رواية القدر الفصل الثالث عشر 13 بقلم خديجه احمد

رواية القدر الفصل الثالث عشر 13
بقلم خديجه احمد


مالك عبد المنعم، قائد فريق
 الحماية، وقف قدامهم وعيونه كانت بتلمع من تحت حاجبيه، كأنه شايل عبء العالم على كتافه. صوته كان حازم وفيه حدة نابعة من خوفه على الناس اللي معاه:
"هنروح للمناطق السكنية، ومش عايزين نتصادم مع أي كائن. لو اضطرينا نستخدم العنف، هيبقى بالسلاح الأبيض بس، مش بالأسلحة النارية إلا في أقصى حالات الطوارئ."

ابتدوا يتحركوا بحذر، والهدوء حوالينهم كان كأنه صمت القبور. وصلوا للمكان، كل حاجة ساكنة، لا صوت، لا حركة، لا حتى نفس بني آدم. مالك لسه ما أصدرش أمر التحرك، لكن هند كان قلبها بيرتعش، وعينيها مش قادرة تقبل الصمت ده.

بإصرار كأنها بتقاتل خوفها، قالت: "مستحيل يكون المكان فاضي كده. دا مجمع سكني، وفي ناس ممكن تكون تحت الأنقاض، محبوسين بين الركام."

مالك ابتسم بسخرية مرة، لكن في عيونه كان في برود: "وانتِ فاكرة إن لو حد تحت الأنقاض، إحنا هنقدر نطلعه؟"

لكن هند، رغم كل ده، كانت حاسة بحاجة بتقولها غير كده. "أنا هعرف."
بدأت تتحرك وسط الحطام، رجليها بتغوص في التراب المتحرك، قلبها بيرتعش لكنها ما بتقفش، عينيها بتدور بحذر، والعرق بينزل من جبينها رغم البرودة.

مالك بصوت منخفض  م: "وفي الآخر تيجي بنت تمشي كلامها عليا ... والله خربت."

عند هانيا، المكان كله مشحون بتوتر متزايد، والكل مستعد، قلوبهم بتخبط بسرعة.
فجأة........ يهاجمهم كم هائل من الكائنات، صوت زئيرهم كأنه بيخترق السما، والذعر بيسيطر على الوجوه.

أنفاسهم بقت قصيرة وسريعة، وقلوبهم بتدق في ودانهم كأنها طبل حرب، وكل خطوة بتكسر صمت المكان.

الخوف دب في أعماق القلوب، الإحساس بالعجز بيغلف المكان.
عدد كبير من الفريق وقع ضحية الهجوم الوحشي، موت مفاجئ وصادم.

فارس بأمر حاسم لكنه مكسور: "كلنا ننسحب! مش هنقدر نواجه العدد ده كله!"

الناس بتبدأ تجرى، بتحاول تقتل أكبر عدد ممكن من الكائنات وهي بتتراجع، لكن الخوف مالي عيونهم.

هانيا كانت بتتألم جوه، صورة أخوها بتجري في دماغها، والقلب بيتقطع من الألم، وهي بتفكر لو القوة دي للعدو، إزاي أخوها هيقدر ينجو لوحده؟

وسط الزحام والفوضى، كائن هجم عليها، سنانه الحادة غرست في كتفها، والدم نزل عليها كأنه نار مولعة، الألم خلاها تحس بجمر مولع جوه جسمها، لكن ما استسلمتش!

مسكت الكائن بإيدها بإصرار، وضربته بالنار بكل قوة، وبدأت تجري، وكل خطوة فيها ألم لكن إرادتها أقوى، وشايفة صورة أخوها كأنه واقف جنبها، بيشدها تمشي لقدام.

بعد ساعة من العذاب والهرب، قدروا يفلتوا من الكائنات، وابتدوا يمشوا بحذر كأنهم بيحاولوا ما يعملوش صوت يخلي الكائنات تلاحقهم تاني.

الهواء بقى بارد أكتر، والهدوء رجع يسيطر، لكن كان صمت مش مريح، كأنه بيخفي خطر جديد.

فارس بصوت هادي لكنه مليان بالعزم قال: "يلا يا أبطال، لازم نرجع. في ناس مستنيانا."

عند هند

الأنين المكتوم بيكاد يختنق وسط الركام، لكن هند متمسكة بصوت الحياة ده، ضوافرها بتغوص في التراب المكسور، رغم الدم اللي بيصب من إيديها وبيغطيهم.

مالك بيوقفها، عيونه مليانة ألم وحيرة، بيقولها بنبرة ضعيفة: ماينفعش كده، لازم نستنى حد يساعدنا... إيدك مش قادرة تستحمل أكتر.

بس هند بصتله بعينين ناريتين: «لسه في أمل، مش هسكت هنا وأنا سامع أنين واحد لسه عايش.»

مالك بيتنهد، وبدون كلام بياخد مكانها ويبدأ يحفر.

الرمل والغبار بيتطايروا مع كل حركة، والقلوب بتدق بسرعة، كل ثانية بتمر زي ساعة.

وفجأة، بيطلع صوت واحد، صوت مراهق تعب من الدنيا قبل أوانه.

مالك بيطلعه، ودموعه بتغطي وشه: يا ربي.. هو ده أخويا اللي كنت فاكره راح.

الأخ التاني بيعيط من الوجع اللي جواه، والدمعة بتنزل من عينيه على وشه الغبار.

هند مسكت إيد مالك بخفة، بطبطب عليها بلطف كأنها بتحاول تهدّي قلبه اللي بيغلي من الألم.

بصتله بنظرة مليانة حنان، عيونها فيها دفء بيتسلل وسط العتمة اللي حوالينهم، كأنها بتقول له من غير كلام: كلنا  هنا معاك، مش لوحدك.

مالك كان واقف متوتر، عيونه بتتلمع من دموع محبوسة، قلبه بيتقطع وهو شايف أخوه في الحالة المذعورة دي، اللي اتعرض لكل العذاب والوجع.

هند بلمساته الصغيرة دي كانت بتحاول تواسيه، تبطبط على روحه قبل إيده.

وفي اللحظة دي، صمت المكان اتكسر، وصوت أنين جديد من تحت الركام رجع يملّي الجو أمل.

بيحفروا بإصرار وعرقهم بينساب على وجوههم، وفجأة، وسط الركام والغبار، بيلاقوا أسرة كاملة مدفونة، لكن سبحان الله، لسه عايشين.

الفرحة والمفاجأة ملّوا المكان، والناس بتتنفس بصعوبة من شدة المشاعر.

بيخرجوا الأطفال والرجال والستات، كل واحد فيهم عيونه مليانة دموع، لكن فيها أمل ما ماتش.

بينقذوهم وبيبدأوا يتحركوا صوب المجمع الحربي رقم 14، كل خطوة بتشد القلوب، والكل داخلهم أمل جديد.

لما وصلوا المجمع، الجو اتغير كلياً.

الأهالي واقفين هناك، عيونهم محمرة من البكاء، وقلوبهم مليانة فرحة ما تتوصفش.

كانوا مستنيين أبنائهم، ناس بتدور على أولادها بقلق ، وناس تانية مستنية أزواجها بلهفة.

كل واحد فيهم كان مستني اللحظة دي، اللحظة اللي يرجع فيها أحباؤه سالمين.

بس في ركن كان في ناس تانية، عيونهم مليانة دموع، وأيديهم مشدودة على بعضها من الخوف والقلق.

كانوا مستنيين فرق العمليات الخارجية اللي لسه ما رجعتش.

جواهم خوف ما يتوصفش، خوف بيخنقهم.

خايفين على أبنائهم اللي بيقاتلوا، خايفين على أزواجهم اللي ما وصلوش.

حتى بعض الستات، كانت دموعها ساكنة في عيونها، خايفة تكون النهاية حزينة، خايفة يسمعوا خبر موت أو مكروه.

القلوب كانت بتتقطع، والأمل بيتذبذب بين الانتظار والرهبة.

وفجأة، وصلت الفرقة أخيرًا...
لكن اللي قدامهم ما كانش بشارة خير، كان مشهد تقشعر له الأبدان.
واحد سايح دمه وراسم خط أحمر على الأرض......، والتاني متسند على زميلته ووشه شاحب كأنه راجع من الموت، والتالت... ممدود في بطانية باهتة، جثته ساكتة وكأنها سلمت الروح من زمان.

الصدمة والاستفهام خيموا على الوجوه، العيون بتلف في كل اتجاه، كل واحد بيدوّر على اللي يخصه، قلبه بيرجف ما بين رجاء وخوف.
وشوش شاحبة، شفايف بتتمتم بأسماء، وأصوات مكتومة بتسأل: "فين؟ فين حبيبي؟"

وسط الزحمة، صوت أم شق الهدوء المكسور:
"ابني... فين ابني؟ ليه ما رجعش معاكم؟"
كانت دموعها بتنزل بحرقة، إيدها بتترعش، وصوتها بيتكسّر كل ما الكلمة تخرج من بوقها.

بصّت لفارس، قائد الفرقة، كأنها بتستغيث، وعيونها بتحاول تلاقي عنده أي رد يطمنها.
هو واقف قدامها، راسه مكسور ناحية الأرض، كأن النظر في عينيها جريمة مش قادر يرتكبها.

الكلمات اتجمدت في حلقه، وكل اللي قدر يقوله، بصوت مخنوق بالندم:
"أنا... ماقدرتش أنقذ ابنك... أنقذنا نفسنا وباقي الفريق... بالعافية."

اتسرب صمت ثقيل في المكان، حتى أنفاس الناس بقت بطيئة، وصوت بكاء الأم اتداخل مع الصدى الحزين اللي لف المكان كله، والفرقة واقفة شايلة على كتفها وجع أكبر من الحرب نفسها.
هانيا بتدخل، عينيها محمرة والدموع محبوسة على طرف جفنها، وصوتها بيرتعش من الأسف:
"صدقيني... إحنا عملنا كل اللي قدرنا عليه، بس الكائنات كانت أقوى مننا..."

الأم، بانهيار كامل، رجليها بتتهز وإيدها ماسكة قلبها كأنها بتحاول تمنعه من الوقوع:
"هو دا... نتيجة التخطيط بتاعكم! جندتوا بنات وولاد لسه طراوة... ما يعرفوش حاجة عن الدنيا! حرام عليكم... حرام!"
صوتها بيتشرخ أكتر مع كل كلمة، دموعها غرقوا وشها، وصوت شهقتها بيخلي حتى الجنود يزوغوا بعينيهم من الوجع.
"حسبي الله ونعم الوكيل فيكم..."

قبل ما تكمل، بيقطعها صوت سيف، حاد وحازم، صوته نافذ وسط الضوضاء:
"الكلام دا ملوش لازمة دلوقتي نهائي."

وفجأة، بيظهر من وراه الدكاترة والممرضات، بيجروا وسط الزحمة، أجهزة الإسعاف في إيديهم، بيهتفوا أوامر لبعض، بيحاولوا يلحقوا الجنود اللي اتصابوا، وفي نفس الوقت بيطمنوا الأهالي اللي قلوبهم اتفتت على غياب أو إصابة أحبائهم.

يتبع...


                    الفصل الرابع عشر من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة