
بقلم خديجه احمد
مالك كان لسه فايق من الغيبوبة، وعيه مرهق وملامحه متلخبطة.
كل العيون اتوجهت له، الكل منتظر يسمع الحقيقة… مين اللي ضرب عليه النار.
لكن مالك كان ساكت، شفايفه بتتحرك كأنه عايز يتكلم، وبعدين يرجع يسكت.
كان واضح إنه مش راضي يعترف، وكأن السر ده هيكلفه حياته لو اتكشف.
سيف وقف جنبه، عينيه تقرأ كل تفصيلة في وجهه، بس في نفس الوقت مكنش عنده رفاهية إضاعه الوقت.
الحرب لسه شغالة، والفوضى حوالين المجمع بتكبر.
بص بحزم للفريق وقال:
"اللي فات مات… دلوقتي أهم حاجة إننا نخرج من المعركة دي وإحنا واقفين على رجلينا. هننظم الصفوف، وهنرجع كسبانين… سواء بالعتاد أو بالروح."
وبكده ترك سر مالك معلق، وركز على مهمته الأكبر.
مرّ الأسبوع، التدريب كان بيزداد صعوبة يوم بعد يوم، والكل بقى متأهب أكتر.
هاني ابتدى يتحسن بسرعة غير متوقعة، إصراره خلّى القادة نفسهم يندهشوا، لكنه برضه لسه مجروح، وده كان بيخلي هانيا مش قادرة تهدأ، عينيها دايمًا متعلقة بيه، وخوفها بيزيد مع كل حركة منه.
أما هند… فكانت بتتصرف بغرابة.
كل ما هاني يدخل ساحة التدريب، نظراتها بتتغير، وكأنها بترقب تفاصيله بدقة، بتستنى اللحظة المناسبة.
كانت بترسم في عقلها خطة خفية، خطة موجهة لهاني بالذات، حاجة ممكن تغيّر مصيره…
بس محدش لسه فاهم، هل هي ناوية تدمره؟
وأخيرًا… لحظة الحقيقة وصلت.
الكل بيتجهز، العيون شايلة خليط من الخوف والإصرار. المعركة دي مش مجرد مواجهة، دي "المعركة الفاصلة"… اللي هتحدد مصير الكل.
لو خطتهم صح، هيفتحوا باب النهاية للكائنات، ويقربوا لحظة التحرر.
ولو خطتهم غلط… ساعتها كل اللي عملوه طول الفترة اللي فاتت هيتحول لهباء، ومصر كلها هتقف على حافة الهاوية.
الهدوء اللي سبق العاصفة كان خانق، كل واحد فيهم بيفكر:
"يا ترى دي آخر مرة هشوف فيها أصحابي؟ آخر مرة هشوف فيها بلدي؟"
لكن رغم الرعب، مفيش حد تراجع.
كانوا عارفين إن اللي بيعملوه هو الشيء الصح، وإن حياتهم كلها دلوقتي محطوطة كقربان عشان مصر تعيش.
اتبادلوا النظرات… نظرات صامتة كلها عهد واحد:
"هنقاتل لآخر نفس."
الخطة أخيرًا اتحددت:
هيجمعوا الكائنات في مبنى قديم، سماعات ضخمة مزروعة حوالين المبنى كلها هتطلق ضجيج عنيف، صوت يجنّن أي مخلوق ويجذبه ناحية مصدره.
الكائنات ما بتقاومش الصوت، بتتجمع عنده كإنهم مسلوبين الإرادة.
داخل المبنى… متفجرات متوزعة بدقة. كل زاوية فيها عبوة، كل دور محطوط فيه قنابل تكفي تنسف المبنى من أساسه.
الكل واقف مترقب، العرق بينزل من جباههم، الأنفاس متقطعة.
هانيا كانت ماسكة جهاز التفجير، إيدها بترتعش وهي عارفة إن اللحظة دي ممكن تحدد إذا كانوا ناجحين… أو فاشلين للأبد.
الصوت بدأ يدوي… الأرض نفسها كانت بترج من الضجيج.
وبالفعل، الكائنات بدأت تتحرك، أول واحد ظهر من بين الظلال، وبعده عشرة، وبعدها المئات… كلهم اندفعوا ناحية المبنى كإنه فخ غامض ما يعرفوش مصيره.
السؤال اللي محدش قادر يجاوب عليه:
هل فعلاً الخطة دي هتكون ضربة النهاية للكائنات؟
ولا هي مجرد مقامرة… ممكن تنتهي بيهم كلهم في لحظة؟
الانفجار دوّى كأنه نهاية العالم، المبنى كله انهار وسط دخان كثيف غطّى السماء.
الكل وقف مكانه، عيونهم معلقة بالمبنى، قلوبهم بتدق بعنف.
الدخان بدأ يهدى…
الأرض لسه بترتج، ورؤية ضعيفة بتكشف اللي ورا الرماد.
فجأة…
من وسط الظلال، طلع كائن.
وبعده كائن تاني.
وبعدين عشرة… عشرين… مئات!
الصدمة مسكت أنفاسهم.
إزاي؟!
المبنى كان مليان قنابل، مستحيل يفضلوا عايشين!
هانيا شهقت: "مستحيل… ده كان المفروض يبقى آخرهم!"
سيف قبض سلاحه، صوته غليظ لكنه مهزوز من جوه:
مفيش وقت للصدمة… استعدوا! لو دول لسه واقفين، يبقى اللي جاي أصعب."
العيون اتسمرت على الكائنات اللي بتتقدم بخطوات بطيئة لكنها واثقة…
الأسئلة في عقولهم كلها اتلخصت في جملة واحدة:
"هل دي النهاية؟ ولا لسه عندنا فرصة نقاتل؟"
وسط الفوضى والصدمة، صوت هاني شق السماء:
"ابعدوووا… كلووو يبعد من هنااا!"
الجميع اتجمد، عيونهم اتجهت له… وهو بيجري بأقصى سرعة ناحيه الكائنات.
إيده ماسكة قنبلة مختلفة، مش زي أي قنبلة شافوها قبل كده… دي السلاح اللي تعبوا شهور يخترعوه مخصوص عشان ينهي وجود الكائنات دي.
هانيا شهقت، عينيها اتسعت لدرجة إنها حسّت قلبها هيقف.
"هااانييي!"
اندفعت ناحيته بجنون، لكن قبل ما تاخد خطوتين، إيد قوية مسكتها.
كان سيف.
بصوت حازم وخطوط وجهه مشدودة قال:
"مش هسيبك تضيعي مني! هو فاهم بيعمل إيه… وإحنا لازم نحترم ده."
هانيا كانت بتقاوم بكل قوتها، دموعها نازلة وهي بتحاول تفلت، لكن سيف شالها بعيد، عارف إن اللحظة دي لازم تنفذ زي ما هاني خطط.
وفي اللحظة نفسها… سيف رفع صوته بأعلى ما عنده:
"كله يجري بأقصى سرعة! حالاً!"
الجنود تحركوا، أصوات أقدامهم اختلطت بصرخات الرعب.
والكل التفت آخر مرة لهاني… اللي كان بيجري ناحيه الكائنات كأنه رايح لموعده الأخير مع القدر.
هاني اتأكد إن الكل ابتعد…
ابتسامة صغيرة عدّت على وشه، ابتسامة مليانة وجع لكنها مطمئنة.
وبدون تردد، سحب دبوس القنبلة الخاصة، ورماها بينه وبين جموع الكائنات.
في لحظة…
نور ساطع انفجر، الأرض اهتزت تحتهم، وصوت الانفجار دوّى كأنه بيمزق السما نفسها.
الجميع اتجمد مكانه، والهواء اتملأ بالغبار والدخان.
هانيا شهقت، عنيها مفتوحة على آخرها، صوتها اتقطع وهي بتصرخ باسمه:
"هاااااانييييي!"
إيدين سيف لسه ماسكاها، بيحاول يهديها، لكن إزاي؟
إزاي يواسيها وهي لسه فقدت أخوها… للمرة التانية…
بس المرة دي للأبد.
في اللحظة اللي كل العيون كانت مغمورة بالدموع، كان في عين واحدة بس مختلفة…
هند.
كانت واقفة ببرود، عينيها بتراقب المشهد وكأنها مش متفاجئة، كأنها كانت عارفة إن دي النهاية اللي هاني هيوصل لها.
نظرتها الباردة وسط كل الألم… كانت لغز أكبر من أي شيء.
الضباب بدأ يختفي، والأنفاس محبوسة.
فارس كان أول واحد خد خطوة للأمام، صوته متردد:
"خليني أتأكد…"
سيف ناداه بسرعة، عينيه كلها قلق:
"احذر يا فارس!"
لكن فارس هز راسه بإصرار، وكمل طريقه.
وصل للمكان… وتوقف مذهول.
الأرض مليانة أشلاء متناثرة، اللون البنفسجي مغطي المكان كله.
بقايا الكائنات متفرقة، مفيش واحد واقف.
ابتسامة واسعة طلعت غصب عنه، صرخ من قلبه:
"نجحنااااااا!"
صوته رجّ المكان، وولّد شعور بالراحة وسط الجنود اللي ورا.
سيف أخد نفس عميق، وزفر بتنهيدة تقيلة.
هو عارف إنهم كسبوا المعركة… لكن قلبه اتقبض.
كانوا حالمين يخرجوا من غير خسائر، بس للأسف… الخسارة المرة إنهم فقدوا هاني.
في اللحظة دي، هانيا زقت إيد سيف بعنف.
"سيبني!"
جرت بجنون ناحية الركام، عينيها بتمسح كل شبر، كل حجر، كل أثر…
كأنها بتتعلق بخيط أمل أخير، تدور على أي حاجة تدل إنه لسه موجود.
إيدها ارتعشت وهي بترفع قطعة حجر صغيرة، وبعدين تلتفت بعينيها المتوسعة…
صوتها اتكسر وهي تهمس:
"فينك يا هاني…؟ أي حاجة… أي حاجة منك…"
عينيها بتترق كل حاجة حواليها، قلبها بينقض بعنف، وعيها كله مركز على التفاصيل الصغيرة.
وفجأة… وقع بصرها على شيء صغير بين الحطام.
إصبع…
إصبع هاني.
قلبها تقطع، لكنها بتقرب ببطء… خطوة خطوة، كأن كل حركة ممكن تكسرها أكتر.
إيدها ارتجفت وهي بتشيل الإصبع بحذر، بتحاول تمسكه كأنه آخر شيء حي من أخوها.
وفجأة… صرخت بأعلى صوتها، صرخة مليانة كل الحزن، كل الألم، كل الخوف اللي مخبيته طول الوقت.
صوتها اتردد في المكان، كأنه بيعبر عن كل الجراح اللي في قلبها.
وبعدين… انهارت.
الدموع نزلت بغزارة، وكل جسدها ارتجف من البكاء، كأنها بتحاول تفرغ كل الحزن اللي في قلبها دفعة واحدة.
سيف وقف جنبها، ماسكها بحنان، بيحاول يواسيها، بس حتى هو كان بيتأثر… اللحظة كانت مؤلمة لكل واحد حواليهم.
فارس وقف شوية بعيد، صوته مبحوح من الفرحة اللي اختلطت بالحزن، عينيه مش قادرة تبطل تبص على الحطام.
"نجحنا… بس… هاني…" همس بصوت خافت، كأن الكلمات نفسها بتوجعه.
سيف ماسك هانيا، بيحاول يخفف عنها الألم، لكن عيونه مليانة حزن، عارف إنها فقدت أخوها للأبد، والمأساة كلها حواليهم.
كل الجنود اللي حواليهم واقفين ساكتين، بعضهم بيبص على البقايا، بعضهم على بعض، الكل صامت… كل واحد منهم حاسس بالمسؤولية والفرحة والنار في قلبه بنفس الوقت.
أما هند… كانت واقفة بعيد، ببرود غريب، عينيها مركزة على هانيا اللي بتنهار.
وجهها ما اتغيرش، بس كان في بريق غامض في عيونها، نظرتها ثابتة، كأنها كانت متوقعة كل حاجة تحصل بالضبط كده.
البرود اللي في ملامحها خلى الكل يحس بشيء غير مريح… كأنها ما تأثرتش بالموت، لكن عارفة إن النهاية دي ليها أثر كبير على الكل.
هانيا مكمّلة في انهيارها، صرختها لسه بتتردد حوالين الركام، سيف ماسكها بحذر، بيحاول يحميها من نفسها ومن الواقع القاسي اللي حواليهم.
الهواء ساكن، والذكريات والدمار حوالينهم… كأن العالم كله وقف لحظة، والفرحة بالنجاح متغطية بالحزن الكبير على هاني.
هانيا، من كتر البكاء، نامت أخيرًا، ودموعها كانت بتقع على وشها حتى وهي نايمة.
الحزن اللي في قلبها كان أكبر من أي كلام، أكبر من أي شعور… خسرت أخوها، آخر فرد في عيلتها، ومفاجأة الموت قدام عينيها كانت صدمة ما تتوصفش.
نامت… وغاصت في نوم مليان ذكريات وهواجس.
وفي حلمها، ظهر هاني… بابتسامته اللي كانت دايمًا تريح قلبها، صوته هادي لكنه مليان حزم وحب:
"متيأسيش… أنا ضحيت عشان أنقذك. خليكي قدها، قومي، وحاربي… عشان السلام يرجع من جديد."
هانيا بوجع، صوتها مكتوم:
"مش هقدر… مش هقدر أعدي كل دا من غيرك."
هاني، بابتسامة مطمئنة:
"هتقدري… بصي حواليك… ناس كتير بتحبك، وناس كتير هتقف جنبك."
الدموع رجعت تنهمر في نومها، لكنها المرة دي دموع فيها شيء من الانتقام … شعور إن حتى بعد الفقد، القوة موجودة، وإنها مش هتستسلم وهتنتقم لهاني!
موت هاني بالنسبالكم كان صادم ولا متوقع؟ وإيه أكتر حاجة في المشهد كسرت قلبكم؟"