رواية عزف السواقي الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم عائشة حسين


رواية عزف السواقي الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم عائشة حسين



‏” وَقُلْ رَبِّي أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَأجْعَلَ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَنًا نَصِيرًا “..
جلست جواره ملتصقةً به بعدما سلمته كوب النسكافيه والآخر لها، هتف طاهر معترضًا يوجهها بصبر «إديه لجوزك عيب كده»
كرمشت أنفها وضمت شفتيها بغير رضا قائلة «إيه جوزك دي ما تتأدب »
نهض رؤوف منشغل البال يتعلل كذبًا «مش عايز خلهولك»
غادر لحجرته بحيرة تأكله، بينما وضع طاهر المشروب أمامه والتفت معاتبًا«إيه يا هندسة الذوق» لوت فمها معترضة على قوله فلامها بلطف وابتسامة حنون «مش تعملي تلاته يا هندسة حرام المسكين اتحرج» شملته بنظرة غاضبة وهي تغمغم «والله أنت الي مسكين وطيب»
ثم رفعت صوتها «اشرب يا طاهر يلا وقولي على الخبر الحلو» تعلل مراوغًا «لاه خلاص أصلًا نسيته»
نظرت إليه نصف نظرة حانقة قبل أن تنهض ممسكة بكوبها قائلة في ضجر «أنت وأخوك مش سالكين يالا والله»
ضحك طاهر قائلًا «أخص عليكي يا هندسة »
رن هاتفه فأجاب بسرعة وبلهفة جعلتها تقف مكانها في غيرة «حبيبي وحشتني»
وضعت الكوب وجلست تضربه على كتفه غاضبة تستفسر بغيظ «بتقول لمين حبيبي يا طاهر»
ضحك طاهر مهدئًا لها يُعلمها بهوية المتصل «دا يونس أخوي»
ابتعدت تسأله «مين يونس دا كمان؟»
أجابها طاهر بفخر مازحًا«بشمهندس الحفناوية وفخرهم»
قال يونس بلهفة «افتح ياااض أكلمها»
فتح طاهر الكاميرا واتبعها بمكبر الصوت، فأمسكت غزل بذراعه ووضعت ذقنها فوقه ناظرةً لشاشة الهاتف التي ظهر فيها يونس مُلقيًا التحية بلطف ومرح «يا ويلكم ازيك يا عروسة»
ابتسم مُجيبة برقة «الحمدلله ازيك أنت»
بارك لها بفرحة «مبروك بالرفاء والبنين»
عبست قليلًا قبل أن تجيبه بكسل وقلة حماس «الله يبارك فيك يا هندسة»
انطلق يونس مستأنسًا بالحديث «أحلى ما في الموضوع إنك مهندسة، أخيرًا حد زيي في العيلة دي»

تهكم طاهر «أخيرًا حد علمي»
تعجبت غزل من فرحته وتباسطه معها ووده لكنها هزت رأسها بابتسامة عملية فأردف يونس «طاهر مخه نضيف وشاطر بس شبط بقا، محامي زي رؤوف يعني محامي زي رؤوف، حتى رؤوف نفسه مقدرش عليه يومها»
التفتت غزل لأخيها مستفسرة منه «أد كدا بتحب رؤوف؟»
تولى يونس الإجابة ضاحكًا «جدًا حضرتك تشوفيهم ناقر ونقير وعناد ممكن بس هو العكس»
ابتسم خجلًا فتابع يونس بانطلاق «هحاول أجي علشان أشوفك يا هندسة مع السلامة» حيته بابتسامة ودودة وهزة رأس قبل أن ينهي يونس الاتصال بقوله المرح «سلملي عليهم كلهم يا طاهر ومتنساش ونس سلام»
ضربت غزل جبهتها مستفسرة بتأفف «مين كمان ونس؟»
ضحك طاهر وهو يعيد الهاتف لمكانه «حصان رؤوف»
صفقت بحماس ونظرة ممتلئة بالشغف «بجد عندكم حصان؟»
أجابها طاهر وهو ينهض عازمًا على المغادرة «أيوة»
نهضت مثله متوسلة برقة «ممكن توديني أشوفه وتركبني»
نظر إليها طاهر نظرة ممتلئة بالبهجة قبل أن يجيبها بنصف ضحكة «دي مهمة المتر مش مهمتي يوديكي ويركبك أنا أخري أسلّم على ونس» قالها وهو يداعب ذقنها بأنامله فضربت كفه منزعجة قبل أن تدفع جسده لخارج السطح «يلا امشي»

قهقه طاهر قائلًا وهو يتحرك ناحية الدرج «ماشي نازل ومتبعتليش»
دفعته وأغلقت قائلة باستياء «مش هبعت» عادت للشقة ثم إلى حجرتها منعزلة .
بالداخل كان يفرد هو الأوراق التي يلملمها ويقرأ رسائلها الكثيرة ويتأمل رسوماتها التي تقتصر على لملثم لا يظهر منه شيء ولا حتى العينان تترك مكانهما فارغ.
**************
قررت الهبوط للأسفل أخيرًا
تقدمت على استحياء تطالع المكان بنظرة مرتبكة وأفكار حائرة، أدارت والدته رأسها فلمحتها تدور في فلك الحيرة، ابتسمت ونادتها مشجعةً بحنو «تعالي يا بتي»
ابتسمت غزل في ارتياح امتزج بامتنانها قبل أن تقترب منها وتسألها عن صحتها «عاملة ايه يا طنط؟»
أجابتها بابتسامة تشبه ابتسامة ولدها قائلة «الحمدلله»
سألتها غزل بحنان وهي تتابع ما تفعله «بتشتغلي ليه وأنتِ تعبانه؟»
أجابت بحماس ولطف زائد «جوزك بيحب قُرص العچوة من يدي وكان طلبها وأنا نسيت»
قالت غزل باهتمام وهي تراقب ملامح السيدة الواهنة وعكار ابتسامتها ببعض الألم الذي تخفيه في مجاهدة وتحمّل «لما تخفي»
أجابت وهي تكوّر العجين «لاه أنا زينة، مفيش أحب من إني أعملهاله لما ياكلها وأشوف فرحته هخف »

نظر لغزل نظرة حنون ثم قالت بتنهيدة «رؤوف طلباته جليلة،عزيز النفس وبياجي على روحه كتير لغاية ما بينسى هو كان نفسه فأيه »
أومأت غزل بصمت وضيق لم تظهره بل تجاهلت ولم تسمح للكلمات بالعبور لعقلها وشغل حيز من تفكيرها، نفضتها بعيدًا خارج حدود أفكارها وعرضت بحماس «أساعدك؟» هللت السيدة بإنشراح «واه أحب ما على جلبي يا بتي بس أخاف أتعبك»
شمّرت غزل ساعديها واقتربت قائلة بحماس«لا خالص مفيش تعب وبعدين أنا بحب قعدتك والكلام معاكي يا طنط»
نظرت إليها مليًا قبل أن تقول بمودة لا تتصنعها «حبتك العافية وجلب الغالي»
قطبت غزل ببعض الضيق متجاهلة كلماتها فابتسمت السيدة بصمت وانشغلت بتعليمها في بساطة وتفهم وصبر.
بعد الانتهاء أمسكت بواحدة قضمتها فنبهتها نجاة بحنو «سخنة يا ضنايا تحرق جوفك» لكن غزل تجاهلت أغمضت عينيها متذكرة كلمات قاسم ومضغت متلذذة بطعمها متذوقة باستمتاع ،ثم فتحت عينيها وقالت بدموع متحجرة «لذيذة أووي يا طنط تسلم إيدك»
مسحت نجاة على رأسها قائلة بحنان وهي تنظر لعينيها وسحابات الدموع المتجمعة بعينيها «ويدك يا ضنايا»
نظرت غزل لوجه نجاة هامسةً بصدق ودموعها تنهمرمما جعل نجاة تقترب فزعة وتمسح لها دموعها بأناملها مستفسرة بلهفة أم «بتبكي ليه بس»

قبلت غزل كفها بعفوية شاكرة لها صنيعها وقالت وهي تتأملها «عارفة يا طنط لو قالولي أتخيل شكل أمي هتخيلك، أصل مش هلاقي حاجة أحلى منك تاني»
أدمعت عينا نجاة واندفعت تضمها متأثرة بقولها تمسح على ظهرها قائلة «يا حبيبتي يابتي ما أنا زي أمك برضك»
ابتعدت غزل قائلة ببراءة «مش زي يا طنط أنا من ساعة ما دخلت وأنا بحسك هي وبقيت بتخيلها شبهك»
ضمتها نجاة مرة أخرى داعية لها، تشبثت غزل بأحضانها رافضة الخروج منه للعالم حتى سمعت صوته وحمحمته المعتادة فتحركت مبتعدة واستأذنت المغادرة بلطف، ودعتها نجاة داعية لهما بصلاح الحال وأن يؤلف قلبيهما ويعوضهما خيرًا.
في المساء توسط جلستهم المسائية في بساطة ومرح لا يعرف طريقه إلا حين يجلس وسط أحبائه،يشحن طاقته قبل أن يصعد لها ، ارتشف من كوب اللبن الدافيء الذي يحب تناوله قبل النوم وهو يقضم القرص مثنيًا «حلوة جوي المرة دي يا أما»
ضحكت قائلة وهي تميل عليه هامسةً «كني جلبك حس»
انتبه لكلماتها مندهشًا يطلب التأويل بنظرة وديعة، فهمست السيدة ترمي في بئره المظلم أمنية القلب «غزل هي الي عملته المرة دي»
ترك كوب اللبن وسأل بدهشة «غزل هي نزلت ؟»

أجابت والدته بضحكة خافتة «في غزل غيرها؟ مهانش عليها أجف وأنا تعبانة طلبت تساعدني »
أجاب بخفوت وقلبه يرفرف بجناحي السعادة في أرض الشوق «فيها الخير»
قالت والدته بفهم «فعنيك كتير يا حبة الجلب »
تنهد رؤوف وأجاب منحّيًا الغموض «كل يوم بيزيد يا أما وتزيد معاها حيرتي وتوهتي»
ربتت والدته على كفه قائلة « خير يا ولدي»
ثم تابعت مؤنبه تلومه «مطلتش عليها النهاردة؟»
أجاب وهو يعاود الرشف من كوبه «لاه مش عايز حاسس وأنا بعيد عنها هي أحسن»
همست بفطنة تراجعه في إحساسه«يمكن متهيألك يا ولدي»
هتف والده الذي حضر مقتحمًا الجلسة بغيظ «واخد أمك وشغال ودّوده، إيه ممكفيكاش مَرَتين؟»
أجابه رؤوف بمرح «لاه أمي غير»
هتف والده بحنق وهو يدفعه بعيدًا ليجار هو زوجته «جوم من هِنا متخدهاش مني»
ابتعد رؤوف عنهما تاركًا المساحة لوالده الذي جلس يحيط كتف زوجته ويداعبها بحنو، ويمزح بمرح، نظر إليهما رؤوف مبتسمًا فهتف والده وهو يلتقط نظراته «بطّل قرّ يا متر»
قال رؤوف بمشاعر جائعة وصدق «عرفت يا حاج إن الحب بس في الدنيا الي يتحسد»
مازحه والده «كمان هتحسدنا»
ترك رؤوف كوب اللبن ونهض قائلًا «لاه بعيد الشر عنكم من الحسد أنا هروح أطمن على جدتي وأطلع أنام»
سلات هدايا

منعه والده بتنهيدة يأس «سيب جدتك دلوك وأطلع»
استفسر رؤوف بقلق «ليه خير في حاجة حتى مش بعادة مشوفهاش هِنا»
أجابته والدته بتأثر «زعلانه يا ولدي وحزينة وممبطلاش بكا»
تحرك رؤوف بقلب مفطور تجاه حجرتها فمنعته والدته بلطف «متدخلش يا ولدي أحسن ليك وليها سيبها لما تهدأ»
تنهد رؤوف بحسرة وتراجع بكآبة ثم استأذنهما ملقيًا تحية المساء وصعد للأعلى.
************
في اليوم التالي
سأل والدته بأمل وهو يفتش بنظراته في حنين «جدتي مطلعتش برضو يا أما»
أجابته بتنهيدة يأس ونظراتها الحنون تربت على خافقه المعذب«لاه يا ولدي ولا كلت ولا شربت»
وقف مفكرًا بغم وكدر قبل أن يتحرك ناحية حجرتها ويطرق الباب مستأذنًا الدخول ربما يستطيع التأثير عليها وإقناعها ،أو الوصول لحل لا يوجع قلبه لمح غزل واقفة بانكسار وحزن أمام فراش جدته، فتح الباب قليلًا وأنصت باهتمام ومراقبة، فرآها تقترب من جدته تكشف ذراعيها متظاهرة بالبكاء والعذاب « أرجوكم سيبوني » ثم كشفت رأسها وأشارت لبعض الكدمات على وجهها قائلة بحزن ورثاء«مبيبطلش ضرب فيا ويقولي عايز حق عمي وهاخده منك» ثم رفعت بنطالها الواسع وأشارت لساقها تستشهد بنظرات متوسلة وخاضعة «مشغلني خدامة ولو معجبوش الشاي بيدلقه على رجلي»

تأوهت وهي تمسك بظهرها «آه مبقتش قادرة أتحمل الضرب مبقاش فيا حتة سليمة دا وحش كاسر»
فغر رؤوف فمه بذهول وصدمة وهو يراها تمسك بخصلاتها قائلة بشبه بكاء «حتى شعري بيولع فيه أنتِ عارفة هو الي قصه أصلا كدا علشان مش عاجبه طويل»
اندفع للداخل صارخًا باسمها في غضب فركضت مستغيثة تؤكد على ما قالته وهي تكتم ضحكاتها بصعوبة «شوفتي أهو بيدور عليا علشان علقة الضهر»
ابتسمت الجدة باستحسان وفخر، تبثه التشجيع عبر نظراتها وتبارك أفعاله بحنوها ورضاها، سحبها من ملابسها للخارج ثم أغلق الباب على جدته دون كلمة، هتفت وهي تجاهد الضحك « جيت امتى يا متر؟»
أخبرها من بين أسنانه وهو يسحبها خلفه من ذراعها «من أول أرجوكم سيبوني»
سألته والدته وهي تراهما يصعدان راكضين «في حاجة يا ولدي؟»
أجاب بحدة فلا وقت لمناقشات أو ثرثرة فارغة «لا»
صعد بها للأعلى وما إن وصلت حتى جلست أرضًا لاهثة تضحك بمرح، صرخ فيها بغيظ من أفعالها الجنونية لا يصدق أنها قامت بتلك التمثيلية الآن «ممكن أفهم إيه الفيلم الهندي دِه؟»
أجابته وهي تلتقط أنفاسها «ياعم جدتك أضربت عن الأكل وعاملة أزمة لا أنت عايز تطلق ولا هي عايزة ترتاح وموترني معاكم»
استنكر بغضب لا يفهم ما تعنيه «نعم!»

أوضحت له من بين قهقهاتها«يابني والله أنا لقيتني ماله والست صعبت عليا والناموس بيعاملني معاملة الكلاب قومت حطتلي شوية ميك اب على وشي ونزلت ريحتها بدل ماهي فاكرة إنك واقع فدباديبي لا أهو شوفي معذبني ومبهدلني»
سخر منها ونظراته تلمع بإعجاب واضع «والله وكده ارتاحت»
قالت بفخر وهي تنهض نافضة كفيها «انزل هتلاقيها أكلت هي كانت محتاجة أثبتلها إنك وحش كاسر ممسيني بعلقة ومصبحني بعلقة»
أمسك بها من ملابسها وقال من بين أسنانه بغيظ «ليه تكدبي كنتي فطمتيني وأنا كنت رنيتك علقة محترمة»
توسعت عيناها على ملامحه وقالت مبتسمة «لا قلبك أبيض»
سخر منها بحنق «خليتي فيها أبيض يا شيخة أنا عقلي هيشت منك أنتِ وأخوكي»
ضحكت برقة دغدغدته فتنفس بقوة مغمغمًا قبل أن يقترح «بجولك أنا خايف عليكي من ذنب الكدب أنا أرنك علقة وأحط السيخ المحمي فودنك وكدا تمام»
سحبت ملابسها من بين أنامله وعدلتها قائلة بغطرسة «لا… أنا عايزة أدخل النار ملكش دعوة أنت»
قال بإصرار وهو يمسك بذقنها مخترقًا كيانها بنظرة لامعة«لا يا هندسة ميصحش العينين الحلوة دي خسارة» بدا صادقًا دافئًا في غزله الذي دسه بين كلماته فابتلعت ريقها وابتعدت هازة كتفيها برفض «متعودة عالنار عادي بقا دنيا وآخرة» تجاهل ما شعر به من ألم لأجلها و

سحبها من ذراعها قويًا فاصطدمت بصدره، ابتعدت مرتجفة متلعثمة ثائرة «خلاص يا متر »
قال بإصرار وعناد وهو يبتسم لها متشفيًا شامتًا «معلش أنا راجل محبش تتبلي عليا بالكدب هنفذ»
ركضت أمامه مندهشة لا تصدق ما ينتويه، لكنه سبقها ومد ساقه أمام باب الشقة رافضًا وهو ينظر إليها بتحدي هازًا حاجبيه «هتهربي فين أنا لازم أسمّع جدتي صوتك فعلقة الضهر»ركضت بعيدًا ضاحكة تتذكر ما قالته عنه فتزداد ضحكاتها الناعمة الجذابة علوًّ وطربًا، سحب عصا كانت ملقاه وركض خلفها متوعدًا وهو لا يعرف لما يطاردها لأجل أن تبقى ضحكتها محلقة حوله أو أحب مشاكستها كما فعلت «مش هسيبك والله»
توسلته من بين ضحكاتها ونظراتها تتبع حركات يديه «خلاص طيب أنا آسفة»
وقف أمامها متحفزًا يسخر من أسفها «وأنا مش آسف مسبقًا على الي هعمله» حين أمسك بها في غفلة من وعيها اضطربت وتشتت تركيزها، رفعت عينيها تتوسله فصمتت متسارعة الأنفاس، نظر لعينيها متأملًا قبل أن يهمس بإعجاب وانبهار احتل نظراته «قريت عن عيون الريم بس ولا مرة شوفتهم، سبحان من وضع الجمال فعنيكِ وجلبك »
اقترابه لهذا الحد منها وما يتفوه به اللحظة في صدق كل ذلك يوترها بشدة فتكاد تفقد وعيها، رفع أنامله وتلمّس خدها برقة قبل أن يبتعد خطوتين لاهثًا صدره يعلو ويهبط بانفعال وعيناه لا تتركانها،تحاصرانها وتحملان إليها قدرًا من شغف روحه بها ومحبته التي تُعقد أواصرها..تحركت من أمامه ببطء غير قادرة على انتزاع نظراتها والفكاك من أسره،استدار فانفك السحر وهرولت تجاه حجرتها تفكر فيما حدث بينهما وتأثير قربه عليها.

************
أوصلها والدها بعدما رضخ كبرياؤه لمنطق علاء، تحلى بالبرود مغتنمًا من خلفه ما يرضي غروره،أدخلها فنهض رؤوف مستقبلًا مجيئها بنظرة جامدة خاوية،صمتت جدته برغم ما تحمله لآيات من غيظ ، تلوت أحشاؤها حسرةً من عودتها لكنها صبرت نفسها بما ستحصده من منافع، حيث وجدت في مجيئها عزاءً وتسلية بعد خيبتها وفشلها في طرد ابنة مرتضى، ربما تصبح آيات سلاحًا تقتل به الأخرى وتنقذ به حفيدها من شر معشوقته، كل يوم تستيقظ متشائمة بأقدار وهمية وخيالات يفرضها سوء الظن، تنتظر لدغة الحية التي أوآها حفيدها في بيته ُمهيئة النفس لحزن يتمد حتى باقي العمر وحدوده، تنظر لحفيدها بنظرة شوق ملتهمة كأنها ستفتقده عما قريب وحين يُفيقها بقبلاته وحضنه الحنون مُطمئنًا لها محتويًا جزعها تعرض عنه في عتب وتبكي في حرقة ورثاء بدأت تشمله به وكأنها فقدته أو على وشك، سيتبيح بعدها التشاؤم نفسه ويتوغل مسيطرًا فيتركها مبتعدًا مفضلًا مراقبتها من بعيد.
زفرت نجاة باستسلام لعودة آيات وصمت عدنان مُراقبًا متأهبًا للتدخل إن تطلّب الأمر، تركه يلملم بعثرته وحده دون أن تتدخل يداه، راقب توهته وحيرته بعين مبصرة وقلب عطوف تاركًا له حرية الاختيار والاختبار؛ لتكون بعدها نتائجه له وحده تلك المرة..
سحب والد آيات حيث المندرة وأشار لآيات بالصعود وهو خلفها يحمل عنها الحقيبة، كلما حاولت الاستدارة للحديث قتل رغبتها واغتال كل محاولاتها بصمته وإعراضه الذي أصابها بالغضب، وقفت أمام شقتها فوقف طاهر الجالس على الدرج بصحبة غزل مندهشًا وفعلت غزل مثله منتظرة مترقبة تراقب ملامحهم جيدًا

استنكر طاهر وهو ينظر لرؤوف بنظرة عتاب «آيات»
ابتسمت آيات مُرحبة بود حاصره الزيف «ازيك يا طاهر»
أشار لها رؤوف بجفاء «ادخلي»
لكنها نظرت لغزل المحدقة فيها تسأل «مين دي؟»
انتظرت غزل أن يعرّفها طاهر لكن من تولى المهمة كان هو، بكل حماس وفخر أجابها وهو يلتقي بنظراتها متحديًا «غزل مراتي»
فغرت آيات فمها قبل أن تضع كفها عليه مصدومة ومبللة الجسد بماء وهمي سقط من دلو المفاجأة فوق رأسها اللحظة،ارتجف جسدها كأن الماء حقيقيًا وبرودته واقعية ولم يكن خيالًا فرضته اللحظة ، بدا رؤوف لعيني غزل سعيدًا ومنتشيًا عرّفها بنظرة لامعة ومتألقة بمشاعر كثيرة وغريبة، مالت غزل ناحية طاهر واستفسرت «مين دي؟»
تولى طاهر التعريف تلك المرة وهو ينظر لرؤوف بحزنٍ ولوم قاسي«آيات مرات المتر » ابتسمت غزل وقالت مُرحبة ببساطة شديدة وفرحة مجهولة السبب قتلتهم «بجد أهلًا وسهلًا»
مدت كفها في دعوة للسلام وجنحًا له، فنظرت إليها آيات باشمئزاز وحقد، استغل رؤوف الفرصة واحتوى كف غزل مبتسمًا، ضمّ أناملها بحنو شاكرًا غرور آيات وصدمتها، سحبت غزل كفها في خجل لوّن محياها، وأخفضت بصرها مسيطرة على ارتباكها وتلك المشاعر التي اقتحمتها وشتتت تركيزها، أشار رؤوف لآيات «ادخلي»

شهقت مرة أخرى متفاجئة بالخراب حولها حين دخلت الشقة، تجاهل رؤوف كل ذلك وأغلق عليها الباب متأففًا، ركضت غزل للأعلى هاربة وبقيّ طاهر واقفًا في صلابة يسأله «ليه رجّعت آيات؟»
أجابه رؤوف بهدوء «علشان أنا عايز كده ؟»ثم أكمل بابتسامة هازئة «وأظن كانت دي رغبتك يا طاهر؟»
أجابه طاهر بضيق «كانت، دلوك أنا مش عايز ضرة لأختي ولا حد يضايقها ولا يقاسمها فحاجة؟»
رفع رؤوف نظراته للأعلى عاكسًا ما بداخله من مشاعر في نظراتها وكلماته «محدش هيضايجها ولا يقدر والقسمة كلها لأختك»
تنهد طاهر باستسلام ف الحديث لن يغير يغير شيء ثم فقال مهددًا ومحذرًا في غلظة «لو حد جه جنب غزل أنا مش هسكت يا رؤوف»
ابتسم رؤوف قائلًا ببرود «حقك والله كتر خير غزل ورتنا وشك التاني يا طاهر،عملت الي مجدرتش عليه أنا »
ابتلع طاهر ريقه بصمت قبل أن يرحل للأسفل تاركًا رؤوف الذي لم يدم وقوفه كثيرًا ولحق به.
بعد قليل جاءت هدى بصحبة صغيرها لمعاونة أختها في تنظيف الشقة بعد ما أحدثه رؤوف فيها من دمار وخراب، تركت صغيرها الذي تسلل للأعلى وحده باحثًا عنه مقتحمًا السطح مفتشًا بنظراته فأوقفت غزل سيره بسؤالها «أنت مين يا حلو؟»
خرج رؤوف على سؤالها، فتح ذراعيه فركض الصغير معانقًا بضحكة بريئة وعفوية، ضمه مستخدمًا مودته الفائضة للترحيب ثم تركه مُعرّفًا وهو يغرس أنامله بخصلات الصغير الناعمة

«ده عبدالله ابن هدى أخت آيات»
هزت كتفها قائلة باستهانة «تمام »
ابتسم متابعًا ببرود لا يعكس دواخله «بحبه ومسموحله ييجي هنا»
رمقته بنظرة لا مبالية مستنكرة ثم قالت بصوت مرتفع كصياح أزعجه «بتبرر ليه أنا مالي طبيعي ابن أخت مراتك ييجي ويقعد»
ثم انحنت محيية الصغير مرحبة بابتسامة مشرقة ودودة وهي تمنحه من جيب بجامتها قطعة شيكولاته «ازيك يا عبودي نورت»
سريعًا محت ابتسامتها ووقفت لا تمنحه إلا عبوسًا واستخفافًا ورحلت للحجرة عائدة لمخبئها الآمن… لكنه استوقفها مُحذرًا بضيق «متعليش صوتك تاني»
استدارت مندهشة تعارض قوله «معلتش صوتي على فكرة»
قال موجّهًا بضيق وعصبية «اعرفي حدودك والزميها هِنا مش كل حاجة تنفع ولا عادي»
تنهدت مبررة بهدوءلا تريد لغطًا ولا ضوضاء أو شجار يفسد يومها «تمام رغم إني حاسة معلتش صوتي بس جايز فأنا آسفة»
هز رأسه بصمت وضيق قبل أن يحمل الصغير متناسيًا، تابعته ببعض الندم ثم دخلت مستسلمة للراحة..
بعد قليل سمعت اقتراح الصغير المبهج بضحكاته وحماسه «نغني الأغنية الي بحبها»
نظر رؤوف لنافذة حجرتها بتردد بتره الصغير بإلحاحه ورغبته «بحب نغنيها»

خفض رؤوف صوته وبدأ في الغناء معه إرضاءً له ولرغبته..ثم لعب رؤوف مع الصغير كرة القدم وصنع له كوبًا من الشاي باهتمام كأنه يصنعه لضيف كبير المقام والسن، دلله بحب وعطف عليه بمودة، شاكسه كثيرًا وحكى له المزيد من الحكايات الممتعة ثم جلسا يقرءان القرآن بصوتٍ عذب، كل ذلك وهي تتابعه من نافذة الحجرة المطلّة على السطح الواسع، تراقبه باهتمام متعجبة من مودته الشديدة للصغير التي لا تعرف هل هي نابعة من مودته لخالته أم للصغير خاصة والأطفال عامة، بدا لها رؤوف لطيفًا وحنونًا أبًا جيدًا ومحبًا، يجيد لعب كل الأدوار ببراعة.. بعد قليل ودعه الصغير بعناق حين نادته والدته، ركض ملوّحًا له فابتسم رؤوف وودعه بالمثل، وهو يقف أمام نافذة حجرتها، حين اختفى الصغير همس بابتسامة «متعبتيش من المراقبة»
ابتعدت ممتعضة من انكشاف أمرها، بينما تابع رؤوف برقة ومشاكسة «لو جيتي وجولتي لعبوني مكنتش همانع»
صمتت حانقة تضم شفتيها بغيظ قبل أن تفتح النافذة وتواجهه «على فكرة مكنتش براقبك »
تصنع رؤوف الاندهاش وسألها ببراءة كاذبة«بتكلميني » استنكرت بإنزعاج «نعم»
أشار لسماعة أذنه موضحًا «معلش بكلم آيات مخدتش بالي أنتِ عايزة حاجة»
فغرت فمها شاعرة بالحرج والخجل من تهورها وسوء فهمها، طأطأت رأسها بإحباط وحزن حتى أنقذها رنين هاتفه ووشى لها بخدعته وفخه، سحبت دلفتي النافذة متهكمة «رد على آيات يا متر ومتنساش تاني مرة توصل السماعات بالفون لازم تبقى عارف إن أهم حاجة فشغلك التفاصيل» ختمت قولها بغمزة ونهت الحديث بغلقها للنافذة، ثم طرقت لينتبه وبعدها ضحكت برقة قائلة «أنا مراقبتش أنا بس وقفت أشوف عينيك بتخبط على شباكي كل شوية ليه يا متر » ابتسم معجبًا بردها يهمس بما يحرص ألا يصلها «جلبك سبّق بالخبط فمجدرتش أمنع عيني»

********************
في اليوم التالي مساءً
وقفت أمام حجرة سماسم مرتبكة بين الطرقة والأخرى تلتقط نفسًا قويًا تعبق به صدرها، ثم ترفع أناملها لترتب حجابها حول رأسها مغمغمة بما ستقوله، تتلوه بهمسٍ وصله فابتسم…حين جاء من الأعلى ووقف أمامها،شعرت به فاستدارت، نظر إليها قائلًا «مصممة؟»
قالت بإصرار وعزيمة لا تفتر «هحاول علشان ارتاح»
اقترب أكثر وهمس بلطف زائد وحنو كاشفًا لها عن ما في نفسها «مترتبيش كلام سيبي نفسك واتكلمي بالي حساه عمتي مش هينفعها كلام متذوق»
ابتسمت بامتنان شاكرة له «شكرًا»
بادلها ابتسامتها ناصحًا «عفوًا.. متزعليش لو ملقتيش استجابة لكلامك»
سألته بخوف حقيقي ونظرة مرتعبة زائغة «هي ممكن متتقبلنيش ومتردش»
أجابها بحنو محتويًا خوفها «ممكن بس أنتِ خايفة ليه؟»
أجابته بصراحة شديدة وبساطة «حاسة الي حكتهولي طنط نجاة أكبر من كلمة آسفة»
هز رأسه متفهمًا وابتسم موضحًا «المفروض الاعتذار مش بتاعك ولا منك»
زفرت بإحباط وقلة حيلة قائلة«عارفة بس بحاول أعمل حاجة كويسة تريّح الي حواليا»
واستفسر بنظرة ثاقبة حنون «وأنتِ»

رفعت له نظراتها مندهشة من سؤاله متحيرة في إجابته «مش عارفة لإن محدش سألني السؤال دا قبل كدا ومفكرتيش فيه»
قطعت آيات حديثهما بهبوطها مما جعلها تتنهد بيأس وتستأذن مغادرة..لكنها وقفت أمام حجرة نجاة الملتصقة بحجرة سماسم حين سمعت
هتافها «حامد اتجوز»
وضعت كفها فوق قلبها تقبض على جمره المشتعل تمنع تسربه متنفسة بسرعة مهلكة بينما تابعت نجاة «وقاسم كويس كده؟طيب جوليله جدتك بتسلم عليك جوي»
تسرّب الألم لملامحها والحزن لعينيها فاستدارت بتوهة لا تعرف لها وجهة ولا عنوان، اصطدمت به كأنه وجهتها الحقيقية.
سألها وهو ينظر لفزعها بقلق «في إيه مالك؟»
رمشت كثيرًا محاولة السيطرة على دموعها وسألته بأنفاس متسارعة «أنت تعرف حد اسمه حامد»
قطب قائلًا بدهشة «أيوة»
أوضحت تريد تكذيبًا أو تصديقًا «معاه ابن اسمه قاسم» ختمت قولها بشهقة عالية كانت مُحتبسة فهدأها «اهدي أيوة أعرفه»
رفعت نظراتها مستفسرة وهي تلهث من فرط ما تكتمه «يبقالك إيه؟»
مطّ شفتيه مفكرًا بنظرة غامضة فهتفت محفزة له مشجعة له على النطق «قول يبقالك إيه؟»
نظر إليها طويلًا بنظرة ثاقبة قبل أن يمنحها الإجابة التي لم تصل لها وحدها بل ولطاهر الذي ألقت به الصدف مستمعًا للحديث «أخويا توأمي بس مش عايش معانا عند خالته»

نطقت بشبه صرخة مستنكرة «أخوك؟ وتوأمك بجد»
أجابها بعبوس كاذب ودهشة لم تتعد حدود ملامحه «أيوة بتسألي ليه؟ وتعرفيه منين؟»
هطلت دموعها غزيرة وارتجفت تهذي «أعرفه منين؟ دا أنا معرفتش غيره والله» أزاحت دموعها برمشة وسألت ونظراتها تشخص في البعيد المجهول «بييجي هِنا؟ هشوفه؟ »
هتف ببرود لا يناسب انفعالها «ما تفهميني في إيه بدل الاسئلة دي؟»
ترنحت قائلة وهي تمسك برأسها الذي يخف وجسدها الذي يذوب وينصهر في حمم من الحزن «مفيش حاجة خالص» أدار رأسه فالتقت نظراته بنظرات طاهر المعاتبة بقسوة، نزع نظراته من حصار طاهر ورصاصات لومه وغادر تاركًا لها في مهب ريح المفاجأة،ركضت للأعلى في مشقة وتعب حتى وصلت لمنفاها، دخلت حجرتها فتحررت من ثقل مشاعرها المكبوتة وصرخت بقوة، مخرجة ما كتمته طوال تلك الأيام الماضية، بعدما قضى عليها الخبر وأنهى مقاومتها.
وضعت الوسادة فوق رأسها تكتم تأوهاتها وصراخها الذي يشتد ويمتد دون انتهاء.
**************
منذ عادت وهي تحاول التقرب من ساكني المنزل وإعادة التواصل، شعرت بالإهانة وحطمت الباقي من شقتها حين علمت بزواجه لكنها تماسكت وقررت أن تخوض الحرب لأخرها ولا ضرر من بعض التسلية، لا أحد هنا يوشي لها بملابسات هذا الزواج الغريب، وهي تخشى السؤال

فقررت أن تهبط وتندمج معهم لتعرف رغم رفض رؤوف وعبوسه الدائم في وجهها لكنها تتجاهل وتتغاضى لأجل أن تصل إلى هدفها وتعرف سر تلك الزيجة الغريبة التي لم يسمع بها أحد بعد مرور أيام قليلة كونت فكرة بسيطة بما رأته منه وما يحدث أمام نظراتها
رؤوف معاملته لغزل غريبة لا يكلمها ولا يتعامل معاها ينبذها ويعرض عنها أمامهم لكن عيناه لا تفعل، تنفصل عنه بذات خاصة، تحتضن وتضم وتربت وتحيطها بسياج يرتفع كلما دنت منها نظرات لا تروقه، يتبدل حين تحضر يبدو لها بنظراته غريبًا لا تعرفه، يتوتر حين تقع نظراته عليها، كل حصن بناه ينهار، وكل سور تهدمه هي بهمسها.
محتجزة ومكروهة لكنه لا يسمح لأحد بالتطاول عليها ولا يهدأ حتى تنال الراحة، يعزلها في شقته بعيدًا عن النظرات الكارهة والحاقدة، يحميها من شرور النفوس بإدعاء كاذب أنه لا يريد وجع رأس وثرثرات فارغة لا طائل منها.. فاقت على توتر سائد وغمغمات مستاءة من جدته فانتبهت لما يحدث ووجهت نظراتها حيث مسقط نظراته هو، كانت هي العروس تهبط متهادية في كبرياء ودلال، اقتربت منهم ورمت السلام الذي لم يردّ عليه سوى عدنان وزوجته ثم جلست بأدب بينهم في تحدي غريب ، فورًا حركت نظراتها لرؤوف فرأت عيناه تهرب من أسر الحزم وقيود الشدة وتعانق ملامح غزل لدقائق ثم يُعيدها لمكانها آمنة «ممكن أخرج اتمشى»

همستها بتوسل تعرض في جسارة على الجميع رغبتها وأولهم هو، تتحداه برأي الأغلبية ومشاركتهم رغبتها ليرتدع حزمه وتخبو قسوته طال الصمت وامتلأ الجو بهمسات جدته وغمغماتها،كونت اللعنات سحابة فوق رؤوسهم فأظلم الجو بكآبة..نهض عدنان قائلًا «جيتي فوجتك يا بشمهندسة بجالي كتير متمشتش أنا ونجاة يلا تعالي معانا»
نهضت مبتسمة بحماس «تمام يا عمو يلا بينا»
لفت نجاة كتفيها بشال أسود وتحركت ناحيتها فقال عدنان مشاكسًا ولده الذي يتململ في جلسته «تيجي معانا يا متر»
قطب متظاهرًا بالا مبالاة والزهد «لاه مش عايز أتمشى»
نهض وتحرك ناحية والدته، منح ظهره للجميع ومال يهمس في أذن والدته بما لم يسمعه سواها، ابتسمت والدته وهزت رأسها برضا فانسحب هو من الباب الخلفي المؤدي للحظيرة، دخلت نجاة حجرة قريبة ثم عادت حاملة شالًا آخر منحته لغزل قائلة بحنو «حطيه يا بتي على كتافك» تناولته غزل بنظرة ممتنة ولفته حول كتفيها شاكرة «شكرًا يا طنط»
لفّت نجاة ذراعها حول ذراع غزل بعدما ألقت عليها نظرة راضية «كده زين يلا بينا»
سار عدنان جوارهما وبقيت آيات مكانها وقد فهمت ما همس به رؤوف لوالدته فازدادات حقدًا وكراهية..
اتجهت ناحية الباب الخلفي مراقبة له فرأته جوار حصانه يمسح على رأسه ويطعمه.

تركت عدنان وزوجته على حريتهما مستأذنة ومُطمئنة لهما أنها لن تبتعد كثيرًا عنهما، تركها عدنان غير مقيدٍ لحريتها فسارت وحدها حتى وصلت للنهر،اختارت بقعة منعزلة وهادئة ثم وقفت متأملة للمياه والأمواج التي تضرب الصخور بقوة، شعرت بالدوار فتحركت؛ ربما السكون يخدها بفقدها التوازن، تمشت؛ لتستعيد ثباتها وتحافظ على توازنها، سارت شاردة ومفكرة تتأمل ما حولها حتى تعبت وجلست فوق صخرة عالية وثبتت نظراتها على المياه، فجأة الحّ عليها الحزن وطرقت الدموع أبواب المآقي، تذكرت ماحدث لها في الأشهر القليلة فبكت حتى ضرب الصداع رأسها وعصب الدوار وعيها، رفعت نظراتها المشوشة متنفسة بقوة قبل أن تهبط فوق الصخور مقررة غسل وجهها بمياه النيل، جلست أمام المياه العميقة ومدت كفها تغرف منها، هاجم الدوار وعيها بقوة فاختل توازنها وسقطت في المياه ما بين الوعي واللاوعي.
احترم رغبتها في البقاء وحدها قليلًا بعيدًا في عزلة عن والدته ووالده مكتفيًا بمراقبتها جيدًا من فوق سطح منزلهم، ضاق بتنقلها واختيارها تلك البقعة للجلوس لكنه ظل متابعًا لا يريد الذهاب إليها واقتحام عزلتها ومضايقتها
حتى رآها تسقط في ماء النهر، ضرب السور بكفيه في جزع مناديًا باسمها قبل أن يخلع خفه ويركض ملتهمًا درجات السلّم بسرعة كبيرة وقلب يكاد أن ينخلع من مكانه، كلما تعثر نهض من جديد وواصل الركض راكلًا بتجاهله سؤال عمته، غير مبالي ومهتم بالتي تبعته فضولًا ولا تجهّم جدته واستنكارها «في إيه يا واد؟»

«غزل» قالها بصوتٍ عال كإجابة ونداء وهو ينزع جلبابه ويلقيه جانبًا ثم يخرج من باب المنزل راكضًا التقى بطاهر الذي سأل بقلق «في إيه؟»
لكن ما كان يشغله اللحظة هي فقط، ركض طاهر خلفه بخوف ، وصل رؤوف وقفز بسرعة في مياه النهر يجدف بذراعيه ناحيتها، ألقى طاهر بجسده في المياه يساعده في انقاذها
فكان آخر ما رأته قبل أن تغمض عينيها خوفه وعتابه وهو يهمس باسمها في لهفة «غزل»
حملها وخرج بها وخلفه طاهر يناديها بزعر متأسفًا على تركها وحدها، أسعفها رؤوف بسرعة حتى عاد إليها التنفس من جديد وسعلت طاردة المياه من صدرها ،ثم جلس بعدها يلهث حامدًا الله تاركًا طاهر يتابع إسعافها وطمأنتها، هدأت أنفاسه فاقترب منها وحملها بين ذراعيه عائدًا بها للمنزل.
دخل بها صامتًا لا يكلف نفسه عناء الرد على تساؤل، جدته تدعي بحرقة متشفية وأمه تشهق مرتعبة وتقترب ماسحة على رأسها بحنو ولطف نادمة على منحها الحرية، بينما هي منكمشة بصدره خجلًا وحزنًا وتعبًا.. صعد بها لا يعبأ بنظرات ولا يتهم بسواها وخلف والدته متعكزة على بعضٍ من قوتها
ترك كل الضوضاء خلفه ولم يطوّع سمعه إلا لإلتقاط أنفاسها ليطمئن.
أدخلها حجرة والدته ووضعها فوق الفراش بلطف شديد ثم سحب الغطاء عليها ورحل لتواصل والدته العمل من خلفه باهتمام وعناية.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ على نَبِيِّنَا مُحمَّد.’)



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة