رواية عزف السواقي الفصل الخامس والستون 65 والاخير بقلم عائشة حسين

رواية عزف السواقي الفصل الخامس والستون 65 والاخير بقلم عائشة حسين



اندفعت رأفة راكضة تجاه بيته بأمل ،طوال المدة التي قضتها مع والدتها لدى جدها بالقاهرة كانت تتربص بالأخبار، تنتظر أي كلمة تخبرها عنه، أو تدلّها على حاله، بكت كثيرًا حين أُرغمت على الرحيل ،خائفة من أن تعود ولا تجده.
تحاول جاهدة الوصول لأي خبر يطمأنها لكنها لم تحصد من تنبهها سوى الحزن الذي خيّم عليها وأضعف بنيتها رغم تمسكها بالدعاء، مما اضطر والدتها قطع إجازتها والعودة رفقًا بها وبقلبها المعذب بالبعد والغموض حول ما يتعلق بهذا الطيب، وما إن وصلت حتى توسلت أمها أن تتركها تذهب لمنزله متفقدة علها تراه أو يُشفى قلبها بخبرٍ عنه.
وقفت على مقربة من البيت بقلبٍ يخفق، تنظر حولها للزرع النابت بأمل داعية أن يكون هو صاحب الغرس.

ولم يكن هو بأقل منها شوقًا بل حزن أشد الحزن حين علم برحيلها خاصة بعدما حكى له يونس عنها وعن أفعالها في غيابه وذهابها إليه، انتظر مجيء صغاره لبدء الحلقة فوق حصيرة من الخوص يقرأ من مصحفه بمتعة خاصة
تسلل اليوم وجاء دون أن يخبر غزل بمجيئه، حتمًا ستصرّ على المجيء وهو يخشى عليها وعلى تعبها من وسائل النقل خاصة بعدما ثقلت حركتها وأصبحت تتعب من أقل مجهود .
طُرق الباب فنهض ليفتحه، سار يدندن بآية يحبها، فتح الباب فوجد ما يحبه.. ارتدّت للخلف بأعين متسعة لا تصدق ما تراه أمامها، كأن أمنيتها تجسدت اللحظة، غطت فمها بكفيها ونظراتها تمرّعليه ببطء قبل أن تهمس «عم حامد»
اتسعت ابتسامته حين رآها أمامه، قال معاتبًا بمرح «أهلاً بالهرابة الي سابت عمها ومشت واتأخرت في الحفظ»
قفزت للأعلى صارحة ببهجة «عم حامد»
فتح ذراعيه لها فهرولت ناحية أحضانه بخفّة، جلس على ركبتيه معانقًا لها بأبوّة صادقة، ابتعدت تتأمله قائلة بفرحة تجلّت في نظراتها «الحمدلله ياعم إنك بخير دعيتلك كتير جوي»
قبّل حامد رأسها قائلًا بنظرة ممتنة راضية«يا فرحة العم بيكي وهنا جلبه بمودتك يا رأفة»
قالت بلهفة «جتلك هناك يا عم»
تذكرت حاله يومها فغمرها البؤس ،ابتسم مطيّبًا خاطرها بنظرة حنونة بعثرت حزنها «حسيت بيكي وسمعتك يا بابا سامحيني إني معرفتش أرد عليكي غصب عني»

دمعت عيناها بصدق من شدة تأثرها اللحظة فقبّل رأسها وابتعد يحكي لها كصديق مقرب وهو يعود للجلوس «تعرفي مكنتش هاجي بس لجيتني طالع من البيت وجاي ، كني جلبي حس بيكي وبجيتك فسبقك واستناكي»
تربعت أمامه شاكرة بنظرة ودودة «شكرًا يا عم»
عاد للقراءة والمراجعة بينما تعلّقت نظراتها به في انبهار طفولي ومحبة ،ابتسم متذكرًا زوجته وجلوسها أمامه طويلًا متأملة له منذ عاد، تسلل الصغار واحدًا تلو الآخر حتى اكتمل العدد وبعدها بدأ حلقته وحين انتهوا صنع لهم عصيرًا طازجًا ووزعه عليهم بالتساوي، حكى لهم وحكوا له، لكل واحدٍ منهم قصة في غيابه احتفظ بها ليتلوها على مسامعه حين يعود، ثرثر معهم، شاكسهم بلطف حتى رحلوا عنه مودعين فرحين وعاد هو لزوجته.
********
بعد مرور يومان
قررت الذهاب مع العروس لشراء بعض الأغراض واختيار فستان الزفاف، رغم أنها أرادت أن تذهب برغبتها وبرضا منها، إلا أنّ نظراتها ظلّت معلّقة بزوجها لدقائق طويلة تُراجع نفسها في قرارها وتؤنبها على التسرع، مالها هي وفستان الزفاف هي تريد زوجها فقط، المكوث جواره والشبع من ملامحه والحديث معه.
لاحظ شرودها عبر المرآة فسألها بخفوت «غزل في حاجة؟»

انتبهت على سؤاله فهزت رأسها وأشاحت للنافذة دون إجابة ظل يتابعها عبر المرآة بقلق حتى وصل لمنزل خالته، ترجل تاركًا القيادة ليونس مودعًا متمنيًا لهم وقتًا سعيدًا، اتجه لنافذة زوجته وانحنى هامسًا «غزولة زعلانة ليه؟»
قالت بلمعة عين من وجد ضالته «رؤوف تعالى معانا»
ابتسم معتذرًا لها «لاه مشغول يا بابا روحي وانبسطي»
تلاشت ابتسامتها فورًا وتعكر مزاجها برفضه، أطبقت شفتيها بخيبة وضيق لم يلحظه وهو ينتصب واقفًا يلوّح لهما مودعًا،استدار ناحية المنزل وسار يدندن برضا وراحة وهو يشيّع أرضه بنظراته الحنونة الدافئة.
بعد قليل عادت مهرولة،سمع صوت أنفاسها فالتفت مندهشًا ،وقفت أمامه لاهثة وهو ينتظر سبب مجيئها ركضًا بعد مغادرتها سألها فأشارت أن يصبر ولا يستعجلها حتى تهدأ أنفاسها الثائرة، وضع كفه فوق كتفها يهدأها فأبعدتها واندفعت معانقة له تخطف كل نبضاته الثائرة الآن لأجل فعلتها، تنفست بعمق وهمست جوار أذنه «حسبت المدة الي هغيبها عنك لقيتني مشبعتش منك أدها ولا الي خدته يرويني ،غيبتك عني مكانتش سهلة أبدًا يا حبيبي»
أحاط خصرها بذراعيه مبتسمًا يهمس برقة «وإيه يكفيكِ مني يا منى الجلب؟»
ابتعدت تميل بدلال مفكرة وهي تتأمله ممررة أناملها على ملامحه «أخدك أنت معايا»

اتسعت ابتسامته قائلًا «يبجا خليكي أنتِ معاي وأنا أجبلك الدنيا كلها لعندك وتحت رجلك»
هزت رأسها موافقة وهي تغتنم من السعادة والبهجة الكثير، تتأمله هامسةً«ماشي موافقة جدًا»
حملها بين ذراعيه ودخل بها المنزل
مشاكسًا بلطف «تقلتي جوي ضهري وجعني»
أجابته وهي تمسك بطنها البارز «عشان يويا كبرت»
دخل حجرتهما و وضعها فوق التخت توقفت كلماتها حين طُرق باب فاستدار بعدما اعتذر لها بنظراته وخرج مُجيبًا الطارق«مين»
وجد الصغار أمامه فتذكر موعدهم ،أدخلهم بترحاب ثم فرش الأرض وأشار لهم بالجلوس للبدء، بعد قليل شعرت بغيابه فنهضت، خرجت من الحجرة فوجدته يتوسط الصغار بحب، تأملته قليلًا بشوقٍ جارف مستمتعة وهي تضع كفها على بطنها البارز كأنها تنقل للصغيرة ما يحدث وتشركها معهم، نظر إليها باستحسان ورضا دون أن يتفوّه بكلمة أو يقطع قراءة أحد الصغار.
جلست جواره تاركةً مسافة بينهما خجلًا من الصغار الذين يحيطونه وتترقب أعينهم الأحداث، لاحظ تعلّق نظرات الصغار بها فنهرها بنظرة سريعة جلبت الابتسامة لفم الصغار المستمتعين.
أمسك المصحف بكف والأخرى فردها جواره، لاحظتها فابتسمت في أمل ورغبة، زحفت كفها في بطء حتى وصلت إليه، تنفست بعمق سعيدة بوصولها، تلمست أطراف أنامله والصغار يتابعون باهتمام ثم وضعت كفها فوق كفه متنهدة تنهيدة الوصول،ارتجفت نبضات قلبه، لمساتها أعادت لروحه الحياة والسكينة للنفس.. لكنه سرعان ما نفض كفه حرجًا من الصغار ونهرها بنظرة غاضبة فزمت شفتيها بحنق بينما تنفس الصغار بخيبة وتحدثوا بطفولية «امسكها ياعم »

