران كأنها اتقفلت عليهم…
وفي اللحظة دي، أول مرة هند حست إن في مصيبة جاية عليها مش هتعرف تهرب منها.

هانيا خرجت من أوضة التحقيق، خطواتها تقيلة كأن كل خطوه شايلة فوقها جبال من الغل والقهر.
وشها مش باين فيه غير حاجة واحدة… كره.
كره بيغلي في عينيها كالنار، بيتحرك معاها وهي ماشية، سايب أثره في كل نفس بتسحبه.

وقفت قدام سيف، عنيها مركزة في ولا نقطة حواليه، بس قبل ما تمشي، همست بكلمات خرجت من بين شفايفها زي قسم دم:

"أنا هندمك… هندمك على كل لحظة أذيتِ فيها حد بحبه."

ومشيت… خطواتها سريعة، لكن قلبها كان متكسر.

سيف شاف الحالة اللي هي فيها… حاجة جواه اتخنقت.
لحقها لحد أوضتها، وفضل يخبط:

سيف بقلق، صوته مبحوح:
"هانيا… افتحي! أنا عارف إن اللي سمعتيه ده… أي حد كان مكانك كان انهار… بس أنا هنا، أنا جمبك، مش هسيبك لوحدك."

مفيش رد.
الخوف بدأ ينهش في صدره… مسك مقبض الباب وفتحه بهدوء.

الأوضة ضلمة شوية، مفيش صوت غير دقات قلبه، لحد ما سمع صوت مكتوم جاي من الحمام.
قرب، وهو كل خطوة بياخدها حاسس إنه داخل على حاجة موجعة أكتر.

وقف قدام باب الحمام، سند ضهره عليه، صوته واطي بس مليان وجع:
"هانيا… متخافيش… أنا جمبك، مش هسيبك أبدًا."

مافيش غير صوت تقطّع نفسها جوا… وبعدين سمعها بتتقئ.

قلبه وقع، فتح الباب بسرعة…
لقاها قاعدة على الأرض قدام الحوض، جسمها بيرتعش وهي بترجع…
إيديها متعلقة على بطنها، دموعها مغرقة وشها، وهي بين شهقة وشهقة بتهمس بكلمات متقطعة:

"ل… لحمة… هاني… أنا… أكلت… لحمة أخويا!"

فضلت تبكي زي طفلة تايهة، صرختها مكتومة جوا صدرها…
سيف نزل على ركبته جنبها، لف دراعه حواليها، حاول يسندها، حاول يحتويها… بس هو كمان كان موجوع.
كان شايف قد إيه الكسر جواها عميق، قد إيه الألم أكبر من أي كلام ممكن يقوله.

قرب منها أكتر، وشه جنب وشها، صوته مهزوز لكنه حاسم:
"أنا هنا… مش هسيبك… ولا حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدك، أنا هنا يا هانيا."

الهوا كان تقيل، وجوا الحمام ريحة القيء ممزوجة بريحة الدموع والخذلان…
كانت اللحظة دي كفيلة تغيّر كل حاجة بينهم.
سيف بقى شايف إن هانيا مش بس موجوعة… هانيا اتكسرت.
والكسور دي، لو ململهاش هو، ممكن تقتلها قبل ما تقتل هند.

سيف كان واقف قدام باب الحمام، عينه عالدموع اللي مغرقه وش هانيا… قلبه بيتقطع عليها، بس صوته كان مضطر يبقى ثابت:

سيف بصوت مرتعش:
"اغسلي وشك… وجهزي… هانـدفن جثة فارس النهارده."

قالها ومشي…
ومع كل خطوة بعيد عنها، كان حاسس إنه بيسيب حتة من قلبه وراه.

بعد ساعات…
الشمس كانت ميلة للغروب، والجو كله صمت إلا من همسات الريح وهي بتمر بين جدران المجمع.
هانيا نزلت سلالم المبنى ببطء، كأنها ماشية وسط حلم تقيل مش عايزة تصحى منه.
وشها شاحب… مافيهوش روح.
خطواتها هادية لدرجة إنك لو ركزت شوية تحس إن الأرض نفسها كانت بتتوجع وهي ماشية عليها.

وصلوا للباحة الخلفية للمجمع…
المكان كان مليان جنود، واقفين في صفوف، عيونهم محمرة من كتر البكاء.
الكل ماسك مصاحف صغيرة، بيقرأوا قرآن بصوت واحد، كأنهم بيحاولوا يهدوا روح فارس وهو في طريقه الأخير.

الحزن كان مالي المكان…
الدموع سايحة ع الوشوش، الأنفاس متقطعة، والوجع متوزع بالتساوي ما بين كل قلب واقف هناك.

قد إيه فارس كان قائد يعتمد عليه…
كان الكل شايف فيه الأمل، القوة، الحماية…
وبدل ما يموت موتة بطل في ساحة المعركة، انتهى بيه الحال بطريقة بشعة محدش فيهم قادر ينساها.

هانيا وقفت وسط الصفوف، ماسكة المصحف بإيد مرتعشة…
ما بكتش، مش عشان قلبها جامد، لأ…
بس يمكن لأن دموعها نشفت خلاص.
مكتفية إنها تقرأ له قرآن، تدعي له بالرحمة، وكأنها بتحاول تصالح روحه بروحها.

أما مالك…
وشه كان غرقان دموع، صوته مكتوم وهو بيقرأ، كأن الحروف طالعة من قلبه قبل لسانه.
شايل ذنب موت فارس على كتافه، شايف نفسه السبب في موت هاني كمان…
وكان عارف إن الذنب ده مش هيسيبه طول عمره.

وسيف…
واقف قدام قبر فارس، عينه مثبتة ع التراب اللي بيترمي عليه.
وشه جامد قدام الجنود، كابت دموعه بكل قوة…
مش عايز ينهار قدامهم، عارف إنهم محتاجينه واقف، قوي…
بس جواه؟
جواه في حرب تانية شغالة، حرب بين كبريائه وقلبه المكسور.

كل نفس بيتسحبه كان تقيل… كل حبة تراب بتنزل على جثة فارس كانت كأنها بتدفن معاه ذكريات عمر وحياة كاملة.

بعد ما خلصوا الدفن، الجنود ابتدوا يمشوا واحد ورا التاني، والباحة الخلفية فضيت إلا من شوية تراب لسه رطب من المطر اللي نزل الصبح…

سيف واقف قدام القبر، ثابت مكانه، كأنه اتشل…
عينه معلقة على التراب كأنه مستني فارس يقوم منه، كأنه لسه مش مستوعب إن صاحبه بقى تحت الأرض.

الهوا كان بارد، بيعدي على وشه، لكن جواه نار مولعة…
الجنود كانوا بيبصوا له من بعيد، عارفين إنه محتاج يبقى لوحده، محدش فيهم قرب…

هانيا فضلت واقفة شوية، بتقرأ قرآن بصوت خافت، قبل ما مالك يشاور لها يمشوا ويسيبوه.
اترددوا، لكن في الآخر مشيوا…

وسيف لسه مكانه.

حس نفسه فجأة وحيد…
كل الأصوات راحت، كل حاجة سكتت، وما بقاش فيه غير صوت أنفاسه المتقطعة.
ركبته ضعفت، وقع على ركبته قدام القبر، إيده غرست في التراب لحد ما أظافره اتسخت…

سيف بصوت مبحوح هامس:
"ليه يا فارس… ليه سبتني؟"

الصوت خرج مش مسموع غير لنفسه… لكن جواه كان في عاصفة.

بدأ نفسه يثقل أكتر… دموعه نزلت غصب عنه، دموع مالهاش صوت، دموع راجل شايل جواه حرب كاملة ومش قادر يكمل لوحده.

رفع راسه للسما…
صوته كسر الصمت:

"أنا تعبت… تعبت قوي يا فارس… إنت كنت ضهري… إنت كنت قوتي…
أنا دلوقتي لوحدي في وش العالم."

دموعه كانت سخنة، نازلة على تراب القبر كأنها بتحاول تصحي فارس…
لكن التراب فضل صامت، ماردش…

هانيا ومالك كانوا واقفين بعيد بيراقبوه…
هانيا حست قلبها بيتمزق وهي شايفة سيف بالشكل ده، عمرها ما شافته منهار كده قبل كده.
أما مالك فكان عارف إن اللحظة دي لازم يعديها لوحده… سيف محتاج يواجه وجعه، لأن الوجع ده مش بس على فارس، الوجع ده على نفسه كمان.

الهوا زاد برودة، والسما كانت بتظلم أكتر…
سيف مسح وشه بإيده المرتعشة، وقف بصعوبة، وبص للقبر للمرة الأخيرة.

سيف بهمس مكسور:
"سامحني يا فارس… سامحني إني معرفتش أحميك."

ومشي بخطوات تقيلة، كل خطوة كأنها شايلة وزن العالم.

العالم مكانش هيخلص هنا…
لسه في كائنات بره، متربصة، مستنية أي غلطة عشان تخلص عليهم كلهم.
لسه الحرب شغالة، ولسه مصر مش راجعلها السلام.

بس المصيبة الأكبر… المساعدات لسه موصلتش!
شهرين عدّوا كأنهم سنتين.

الناس بدأت تموت من الجوع والعطش… العساكر نفسهم وشهم اصفر، عيونهم غائرة، عضمهم باين من تحت هدومهم.
صوت بطونهم الفاضية بقى أعلى من صوت الرصاص.
بقى فيه صمت قاتل في المجمع… صمت الجوع، صمت القهر.

هانيا… اختفت من وسطهم.
مبقتش تخرج من أوضتها خالص، كأنها بتحارب حربها الوحدها.
رفعت قوي من قلة الأكل، ملامحها بقت هزيلة، وعيونها محمرة من كتر السهر والبكا.
كل حاجة جواها اتكسرت بعد موت فارس وهاني… لدرجة إن صوتها نفسه مبقاش يتسمع.

أما سيف…
سيف كان بيحارب نفسه قبل ما يحارب الكائنات.
واقف ليل نهار على الخرايط، بيخطط لخطه إبادة شاملة.
عينه حمراء من السهر، صوته خشن من القهر.
بس جواه طفل صغير بينهار كل ليلة… طفل شايل ذنب موت فارس وهاني، شايل خوفه على هانيا، وشايل مستقبل البلد كلها فوق كتافه.

مالك كان دايمًا جنبه، زي دراعه اليمين،
بس حتى مالك قلبه مش مستحمل.
الندم قاتله… كل ما يشوف قبر فارس أو يتخيل ضحكة هاني، بيرجع يبكي لوحده في الظلمة.

وأخيرًا…
اليوم ده جه.

صوت الطيارات شق سكون المجمع.
الجنود خرجوا بره زي المجانين، عيونهم كلها أمل، إيدهم بترتعش وهما شايفين المساعدات بتنزل من السما.
سيف واقف في النص، رافع راسه…
بس عينه ماكانتش بتلمع من الفرح زيهم، كان فيها حاجة تانية…
حاجة زي النار اللي مولعة جواه من أول يوم بدأت الحرب.

الطيارات بتنزل…
الجنود والناس بيجروا عليها بأقصى سرعة، قلوبهم بتخبط جامد، عقلهم مش قادر يستوعب اللي بيحصل.
كل خطوة كانت صعبة، كل نفس كان مليان توتر… كأن كل ثانية ممكن تكون آخر ثانية في حياتهم.

فجأة… الكائنات من كل ناحية…
عيونها حمرا، صرخاتها بتخترق السما، كل حركة منهم كأنها تهديد مباشر للروح.
الخوف غطى على كل الألوان، على كل أصوات الفرح اللي كانت موجودة قبل ثانية.

سيف اتصدم… عينه اتسعت، قلبه اتجمد، عقله حاول ينسق خطة لكن الصدمة خلاه مش قادر يحرك أي حاجة.
صرخ بأعلى صوته، صوته مخنوق بالغضب والخوف:
"الكائناات! ادخلوا المجمع!"
وفي لحظة، الإحساس بالمسؤولية خلاه ينسى نفسه… كل اللي حواليه حياة الناس… وده وزن على قلبه يثقل على نفسه أكتر من أي سلاح.

الناس بدأت تجري، اللي بيقع ميت واللي بيلحق يدخل المجمع…
الخوف كان متسرب في كل خطوة، عيون الأطفال كانت واسعة… عيونهم شايلة كل شهور الجوع والخوف.
الرجال كانوا بيلوحوا بأيديهم للسماء، صرخاتهم كلها خوف وذعر.

هانيا خرجت فجأة…
وشها شاحب، عيونها مولعة… الغضب والحزن اللي جواها اتجمعوا في لحظة واحدة.
اللي شايفه، كل دم الكائنات اللي راحت على الناس، كل موت هاني وفارس… كله اتجمع في عينيها.
سيف صرخ لها، صوته محمّل بكل إحساسه بالمسؤولية:
"هانيا! ادخلي دلوقتي!"

لكن هي مش سامعاه… صوتها انفجر في السماء:
"موتكوا هيبقى على إيديييييي!"

اللحظة دي… قوة غضبها كانت كفيلة تخلي الكائنات تتراجع…
بس مش بس كده… قلبها موجوع، عينه مليانة دموع محبوسة، رغبة الانتقام واخدة كل حواسه.
كل كائن يقرب منها بيتحول لجثة… كل ضربة سكين كانت تصرخ بكل ألمها وحقدها وكل ذكريات الألم اللي عاشتها.

سيف واقف مذهول… قلبه بيتقطع…
هو عارف إن القوة دي مش بس غضب… ده وجع كل اللي فقدوه… كل اللي ماتوا على إيد الكائنات… وكل ألم نفسه مكانش قادر يطلعه قبل كده.

مالك صوته عالي من بعيد، مليان خوف وقلق:
"هانيااا! ارجعي!"

لكن هانيا… كأنها مش بشرية… كأن الألم، الغضب، الحقد، والحب اللي فقدته اتجمعوا في لحظة واحدة، وظهروا كقوة خارقة، لا كائن قادر يوقفها… لا خوف قادر يلمسها.

بعد دقائق…
قوتها اللي كانت خارقة لسه شوية فاتت… انهارت فجأة.
هانيا وقعت على الأرض، جسمها ارتخي، عينيها مثبّتة على التراب كأنها بتشوف كل اللي حصل، كل الدم، كل الموت، وكل ألمها اللي اتجمع جواها.

سيف بقى واقف قدامها، قلبه بيتقطع… عيونه مليانة حزن ووجع، كأن كل الدم اللي شافه حوالينها بيجري جواه.
ببطء قرب منها، خطوة خطوة… صوته ثابت لكنه مليان حرارة:
"يلا يا هانيا… كفايا."

ماسِكها بحذر، جسمها ارتخي أكتر وهو بيشيلها، وكل اللي حواليهم واقفين صامتين، عيونهم مليانة رهبة واحترام… مفيش حد بيحرك ساكن.

سيف رفع راسه، بصوت حاسم وقوي:
"اشرف على دخول المساعدات."

مالك وقف جمبه، هز راسه ببطء، عارف إن اللحظة دي محتاجة حزم… إن كل اللي حصل لسه مأثر في قلبهم، لكن الدنيا محتاجة تستمر.

الهدوء رجع شوية، والمساعدات بدأت تدخل، لكن الصورة اللي اتسجّلت في عيون سيف وهانيا… هتفضل محفورة في القلب لحد ما الحرب كلها تخلص.




تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة