
بقلم خديجه احمد
هند دخلت الغرفة بخطوات بطيئة، تحس أن الجدران بتضيق حواليها، وكأن كل نفس بيشهد على اللي عملته.
بعد لحظات، الباب اتفتح، وسيف دخل، عينيه بتراقبها:
– إنتِ كويسة؟
هند ابتسمت ابتسامة قصيرة كأنها بتحاول تخفي ارتباكها:
– ا.. اه كويسة، بس اللي حصل… موترني شوية، وقلقانة على هانيـ… هانيا أوي.
سيف، بصوت مليان تصميم:
– اه، كلنا قلقانين عليهم… بس متقلقيش، اللي عمل كده هيتجاب!
ثم أضاف بنبرة حادة:
– وهيتحاسب.
الابتسامة على وش هند اتكسرت لحظة، قلبها دق أسرع، لكنها حاولت تسيطر:
– ط… طيب، أنا هروح أجيب كباية مية لهانيا.
خرجت بخطوات ثابتة قدام سيف، لكن جوه عقلها كانت كلمة "هيتحاسب" بتتردد، وكأنها تهديد موجه ليها.
عند مالك
أضواء بيضا قوية فوقه، بتحرق عينيه المغلقة نص فتحة. صوت الأجهزة حواليه بيقطع الصمت بنبضات سريعة، كل واحدة منها بتحسب له ثانية من حياته.
أصوات الأطباء والممرضين متشابكة، سريعة ومتوترة:
– ضغطه بينزل!
– هاتوا وحدة دم حالًا!
– استعدوا للصدمات!
مالك كان حاسس إنه بيغرق في بحر أسود، وكل ما يحاول يطلع على السطح، موجة تانية تسحبه لتحت.
بين الوعي وفقدانه، بدأ يسمع أصوات بعيدة… مش أصوات الغرفة، لأ… دي كانت أصوات من ماضيه، ضحكته مع هانيا، صرخات في المعركة، ووعد كان قطعه إنه يحمي الكل مهما حصل.
إيده تحركت حركة ضعيفة، كأنها بتحاول تمسك بالحياة، والأجهزة فجأة أطلقت إنذار طويل، فارتفع صوت الدكتور:
– ما نسمحش له يروح! زوّدوا الضغط!
العرق كان بيغطي جبين الفريق، والوقت بيجري أسرع من أي معركة خاضها مالك.
الأجهزة مازالت بتصرخ، ونبضه بيضعف أكتر. الدكتور بصوت حاد:
– صدمة دلوقتي!
جسم مالك ارتعش بعنف مع الصدمة الكهربائية، والأنفاس اتعلقت في صدور الكل للحظة.
الشاشة قدامهم… نقطة… وبعدين خط ضعيف… ثم نبضة.
الدكتور:
– نبضه راجع… كملوا!
وحدة الدم اتوصلت، وجسمه بدأ يستعيد لونه ببطء. صوت الأجهزة رجع منتظم، لكن ضعيف، زي مقاتل رجع من معركة بالكاد واقف على رجليه.
بعد دقائق طويلة كأنها ساعات، الطبيب تنهد وقال بصوت هادي:
– استقر… نجا.
الممرضة مسحت العرق من جبينها، وخرجت من الغرفة بسرعة، رايحة تبلغ باقي الفريق.
أما مالك، فكان بين وعي وغيبوبة، مش سامع غير صوت داخلي بيقول:
"المرة دي عدّت… لكن الحرب لسه ما خلصتش."
سيف أول ما وصله خبر إن مالك استقر، اتنهد بارتياح وكأن جبل اتشال من فوق صدره.
أما هانيا، فكانت في الغرفة جنب هاني، ماسكة إيده بإيدين متشبثين وكأنها بتتمسك بالحياة نفسها.
لسه مش عارفة إن كان في محاولة لقتله…
راسها متسندة على طرف السرير، قلبها بيدق مع كل ثانية. فجأة، حسّت بإيده بتتحرك. رفعت راسها بسرعة، تلاقت عينيها بعينيه اللي فتحت ببطء.
هاني بصوت ضعيف بالكاد مسموع:
– هـ… هانيا؟
هانيا اتنفّضت من مكانها، عينيها كلها قلق وفرحة:
– أيوه! ألف سلامة عليك، يا هاني… إنت وحشتني أوي.
هاني، وهو بيحاول يستوعب:
– أنا… فين؟
هانيا بابتسامة بتحاول تخفف من خوفها:
– إنت في المجمع الحربي، متقلقش… هتبقى كويس، وهتتعافى. كله هيبقى بخير.
هاني:
– فين الناس اللي كانت معايا؟
هانيا:
– كلهم بخير، وبيتعلجوا من إصاباتهم… والبنت اللي كانت معاك بره مردتش تسيبك أبدًا.
ابتسامة دافية طلعت على وش هاني، وبص لاخته بحب:
– وحشتيني أوي يا بت.
هانيا ضحكت:
– يا عم، دا إنت سألت على البنت قبل ما تسأل عليا… بس هعديهالك.
بعد لحظة، قالت وهي مستغربة:
– بس صحيح… أنا شُفت جنود واقفين برا أوضتك. ليه؟
هاني برفع حاجب:
– مش عارف، والله…
ثم ضحك بخفة:
– خايفين أهرب ولا إيه… ولا تكوني إنتي اللي حطاهم؟
واخيرا الأخوات اتجمعوا من جديد❤️
بعد شوية، دخل عليهم سيف، وشاف هاني على السرير، عيونه ضعيفة لكنها مفتوحة، ونبضه البطيء بيعكس كل التعب والمعركة اللي مر بيها.
سيف اتنفس بارتياح، وصوته فيه طمأنينة لكنها مليانة قلق:
– حمدلله على السلامة يا هاني… كده تدوخنا عليك.
هاني حاول يبتسم بهدوء، صوته ضعيف:
– الله يسلمك… يعني في الآخر تطلع مقدم وحاجة كده جامده.
سيف ضحك بخفة، بس عينيه لسه مركزين على هانيا:
– هضطر بس أخد منك اختك خمس دقاي وارجعها.
هانيا رفعت حاجبها باستغراب، إحساس قلقها بيزيد:
– ياترى عايزها في إيه؟
قلقها اتضاعف، وصوتها كان رعشة:
– في حاجة… ولا أيه؟
سيف شد كتفيها شوية، ونظر لها بعين مليانة جدية:
– عايزك تمسكي أعصابك… اللي هقوله دا يبقى بيني وبينك، بس فاهمة؟
هانيا حسّت قلبها يدق بسرعة، كأنها حسّت بشرارة خطر جواها:
– اتكلم… في إيه؟
سيف بص لها بصمة حزم:
– هاني… في حد بيحاول يقتله.
هانيا شعرت بعالمها بيتقلب تحتها، وصاحت:
– مين؟ وليه؟
سيف بسرعة، بصوت منخفض:
– وطي صوتك!
هانيا بصوت مرتعش، كل إحساسها بالخوف طاغي:
– مين… مين عايز يقتل أخويا؟
سيف:
– معرفش… بس أنا شاكك في حد… وكمان مالك اتضرب بالنار في نفس الوقت ونفس المكان… يعني أكيد اللي عمل كده شخص واحد.
هانيا ماسكة شعرها بإيدها، رجعته لورا وهي بتحاول تلم كل قطعة من اللغز في دماغها:
– انت شاكك في مين؟
سيف بص لها نظرة طويلة، فيها ثقل الكلام والحقيقة اللي صعبة:
– هند.
هجوم الصدمة خلى هانيا تكاد تفقد توازنها، عينيها اتسعت:
– إنت… بتهزر؟ هند؟ لا… دي هند بتخاف تموت صرصار… هتضرب نار وتحاول تقتل هاني؟ وبعدين مفيش سبب يخليها تعمل كدا ...مستحيل! مستحيل!
سيف، بصوت هادي لكنه ثابت:
– مش مستحيل… أنا شفتها بعيني. قد اي كانت متوترة ومش على نفسها… اللي شفته أنا أكيد.
هانيا حاولت تهدّي نفسها، تحاول تلاقي أي تفسير منطقي:
– طبيعي… بعد الحادثتين دول، كلنا كنا متوترين.
سيف عارف إن دماغها مش هتصدق غير لما يبقى في دليل قاطع:
– تمام، يا هانيا… إحنا لما مالك يفوق، هنستجوبه ونعرف مين اللي ضرب عليه.
هانيا بصت له، عينيها مليانة شك وخوف من الحقيقة:
– هند… تعمل كده؟
هانيا رجعت جنب هاني، ماسكة إيده برقة.
هاني، وهو بيتأملها بعينين مليانين قلق:
– في حاجة ولا أيه؟
هانيا بابتسامة هادئة وبطمأنته:
– متقلقش… كان بس بيطمن عليك مني.
هاني بخفة دم:
– شكلك عنيتي وأنا مش معاك.
هانيا ضحكت:
– يا عم، دا انت اللي شكلك اتدشملت على الآخر!
هاني محرج وهو بيضحك:
– باين عليا أوي كدا؟
هانيا، بابتسامة أوسع:
– أوي… أوي… الصراحة.
ثم بصوت شبه فضولي:
– صحيح، إزاي لسه عايش؟ مش المفروض الكائنات هجمت عليك؟
هاني مبتسم بهدوء:
– والله، المفروض… بس أنا لقيتها بتبعد عني ومتجاهلاني تمامًا.
هانيا، وهي بتحاول تفكر بشكل منطقي:
– إيوا… إحنا جالنا معلومات إنها بتبعد عن مشاعر الحزن أو الغضب، وتهجم على مشاعر الخوف.
بصي لهاني بعينين مليانين فضول:
– معنى كدا إنك مكنتش خايف ساعتها؟
هاني بثقة وهدوء:
– أنا فعلا مكنتش خايف… أصل هخاف من أيه؟ إنتي وهند بخير، ودا أهم حاجة عندي.
هانيا ابتسمت، وعيونها وقعت على اسم هند في دماغها، وهي بتبص لهاني بحب وخفة:
– …
سيف كان واقف، ماسك التليفون بإيد واحدة وبيزعق بصوت فيه غضب طفيف:
– إزاي يعني، يا فندم، نجند الناس اللي لسه جايين؟
القائد الاعلى بصوت جاد وحاسم:
– حضرة المقدم… دا أمر مفيهوش نقاش. عايزين في أقرب وقت كل الكائنات دي تختفي من على وجه الأرض.
سيف حاول يقول حاجة، بس الكلام تقطع:
– ي…
وفجأة، لقى الاتصال اتقفل.
بعد لحظات، فارس خبط على الباب، وسيف أيده له بالدخول:
– فارس… حضرتك عايزني يسيادة المقدم؟
سيف بصوت هادي لكن فيه حزم:
– أيوه… ابدأ في تدريب الناس الجديدة عشان يشاركوا معانا في الميدان.
فارس اتصدم شوية:
– بس… إزاي، يا فندم؟ معظم الناس اللي جت جديدة مصابة و… محتاجة تتعالج.
سيف، عينيه بتلمع بعزم:
– مش في إيدي حاجة، يا فارس… دا أمر جه من القائد الاعلى .
فارس فهم الوضع، وهز رأسه بتفهم:
– تمام، يا فندم.
الخبر وصل للناس، وملامح الصدمة على وجوههم واضحة…
ماريا، وهي بتحاول تهضم الموقف، بصوت فيه قلق:
– يعني إيه؟ في ناس مصابة… مش هينفعوا يشاركوا؟
الجندي، بصوت حاسم وجاف:
– أسبوع استراحة… وبعدها هنرجع نستأنف القتال مع الكائنات.
ثم أضاف بصرامة:
– ودا مش اختيار… أي حد هيعترض هيكون مصيره الطرد.
وبكده، مشى من قدامهم.
ماريا بصّت حواليها بشفقة، عيونها مليانة خوف:
– الناس دول… هل هيقدروا يحاربوا وسط الكائنات المتوحشة دي؟