زجرهم بنظراته فزاد تأففها وسخطها.
بعد قليل صرف الصغار بكفه وأغلق الباب بينما وقفت هي في منتصف الدار متخصرة «هي ايدي فيها جرب »
أجابها ببرود وعاطفة محجوبة «أنا بجول عليكي عاقلة وبتفهمي»
اندفعت تجاهه منفعلة تهتف لأول مرة بصوت عالي «لا دا حقي»
رفع حاجبه مستاءً من صراخها وصوتها العالي، رمقها بنظرة حادة تخفي الكثير وتحرّك ناحية الحجرة وهي خلفه «مش عايزني؟ أمشي يعني؟ هو الي رجعلك ملهوف عليك يتعامل كده؟ هو أنا مبوحشكش خالص ولا شوية ؟»
نزع جلبابه وتحرك ليقف أمامها قائلًا ببرود «عيدي مسمعتش»
عاتبته برقتها المعهودة التي تسيطر على حواسه وتسلبه من نفسه،همست تُخضع جفائه «حمودي»
قبل أن تنهيها كان يذيبها بين ذراعيه يحطم ثباته في أحضانها ويدهس جفائه مكتويًا بنار الشوق، يتبعثر على طرقات عشقها، ينثر قبلاته على وجهها دون توقف وكأنها آخر زاد له من الدنيا..
ابتسمت ثم رضيت وبادلته المشاعر بأكثر،
همست تلهث من أثر عاطفته «قولي وحشتيني،وبحبك دلوقتي حالًا»
همس ومازال يرمم داخله بقربها وينهل منها دون شبع أو اكتفاء «دِه كله ممكفكيش ؟»

لثمت خده رافضة «لا يا روحي مش مكفيني منك أي حاجة»
همس بعاطفة ومازال مشتعلًا بقربها ،نيران شوقه لا تخمد «جرالك إيه؟ » قلدت نبرته مبتهجة «الي جرالي واعر جوي والله»
اتسعت ابتسامته وهو يحملها بين ذراعيه، فهمست بما تعلمته من لهجتهم «أنت لازم دلوك تجولي كلام حلو كتير جوي »
وضعها فوق الفِراش برفق وهو يُجيبها
«هتسمعيني لغاية متى طيب؟ »
همست قبل أن تستقبل شوقه وعناق شفتيه «طول ما أنت بتتكلم هسمعك»
********
فتر حماس فيروز وانطفأت نظراتها فجأة فقرر الجلوس بها وأخذ قسط من الراحة قبل متابعة البحث من جديد بنظرة ثاقبة وابتسامة لامعة سألها «ها قفشتي مرة واحدة ليه؟»
ابتسمت رغم حزنها اللحظة وبعثرة مشاعرها، دق قلبها من تفهمه واهتمامه فقالت ساكبة همها عنده «يونس أنت مش هتقولهم؟»
سألها بنظرة مغازلة شقية «على إيه؟»
قالت بتوتر شديد «موضوعي وإني مطلقة»
ابتسم موضحًا بحنان «أديكي جولتي موضوعك يعني يخصك وأنا عارفه وراضي مال الباقيين فكده؟»
ابتلعت ريقها ووضحت «أهلك برضو وعلشان ميحصلش مشاكل»

أجابها وهو يشبك أنامله مسترخيًا بابتسامة حنونة «دي حياتنا احنا ومحدش له الحق يعرفها ولا يعرف تفاصيلها وأخوي الكبير عارف ومبارك خلاص مالي أنا ومال الباقيين متشغليش بالك بحاجة»
تنهدت براحة وهي تنظر إليه بامتنان وحب فقال مخبئًا ابتسامته مستعجلًا لها «يلا شوفي هناكل إيه عشان لسه اليوم طويل»
هزت رأسها وقد عاد إليها حماسها من جديد واستعادت حيويتها وبهجة قلبها.
عادا ليلًا لمنزل خالته فاستقبلهما رؤوف بود وسألهما باهتمام «ها خلصتوا؟»
انتظر يونس حتى دخلت المنزل لغزل ومال عليه هامسًا «لفيت قنا كلها عشان حاجة تعجبها مفيش يا أخي ، أبو الحريم ومخاخها»
ضحك رؤوف قائلًا بحنو «أنت لسه شوفت حاجة التقيل جاي ورا»
تأفف يونس بانزعاج وهو ينظر لقدميه المتعبتان الهالكتان بالسير وقال «ماله يعني ماتلبس أي حاجة»
ربت رؤوف على كتفه موضحًا له بفطنة «لاه أنت مش أي حد ولا هي.. ومعنى إنها مهتمة كده يبجا دي جوازة العمر يا هندسة وحاسة كأنها أول مرة، ربنا يسعدكم»
ابتسم يونس بفهم فاقترح عليه رؤوف «طيب جربوا تطلبوه من القاهرة»
زفر يونس قائلًا بتعب «هشوف هنعمل إيه»
*******

رتبت هدى خصلاتها الطويلة بأناملها الرشيقة الناعمة، لا تلتفت لنظراته ولا تنتبه لها ، منشغلة بأفكارها وخططها بعد مجيئهم هنا أخيرًا واستقرارهم، تستيقظ كل يوم بحماس لأجله ونشاط.. دندنت دون وعي وهي تدوّن في الأوراق التي أمامها ابتسمت حين تذكرت غزل وذكرياتهما مع الأغنية فقالت بصوت مسموع غافلة عن الوجه المتفصد محبة وشوق «وحشتيني يا غزولة»
جز على أسنانه لاعنًا تلك التي تغازل حروف اسم صديقتها وتنطقه بدلال لا يقاوم، وتعلن اشتياقها صراحةً بجرأة، استغفر لاعنًا نفسه التي ترغب وقلبه الذي يعشقها وعقله المشغول بها على الدوام منذ أنّ استقرت أمورهما تمامًا وتفرّغ لها وحدها.
التفتت أخيرًا لتنهده المسموع واستغفاره فسألت «في حاجة يا مؤمن؟»
رفع الأوراق مخبئًا وجهه الحانق خلفها مُجيبًا بغيظ «لاه مفيش ذنوب بتخلص»
قلّبت شفتيها بعدم فهم قبل أن تعود لدندنتها بمزاجٍ رائق ودلال يسلب العقل، تتمايل فيتمايل قلبه وتذوب مقاومته كما الشمع من لهيب دلالها المستعر.
ابتسم بمرح وحماس، حين انتقلت لجواره مدفوعة بحماسها، جاورته ملتصقة به فزفر بحرارة مستغفرًا«بص يا مؤمن إيه رأيك؟»
تأملها قليلًا وقال بصوت مملوء بعاطفته «حلو جدًا جدًا جدًا يعني والله»
أبعدت الورقة وسألته بحاجب مرفوع «يا مؤمن ده جدول الأسبوع والطلبات ؟»

هز رأسه مؤكدًا بنظرة مشاغبة وابتسامة عابثة «أيوة الجدول »
عادت لا مبالية تشرح له ما ستفعله بحماس ممزوج برقتها ليذوب الواقع في الخيال ويشرد معها وهي بهذا القرب، غمرته بأنفاسها ورائحتها ملأت صدره وعبقت رئتيه فغامت رؤيته وتبخر ثباته، انهزم فرفع أنامله يبعد خصلاتها عن جانب وجهها، أنفاسها علت بترقب وخجل وليد لمسته، مال ولثّم خدها يطفيء حرارة شوقه وحبه بتلك القبلة التي ودّ لو حفرها حفرًا وأوصلها لأعماق قلبها.. أغمضت عينيها مندهشة ومرتجفة
ثم فتحتهما ونبهته بخجل«مؤمن عبدالله صاحي»
أجاب بابتسامة دافئة وأنامله تتخلل خصلاتها الطويلة « احلويتي جوي من ساعة ما جيتي هنا»
خبأت ابتسامتها وسألته بمشاكسة «ليه كنت عفشة فمصر؟»
ابتسم قائلًا «لاه، أنا مكنتش شايف»
شاكسته قائلة «أنت محكتليش النهاردة عملت إيه فالشغل» نهض بسرعة وسحبها من كفها بعدما التفت ناحية صغيره وتأكد من انشغاله، دخل بها الحجرة وأغلق خلفه فقالت بدلال «مؤمن مالك؟»
ترك كفها واتجه ناحية الخزانة، فتحها وأخرج منها حقيبة ورقية وقدمها لها فسألته وهي تلملم خصلاتها على كتفها «إيه دِه يا مؤمن؟»
أجابها وهو يقدمه لها مغلفًا بنظرته الحماسية المترقبة «شوفيه»

تناولته وسارعت بفتحها فوجدت هاتف حديث الطراز، قلّبته بين يديها قبل أن ترفع نظراتها له قائلة «دِه لمين»
ضحك وهو يضمها قائلًا «لمرتي»
قالت لائمة «تلاجيه غالي يا مؤمن مالوش داعي أنت يادوب بتشم نفسك»
قبّل مقدمة رأسها كثيرًا دون توقف وأجابها «متغلاش عليكي حاجة وبعدين أنتِ بتوحشيني وأنا بره بيكون نفسي أكلمك»
أحاطت عنقه بذراعيها شاكرة بابتسامتها الجذابة «ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك أبدًا»
سألها ضاحكًا بشقاوة ونظرة ماكرة «مجولتليش برضك أنتِ محلوة ليه؟»
إجابتها كانت ضحكة رقيقة ناعمة أطاحت بثباته.
************
قبل الزفاف
استأذن يونس أخيه ليذهب هو ويحصل على إمضائها بنفسه أومأ له رؤوف بابتسامة حنون فأخذه بخفة وذهب به إليها، حرص رؤوف على أن تتم مراسم الزفاف كاملة وأن يحصل يونس على كل شيء دون نقصٍ أو حرمان، أراد له أن يعيش تلك اللحظات الفريدة ويشعر بها وألا يُحرم من شيء أو أن تجبره ظروف زواجه أن يلغي منها شيئًا أو يتجاهل شيء، تولى هو وزوجته أمر الترتيبات بحماس وفرحة،
ذهب يونس حاملًا الدفتر بجلبابه الأنيق غالي الثمن، وقف على بابها بنظرة متألقة زادته وسامة، أخرجت غزل جميع من في الحجرة متفهمة بفطنة فمال يونس حين خرجت عليها هامسًا بامتنان«ربنا ما يحرمني منكم يا غزولة»

ابتسمت قائلة بغمزة شقية «مبروك يا بقدونس جوازة العمر يارب»
شكرها يونس وعاد بنظراته للجالسة أمامه تفرك كفيها ببعضهما في توتر شديد ، منحها نظرة لامعة و ولج للداخل، جلس جوارها بصمت وفتح الدفتر الكبير أمامها قائلًا «جاي أمضيكي»
نظرت إليه بنظرة مهتزة مليئة بالمشاعر فابتسم بلطف وقال موضحًا «مينفعش مجيش، المرة دي هتمضي إنك تشاركيني العمر كله بحلوه ومره مش مجرد قسيمة صورية، وإنك هتكوني جنبي ومعايا»
أغرورقت عيناها بالدموع تأثرًا من كلماته فسحب كفها ولثمه وعينيه لا تحيد عنها « عايز عمرك كله ليا لوحدي يا فيروز»
شاكسته بمرح «ماشي بس أنت مش هتبعلي عمرك ولا إيه؟»
ابتسم هامسًا بهيام «من يوم ما حبيتك وأنا بايعهولك والله ونادرُه ليكي لوحدك وإن كنت ناسي أفكرك يا جميل» ختم قوله بغمزة شقية ثم تنحنح وتوقف عن مغازلتها بنظراته قائلًا بجدية وهو يُخرج ورقة من جيب جلبابه «خدي امضي على دي كمان»
أخذتها منه مستفسرة عما تحتويه فقال بحنان «ده عقد شقة تمليك مجهزة تكون عيادة ليكي في قنا»
اتسعت عيناها بدهشة وهي تقرأه للتأكد مما يقول وقبل أن تتفوه بالرفض قال «دي مهرك ومؤخرك زي ما تحبي هيتحط باسمك في البنك»
قالت بخفوت ونظرة مغرمة «يونس أنا مش عايزة حاجة دا كتير، أنا بس عيزاك أنت»

ضم كفها البارد المرتعش وهمس بدفء «لاه ده حقك ومتفكريش عشان ملكيش حد إنك مجبرة على الجوازة ،ليكي الحرية حتى لو جولتي دلوك مش عايزة أكمل ،وبرضو ليكي كل حاجة»
همست برقة ودموعها تنساب على وجنتيها «يونس أنا محظوظة بيك»
لثم كفيها هامسًا «وأنا محظوظ بالعنين الحلوة دي الي معيزهاش تبكي يا ست البنات»
أقر قوله بمسحه لدموعها بنعومة فشكرته وهي تندفع متعلقة برقبته «شكرًا إنك فحياتي ،بحبك كتير ..من غيرك مكنتش هتجاوز حاجة ولا كنت هعرف أعيش من تاني»
ربت على ظهرها بحنان ثم أبعدها هامسًا «أمي عند الباب الواكلة ناسها سايبة جوزها وجاعدة قصادنا»
ضحكت فيروز برقة، رنّ هاتفه فأجاب «أيوة يا أخوي»
همس رؤوف لاعنًا «فينك !كل دي امضه خلّص معاك العمر كله»
ضحك يونس قائلًا وهو يضم كف زوجته بحنان «حاضر جاي»
وضعت ولثم مقدمة رأسها ثم نهض ممسكًا بالدفتر مكملًا التمثيلية وخرج فاستقبلته الفرحة والزغاريد العالية
***********
في اليوم التالي
بعد انتهاء الزفاف وقف طاهر يصور لحظاتهم سويًا ليحتفظ بها وعلى باب شقة يونس صاح وهو يوجّه الهاتف ناحيتهما «يونس شيلها وادخل بيها زي الفيديوهات»

التفت له يونس قائلًا من بين أسنانه«اخفى من وشي يا طاهر»
ضحك طاهر قائلاً «لاه عايز أصور اللحظة»
سحبت غزل أخيها ووجهته ناحية الدرج قائلة «يلا يا حبيبي انزل نام كفاية»
قبّل طاهر خدها وهبط بسرعة خوفًا من نظرات رؤوف الحانقة المتوعدة
أشار بعدها رؤوف لزوجته «اطلعي يا بت يلا»
أومأت بابتسامة وصعدت للأعلى بينما انسحبت فيروز للداخل ممسكة بفستانها المنفوش، تعلقت نظرات يونس بها فأدار رؤوف رأسه ناحيته ممازحًا «مش هتطير»
تنحنح يونس بحرج فأحاط رؤوف كتفي يونس بذراعه ناصحًا «عايزك هادي وواد ناس» ثم رمقه بنصف نظرة متوجسة يعبر عنه شكه فيه «عشان أنا عارفك والله وشك وش بلاوي»
نزع ربطة عنقه قائلًا بغطرسته المعتادة «في إيه يا أخوي هو أنا صغير!»
لوى رؤوف فمه بابتسامة ساخرة قبل أن يخبره بصراحة «لا يا بابا مش صغير بس مخك بيقفل ساعات»
قال يونس بثقة مفرطة «اطمن اطمن أنا محدد هدفي ومرتب الدنيا » قرر رؤوف الانسحاب يائسًا منه«ماشي يا أبو أهداف يارب بس متجبليش الكلام»
تنحنح يونس نافخًا صدره أمامه فابتسم رؤوف وغادر تاركًا له وهو يدعو أن تمر ليلته بسلام.

صعد للأعلى مدندنًا بطرب يمني نفسه بليلة سعيدة هانئة، لن يرسم هدفه ويحدده فلديه مُخطِط بارع يعطيه الأهداف دون جهد، فغزل تتفنن في إرضائه، متجددة دائمًا حتى أوشك على إعلان إفلاسه ،فمنذ أن حُدد زفاف أخيه وهي تستعد مع العروس..
دخل فوجدها أمام الهاتف بفستانها، نظر إليها بخيبة أمل قائلًا «بت يا غزل مغيرتيش ليه؟»
قالت وهي تنزع نظراتها من على شاشة الهاتف بصعوبة قلقة من أن يفوتها شيئًا «بعدين بعدين »
هتف بغيظ «بعدين متى يخربيت أبوكي عايز آكل لقمة وأريّح شوية»
رفعت له نظرات حانقة متوعدة «أيوة كتر خيرك تعبت من الرقص»
جلس جوارها مستفسرًا «أيوة أنتِ إيه مضايقك؟»
رفعت حاجبها وهي تنظر إليه قائلة «مفيش»
هتف باستياء حين انهمكت في مطالعة الهاتف «طيب جومي يلا عايز آكل»
تأففت قائلة بعصبية «انزل لأمك تعملك عشا أنا مشغولة»
اختطف الهاتف من بين أناملها ينظر لشاشته ليعرف ما يشغلها ويأخذها منه قائلًا بتهكم «لاه مرباية! أما أشوف إيه دِه»
نظر لشاشة الهاتف ثم لها مستنكرًا «ومن متى بتسمعي ماتشات كورة؟»
أجابت بدلال لا يُخطىء هدفه وهي تغرز أناملها الرشيقة في خصلاتها الكثيفة «من زمان بس لما جيت هنا انشغلت بس خلاص بقا هرجع لكل حاجة»

اقترب منها قائلًا وهو يتأملها جيدًا بافتنان «لاه خليكي مشغولة بيا علطول مترجعيش»
أشاحت مخبئة ابتسامتها وقالت «لا»
أمسك بكفها وقبله قائلًا برقة وهو ينظر لعينيها المزينة بالكحل «طب تصدقي كنتي أحلى من العروسة النهاردة لولا الملامة مكنتش نزلتك من هنا ولا حد شافك»
قالت معاتبة له «أيوة كول بعقلي حلاوة يا متر» ثم التفتت ناحيته قائلة من بين أسنانها «مش نبهتك لا ترقص بونس ولا بغيره»
لثم خدها لائمًا «دِه فرح يونس يعني أخوي الصغير لو مفرحتلوش هو هفرح لمين؟»
قالت بحنق وهي تشيح بنظراتها متمتمة «أيوة والستات تبصلك وأتغاظ أنا»
لثم خدها مرة أخرى هامسًا «لاه متتغاظيش خليها الحريم تبص، أنا ملك لواحدة بس ومشايفش فالدنيا غيرها و كده كده مكتوب على وشي غزل، غزل وبس»
ضحكت برقة وهي تحيط عنقه بذراعيها قائلة بنظرة منزعجة «أنا برضو مكانش لازم أحب محامي وأتجوزه دا الكلام لعبته»
قربها منه ماحيًا المسافة بينهما يهمس بضحكته الخلابة « وكان يروح فين المحامي بكلامه لو مكانش في غزل الي تستاهل القاموس كله وكل حلو الكلام»
تنهدت بهيام وهي تقول مغرمة بكلماته «كده هعمل عشا أنا»

ابتسم غامزًا لها بشقاوة «لاه أنا جايبلك عشا، من كل صنف بتحبيه الليلة يا ست العرايس»
ضحكت قائلة بغنج«هو أنا عروسة ولا إيه؟»
أكدّ وهو يذوب في رقتها ودلالها «احنا مش متفقين هنحتفل بعيد جوازنا كل يوم»
تذكرت اتفاقهما قبل مصابه فلمعت عينيها بشقاوة وضحكت برقة عازفة على أوتار قلبه النابض تحت كفها اللحظة فهمس قبل أن يُغيّب بسحرها الأخاذ ونظراتها تمنيه بالكثير «على بركة الله يا غزولة»
بالأسفل دخل يونس باحثًا عنها حتى وجدها فوق الفِراش جالسة، تعلقت نظراتها به فابتسم بحنان أذاب خوفها وقلقها ورهبتها في ثواني وكلما اقترب منها وتملكتها الهواجس ذكرت نفسها بأن هذا يونس الحنون الدافيء لم تدر أنها نطقتها بصوتٍ مسموع إلا حين أجابها بمكر «أيوة أنا يونس برافو اجعدي بجا جوليها طول الليل»
ابتلعت ريقها وهمست بتوتر «هما كلهم مشيو؟»
سخر من سؤالها قائلًا وهو يقربها من صدره «لاه هيبيتوا معانا»
همست ونظراتها تتوزع في الحجرة «يونس…
قاطعها قائلًا «مكانش فيه فجمالك النهاردة والله»
تبخر توترها وابتسمت مستفسرة بوداعة «صحيح يا يونس؟»
همست وهي تداعب ياقة قميصه بأناملها « وأنت كمان»
استفسر بخبث محاولًا الهائها بالحديث عن خوفها «وأنا إيه؟»

همست بخجل«كنت خطير بالجلابية والبدلة كمان»
ارتفعت أنامله لنزع طرحتها فانتفضت مبتعدة تقول بغباء «يونس أنت مش قولتلي إني حرة ولو مش عايزة أكمل عادي»
شملها بنظرة هادئة وابتسامة تعلقت بزوايا فمه وهو يؤكد بمتعة «أيوة»
ابتلعت ريقها قائلة بحماقة «أوكية أنا رجعت فكلامي يلا بقا امشي»
استدار بعدما قال بصبر مستمتعًا بتوترها وخجلها «ماشي»
همست مستوقفة إياه بخجل «يونس»
استدار ملتفتًا لها فاعترفت بهزيمة «أنا خايفة وقلقانة يا هندسة»
ابتسم متفهمًا قولها فقال بحنان يصرف تفكيرها «حتى دي أنتِ حرة فيها يا ست البنات»
تحولت ابتسامتها لضحكة قصيرة فقال برضا «تاكلي؟ أنا جعان جوي»
تعلقت برقبته معترفة له بصدق «أنا بحبك أوي يا هندسة»
ضمها بكلتا ذراعيه مبتسمًا سعيدًا بتحررها من قيود خوفها يهمس لها باعترافه وهو يبدأ أول يومٍ في حياتهما الزوجية«مش أكتر مني والله»
*************
رن هاتف رؤوف فانتفض مُجيبًا بقلق وهو يترك الفِراش «في إيه يا أما أنتو بخير؟»
سألته بقلق «مطمنتش على يونس؟ هو مكلمكش؟»

سألها وهو يخرج من حجرة النوم لتترتب أفكاره ويخرج من هالة المشاعر المحيطة به وطاقتها «لاه مكلمنيش ماله خير؟»
قالت بانشغال واضح «مالوش يا ولدي بس بطمن، رنّ عليه»
هتف رافضًا الفكرة «لاه مهرنش اطمني ونامي»
رفضت قوله بانزعاج «لاه إن مرنيتش هروح أنا لشقته»
هتف رؤوف ساخرًا «نامي يا نجاة الله يهديكي وارتاحي، بطلي شغل الحموات دِه الله يصلح حالك»
كتمت غزل ضحكاتها بباطن كفها بينما هتف عدنان «جبتي لنفسك الكلام نامي هو ولدك صغير! اشحال لو مكنتيش مسكاه معاها مية مرة»
نهرته نجاة بغلظة «نام يا ناظر سيبني أنا مع عيالي»
ابتسم رؤوف قائلًا «سيبي عيالك واطمني وقولي يا صبح يا نجاة»
هتفت معاتبة تشتكيه لوالده «سامع ولدك وقلة ربايته»
نظر عدنان لساعة الحائط هاتفًا وهو يغطي وجهه بالدثار «في حد يكلم حد دلوك »
حذرها رؤوف بجدية«الفجر هيدن دلوك إياكي تطلعي ليونس يا أما الصبح وتقولي الوكل والصباحية عارفك أنا سبيه ومتشغليش بالك العروسة من بحري ومتعرفش الحاجات دي»
تظاهرت بالبكاء وهي تعاتبه «برضو كده يا حامد؟»
هتف رؤوف باندهاش من مكرها «واه اتعلمتي ده كله متى يا نجاة والله شكلها أيام مفيتاش لاه بجولك إيه من أولها كده ابعدي عن غزل أنا مناجصش وجع راس»

نهضت غزل مرتدية مئزرها متجهة ناحيته بحنق، ضربته قائلة «قصدك إيه؟»
التفت موضحًا ببراءة كاذبة «ولا حاجة بس نجاة قلبت عليكم استعدي»
قالت بخبث مسرفة في الدلال «حماتي تعمل الي عيزاه دي أم حبيبي»
ابتلع رؤوف ريقه من رقتها وهتف «نامي يا أما الله يصلح حالك وحالي» أنهى الاتصال ثم أغلق الهاتف وألقاه بعيدًا،أحاط كتفي زوجته بذراعه وعاد به للتخت قائلًا «كنا بنقول إيه يا غزولة قبل أمي ما ترن»
*******
بعد مرور ثلاثة أشهر
سألها وهو ينظر إليها عبر المرآة بينما يفرّش أسنانه«غزل مالك فيكي حاجة؟»
جلست بأنفاس متقطعة، استراحت قليلًا ثم أجابته «لا مفيش بس مش عارفة يا رؤوف عندي مغص خفيف»
انهى ما يفعل بسرعة وتحرك ليجلس جوارها، مسح جبهتها برقة وحنان قائلًا وهو يتأمل انقباض ملامحها بالألم «سلامتك يا حبيبتي»
أراحت رأسها على حافة المقعد وأغمضت عينيها شاردة وهي تفرد كفها على بطنها ترصد ضربات الصغيرة وتتبعها«هجوم اعملك أكل»
أمسكت بذراعه رافضة مغادرته تكرمش وجهها بالنفور«لا مش عايزة خليك بس جنبي ومتبعدش»

مسح جبهتها بحنو قائلًا وهو يلثمها برقة «مش هبعد يا بابا»
قالت وهي تغمض عينيها «رؤوف بليز متطلعش النهاردة خليك معايا»
لثم خدها برقة فابتسمت برضا، سحبها للحجرة قائلاً «خليكي نايمة لغاية ما نشوف لو شد التعب نروح للدكتورة»
تسطحت فوق التخت برفق وعناية فدثرها وجلس جوارها يمسح على رأسها بصمت، كلما زادت دفقة الألم في جسدها تلوت متأوهة وهي تعض شفتيها بقوة محاولة التماسك أمام تلك الضربات التي تزداد وتيرتها، ضغطت كفه الممسك بكفها تكتم وجعها بأنفاس محبوسة فقال بخوف جلي «غزل كده مش هينفع جومي البسي نروح للدكتورة»
قالت بصوت حبسه الألم «رؤوف الدكتورة بتقول طبيعي وطنط بتقول البيبي الأولاني كدا»
قال بتوتر شديد وهو يراقب تفصد العرق على جبهتها وانقباض ملامحها بالألم «لاه نروح ونشوف مورناش حاجة بس متتوجعيش كده وأفضل ساكت»
اعتدلت جالسة تحبس أنفاسها داخل صدرها ثم تطلقها متأوهة، ساعدها على النهوض برفق فوقفت مكانها مرتعشة، سألها بحنان «إيه وقفتي ليه؟»
أمسكت بكفه وتعكزت عليها قائلة بنظرة مهتزة «رؤوف في حاجة بتنزل مني شكلي بولد فعلا» ارتجفت بخوف وقلق فضمها لصدره مطمئنًا داعيًا «متخافيش بردًا وسلامًا يا بابا»

لم تفصح له عن خوفها الشديد ولا رهبتها من الأمر، احتفظت بمرارة الأفكار وعلقمها في جوفها، لكنه يعرفها حق المعرفة ويشعر بها كما لو كانت قطعة منه، روحًا تسللت لتجاور روحه طوال العمر، اكتفت بتوسل خافت وهي تجاهد لنزع خطواتها «رؤوف متسبنيش خالص»
طمأنها بابتسامته الدافئة وحنانه الوفير «لاه مش هيحصل»
حركها ناحية المرحاض لمساعدتها في تبديل ملابسها والاستعداد للذهاب.. وبعد مرور مدة هبطا الدرج ببطء، استقبلتهما نجاة بالسؤال «على فين دلوك؟»
أجابها «غزل تعبانة يمكن تكون بتولد هروح بيها للدكتورة»
هتفت نجاة مطمئنة له «دي بكرية وهتاخد وجت لسه يا ولدي ولا تروح ولا تاجي»
هتف بحدة «مجادرش أشوفها كده هروح بيها والدكتورة تجول ولو حكمت هخليها تفتحلها »
ضحكت نجاة وهي تنظر لخوفه وقلقه الذي يضاهي خوف زوجته، ينظر إليها كل دقيقة بفزع وترقب فتبتسم هي في وجهه ليطمئن .. لكن هيهات كلما رآها تغض شفتيها كاتمة عنه تعبها تنقبض معدته وتنكمش بألم لا حد له.
أوقفته نجاة «استنى هاجي معاك»
قال بلا مبالاة «لاه خليكي لو في حاجة هكلمكم تيجوا وتجيبوا الحاجة»
رحل بها وطوال المسافة كان يتابعها بنظراته يقسّم انتباهه عليها والطريق بقلق، تأوهت تلك المرة بصوت مسموع أرجف قلبه فمسح جبهتها قائلًا «بردًا وسلامًا يا بابا قربنا خلاص»

بنفس القوة والتحامل تركت دموعها تنساب على خديها دون صوت مما جعله يرتبك ويهتف بشفقة «هانت خلاص»
أوقف السيارة حين وصل وساعدها على الترجل، تحركت ببطء شديد ومعاناة فحملها بين ذراعيه وسار بها ملهوفًا للاطمئنان عليها وإيقاف تألمها ودموعها التي تنزف داخل قلبه هو.
حين دخل العيادة حاملًا لها يصرخ بالممرضات المشدوهات بفعله «فين الدكتورة؟»
تطوعت واحدة بالرد «معاها كشف»
سأل وهو ينظر لزوجته المختبئة بصدره «الأوضة دي فيها حد؟»
أجابت بابتسامة باردة «لا»
فدفع باب الحجرة بقدمه ودخلها، وضعها فوق الفِراش ثم أضاء الحجرة وأغلق الباب، قالت غزل بخفوت «عاجبك كده هيقعدوا شهر يحكوا فالي شال مراته»
ابتسم قائلًا وهو يمسك بكفها «اصبري بس شكلي هكسرها على دماغهم وبكده يبجى الحدث حدثين»
كتمت ضحكتها وهي تضع كفها فوق بطنها من شدة وتيرة الألم، دخلت الممرضة الحجرة فجأة فرفع رأسه هاتفًا «مش تستأذني»
ابتسمت بنفس البرود والسماجة وقالت ببطء مغيظ «دي عيادة مش بيتكم»
نظر لزوجته بحنان قبل أن ينظر إليها بنظرة متحولة بالغضب، راق للممرضة غضبه فتأملته بوقاحة قبل أن تقترب منه قائلة بتلكؤ «عايزة أقيسلها الضغط»

ابتعد منتفضًا حين اقتربت دون أن تمهله فرصة للنهوض، استغفر بصوت مسموع فحوّلت نظراتها إليه بضحكة ونظرة وقحة، لاحظت غزل مايحدث فانتفضت صارخة بتأوه عالي «عايزة أمشي»
هتفت الممرضة ببرود «اهدي يا مدام»
دفعتها غزل بقوة واعتدلت غير عابئة بالألم تصرخ منفّسة عن الألم والغضب معًا «مشيني من هنا»
هتف للممرضة «اوعي خليني أخدها»
رفعت الممرضة حاجبها بصلف فهتف بحنق «بجولك غوري»
بنفس البرود قالت وهي تُنقل العلك داخل فمها«أنت قليل الأدب أنت ومراتك»
سحق غضبه بالصبر وابتسم قائلًا بنفس برودها «أنا وماشي مرتي ليه؟» قال بنظرة متوعدة وهو يعض باطن شفتيه «لولا إنك ست كنت رديت عليكي»
صرخت غزل حين احتد النقاش «رؤوف يلا»
هتفت الممرضة بنظرة تقييمية جريئة «أنت داخل علينا وعامل فيها ممثل تركي»
نظرت لها غزل بغيظ ثم صرخت بقوة فانتفض وعاد يحملها من جديد، راقبته الممرضة وبعض الممرضات اللاتي استمتعن بالعرض المذهل… خرجت الطبيبة مستفسرة «في إيه؟»
خرج رؤوف بصمت لم يعر سؤالها انتباهًا وواصل حتى سيارته، وضعها في المقعد ودار حول السيارة ليجاورها قائلاً «مكنتش طايجها الدكتورة دي أساسًا»
سألته غزل بصوت أقرب للصياح «هنروح فين أنا تعبانة كان لازم تعمل مشاكل»

قال بحنق «أنا برضو الي صرخت وجولت أمشي»
امتزجت كلماتها بالصياح «مستفزة وبتبصلك بطريقة وحشة»
ضحك مغيظًا لها «كنتي سبتيها تبص واولدي»
جذبت علبة المحارم الورقية وضربته بها صارخة في وجهه فأدار محرك السيارة قائلًا «والله ما تولدي إلا فأحسن مستشفى خاص فيكي يا قنا»
سألته وهي تكتم أنفاسها مع دفعات الألم «ولو كان دكتور؟»
أجابها وهو ينظر للطريق بانتباه «هاخدك تولدك أمي أو أولدك أنا خدوني قبل كده أولد بقرة عندنا أظن نفس الشيء»
أمسكت بذراعه وعضته صارخة فهتف بغضب «يسد بيت أبوكي بجرة»
******
بعد مرور ساعة وقف منتظرًا بالخارج في قلق وخوف، يدعو الله بقلبٍ مرتجف حين أخبرته الطبيبة أنها ولادة وقد تتأخر، هاتف أخويه ووالدته وأخبرهم بمستجدات الأمر فأتوا جميعًا مهرولين، أحاطوه باهتمامهم ودفئهم، لكنه ظل مشغولًا، يكتم عنهم خوفه وقلقه بكثرة الذكر والانشغال عن الحديث بالتحرك حولهم.. حتى قرر الرحيل وتركهم حين رفضت الطبيبة دخوله فتراجع عن غضبه وثورته في وجهها،تبسمت نجاة بحنانٍ وشفقة تتأمل انفعاله المكتوم وسيطرته المحكمة على مشاعره التي تخذلها النظرات فتنبثق متوهجة توشي بما داخله من خوف وقلق، لم يكن رؤوف العنيد صاحب السطوة بل رأته صبيًا متمردًا يكتم انفعاله الصبياني وغضبه، نظراته تدفع باب الحجرة بقدم صدقها وتعبر للداخل دون حواجز، عاطفته تشع نورًا، دار نصف دورة حول نفسه بضياع استجلب تعاطفهم فمدت نجاة كفها لكتفه تعيد له بثقل عاطفتها التوازن، لكن مركز الجاذبية في الحجرة لا فكف نجاة، نظر إليها وهو يبتلع ريقه بتوتر وقف أمام الحجرة هاربًا بعيدًا من رصد نظراتهم

كلما تذكرها ارتجف بخوف لا حدود له حيث كانت هي حدود عالمه، دنياه التي عاد إليها من جديد
ناوشته الفرحة بقدوم آسيا فابتسم ،
الحلم الذي عانق خياله أعوام طويلة من الصبر على وشك التحقق الآن، سيمسك بين كفيه أمنيته المؤجلة بعد أن تحققت، سيصبح أبًا حقيقيًا لا ظلًا لراحل ولا خيال مآتة لصغار فقدوا آبائهم فقرر هو الوقوف بدلًا منهم ليطرد غربان الألم والفقد عن حياتهم.. مسح عينيه من الدموع التي قطرت فرحةً وهو يتنفس بقوة، رغمًا عنه صادت أفكاره الخوف.. تذكر كتمانها حاجتها لوالدتها ونظراتها الباكية وهمسات خافقها بأنها وحيدة، تحتاج أمًا تحتضنها فلعب دور الأم ببراعة ليلهيها عن مشاعر الفقد، بذل جهده وما في وسعه لتطمئن.
ذكر الله واستغفره، دعا كثيرًا ثم تحرّك لمعتزلًا العالم في مصلى المشفى الصغير الذي يتوافد عليه العاملين.. صلى ركعتي حاجة وسجد داعيًا بخشوع ثم جلس محتضنًا آماله.
بعد مرور ساعة رنّ هاتفه فنهض محترمًا المكان مقدسًا له، خرج ليُجيب رغم خلوّه من المصلين، أجاب فورًا وهو يرتدي حذائه «أيوة يا طاهر»
بصوت صاخب بالفرحة هتف طاهر«تعالى خلاص غزل بتولد محدش هيمسك آسيا غيرك»
ابتسم بانفعال واضح وركض بلهفة مقدرًا لطاهر فعلته .. ما إن وصل حتى وجد الممرضة تخرج حاملة لها، توقف الجميع عن التقدم ناظرين للصغيرة ببهجة، تتدلى قلوبهم من النظرة المغرورقة بالدمع إليها، جاء راكضًا يلتقط أنفاسه بصعوبة وقف أمامها يحدق فيها بأعين متسعة وهو يرتجف، انتظرت الممرضة بصبر مستمتعة برد الفعل العفوي والمثير..

ربت يونس على كتفه مشجعًا بفرحة ظهرت في دموع عينيه «يلا كبرلها»
اقتربت الممرضة ووضعتها أمامه بحذر فتلقفها بين ذراعيه وضمها بقوة لصدره ثم جلس منهكًا كأنه سار لأعوام، أغمض عينيه يستنشق رائحتها ثم فتحهما على وجهها الصغير المنمنم هامسًا ودمع عينيه يقبلها بجود «آسياااا»
قالها بنبرة ارتياح وشعور بالرضا والطمأنينة، ثم قبلها بشفتيه وتنهيدة وصول رائعة، بعدها امتزج ضحكه بدموع عينيه كفرشاة رسمت صورة رائعة التقطها طاهر فورًا محتفظًا بها كذكرى فحدث كهذا لا يفوّت.
اقتربت نجاة وقبلت رأسه مباركة لكن عيناه لا ترى سوى الصغيرة ولا تنظر لسواها، في عالمه الخاص مع أمنيته وما أجمل أن يحمل الإنسان أمنيته بين كفيه كما حملها القلب.
التفوا جميعًا حوله مداعبين الصغيرة يمسكون بكفها الصغير ، بعدها منحها ليونس المتلهف لحملها هو وطاهر وتتبع الممرضة لحجرة زوجته، ابتسم ابتسامة عريضة حين انتقتها نظراته من وسط الحجرة، بادلته تحية المحبة بأخرى ذابلة فقطع المسافة بينهما بخطوتين ثم انحنى يقبل رأسها مباركًا «حمدالله على سلامتك»
تنهدت برضا واسترخاء قبل أن تسأله«فينها ملحقتش أشوفها، شبهك ولا شبهي..؟»
سحب الكرسي وجلس ضامًا كفها بكف والأخرى مسح بها على رأسها هامسًا «سمرا زي أبوها وعنيها حلوة زي أمها»

ركنت كل قوله جانبًا ورفعت نظراتها هامسةً «مبسوط؟»
تأكد من خروج الممرضات وانحنى أمام شفتيها يهمس «حققتيلي حلم مكنتش أتخيل هيتحقق تفتكري هكون إيه؟»
دفن وجهه بين عنقها وكتفها هامسًا «ربنا يخليكي ليا وميحرمنيش منك أبدًا شكرًا يا غزل على كل حاجة»
ضربته بخفة على كتفه تعاتبه على قوله «قوم بلا شكرًا هات بنتنا يلا»
رفع رأسه، منحها عينيه الدافئه بحرارة الدموع فرفعت كفها هامسةً وهي تمسح دموع عينيه المنفلتة دون أن تحرجه بدهشتها بل تقبلتها كهدية من الثقة والطمأنينة، فعلها داخل أحضانها للمرة الثانية وهذا أجمل ما قد تشعر به، أن تكون سكنه وطمأنينة قلبه، في حضرتها يتحرر ويتوحدا كروح واحدة، همست بشقاوة «عدّ شهرين يا حمودي بإذن الله وأجبلك تاني»
ابتسم هامسًا بصوت مبحوح «ليه أرنبه؟»
هزت رأسها هامسةً بدلال «أيوة أرنبة يا سيدي»
مازحها برقة وهو يلثم شفتيها بنعومة «قوليلي بجا يا سي رؤوف»
أحاطت عنقه بذراعيها قائلة بدلال «سي رؤوف مبروك»
ضحك قبل أن يبتعد عنها ويفتح الباب الذي طُرق للتو، دخل طاهر حاملًا الصغيرة وخلفه الجميع مهنئين.. جلس طاهر جوارها وعلى الناحية الأخرى رؤوف

هتف يونس «شبهي يا غزل للدرجة دي أنا حلو»
لثمت غزل جبهتها بنعومة وهي تنظر إليها فقالت نجاة «دي شبه رؤوف الخالق الناطق حتة منه سبحان الله»
ابتهجت غزل وتأملتها بتدقيق لتتأكد فقال يونس وهو يقف جوار طاهر متأملًا الصغيرة «ودي عملتوها كيف دي؟»
نظرت نجاة لابنها قائلة بتأكيد«بيجولو كُتر محبة والعشقانة لجوزها تجيب العيّل شبهه»
توردت غزل خجلًا بينما تنحنح رؤوف بحرج، عاد يونس لفيروز محذرًا «سامعة عشان لو مجبتيش عيل شبهي مش هيحصل كويس»
ضحك الجميع ثم توقفت نجاة مستفسرة «يلا عشان جدتك وعمتك مستنينا»
رفعت غزل نظراتها لرؤوف متمنية أن يقرأ في عينيها رغبتها ويفهم ما تريد قوله، نظر إليها مبتسمًا ثم أجاب والدته «هاخد غزل ونجعدوا عند خالتي»
استنكرت نجاة قوله «كيف يا ولدي مرتك نَفَسة عايزة خدمة ومراعية»
مسح على رأس زوجته ثم قبلها قائلًا «عارف ومحدش هيخدمها غيري ولا يسهر مع بتي غيري»
عارضته نجاة ببعض الضيق الذي تسرب لملامحها«مينفعش كيف دِه؟ أنت هتعمل إيه ولا ايه؟»
هتف رؤوف بإصرار «لاه أنا هفضيلها نفسي»
جادلته نجاة بعدم رضا «يا ولدي البيت هناك…»

قاطعها رؤوف مشاكسًا «هتسكتي يا نجاة ولا أحلف طلاق إنها هتروح معاي»
زجرته بنظراتها قبل أن تشيح ضائقة، تقدم عدنان قائلًا إنهاءً للجدل«هاتو حفيدتي أشيلها»
******
في الصباح عاد بها للمنزل الذي أعده مسبقًا لمجيئها ،استقبلوها بالمحبة والرضا، ساعدها على التسطح فوق الفراش ثم خرج حاملًا صغيرته وضعها بين كفي خالته قائلًا «خدي يا خالها باركيها»
ضمتها تماضر بلهفة شديدة لا تصدق ،تشممتها برضا قبل أن تنفجر في البكاء.. قبّل رؤوف رأسها وانتظر يربت عليها بحنان حتى هدأت تركها بين يديها بصحبة قاسم وعاد لزوجته سائلًا بحنان «غزولة نفسها تاكل إيه؟» فتح النافذة ثم اقترب منها مقترحًا بمرح «أمي جالت لازملك فروجة بلدي تنزل فبطنك مكان آسيا» أحاطته بذراعيها حين اقترب، ضمته واضعة رأسها على بطنه تهمس «مبسوطة إني قدرت أكون سبب ففرحتكم دي»
أبعدها قائلًا بحنان «فكّري معاي يلا هتاكلي ايه؟أنتِ بترضعي ومحتاجة غذا »
نادته تماضر من الخارج قائلة «أختك أم جمال طبخت ومستنياك تروح تاخده»
تركها وخرج معاتبًا «تعبتيها ليه بس؟»
ابتسمت متمنية «والله يا ولدي لولا قضا ربنا فعنيا كنت خدمتها أنا و وكلتها بيدي ومحدش نفسها ولا شالها غيري»

ابتسم داعيا بصدق«ربنا يخليكي لينا» ثم نظر لابنته التي نامت بحجرها قائلاً بضحكة راضية «آسيا نامت فحجرك زي أبوها خليها بجا معاكي»
عاد لزوجته وتسطح جوارها متثائبًا فقالت بحنان ومراعاة «نام يا حمودي سهرت الليلة الي فاتت»
رفع الغطاء على وجهه وهو يفرد ذراعه مستدعيًا لها بنظراته الشقية، تمددت واضعة رأسها على صدره بطمأنينة.
سألته «رؤوف عرفت منين إني عايزة آجي هنا ومحدش يساعدني غيرك؟»
ابتسم قائلًا بثقة وهو يغمض عينيه «لما أنا معرفش مرتي وحبيبتي عايزة إيه وإيه يرضيها مين هيعرف جدتي؟»
ضحكت قائلة «ماشي يا حمودي»
سمع صوت صغيرته بالخارج فانتفض راميًا الدثار وخرج مُلبيًا ندائها المزعج ،حملها وعاد بها لوالدتها التي تعجبت من انتفاضته وزوال تعبه فجأة حين بكت، ضمت الصغيرة سبابته بأناملها فضحك بمتعة ورضا «مسكت ايدي يا غزل» قالها منبهرًا بفعلتها البريئة العفوية فضحكت غزل مستمتعة بما تراه منه،ثم جلس جوار زوجته يداعبانِ الصغيرة بمحبة.
في منتصف الليل استيقظت وجدت قاسم جوارها كما كان فدثرته وهبطت مفتشة عن الصغيرة ووالدها، دثرت نفسها بشاله ثم احنت رأسها مستنشقة رائحته بانتعاش قبل أن تخرج باحثة عنه، وجدته يجلس فوق السجادة ساندًا ظهره للحائط، حاملًا بين ذراعيه صغيرته يتمتم لها بالكثير المصحوب بابتسامة رائقة وهو يترك لها سبابته فتضمها بأناملها الصغيرة، رفع نظراته فوجد زوجته في انتظاره سألها بحنو «صحيتي ليه عايزة حاجة؟»

ضمت جسدها بذراعيها قائلة بغيرة «عيزاك زي آسيا»
استفسر بمكر «من بدري واقفة؟»
أجابته دون أن تقطع المسافة بينهما بخطوة «أيوة وأنت محستش بيا»
قال وهو ينظر لصغيرته بمحبة «كنت بصلي وهي صحيت جبتها وجيت عشان متصحكيش»
بينما هي تسير ببطء منشغلة بما في عقلها عنه همست «وخداك مني آسيا»شعر بالذنب تجاهها واللوم، سهم نظرات الغيرة الطائش دخل في عمق القلب العاشق، فنهض ووضع صغيرته فوق التخت وغطاها جيدًا ثم استقبلها هي داخل أحضانه، عاد للجلوس وهي بين ذراعيه متدفئة، نظر لعينيها التي تغزوها العتاب هامسًا «سماح يا غزولة بس والله مكانك فالقلب ما حد ياخده»
ابتسمت هامسةً وهي تنظر لعينيه بإشراق بينما تضع كفها على خده «بحبك يا حمودي وبحب الصدفة الي جمعتنا»
لثم شفتيها برقة قائلًا «بحبك يا غزولة كانت أحلى صدفة» ضحكت الصغيرة فاشرأبت أعناقهم ناحيتها بلهفة قبل أن يعودان محملين بضحكاتهم.
*******
بعد مرور شهرين.
وقفا عند رأسه يتشاجران كالديكة، تأفف بضيق منهما قبل أن يهتف بعصبية «متتكلموش مع بعض مش فاهم»
نظرت صفوة لطاهر بتأنيب فزفر بحنق وصمت مشيرًا لها أن تبدأ هي، ابتسمت بحماس وقالت بوداعة«أبيه القضية دي أنا شغالة عليها وعايزة أكملها بليز»

ابتسم رؤوف بخشونة وهو يستمع لها باهتمام متذكرًا كيف أخذت علاقتهما منحنى آخر وكيف باتت صفوة أخته المدللة وصديقته المخلصة و ابنته العطوفة، صحى من شروده على تهكم طاهر «أيوة بعد البوجين دول هيقولك خديها»
هتفت باستنكار «قصدك إيه يا أستاذ!»
ابتسم رؤوف لجرأة صفوة مؤخرًا ونهض موقفًا الشجار في بدايته «بس بس»
قال طاهر بغطرسة «أنا أحق منك بيها أنتِ أصلا أخرك القضايا الخفيفة وياريت تكسبيها»
تمتمت صفوة وهي ترمقه باستخفاف «مغرور»
هتف طاهر في هجوم «سمعيني لو جدعة»
اكتسبت الشجاعة من وجود رؤوف جوارها ودعمه فقالت بجرأة «بقول مغرور»
فغر طاهر فمه ذهولًا ثم هتف مشهدًا رؤوف عليها«سامع»
ضحك رؤوف قائلًا بمؤازرة «مكدبتش يا ديك البراري أنت مغرور زي واد خالك»
ضحكت صفوة معلقة على الكلمة لتغيظه وهي تنظر إليه «ديك البراري»
نظر إليها من علو قائلًا «بيجولك زي واد خاله يعني زيه»
تدخلت غزل قائلة «مين الي قال جوزي مغرور»
رفع رؤوف حاجبه منتظرًا قولها الذي يعرفه رغم تلاعبها، قالت صفوة «هو»
ابتسمت غزل قائلة وهي تنظر لزوجها بمغزى «الاعتراف بالحق فضيلة طول عمره حبيبي حقاني»

هرش رؤوف ذقنه بصمت مُفكرًا في الرد بهدوء، دافع طاهر عنه «دي ثقة أنتِ الي حمارة»
قالت غزل مشاكسة زوجها بنظرة متحدية «لا مغرور أنا عرفاه»
نهض رؤوف بنفس الصمت سار قليلًا ثم وقف قائلًا بمكر «متجوزك لازم أبجا مغرور حقي يا غزولة»
هتف طاهر بإعجاب «واه اديله يا متر»
نظر إليه رؤوف مقررًا بابتسامة «الجضية لصفوة ومش عايز رغي»
صاح طاهر باعتراض بينما صفقت صفوة وقفزت بحماس ناحية رؤوف تشكره «شكرًا يا ابن عمي ربنا يخليك ليا»
ابتسم قائلًا وهو ينظر إليه بابتسامة رقيقة «فالخدمة يا فراشة الحفناوية أنتِ بس تؤمري»
رفع نظراته لزوجته فوجد الغيرة تتراقص في عينيها رغمًا عن إرادتها الجامحة في كبت مشاعرها ، مدّ ذراعه داعيًا بشقاوة «تعالي يا مرت المغرور عايزك»
هرولت ناحيته بلهفة، تعلقت كفها بكفه فسحبها للخارج.
أخرجت صفوة لسانها لطاهر مغيظة له «خدتها برضو»
صاح طاهر بغيظ وهو يمسك بوسادة خفيفة ويرميها بها فتخرج ضاحكة.
**********
في المساء سألته غزل بعصبية وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها متحفزة تطالعهما بغيظ يجوب طرقات عقلها الآن من أفعالهما «كنتو فين؟»

أجابها الصغير بابتسامة لطيفة يهادن غيظها «بنتمشى»
تأففت قبل أن تستفسر وهي تتابع بنظراتها زوجها حتى لا يهرب من قيدها «ضربتوا حد؟ كسرتوا حاجة ؟ عملتوا أي مصيبة؟»
كتم زوجها ضحكاته وصمت يتابع كتلميذ نجيب، منتظرًا انتهاء فقرة الأسئلة، أجابها الصغير «لاه معملناش حاجة يا أما »
فغرت فمها مستنكرة قوله، فضربه زوجها على مؤخرة رأسه مصححًا بغمزة «جولها ماما متجبلناش الكلام هي شايطة خلقه»
دبدبت بقدميها مصدرة نفسًا مرتفع فرفع زوجها ذراعيه مبرئًا نفسه يدّعي البراءة «مضربناش حد، مكسرناش حاجة، معملناش مشاكل..»
ضرب طفله مشجعًا له ونظراته تهبط فوق وجهها الصبوح «جول يا ولدي النشيد المحفور على جدران المعابد بتاع أمك وخلصنا»
ضحك الصغير وقال يردد ما حفظه
«لن أضرب، لن أقتل، لن أتشاجر،لن أُنادي أما»
لكزه وأضاف بنظرة هائمة عاشقة تطوف على ملامحها بتأني « لن أتركها،لن أطمئن لغيرها،لن أعشق سواها »
خبأت ابتسامتها وحافظت على ثباتها من بعثرة كلماته وقالت مشيرة لهما «يلا غيروا هدومكم واغسلوا ايديكم علشان العشا»
حين اختفت من أمامهما انحنى وسأل صغيرة بصوت خافت«قالك ايه واد المركوب زعلك كِده؟»

أجابه الصغير بضيق وضجر شديد وتوعد حفّ نظراته الشاردة«قالي أمك حلوة»
انتصب حين رآها قادمة تحذره بنظراتها قائلاً
«عادي ما هي أمك حلوة مكدبش والله، سيبك منه وقوله الله يسامحك»
استحسنت القول وألقت إليه قبلة في الهواء تلقفها بزهر ابتساماته، وبراءة نظرات كاذبة، وحين غادرت انحنى وهمس «تنزل تكسره وترجعلي»
سحب من الدرج لاصق وقلم سبورة ومنحه له قائلًا «وده تحطه على بوقه وتكتب فوقه قرف»
أخذهما الصغير ببهجة، فربت على كتفه مشجعًا «يلا يا واد قال ربنا يسامحه فكرانا حريم أمك»
اتجه ناحية المطبخ يسأل بنحنحة«غزولة عملالنا إيه؟»
ابتسمت قائلة بحماس «كل الأكل الي بتحبه يا حبيبي»
سألها باهتمام وهو يساعدها في سكب الطعام «فين آسيا؟»
أجابته «صفوة خدتها تقعد معاها شوية»
هز رأسه باستحسان قائلًا بصوت ظنه خافتًا «زين جوي ياريت طاهر ياخد قاسم كمان»
نظرت إليه بنظرة معاتبة فقال بعصبية «بتبصيلي ليه مش النهاردة الخميس والمفروض نفتح التلفزيون ولا إيه؟»
قهقهت قائلة «صح بس يمكن مينفعش التلفزيون يا أوفة»

نظر إليها مستنكرًا قولها «ليه إن شاء الله ما أنا مكمل الأسبوع اهو من غير ما اضرب حد»
قهقهت مجددًا واقتربت لتوضح السبب لكن دخول قاسم بملابس مبعثرة جذب انتباهها فتوقفت قائلة «قاسم ادخل ظبط هدومك وشعرك يلا» تحرّك الصغير بعدما غمز لوالده بانتهاء المهمة فابتسم رؤوف برضا قبل أن يسألها بعدم صبر محذرًا «ها يا غزولة ولا اطلع أروح لأصحابي» قالت بحزم «لما ناكل نتكلم يلا اغسل ايدك وتعالى أكون جهزت»
غادر متأففًا لاعنًا داعيًا على والدها.
بعد أن خلد صغارهما للنوم جاورها حيث تجلس وأحاطها بذراعه مقترحًا بنظرة شغوفه
«بقولك ايه»
أجابته دون أن تفقد تركيزها أو تحيد بنظرها عن الهاتف
«قول»
أجابها باختصار وهو يزيح خصلاتها عن جانب وجهها
«آسيا كبرت»
أجابته بانشغال تام وهي تضع حبات الفشار داخل فمها
«أيوة واخدة بالي»
سألها بمكر وهو يمسد خدها بأنامله
«طب ايه»
نظرت إليه أخيرًا مقترحة ببعض الغباء المتعمد «هنشتريلها هدوم»
تأفف منزعجًا منها اللحظة

«فتحي مخك»
أجابته ببساطة وهي تعتدل بعدما أطفأت الهاتف مانحة له اهتمامها وانتباهها الكامل
«أيوة فتحته آسيا كبرت عايز ايه؟»
أجاب بنفاذ صبر «عايزلها أخوات»
استخدمت اجابته الدائمة لها تلك المرة وهي تبتسم برقة«قول يارب يا متر»
قالها بتضرع وخشوع ثم سألها بجدية
«يارب بس عندك الاستعداد ولا لاه»
صمتت مفكرة في طلبه قليلًا ثم قالت بجدية
«والله رغم إن الموضوع صعب بس ولا يهمك يا أبو آسيا»
قبّل خدها مبتسمًا بفرحة
«متحرمش يا غزولة»
منحته شيئًا قائلة وهي تتأمل ملامحه باهتمام شديد مدونة تفاصيل اللحظة في عقلها«خد بقا»
تناوله مقلبًا له تحت نظراته المستفهمة
«ايه ده؟»
أجابته ببساطة شديدة وهي تنهض واقفة
«حققتلك حلمك»
سألها بسخرية وهو يوازيها وقوفًا
«بسرعة كده»
هزت كتفها قائلة بدلال ورقة
«آمال أنت تؤمر يا أوفة»
هتف من بين أسنانه بغيظ شديد
«بتتريقي؟»

تحركت ناحية المطيخ تقول بضحكة ناعمة
«لا والله أمال شرطتين ازاي؟»
وقفت أمام المبرد مفتشة فيه فوقف جوارها يسأل بذهول «غزل أنتِ حامل؟»
أجابته وهي تستند على باب الثلاجة بساعديها تنظر إليه
«أيوة يا روحي الحمدلله»
سألها بضحكة بترها الذهول
«ومقولتيش ليه يا بت؟»
أجابته وهي تغلق باب الثلاجة وتتحرك ناحية الفرن الصغير
«قولت لما اطمن واتأكد و يمكن آسيا وأمها زهقوك»
وقف خلفها محيطًا خصرها بذراعيه يقربها منه هامسًا
«مش عارف أقولك ايه قبل ما بطلب الحاجة بتكون عندي ومعايا»
أجابته بمزاح وهي تلتفت ناحية وجهه ملثمة شفتيه بسرعة
«كرمشلي بقا ١٠الأف أظبط يويا هدوم»
سألها باستنكار وهو يبادلها قبلاتها«وأنا؟»
سألته وهي تستدير بين ذراعيه متعلقة برقبته«أنت إيه؟»
أجابها برجاء طفولي«عايز هدوم يا غزولة»
عاتبته برقة
«كملنا التارجيت خلاص يا أوفة»
ضحك قائلا وهو يضمها لصدره
«هنعدية عادي»

ابتعدت عنه قائلة«تمام انزل جيب بقا»
أعادها لأحضانه غامزًا بشقاوة
«جبت أصلا»
نظرت لعينيه المتألقة الليلة هامسةً
«بتردهالي؟»
أجابها ببساطة وهو يحملها بين ذراعيه
«أيوة عندك مانع»
أحاطت عنقه بذراعيها هامسةً برضا
«تؤتؤ مفيش طبعا يا أوفة أنت تؤمر»
********
اليوم التالي
تنهد براحة حين وجده أسفل الشجرة جوار المسجد، جلس أمامه في خشوع يلتقط أنفاسه معاتبًا «مجريني وراك البلد كلها مش قايلك متدوحش كتير في الدنيا»
بش عبود وتهللت أساريره برؤياه وقال في لهفة «حامد»
ابتسم برضا لمحبته الوفيرة وقال بعتاب رفيق «سايبني لوحدي أنت! وأنا تايه في الدنيا من غير سند»
ابتسم عبود قائلًا وهو يطالعه بمحبة « ربنا سندك وحبيبك يا حامد وأنا محاوطك بدعاي مكان ما تخطي»
نهض نافضًا جلبابه وأشار له لينهض ففعل، تأبط ذراعه وسار به مفصحًا بجدية «من غيركم الدنيا بتخبط فيّ يا عم وخايف»

طمأنه عبود «الي فقلبه ربنا ميخافش يا حامد، طريقه منور والي فيه قدر ومكتوب»
ابتسم حامد برضا وقناعة هامسًا وهو يسير ناحية المنزل«حبيبي يارب»
                   

                          تمت بحمدالله

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة