
بقلم خديجه احمد
التدريبات على الأسلحة الجديدة بدأت، والساحة مليانة أصوات صرير الحديد وطلقات الاختبار. كل واحد كان بيبذل آخر نقطة جهد في جسمه، كأنهم بيحاربوا الزمن نفسه.
لكن برّه ميدان التدريب، الأهالي كانوا غارقين في الغضب والحزن… العملية الأخيرة خطفت أرواح كتير، والجرح لسه طري. عيونهم كانت بتصرخ، بس لسانهم ساكت، لأنهم عارفين إن أي محاولة اعتراض معناها الطرد من المجمع… والموت في الخارج أسرع وأقسى من أي عقاب.
مرت أسابيع، الأجساد اتعافت، واللي كان مصاب رجع واقف على رجليه، وأخو مالك حالته بتتحسن يوم ورا يوم.
الوضع بقى هادي… هدوء غريب، تقيل على القلب… كأن الأرض نفسها بتحبس أنفاسها، مستنية العاصفة اللي جايه.
الفرق كانت واقفة صفوف، كل واحد شايل سلاحه كأنه بيمسك عمره في إيده. العيون متحفزة، والأنفاس متقطعة… حرب الإبادة على وشك تبدأ. حرب هتاخد وقت، يمكن سنين، لكن النتيجة هي اللي هتكتب التاريخ.
هانيا، وسط الزحام، كان قلبها مشغول بحاجة واحدة… أخوها. اللي الأيام سرقته منها وخطفته بعيد، لكن في قلبها لسه فيه بريق أمل إنه عايش. بريق ضعيف… ولو انطفى، حياتها كلها هتسود.
سيف كان واقف متوتر، عقله بيرجع لذكريات الهزائم، وخايف يرجعوا بخيبة أمل تانية، يمكن أقسى من اللي قبلها.
هند، ملامحها مشدودة، والغضب مرسوم على وشها. كان واضح إنها شايلة جواها حاجة كبيرة… حاجة محدش يعرفها، لكنها وقودها في المعركة.
مالك وفارس، جنب بعض، ماسكين سلاحهم بثبات. فارس بيخفي قلقه بابتسامة صغيرة، ومالك عينه على الأفق، كأنه بيشوف المعركة قبل ما تحصل.
تحركت الفرق، وسيف معاهم لأول مرة، الكل متأهب وعارف إن الخسائر واردة… لكن الأكيد إنها هتكون أقل من المرة اللي فاتت.
الطريق كان تقيل، ساعات طويلة بتمر، لحد ما وصلوا لمبنى قديم متهالك. المكان كان هادي بطريقة مريبة، وكأن الجدران نفسها بتحبس أنفاسها.
هانيا وهي ماشية في ممر ضيق، لمحت كائن منحني على جثة، أنيابه غارسة في لحمها. قلبها ضرب بسرعة، لكن نظرة واحدة لباقي الفريق كانت كافية يفهموا الموقف.
سيف أشار لها بهدوء إنها تضربه بمسدس الكاتم. ضغطت الزناد، وسقط الكائن بلا صوت.
واصلوا التحرك، لكن إحساس غريب بدأ يزحف في المكان… حركة خفيفة وسط الظلام. فجأة، ظهرت فتاة، ملامحها حادة، ماسكة سكين بإيد ثابتة.
البنت (بصوت حاد وهي رافعة السكينة قدامها): إنتوا مين؟ وإيه اللي جابكم هنا؟
الجنود اتجمدوا لحظة، عينيهم بتتحرك بينها وبين السكين. البنت رمقت بدلاتهم العسكرية، وفجأة عينيها اتسعت.
البنت (بسخرية مريرة): ههه… جيتوا دلوقتي؟ بعد ما ناس كتيره ماتت؟ دلوقتيي؟
سيف (بصوت حازم، لكنه هادي): إحنا بندور في أماكن عشوائية… ما نعرفش أماكن الناس فين.
البنت (تتقدم خطوة، صوتها مليان لوم): والله؟ ما كنتوش تعرفوا إن في ناس ما لحقتش تركب القطر؟
ولا مكنتوش تعرفوا إننا لسه عايشين؟
ولا مكنتوش تعرفوا حاجة أصلاً؟
هانيا (بتحاول تمسك أعصابها): تعرفي حد اسمه هاني؟
البنت (تحدق فيها باستغراب): إنتي مين؟
هانيا (وعينيها بتلمع بأمل): أنا… أنا هانيا، أخت هاني. بدور عليه بقالي كتير أوي.
البنت (برودها بيتحول لحدة): هاني… اللي سبتيه يموت؟
هانيا (تتقدم خطوة، صوتها بيرتعش بحزن): أنا ما سبتهوش يموت، أنا…
البنت (قاطعتها بانفجار غضب): مش وقته الكلام ده! إنتوا جايين هنا عايزين إيه؟
سيف (يحاول يهدّي الموقف): ننقذكم… تعالوا معانا على المجمع.
من وراء البنت، بدأت وجوه شاحبة تطلع للضوء، عيونهم مرهقة وتعب السنين واضح في ملامحهم.
البنت (بريبة): وده من غير مقابل كده؟
سيف (ينظر لجنوده لحظة، ثم يرجع يبصلها بثبات): شغلنا إننا ننقذ الأرواح… ما بنستناش مقابل من حد.
البنت رمقته لحظة، كأنها بتوزن صدقه، قبل ما صوتها يهدى.
البنت: عندنا واحد مصاب… بينزف جامد، وعلى وشك يموت.
بمجرد ما الكلمة خرجت من فمها، سيف أشار لفريق الإسعاف يتحرك فورًا. هند فتحت حقيبة الإسعافات، عينيها بتلمع بتركيز وهي بتفتش بسرعة وسط المعدات.
سيف (بحزم): ورّينا الطريق.
البنت التفتت بسرعة، وبدأت تمشي في ممر ضيق ريحته خانقة، مزيج من الدم والرطوبة. الإضاءة ضعيفة، والظلام بيبلع الأطراف. هانيا كانت وراها، قلبها بيدق أسرع مع كل خطوة، مش عارفة إذا كان هاني هو المصاب ولا لأ.
وصلوا لغرفة صغيرة، الجدران متآكلة، وعلى الأرض شاب ممدد، وجهه شاحب، أنفاسه متقطعة، والدم مغرق ملابسه. جرحه في البطن عميق، وكل ثانية بتعدي ممكن تكون الأخيرة.
مجرد ما الكلمة خرجت، قلب هانيا وقع. إحساس غريب شدها تسأل:
هانيا (بلهفة وخوف): اسمه ايه؟
البنت (بهدوء ثقيل): هاني.
الدنيا حوالين هانيا سكتت، صوت خطوات الجنود بقى بعيد، ونبضها بيخبط في ودانها. عينيها اتسعت وهي بتتنفس بسرعة، وبصوت شبه مكسور:
هانيا: فين… فين هو؟
البنت أشارت لممر مظلم، وسيف أومأ لفريقه بالتحرك فورًا. هند مسكت حقيبة الإسعافات، ومالك وفارس رفعوا أسلحتهم لتأمين الطريق. هانيا كانت ماشية قدام الكل، مش حاسة برجليها وهي بتجري وسط الممر الضيق.
وصلوا لغرفة صغيرة، الإضاءة فيها ضعيفة، والهواء ريحته دم وصدأ. على الأرض كان شاب ممدد، وجهه شاحب، عيناه نصف مغلقة، والدم مغرق قميصه. أول ما لمحت ملامحه… قلبها اتقبض.
هانيا (بصوت مرتعش): هاني…
انحنت جنبه، إيدها بتترعش وهي بتلمس وشه البارد.
هاني (بهمس ضعيف): … هانيا؟
دموعها نزلت فورًا، وهي ماسكة إيده وكأنها بتمنعه يروح منها تاني:
هانيا: أنا هنا… مش هسيبك، سامعني؟ مش هسيبك أبدًا.
هند نزلت على ركبها، وبدأت تشتغل بسرعة:
هند: لازم نوقف النزيف دلوقتي، وإلا هيفقد وعيه ومش هيرجع.
سيف وقف عند الباب، عينه على الظلام برا الغرفة:
سيف: خلّصوا بسرعة… في حاجة بتتحرك حوالينا.
وفجأة، صوت خطوات ثقيلة، وأنفاس غريبة قربت من الممر، كأن الظلام نفسه بيزحف عليهم.
كان الكائن الوحشي بيزحف بسرعة، صوته الحاد بيشق الصمت وبيخلّي القلوب تدق أسرع.
سيف مافكرش ولا لحظة، قال بصوت مليان قوة وحسم:
– فريق الإنقاذ يرجّع بهاني وباقي الناس فورًا… وإحنا هنأمّن خروجكم.
مالك فتح بقه وكأنه هيعترض، لكن سيف قطعه بحزم:
– مفيش وقت… كل واحد ينفّذ الأوامر فورًا!
مالك شد نفسه، خد الفريق والناس، وبدأوا يتحركوا بسرعة وسط أصوات التكسير والزحف اللي بتقرب.
سيف وهانيا وباقي فريق العمليات الخارجية ثبتوا في أماكنهم، بيأمّنوهم بكل ما فيهم من قوة.
هانيا وهي بتفرغ آخر خزنة:
– الطلق بيخلص!
سيف بعزيمة وعينيه مركزة على الكائن:
– هنقاتل لآخر نفس… الناس دي لازم ترجع بسلام، عشان أخوكي والباقي.
هانيا بصّت له نظرة فيها فخر واحترام… دي روح القائد اللي بيتولد في المعركة.
طلقاتهم كانت بتقطع الصمت، وكل ثانية بتمر كان الخطر بيقرب أكتر، لكنهم فضّلوا واقفين لحد ما آخر واحد خرج بسلام من المبنى.
هانيا بصوت مبحوح وفيه خوف:
– وبعدين؟
سيف بابتسامة قصيرة، وهو بيلم نفسه من المعركة:
– يلا… هنتسحب. قتلنا عدد مش قليل.
فعلا بيبدأوا ينسحبوا ببطئ عشان يرجعوا
بس وهم ماشيين صوت حد بيقع ع الارض!
يتبععع