رواية القدر الفصل السابع والعشرون 27 والاخير بقلم خديجه احمد

رواية القدر الفصل السابع والعشرون 27 والاخير 
بقلم خديجه احمد


بعد ست شهور من حرب الإبادة…
بعد كل دمعة وكل خوف وكل فقد…
أخيرًا، السلام اتحقق.

المدينة اتبدلت… الشوارع نظيفة، المباني المهدودة اتعاد بناؤها جزئيًا، والسماء صافية، الشمس طالعة بدفء ذهبي، كأنها بتحيي كل حاجة اتدمرت من قبل.

القاعة كبيرة ومفتوحة، مزينة بالورد الأبيض والزهور الهادية.
الأنوار دافية، انعكاسها على الأرضية اللامعة بيخلق إحساس بالراحة.
من كل ناحية صوت الضحك والزغاريد، مخلوط بريحة البخور الخفيف اللي بيدي إحساس بالطمأنينة والقداسة.
الهواء مليان دفء وهدوء بعد شهور من القلق والرعب… وكل شيء حواليهم بيقول: "الحياة رجعت."

هانيا واقفة في نص القاعة، لابسة الفستان الأبيض البسيط…
شعرها مرفوع بلطف، عيونها مليانة دموع فرحة، وخدودها فيها احمرار من الحماس والتوتر.
قلبها بيخفق بسرعة مش من الخوف، لكن من شعور غريب… شعور بالراحة بعد معركة طويلة، شعور بالحب، وشعور بالانتماء لمستقبل جديد.

سيف واقف قدامها، لابس بدلته العسكرية، عيونه كلها حنان وفخر.
ابتسامته الهادية بتوصلها إحساس بالأمان، كأن كل التعب اللي عاشوه انتهى… وإنهم أخيرًا مع بعض في بداية جديدة.

الشيخ ماسك المصحف، صوته هادي لكنه قوي، بيرتل الدعاء:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."

الناس حواليهم واقفة، قريبين وبعيدين… عيونهم مليانة دموع فرحة وابتسامات.
الجو كله مليان حرارة المحبة، كل واحد حاسس بنفحة السلام اللي رجعت بعد كل ما حصل.

الأرضية تحت رجليهم لامعة من نظافة القاعة، والورد الأبيض بيتطاير خفيف مع نسيم الهواء.

أصوات الزغاريد بتتردد في المكان، بتخلط مع صوت الشيخ، وده بيخلق إحساس موسيقي هادئ وروحاني.

رائحة البخور والزهور بتغطي المكان، وده بيدي شعور بالطمأنينة بعد كل الرعب اللي شافوه.

العيون بتتلاقى… كل الناس شايفة الفرح الحقيقي على وجوه هانيا وسيف، وده بيخلي اللحظة أقوى وأغلى.

هانيا بتتنفس بعمق، وبتلمس يد سيف بحنان:
"إحنا استحقينا السلام ده… صح؟"

سيف بيرد، صوته هادي لكن مليان حرارة:
"استحققناه أكتر مما أي حد يتخيل… وأكتر من اللي كنا نتخيله واحنا في قلب الحرب."

الابتسامة بين الاتنين كبيرة، دموع فرحة بتنزل على الخدود، لكن في قلب كل واحد فيهم شعور عميق… شعور بالامتنان، بالحب، وبالأمان.

القاعة مليانة ضحك وفرحة، والورد الأبيض بيتطاير بهدوء في النسيم، والأنوار الدافئة بتلمع حوالينهم.
المشهد بينتهي على وجوه ضاحكة، قلوب مطمئنة، وسماء صافية…
النهاية الحقيقية للمعركة، وبداية حياة جديدة مليانة أمل.

بعد شهرين من فرحة الانتصار…
النهارده مختلف.
القاعة كانت مكتظة بالصحفيين، الكاميرات بتلمع يمين وشمال، أصوات الهمسات بتختلط مع دقات القلوب.

هانيا، سيف، ومالك كانوا قاعدين في الصف الأول…
كل واحد فيهم حاسس بحاجة مختلفة.
هانيا ماسكة إيد سيف، إيديها متلجة من القلق… مش عارفة هل هي فرحانة علشان هتنتقم، ولا حزينة علشان النهاية وصلت للدرجة دي.
سيف كان ثابت… عينه على القاضي، بس دماغه مع هانيا، خايف عليها من أي انهيار.

أما مالك؟ قلبه كان متقبض كإن حد خنقه… كان حاسس باللي جاي، متأكد إن هند مش هتطلع منها المرة دي.

القاضي بدأ ينطق بالأسماء…
لحد ما جه الدور على هند.

القاعة كلها سكتت… حتى الصحفيين وقفوا الكاميرات.
القاضي بص في الورق قدامه وقال بصوت هادي لكنه تقيل:

"تنقل أوراق المتهمة هند… لفضيلة المفتي، لاستطلاع الرأي الشرعي… وترفع الجلسة."

الجملة وقعت كالصاعقة…
الصمت غطّى القاعة كلها.

هانيا فضلت قاعدة مكانها… بتحاول تقرأ مشاعرها، مش فاهمة هي فرحانة ولا موجوعة، بس عارفة من جواها إن ده الصح… إن ده اللي لازم يحصل.

مالك، على الناحية التانية، سمع الحكم كأنه خنجر في قلبه.
إيده تعرّقت، تنفسه بقى تقيل… لولا إن سيف مد إيده وسنده كان وقع من الصدمة.

سيف بهدوء وقلق:
– "انت كويس يا مالك؟"

مالك بصله بعينين تايهة:
– "ا… اه… كويس."

بس الحقيقة إنه مكنش كويس ولا حتى قريب منها.
ساب سيف، وراح بخطوات تقيلة ناحية القفص اللي واقفة فيه هند.

كانت قاعدة على الأرض… وشها شاحب، جسمها ضعفان كإنه اتحرم من الحياة قبل ما تتحكم عليه بالموت.
دموعها نازلة في هدوء، مفيش صوت ولا صرخة… بس العيون بتحكي ألف وجع.

وقف قدامها مالك، قلبه بيتكسر، وقال بصوت مبحوح:
– "كنت محتاجك تبقي جمبي… مكنتش أتمنى أشوفك في الحالة دي أبداً."

هند رفعت عينيها ليه… نظرتها منهكة لكن مليانة صدق:
– "انت الوحيد… الوحيد اللي حبتني زي ما أنا… بشخصيتي اللي محدش طايقها.
انت بجد شخص كويس يا مالك… يمكن لو اتقابلنا في ظروف تانية، كان ممكن نبقى مع بعض."

بتسكت لحظة، وبعدين تكمل وهي بتضحك ضحكة باهتة وسط دموعها:
– "أنا عارفة إن اللي عملته كان أبشع حاجة… بس أنا استمتعت بحياتي، وده جزائي.
وصدقني… أنا مش ندمانة."

مالك حس قلبه بينزف جوة صدره…
عايز يصرخ، يعترض، يعمل أي حاجة، لكن لسانه اتشل.

العساكر قربوا، مسكوها من دراعها، وبدأوا يسحبوها بره القاعة.
وهي ماشية… لفّت تبص لمالك آخر نظرة.
نظرة مفيهاش خوف، ولا استسلام… نظرة واحدة بس، مليانة كل الكلام اللي مقدروش يقولوه لبعض.

الباب اتقفل وراها.
وصوت خطواتها اختفى مع الوقت…
بس أثرها، لسه محفور جواهم كلهم.

مرت شهرين تانيين…
الدنيا كملت دورانها كأنها مش فارقة معاها، لكن جوا قلوبهم… كل حاجة واقفة.

النهارده كان اليوم الموعود.
اليوم اللي هينفذوا فيه الحكم.

الجو بره سكناته مرعبة… سماء ملبدة بالغيوم، كإنها حزينة على حد.
مالك من بدري وهو واقف قدام شباك بيته، ماسك سيجارة مطفية بين صوابعه، مش قادر يشعلها ولا قادر يرميها.
وجهه شاحب… عيناه محمرة من كتر السهر.
من يوم ما القاضي نطق بالحكم وهو مش بينام غير بالساعات القليلة، وكأنه بينتظر النهاية غصب عنه.

رن تليفونه فجأة…
كان سيف.

– "مالك… جه وقت التنفيذ."

الجملة دي وقعت زي رصاصة.
رد مالك بصوت مخنوق:
– "طيب… هجيلك."

في الطريق للسجن، الصمت كان سيد الموقف.
مالك قاعد في العربية جنب سيف، وعينه مثبتة في الفراغ…
هانيا في الكرسي الخلفي، حاطة راسها في إيديها، قلبها بيتقلب رغم إنها شايفة إن ده العدل.
بس العدل ساعات طعمه مُر.

لما وصلوا…
اتجمعوا في ساحة صغيرة قدام مبنى التنفيذ.
حراس، ضباط، بعض الصحفيين، والجو مشحون بشكل يخلي النفس يتقطع.

بعد لحظات، طلعوا هند.
إيديها متكلبشة، لبسها أبيض، ووشها هادي بشكل غريب.
كأنها تقبلت مصيرها خلاص… أو يمكن خلاص تعبت من الحرب.

عينها وقعت على مالك.
ابتسمت ابتسامة صغيرة… ابتسامة من اللي بتقتل القلب أكتر من ألف خنجر.

مالك كان واقف متجمد، مش قادر يتحرك خطوة واحدة.
بس لما قربت منه وهي ماشية، همست بصوت مسموع ليه:

– "مالك… متزعلش.
أنا اختارت طريقي… وانت اختارت طريقك.
يمكن في حياة تانية… نكون لبعض."

الجنود أخدوها بعيد قبل ما يلحق يرد.

سيف كان واقف جنبه، بيبصله بقلق، عارف إن دي لحظة كسرت مالك من جوا.
هانيا كانت بتبص لهند… مشاعر متلخبطة بين الكره والشفقة، بين الانتصار والحزن.

بعد شوية…
انتهى كل شيء.

رجع مالك بعينين فاضية… مفيش فيها حياة.
وأول كلمة قالها وهو طالع من السجن بصوت واطي جدًا:

– "الناس بتروح… الذكريات بس اللي بتفضل تقتلنا كل يوم."

مرت خمس سنين…
البيت بقى مليان دفء وضحك، وكأن كل الوجع اتلم في مكان بعيد.

كانت الشمس داخلة من شباك أوضة المعيشة، بتنور الأرضية الخشبية وبتلعب على وش صغير لسه بينطق الحياة…
هاني، ابن هانيا وسيف، عنده أربع سنين، قاعد على الأرض وسط لعبه وهو بيضحك بصوت عالي، وصوت ضحكته بيرن في البيت كله زي موسيقى مفرحة.

سيف قاعد على الكنبة، ماسك فنجان القهوة، عينه بتلمع وهو بيتفرج على ابنه، وابتسامة رضا مرسومة على وشه.
هانيا قاعدة جنبه، لابسة بلوزة قطنية واسعة، شعرها ملموم ووشها هادي…
مسندة راسها على كتفه وهي بتبص على ابنهم بابتسامة شاردة شوية.

سيف بصوت هادي:
– "شايفة؟… أخيرًا لقينا السلام اللي كنا بندور عليه."

هانيا بعد صمت قصير:
– "السلام… بس الطريق ليه كان صعب أوي."

سيف بيبص لها بحنان، يمسك إيدها بهدوء، وهي تكمل:
– "أوقات بفكر… لو مكنش كل ده حصل، كنا هنوصل للحظة دي؟
هاني…هند … فارس كل اللي راحوا."

سيف بتنهد، عينه فيها لمعة حزن:
– "الوجع بيعلمنا يا هانيا… يمكن كنا محتاجين نعدي بكل ده عشان نعرف قيمة اللي عندنا دلوقتي."

هانيا بتبص له وابتسامة رقيقة بتظهر على وشها، وهي تمسح دمعة صغيرة نزلت من غير ما تحس.

هاني فجأة يجري ناحيتهم، يطلع فوق الكنبة ويقعد بين الاتنين وهو بيضحك:
– "بابا! ماما! تعالوا نلعب!"

سيف بيشيله ويحطه فوق رجليه، ويبص لهانيا بابتسامة واسعة:
– "اتفقنا… من هنا ورايح حياتنا كلها هتبقى لعب وضحك وحب."

هانيا تضحك بخفة وتبص لهاني، وتهمس وهي بتحضنه:
– "أهم حاجة… إن البيت ده يفضل مليان سلام."

الكاميرا بتبعد بهدوء عنهم…
صوت ضحكهم بيتملّى المكان…
وكل حاجة حوالين البيت هادية كأنها بتشهد على نهاية حرب طويله.

إلى كل قلب خاض حربه الخاصة…
يمكن الطريق يبقى موجع، والخسارة تقيلة، بس في الآخر…
السلام بييجي.

مش دايمًا بنلاقيه بسهولة، ولا بييجي من غير ندوب…
لكن الحب دايمًا بينتصر، حتى لو اتأخر




                          تمت بحمد الله

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة