
{وَقُلْ رَبِّي أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَأجْعَلَ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَنًا نَصِيرًا}✨🩵
خرجت آيات من شقتها ممسكةً بحقيبة ورقية استقبلت غزل الهابطة بابتسامة فقيرة الود «ازيك يا غزل؟»
أجابتها غزل بابتسامة لطيفة عفوية الشعور «ازيك يا آيات؟»
ابتسمت آيات بمجاملة قائلة «بخير» ثم أشارت لها بالدخول «تعالي ندردش شوية»
نظرت غزل للشقة بتردد رغم فضولها الصارخ الذي كممته بالرفض «لا شكرًا»
منحتها آيات الحقيبة الورقية قائلة « طيب خدي»
استفسرت غزل «إيه دا..؟»
أجابتها آيات بودٍ كاذب «نزلت اشتري هدوم وعجبتني كام حاجة قولت هيليقوا عليكي وينفعوا»
ابتسمت غزل شاكرةً لها لطفها ورقة مشاعرها «بجد شكرًا هدية مقبولة»
أخذتها غزل قائلة بلطف زائد وبراءة مبادرة بالسلم «آيات أنا مش غريمتك ولا ضرتك بالمعنى اتمنى يكون في بينا ود وتعامل كويس»
رفعت آيات حاجبها وأجابت بسخرية «أكيد طبعًا دا أنا حبيتك والله»
ضحكت غزل برقة شاكرةً لها وسارعت بفتح هديتها لتعتلي ملامحها الصدمة مما تراه، امتقع وجهها حين رأت الملابس الغريبة التي لا تليق بعمرها ولا بعروس لو افترضت أنها عروس والبجامة بسيطة التصميم بأكمام طويلة، بادرت آيات بالتوضيح «لجيتك بتلبسي كل حاجة بكم وبتخبي وشك ورجبتك فجبتلك دول»
فجأة ضحكت غزل بمرح وأجابتها بمكر «أنا مع رؤوف مبلبسش كدا يا يويا ولما بنزل برضو» ثم دفعت الملابس لها ومالت هامسةً «سوري يا يويا لو هتجبيلي جبيلي قصير ومفتوح عشان أوفه بيحبه»
استنكرت آيات بغيظ وحنق اشتعل بنظراتها بحطب الحقد«والحروق عادي بيشوفها؟»
ابتلعت غزل غصتها ومالت هامسة بضحكة خجول ودلال «تصوري بيقولي مبشوفهاش ومش هماه»
ختمت غزل كلماتها بضحكة رقيقة زادت الأخرى اشتعالًا وحقدًا ماذا في هذه المشوهة ليهتم بها ويحبها ويزهدها هي بجمالها الملفت وقدها الممشوق
حركت غزل أناملها هامسةً وهي تصعد لشقتها مشيرةً لركبتها وهي تهز حاجبيها«باي يا يويا ومتنسيش قصير ومفتوح »
أظهر طاهر نفسه بعدما استمع لمعايرة آيات أخته وقف أمامها قائلًا بأدب دون تهور رغم غضبه تقديرًا لأخيه «بعد اذنك يا مرت أخوى ملكيش دعوة بغزل ومتضايقيهاش تاني»
عبست آيات مستنكرة باختناق، ونظرة محتقرة فتابع طاهر بصرامة مُحذرًا لها بعينين مشتعلتين كالجحيم بالغضب «لو زعلتيها ولا جيتي جنبها مش هسكت وهتشوفي مني وش تاني ميعجبكيش ومشوفتيهوش وزي ما رجعك هخليه يمشيكي برضك»
هتفت باسمه كتحذير غليظ بألا يتمادى«طاهر» لكنه تجاهلها وهتف بعصبية شديدة مؤكدًا على قوله «مالكيش دعوة بأختي يا آيات هي فحالها وأنتِ فحالك عشان يحصل طيب المرة دي بالحسنى بعد كده هتزعلي»
تركها وصعد للأعلى مواسيًا أخته بينما صفعت آيات الباب بغضب عظيم وشر تنبت جذوره في الأعماق
**
في بداية المساء رأت نجاة تستعد للخروج بصحبة زوجها فعادت أدراجها مُحبطة تتنفس الملل مع الهواء، سألتها نجاة «غزل كنتي عايزة حاجة يا بتي؟»
أجابتها غزل بابتسامة دافئة «لا يا طنط كنت هقعد معاكي شوية بس شكلك مشغولة»
أجابتها نجاة بابتسامة صافية ونظرة رائعة الحسن متألقة «بجالي كتير يا ضنايا مزورتش أختي تماضر رايحة أشوفها»
همست بحنين مزق جموع المشاعر المتجمعة في قلبها واعتلى المنصة « ماشي يا طنط تروحي وتيجي بالسلامة»
أجابتها نجاة بحنان امتزج بلمحة إشفاق«الله يسلمك يا حبيبتي» وقف أمامها طاهر مستفسرًا «ازيك يا غزولة»
تأملته مستفسرة «رايح فين يا حبيب غزولة؟»
قرص وجنتها ومال هامسًا «رايح لقاسم مع خالي ومرت خالي هوصلهم بالعربية»
زفرت بإحباط قبل أن تسأله بتوتر «وفين رؤوف ؟» ثم أعادت السؤال بتبرير مرتبك «علشان يوصلهم وأنت تقعد معايا يا طاهر»
ضيق عينيه قائلًا وهو يثبت ساعة معصمه جيدًا «فمصر»
قالت بحزن «تمام بس متتأخرش؟»
ابتسم هامسًا بخبث قبل أن يهبط مُلبيًا نداء خاله واستعجاله له «يمكن رؤوف ييجي الليلة هيسليكي بحكاياته»
أشرقت قائلة بلهفة وعفوية «بجد»
غمز لها طاهر مستفسرًا «إيه وحشك المتر؟»
دفعته بعيدًا لاكمة له بحرج، متهربة من إجابة سؤاله بتعنيفها «امشي يا طاهر من قدامي ومتخرفش »
تابع طاهر الهبوط بضحكة رنانة بينما صعدت هي شاردة الذهن، منذ ما حدث وهو مختفي تمامًا تنتظره كل مساء لتعتذر له مبدية له ندمها لكنه لا يأتي، تريد السؤال عنه ولا تقدر على فعلها.. فتصمت منتظرة جود القدر وعطايا الأيام بلقاء عابر أو رؤية سريعة.
*****
«بيت تماضر»
سلّم على الموجودين وجلس جوار أخيه قائلًا بابتسامة ماكرة «ازيك يا أخوي يا حبيبي؟»
أجابه بغيظ لم تخمد ناره في الصدر بل تشتعل كلما رآه «مرحب»
كتم طاهر ضحكته وقال مشاكسًا له بمرح «وحشتني جاعد هنا ليه؟»
أجابه حامد من بين أسنانه بغضب وهو يدير رأسه بعيدًا عنه «وحش يلهف أبوك يا طاهر»
قهقه طاهر غير مسيطر على ضحكاته، فنظر إليه حامد بضجر مما جعله يكتم ضحكته ويمتثل للصبر والصمت ثم سأله بهمس«جاعد هنا ليه وسايب غزالك لوحده؟»
رقصت دقاته طربًا وعزفت لحنًا من الشوق،لكنه أدار رأسه قائلًا ببرود كاذب «عادي..كفاية أنت معاها»
عاتبه طاهر برفق وهو يميل ناحيته «جلبك طاوعك تسيبها وتجعد هنا»
تنهد حامد بصمت قلبه لا يطاوعه بتاتًا ولا يستجيب للهجر والبعد لكنه يرغمه ويكتم صوته «بجالي كتير معاها وسايب قاسم»
همس طاهر بتفهم «طيب روّح مع الجماعة وأنا هبيت مع قاسم»
تجاهل نداء قلبه ورغبته وداس على رأس شوقه قائلًا «لاه روّح أنت أنا يوم ومسافر معايا شغل متعطل»
عبس طاهر برفض وغير رضا، ثم استفسر «هتطول هناك؟»
أجابه بتنهيدة «احتمال، أبجا طلّ على قاسم والخالة كل يوم يا طاهر»
أمسك طاهر بذراعه مقترحًا «طيب طالما هتسافر وتتأخر وأديك ليك أسبوع مرجعتش البيت روّح شوف غزل»
صمت مفكًرا يقاتل رغبته قبل أن يعلن رفضه «مالوش لزمة»
سأله طاهر بحنو حزينًا لأجله «غزل زعلتك طيب؟» ثم رجاه بلطف «ما تحكيلها يا رؤوف وهتجرب مش هيحصل حاجة هتقربوا من بعض أكت……
قاطعه رؤوف بضيق «مش جولت متفتحش الموضوع دِه تاني وانساه»
رضخ طاهر بزفرة ملل وضيق قبل أن يجادله «طيب جوم بيّت معاها النهارده»
تأفف رؤوف منزعجًا موبخًا «زنان يا طاهر»
رن هاتفه فبتر ضحكته وأجاب وهو ينظر لرؤوف «أيوة يا هندسة… فمشوار كده…»
نظر لأخيه المدعي الإنشغال وعدم الاهتمام قائلًا بخبث«هطلع أبيت جنبك حاضر ماشي سلام»
استفسر رؤوف بغضب «نعم يا حبيبي تبيت فين؟»
ضحك طاهر قائلًا «ما أنت سايبها بجالك أيام ودلوك هتسافر وهي متضايقة وخايفة»
أمسك رؤوف بخصلات طاهر قائلًا «أبجا عتّب السطح يا طاهر وشوف هرميك من فوج»
ضحك طاهر وهو يفك أنامل رؤوف «لولا غزل جالتلي متجصهمش وعاجبينها وبتحب تلعب فيهم والله كنت قصيتهم عشان أرتاح وأريحك»
صاح رؤوف بحنق شديد متوعدًا «والله يا طاهر ما حد قاصصهم غيري بعد البوجين دول عشان ترتاح أنت وأختك»
هرب طاهر من قبضته ونهض راكضًا ورؤوف خلفه ناويًا متوعدًا، صاح عدنان ساخرًا «يا خسارة الرجالة»
ترك قاسم الهاتف وركض تجاههما فرحًا بتلك المشاجرة يشاركهما العبث والمشاكسة… بعد قليل جلس طاهر يسأل من بين لهاثه «هتروحلها؟»
أجابه رؤوف وهو يرتمي جواره حاضنًا صغيره مؤكدًا قراره «مش هروح»
**
دارت في الحجرة كشقي الرحا مغمغمة وصارخة، مترددة وواثقة، تتقلب مشاعرها كالموج وتغرق الحيرة شطآنها، يؤثر فيها غيابه، اختفاؤه عن محيطها كل هذا الوقت
تنتظره ولا يأتي… قلبها يحدثها بما فيه من علة، سبب رحيله مكشوفًا لمن مثلها يعاني ويختبئ ويخبىء علته، تشعر به كأنه جزءًا مماثلًا لها ومشابهًا بل قطعة تائهة منها… يهرب منها ولا تعرف لمتى.
رفعت هاتفها بعدما اتخذت قرارها بالمواجهة، هاتفته وانتظرت وقلبها لا ينتظر، بل يطرق بعنف حتى ظنته سيترك صدرها.. توسلته بلهفة «رد رد…
أجاب بصوته الرائق الرخيم في هدوء يليق به «السلام عليكم»
ابتسمت لأول مرة يبادر بالسلام لكنها عبست ربما لا يعرفها أو لم يسجل رقمها ظن غبي وافتراض أحمق دفعها للتعريف عن نفسها بعفوية ساحرة«أنا غزل يا متر»
تألقت ابتسامته رغمًا عنه وقد كشف دواخلها فأجاب بمراوغة «تمام يعني أسحب سلامي»
ضحكت بشقاوة وقد فهمت مقصده ثم قالت «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاتة»
هدأت وفارقها التوتر، استرخت قليلًا متعجبة من تأثير صوته وكيف أعاد تشكيل مشاعرها في لحظة وهدأها بسرعة.
فارقها ألم المعدة وبقي في قلبها ألم لذيذ لا تعرف ماهيته.
صمت مثلها مستمعًا لأنفاسها كترنيمة عشق قبل أن يبادر بالسؤال الجاد « محتاجة حاجة؟» ابتسمت قائلة برقة «أيوة كنت عايزة أعمل كورنر قهوة يا متر تسمحلي بدا؟»
أجابها بتأكيد ومازالت نبرته كأوراق الورد الجافة فقدت حيويتها لا تأثيرها، مازال جمالها فيها وعبقها يسحر الآذان والقلوب «أكيد طبعًا يا بشمهندسة المكان مكانك بس مين هيساعدك»
أجابته ببساطة وهي تتجول في الشقة «طاهر بس أنا حبيت أستأذنك؟»
جز على أسنانه بغيظ لم يصل حدود نبرته بل حافظ عليها _ من سطو الغضب وتملك الغيظ_ نقية «مفيش مشكلة الي يريحك»
خافت أن ينهي الاتصال فأطالت الحديث متمنية أن تتصالح مع رغبتها في الاعتراف له بافتقاده وبندمها وأسفها «طيب عادي لو غيرت فشكل الصالة»
مثلها تحمس للبقاء بصحبة صوتها الرقيق وكلماتها مشتتة المعنى فقيرة الجدية «أيوه عادي»
فشلت في مسعاها بالصلح مع جرأتها، فعنده تفقد روحها أشياء كثيرة وتصبغ أفكارها بخجل غريب «تمام شكرًا بااي»
أجابها بسرعة «وعليكم السلام»
أنهت الاتصال وجلست زافرة بقنوط، قبل أن تفيق على دخول آيات السطح..
بسرعة خرجت من الشقة مُرحبة ومتعجبة وضائقة بتلك الزيارة «اتفضلي يا آيات»
تأملت آيات ما حولها بنظرة مهتمة قبل أن تبتسم بعملية قائلة «جيت أجعد معاكي شوية نتسلى»
رحبت بها غزل في ضيق قبض قلبها «اتفضلي»
دخلت بها الصالة الصغيرة البسيطة فتأملتها آيات بنظرة متغطرسة مشمئزة أزعجت غزل فسألتها«أول مرة تيجي هنا؟»
أجابتها آيات وهي تجلس فوق كرسي رؤوف الهزاز متمايلة به «أيوة»
سألتها غزل وهي تتحرك مغطية ضيقها بدثار لا مبالاتها«مش غريبة إنه يبقاله مكان لوحده خاص بيه أنتِ متعرفيهوش وينعزل فيه » تابعت نظرات غزل حركات الكرسي بضيق يتضخم داخلها من جلوس آيات مكانه.
أجابتها آيات بخبث ونظرة ماكرة
«رؤوف كان بيطلعه وجت الشغل بس، كان بيجول تحت بينشغل ومبيركزش وكان بيرفض أطلعله عشان يعرف يركز » ثم ضحكت برقة مفتعلة وأجابت بخجل كاذب «مبيحبش حاجة تشغله عني، فشقتنا ده مكانا الخاص بينا نبجا فيه أنا وهو وبس»
ابتسمت غزل قبل أن تتنهد مُستفسرة «تشربي إيه؟»
سألتها آيات بغطرسة «عندك إيه؟»
أجابتها غزل بنصف ضحكة قائلة «قولي معنديش إيه؟ رؤوف بيجيب كل حاجة»
اشتعلت نظراتها بغل وهي تهز رأسها مؤكدة على كرم رؤوف الذي عاشت فيه لسنوات طويلة ومازالت رغم ما بينهما.
سألتها غزل باهتمام «بتشتغلي؟»
أجابت آيات بهزة كتف ونبرة مملوءة بالغرور «طبعًا أنا مدرسة مع عم عدنان»
تفاجئت غزل «واوو حلو يابختك الشغل مع الأطفال ممتع»
استنكرت آيات وهي تنظر إليها باحتقار «عادي يعني مش ممتع»
ضمت غزل شفتيها والتزمت الصمت متمنية أن تمر الزيارة بخير وتنهض تلك المتعجرفة دون أن تستفزها أكثر وتثيرها فتضطر لفتح رأسها… وقعت فريسة لأسئلة آيات التي أجابت عنها غزل بابتسامة عملية وهدوء مما اضطرها لأن تمسك هاتفها وتراسله لأول مرة «متر»
أجابها فورًا «اتفضلي»
أرسلت له وجهًا محتقنًا بالغضب منه ومن زوجته المملة قبل أن ترسل إليه «مسموحلي بفتح دماغ آيات؟»
من خلف الشاشة كان يبتسم متمنيًا لو شجعها لتفعل لكنه أرسل لها بجدية «خير في حاجة؟»
أجابته بغيظ يشتعل داخلها «بقالها نص ساعة قاعدة قدامي تسألني فكراني طالب عندها وبصراحة هي مستفزة وخنيقة وخمسة كمان وهتيجي تقلعني الكلبشات»
ضحك بصخب قبل أن يوازن ردوده ويثيرها أكثر بقوله «بتتعرف عليكي عادي، آيات لطيفة استمتعي»
أرسلت له وجهًا غاضبًا وبعدها كتبت «تعالى استمتع أنت وارحمني »
سألتها آيات عن سبب انشغالها بالهاتف فرفعت غزل رأسها مُجيبة بخبث «دا أوفة بيسألني عاملة إيه أصل قولتله الصبح إني مصدعة»
لوت آيات فمها بسخط بينما كتبت غزل غير واعية ولا منتبهة لكلماتها متأثرة بتمثيليتها «أوفة باي»
أراح الهاتف جواره متنهدًا بهيام ينشد قصائده في هيام من حبيبة كلها غزل.
انضم طاهر ممتعضًا، ضائقًا بوجود آيات واسئلتها المتراكمة الكثيرة كالمنهج الثقيل، ضاق ذرعًا بها فغادرته ابتسامته
«غزل حرق إيه الي فوشك ده؟ وحصل كيف؟ وباقي جسمك فيه حروق؟»
أخذت غزل نفسًا عميق سيطرت به على نفسها وأجابتها «حكاية طويلة»
أجابت آيات ببرود وهي تنقل نظراتها بين طاهر وغزل «احكيهالي احنا فاضيين وطاهر فاضي مورهوش ولا شغلة ولا مشغلة» أمهرت قولها بضحكة خبيثة
فنظر طاهر لغزل بصمت، نهضت غزل مدافعة في شراسة معرية مقصدها بالثورة عليها وردع شرها بمخالب كلماتها«مين قال طاهر فاضي أنا بس الي معطلاه ومسيباه شغله علشان يفضل معايا لغاية ما أخد على المكان والناس»
لوت آيات فمها مستفسرة بتعجب «هو طاهر بيشتغل إيه؟ مش كان بيدور؟»
صاحت غزل بعداء شديد بعدما تحررت من تحفظها «بيشتغل وبيصرف على نفسه ومش لازم يبلغك بيشتغل إيه»
أمسك طاهر بذراع غزل مهدئًا بابتسامة لطيفة «ياغزل مرت أخوي متجصدش حاجة»
دفعته في غضب «اسكت أنت لو سمحت»
ابتسمت آيات بانتصار بعدما نجحت في تعكير مزاجها «مجصدش حاجة أصل الي أعرفه طاهر من يومه خاله الي بيصرف عليه ومن بعده رؤوف هو الي شايل همه ومصاريفه وحاله»
امتقع وجه طاهر بينما صاحت غزل «عادي رؤوف أخوه الكبير»
نهضت آيات متظاهرة بالوداعة «الغريبة لما أبوكي عايش سابه ليه عالة على خاله وعيال خاله مش كان هو أولى بيه وبمصاريفه»
فغرت غزل فمها مصدومة بينما ضم طاهر شفتيه بحزن قبل أن يجيبها بكرامة «أنا مش عالة على حد يا مرت أخوي والحمدلله حتى مصاريفي من شغلي وعرقي»
صرخت غزل في هجوم و ثورة «بتبرر لمين؟»
ثم اقتربت من آيات متحدية بنظرة شرسة وقالت «أخويا مش عالة على حد وأسئلتك يجاوبك عليها جوزك الي أكيد مش هيعجبه كلامك ولو عاجبه يبقى تستاهلوا بعض»
ابتلعت آيات ريقها في فزع وتراجعت عن غطرستها موضحة «مجصدش حاجة يا غزل بدردش معاكم دا طاهر زي أخوي»
توجهت بنظراتها لطاهر مؤكدة «مش كدا يا طاهر؟»
صمت طاهر بحزن ولوم بينما هتفت غزل فيها بعصبية «لو سمحتي متجيش ناحية طاهر تاني ولو حصل هبلغ رؤوف وعمو عدنان وكلهم»
اعتذرت آيات في آسف وندم بعدما شعرت بأن حقدها أخضعها لسطوته فتمادت غير مراعية ولا واعية لما تتفوه به وقد يقلب أيامها..«مجصدش يا طاهر هو بس الأمر غريب أنا كنت بسأل عادي»
هز طاهر رأسه متقبلًا اعتذارها وانسحبت مستأذنة، جلس طاهر صامتًا بحزن وقور فجلست جواره هاتفةً «متخليش كلام البت الصفرة دي يأثر فيك دي غلاوية بشكل والله لأبلغ رؤوف بالي حصل»
رفض طاهر بلطف «بلاش يا غزل رؤوف لو عرف هيمشيها تاني وهي معاها حق»
استفسرت غزل بغضب«يعني إيه تاني؟ويعني إيه معاها حق هي هتأثر عليك ولا إيه »
شرد طاهر قليلًا ثم حكى لها زواج آيات ورؤوف تفصيلًا متجاهلًا الجزء الخاص به.
في المساء هاتفهما يونس ككل يوم ليطمئن عليهما ويثرثر كعادته معهما. بعدما توطدت علاقته بغزل كثيرًا وأصبح يرى فيها الأخت التي حُرم منها ، حكت له غزل عن موقف آيات واستشارته فيما عليها فعله حيال الأمر
فسب الأخرى ولعنها بغضب وطلب منها أن تخبر رؤوف لكن طاهر رفض بتصميم مُقررًا منحها فرصة ملتمسًا لها أعذرًا لايعرف يونس من أين يأتي بها أخيه لها، متعجبًا من حُلمه ورحمته.
رضخت غزل لرأى طاهر حتى لا تحزنه أو تتسبب في مشكلة رغم كراهيتها لآيات بعد ماسمعته وعرفته من طاهر.
لكن يونس قرر التصرف دون الرجوع لأخيه أو إعلامهما بنواياه ،نتيجة شعوره بالمسئولية تجاههما بعدما منحته غزل صفة ورتبة الأخ الأكبر، عزم على إيقاف شر آيات عند هذا الحد، لن يتركها تعبث مع طاهر أو تقترب من حياة رؤوف.
بالأسفل سارعت آيات بفض الرسالة الصوتية المبعوثة، وضعت السماعات وتحركت ببطء مستمعة وحائرة في السبب الذي جعل يونس المتعجرف يراسلها
«وصلني يا ميس آيات» قالها بحروف ممطوطة دلالة على السخرية فأطبقت شفتيها بغيظ قبل أن تعيد تشغيل الرسالة فتكلم متشددًا على حروفه«جولتي لطاهر أخوي فاهمة يا آيات أخوى أنت عالة عليهم ومش ملزمين بيك، طاهر الي عمره ما جه جنبك بكلمة… أنتِ نسيتي رجعتي كيف يا ميس؟ شكلك نسيتي وهفكرك.. أنتِ رجعتي شهامة، بوستي الأيادي ، واتذليتي وأحب أجولك أنتِ بالنسبة لرؤوف زي الي بيتصدق عليهم بالضبط، أنتِ لو عند أهلك كرامة تمشي بس هتجعدي أنا عارف»
فتحت الرسالة الأخرى وحروفه تنصهر داخل بركان حقدها المشتعل «إياكِ ثم إياكِ تيجي ناحية طاهر والله أنزلك مخصوص، المرة دي مجالوش لرؤوف بعملتك وأنا مش هجوله لكن قسمًا بالله يا آيات لو قربتي ناحيته تاني هاجي أعبيلك بوقك تبن أنا أخوي يتقاله عاله وبياكل فخيرهم وأنتِ بتاكلي فخير مين بسلامتك؟ أبوكي المقشف الناجص الي بياكل طقة واحدة »
رمت الهاتف صارخة بغضبٍ وغيظ متوعدة له قبل أن تجلس باكية بحرقة
***
بعد مرور أسبوع
حين علم طاهر بعودة رؤوف من القاهرة ومبيته الليلة لري الحقول بدلًا من المسئول عن ذلك، قرر أن يرسلها له ليتحدثا ويخلوان قليلًا ويتصافيا إن كان عكّر محبتهما موقف أو كلمات.
سحبها واعدًا لها بنزهة لطيفة بين الحقول فخرجت بحماس، سار ممسكًا بكفها يثرثران ويضحكان ويركضان حتى وصل لغايته، رن هاتفه فأشار لها «غزل لازم أرجع روحي رؤوف هناك»
رددت اسمه ما بين الشوق والدهشة «رؤوف»
هز رأسه مؤكدًا «أيوة بيسقي الغيط روحي وهرجع أخدك سلام»
وجدتها فرصة جيدة لأن تعتذر عما بدر منها، فسارت بخطوات متعرجة وبلهفة تملأ القلب، كلما اقتربت أصبح قلبها على مسمعٍ منها، وجدته يجلس أمام المجرى المائي مدندنًا فهتفت «السلام عليكم»
أدار رأسه ليتأكد مما وصله فصح ظنه «غزل إيه جابك هِنا»
أجابته بابتسامتها الودودة «كنا بنتمشى أنا وطاهر بس هو اضطر يرجع فقالي أجيلك هنا على ما يرجع وياخدني»
سألها وهو يغسل كفيه في المياه الجارية بارتباك ملحوظ «طيب ومرجعتيش معاه تاني ليه؟»
هزت كتفها مصارحةً له «معرفش وأنا لقيتها فرصة مناسبة»
قطب مستفسرًا بجمود يخفي مشاعره خلف كومة من قش الجدية «لإيه خير»
أجابته بصدق وهي تتأمل المكان حولهما وروعته ببهجة انطبعت في نظراتها«أشوفك وأسلم عليك بقالي كتير مشوفتكش يا متر»
دقاته تعلو منافسةً الأصوات من حوله
فهرب بنظراته وتحرك متظاهرًا بالانشغال وهو يهتف بلا مشاعر واضحة وبغموض يجيده «تمام شكرًا يا بشمهندسة»
جلست فوق صخرة أمام العشة المصنوعة من أعواد الذرة الطويلة تسند خدها بقبضتها صامتة في صبر بينما تحرك هو لمباشرة عمله في صمت وإنشغال وحيرة، رغم شوقه لرؤيتها بعد هذه المدة إلا أنه هرب منها بجروحه وندوبه، رفع هاتفه؛ ليتصل بطاهر
لكنه فشل فأعاد الهاتف لجيبه وعاد إليها مؤنسًا وحدتها بعدما فرد الليل ردائه، جلس أمامها أمام المجرى المائي يدندن فسألته بمرح «طاهر قالك إيه؟»
أجابها بجمود «مبيردش»
صمت كليهما حتى مزقت هي الصمت بعزيمتها وإصرارها على مصالحته.
همست من خلفه بلطف وحذر مستسلمة لإلحاح قلبها بأن تفعل، تتحسس كلماتها قبل أن تخرج ودون مقدمات «زعلت علشان شوفتك صح؟»
تفاجئ بصراحتها رغم اعتياده عليها، صمت في حزنٍ وديون الأيام تتراكم في قلبه وتصيبه بالعجز والاحتياج.
اقتربت قليلًا وهمست بنبرة دفأت برودة قلبه «قول ومتكدبش يا متر» خرج تحذريها منغم برقة صوتها ونعومته فصمت قاطبًا لا يعرف بما يُجيبها الهموم متكدسة في صدره وعقله، تملأ نفسه وتشغله فيسقط بحمله الثقيل عاجزًا ومعذبًا، وضعت كفها المرتجفة على كتفه مواسيةً تدعم القول باللمسة اللطيفة الحنون«طيب أنا آسفة إني طلعت وراك مقدرة احساسك والله لإني عيشاه، أنا ندمت إني طلعت وسببتلك الأذى دا ومشوفتكش من يومها علشان أعتذرلك»
أغمض عينيه متنهدًا يزيح الحزن من صدره بأيادي مواساتها وحنوها تاركًا كلماتها تتغلغل في القلب وتداوي الروح
همس بنبرة فقدت حيويتها وذبلت من جفاف أرضها «المرض ابتلاء من ربنا محدش يتكسف منه»
اقتربت أكتر حتى جاورته هامسةً بوجع
«بس دا بسبب أبويا»
ثم تابعت بحسرة ومرارة عالقة في جوفها تزيح الصخور الرخامية من على قلبها لمشاركته معاناتها
«بس متزعلش أنت أحسن من غيرك
تعبك متداري مشوهكش جوا وبره
تخيل في غيرك متشوّه من بره مش قادر يبص فمرايه ومتشوّه من جوه كمان مش عارف يعيش، إن شاء الله تخف وتبقى أفضل لكن أنا مضطرة أخبي طول العمر ومش عارفة هقدر لغاية امتى»
كلماتها وجعًا من نوع خاص، نخرت العظم وأحدثت في القلب ألمًا لا يحتمل، فضاق بصراحتها وقال بعصبية«بس اسكتي وجومي هرن على طاهر ياجي عالطريج بالعربية ياخدك»
ترقرقت الدموع في عينيها من حدته وعصبيته وهمست في ترجٍ«زعلت ليه طيب؟»
هتف بعصبية يؤنبها على قولها
«جاية تواسيني وتعتذري ولا تكدريني»
ابتسمت ولأول مرة تفهم مقصده ومعنى كلماته فمسحت دموعها وهمست وهي تسحب كفها من على كتفه مما جعله يرتعش كأنها سحبت دثار روحه الدافيء
«طيب خلاص هسكت بس ممكن تعملي شاي اتدفى»
قال بجفاء كاذب حانقًا من تلك المشاعر التي تنتابه اللحظة وتقتحمه فيقيدها بالتعقل والصبر ويحكمها بالرزانة
«مفيش شاي جومي»
تأففت منزعجة تلومه برقة ومشاكسة
«يا متر بقا أنا بفضفض معاك متقفلش قفلة الصعايدة دي»
لان قليلًا وقال وهو يهديء من روع شوقه الذي يصرخ الآن في قلبه مطالبًا بعناق فوري«ماشي»
اقترحت عليه بمرح لتخلصه من هذه العقدة «تيجي نتفق اتفاق»
أجابها وهو يدير رأسه ناظرًا للحقول الممتدة «جولي»
اقترحت بحماس وهي تطارده بنظراتها
«مش هداري منك الحروق علشان أتعود
وأنت مش هتداري مني تعبك وهتسيبني أساعدك لو احتجت»
تفاجيء من اقتراحها وأدار رأسه متطلعًا إليها يستفسر بجبين منعقد
«هستفاد إيه؟»
أجابته ببساطة ومرح وهي تنظر لعينيه مقتبسة من شعلتهما نورًا لعتمة روحها
«ولا حاجة نعتاد الألم ونتشاركه بيتهيألي أحيانا بنحتاج نتقاسم الوجع مع حد علشان يخف بسرعة»
قال بوجع لا يتركه يمسك بتلابيب روحه«بس أنتِ محرقكيش مرتضى»
هزت رأسها ساخرة تخبره بما تكتمه داخلها، ولم تبح به لغيره من قبل
«مين قال ؟ أنا محستش بالنار على جسمي بتاكل فجلدي غير لما عرفت الي عمله، ناره مسابتش جلدي دي أكلته وشوهت قلبي أنا عايشة بقلب مشوه معرفش هيكمل ولا لا معايا..»
لاطفها ببسمة دافئة حنون وهو يترك نظراته لها « الدواء موجود »
استنكرت مجارية له في مزاحه«للقلب»
أجابها بصدق ونظرة متفرسة«للقلب وللروح»
هتفت متحمسة بمكر «واوو هدور عليه » ثم تابعت بضحكة رقيقة ناعمة« لو تعرفه جبهولي ينوبك ثواب »
حك ذقنه قائلًا بنظرة عادت لها حيويتها وإشراقتها«حاضر لما تخلص الليلة دي»عبقت صدرها بالهواء المنعش وابتسمت هامسةً برقة «الجو تحفة اعملي شاي بليز وغنيلي أغنية بحبها أجرب صوتك فيها»
استنكر طلبها بنظرة فظة وقول غليظ
«نعم يا علبة الكبريت أنتِ»
ضحكة برقة وهي تمسك بذراعه وتلف ذراعها حوله راجيةً في عفوية «بليز يا متر»
نظر إليها مليًا مراقبًا أفعالها وبساطتها وقربها منه قبل أن يهمس مستسلمًا بنظرة عشق «أغنية إيه» أراحت ذقنها على ذراعه وهمست بابتسامة خلابة «أما براوة لنجاة»
همس بهزة رأس مُحبطة «محفظهاش»
اقترحت بحماس وصوت ناعم «هقولك مقطع وتقوله ورايا»
نظر للسماء ونجومها متنهدًا باستسلام ثم بدأ الغناء بطرب واستمتاع، تراقص نظراته نظراتها على أنغام العشق ودقات قلبيهما.
تقول المقطع وهي تنظر لعينيه منتظرة أن يحفظه ويقوله لها بصوته العذب فيفعل بابتسامة خلابة وصبر طويل. كانت مستمتعة للحد الذي جعلها لا تستعجل الوقت وتتوسل الليل أن يبقى ولا يرحل
شعرت كلما منحته مقطعًا أنهما يرقصان وحدهما في عالمهما البعيد و بطريقتهما الخاصة ، حين انتهى شكرته بإعجاب شديد
«شكرًا كتير مش هسمعها تاني غير بصوتك» صمت في خجل فوضعت رأسها على كتفه وقالت متثائبة«عايزه أنام بقا يا متر»
أشار للخلف في جدية «ادخلي جوا»
رفعت رأسها وقالت معاتبة له «هخاف تعالى جنبي»
طمأنها بحنو«أنا جدامك تخافي ليه»
نهضت قائلة بإصرار «لا تعالى»
انكمشت بالداخل جالسة متدثرة بعباءته وهو بعيدًا فقالت بإنزعاج
«تعالى اتغطى معايا حرام متشيلنيش ذنبك» تنهد قائلًا في هرب من أسرها
«مش عايز نامي أنتِ وارتاحي»
دفعتها بعناد الأطفال وقالت في إصرار «لأ تعالى يلا هنقسمها هي كبيرة»
رفض هو الآخر قلقًا من هذا القرب متوترًا من مشاعره التي قد تغلبه فنهضت وجلست جواره متدثرة معه ثم وضعت رأسها على كتفه هامسةً «احكيلي حكاية يا متر بليز»
شاكسها وهو يريح رأسه فوق رأسها «طلباتك كترت»
ترجته بضحكة رقيقة ناعمة «معلش أنت كريم»
*****
بعد مرور ساعات أنهى عمله واقترب ليوقظها «غزل»
تململت مُجيبة «أممممم»
همس بابتسامة حنون «يلا هنرجع البيت طاهر هيجيلنا على الطريج بس معلش هنمشي شوية»
نهضت متثائبة فرّقت بين جفنيها وابتسمت متسائلة بعفوية وبعض القلق البريء«أنت فاكر الي اتفقنا عليه؟»
أجابها بابتسامة واسعة «أيوة»
مدت ذراعها قائلة «يلا قومني يا متر»
أمسك بكفها وجذبها فنهضت متعكزة عليه، لملم عباءته ونفضها ثم طواها ووضعها حول كتفيها « الوجت اتأخر والجو سقعة»
شكرته بامتنان وسارت جواره مثرثرة «الجو لطيف خالص يا متر بس ضلمة» طمأنها بحنو وهو يمسك بكفها «متخافيش»
تثاءبت قائلة «ماشي»
وصل طاهر فصعدت بالخلف بينما جلس رؤوف جواره بصمت، أوصلهما طاهر فأيقظها مرة أخرى وسحبها للأعلى، حينما وصلت ألقت بجسدها فوق البساط المحاط بالوسائد الذي افترشته قبل رحيلها «جومي جوا يا غزل»
تململت منزعجة رافضة الحركة فدثرها وتركها ليأخذ حمّامه ويبدل ملابسه عاد بعد قليل مفترشًا الأرض جوارها ثم تمدد واضعًا ذراعه فوق عينيه، راحلًا بوعيه للأحلام.
«بعد مرور ساعات»
مال يوقظها بهمس ناعم وأنامله تعرف الطريق لخصلاتها «غزل جومي»
تأففت معترضة وهي تضرب أنامله «سيبني نمنا متأخر»
ابتسم موضحًا وأنامله تعود للعبث بخصلاتها«الجو برد يا غزل»
قالت سعيدة ببرودة الجو ونسائم الفجر المنعشة «دا جميل سيبني لو سمحت»
جلس معتدلًا ممسكًا بمصحفه يتلو ورده اليومي منتظرًا استيقاظها..
بعد قليل داعبت أشعة الشمس وجهها فتململت بكسل وتثاؤب، منزعجة من حرارتها.. راقبها رؤوف بابتسامة حتى فتحت عينيها واعتدلت مُلقية تحية الصباح
«صباح الرضا يا بشمهندسة»
ابتسمت قبل أن تنتبه لملابسها ومكان نومها جواره وسألت «هو أنا نمت كده؟»
نهض رؤوف قائلا بسخرية كعادته حين تسأله بغباء «اه وبمزاجك للأسف مقترحتش»
تأففت من طريقته وهي ترفع خصلاتها بمشبك الشعر مغمغمة «أعوذبالله منك»
نهضت متجهة للمرحاض توضأت وأبدلت ملابسها بأخرى لائقة قبل أن تُعدّ الفطور، قال وهو يعدّل من هيئته «نازل أفطر تحت مع الجماعة لو حابة تنزلي تمام مش حابه خليكي هنا»
مطت شفتيها بضيق ورفض قبل أن تهتف «مش عايزة أنزل وفنفس الوقت مش حابة أكل لوحدي»
قال وهو يرتب خصلاته بأنامله«خلاص ادخلي كملي نوم»
رمى كلماته وانسحب، فاسترخت هي في مقعدها يائسة محبطة، توقف مكانه ومال بجذعه للخلف يسألها « معنديش مانع أفطر معاكي؟»
صمتت قليلًا مترددة في الإجابة فقال «لو طلبتيها صريحة من غير لف ودوران هفكر»
قالت بإمتعاض «مش عايزة»
عاد خطوة وأخبرها «أمي عاملة بليلة النهاردة كلتيها جبل كِده؟»
قفزت واقفة تستفسر منه «بجد»
رفع حاجبه يتابع انفعالها بمكر«شكلك دوقتيها»
سيطرت على توترها وخبأت ارتباكها قائلة بحذر «اسمع عنها»
كيف تنسى مذاقها مازالت حلاوتها في فمها ومداعبات قاسم في جعبة أفكارها
«لا»
ابتسم مشجعًا في حماس «تعالي دوجيها طيب»
ابتلعت ريقها وجلست في احباط قائلة «خلاص»
انسحب قائلا بهدوء وصبر «تمام براحتك»
عافت نفسها الطعام حينما تذكرته وذكرياته، أدمعت مرتشفة من أكواب الحنين، وتمددت فوق الأريكة في وجوم.
بعد قليل كان يدخل ممسكًا بطبقين فوق صينية صغيرة، هتف بنبرة يملؤها الحماس«غزل جومي»
انتفضت تسأل مندهشة من قدومه «ايه»
وضع الصينية جانبًا وهو يجلس مجاورًا لها «لجيت أمي فطرت مع أبوي وعمتي، جولت أجي وأدوجك البليلة بنفسي ياستي»
همست بعرفان وهي تنظر للاطباق بجوع ونهم «شكرًا كتير يا متر»
منحها معلقتها وشجعها وهو يتناول من طبقه «يلا علشان نازل أشوف الحصان»
مع أول ملعقة وضعتها أغمضت عينيها تستعيد المشاعر وتستلهم الخيال متذكرة قاسم وشقاوته وضحكته فتبتسم، تسللت دموعها من خلف الأجفان متساقطة مما دعاه لأن يسألها «سخنة ولا إيه؟»
فتحت عينيها وقالت وهي تهم بمسح عينيها «أيوة»
اعتاد تصديقها وعدم مراجعتها في القول وكيف يسأل وهو يعرف بماذا تشعر وتحس، هو تذكر أيضًا مشاكسة صغيره لها وتشجيعه على تناولها بشقاوته، تابعها بصمت لا يقطع لها فكرًا ولا يزعج لها خاطر، فقط يهدهد حنينها بابتسامة وقلب يترنم.
تناولت طبقها وأقبلت على طبقه دون شعور أو انتباه، فتوقف يتابعها بنظرات حنونه حتى انتهت مُعلنة الشبع..
التقطت أنفاسها وأدارت رأسها لتجده يتأملها بصمت وحنان فسألته «ايه؟»
أجابها ببساطة «مفيش»
نهض مغادراً فاستوقفته بطلبها المهتم «عايزة أركب الحصان يا متر»
ابتسم قائلًا بحنان «ارتاحي ابجا نرتب وجت ننزل فيه وتركبي»
منحته امتنانها وعرفانها بفعله في نظرة متألقة «شكرًا يا متر»
ابتسم مُرحبًا بشكرها وغادر تاركًا لها
*****
كل ليلة تعاني كابوسًا لا يعرف صوره لكنه يدرك من عمق صرختها أنه بشعًا، كل ليلة في نفس التوقيت كأن للألم معها مواعيد خاصة، يضبط أوقاته فيسرق منها راحة أول النوم ويحرمها لذة الراحة في آخره، مثلها له موعد ليس مع الألم لكن مع الأمل ضبط موعد قيامه مع موعد استيقاظها صارخة لا ليشاركها العذاب ويواسيها بالقرب والانتظار الحنون لأي مساعدة بل ليدثرها بالدعاء، تلك الليلة خرجت انحبس الهواء في صدرها وضاقت عليها الحجرة وأطبقت الجدران فهربت للفضاء الواسع مستنجدة، كدست خياشيمها بالهواء النقي، اخذت منه الكثير قبل ان تقف وجهها للسماء…
خرج ووقف على باب حجرته يراقبها بقلب مثقل بالعاطفة والمشاعر، إرادة قلبه كانت كافية لأن يخرج ويمحنها أمانًا بوجوده وطمأنينة بالقليل من الكلام، أحدث صوتًا وتلطف حتى لا تفزع فالتفتت مستفسرة بدهشة «أنت هنا»
وقف جوارها على مسافة يطلق نظراته لملامحها مستكشفًا وهو يجيب «أيوة صاحية ليه؟»
تجاهلت سؤاله فلا يجمعهما اهتمام فوق طاولة واحدة ليتشاركانه سويًا، بدا لها سؤاله محل استنكار و إدعاء كاذب بالاهتمام أو ربما هي لا تريد تصديقه «فكرتك عند مراتك»
نظر للفضاء الواسع ووحشته تطبق على صدره لأول مرة ويتسرب الظلام لقلبه ويتراكم فيه «مش عندها ومش هتشوفيني عندها يا غزل»
قليلًا ما ينطق اسمها نظرت إليه بقوة مرغمة ولا تعرف أكانت كلماته إجابة أم تأكيد ومواساة، أزاحت نظراتها بعيدًا وقالت بمشاعر عمياء تتحسس الطريق «براحتك»
تجاهل برودها الذي نخر في محبتها بقلبه ثقبًا نفذ منه اليأس وكرر سؤاله بنبرة لم تفقد حنوها بل حافظت عليه كهوية له وتراث يفخر به مهما تعاقبت عليه أزمنة القسوة «مجولتليش صاحية ليه مش عادتك»
نظرت إليه تتحقق من الحنان الراقد بعينيه والملفت للقلب في نبرته ثم اجابت بلطف «شوفت كابوس فقررت مش هكمله» قالتها بمزح تغطي به على حزنها وخوفها فقال بجدية «وفيه إيه كابوسك اليومي ده»
انتبهت لقوله وسألته بخجل «يومي؟» فاجئها باهتمامه ورصده لحالاتها «أيوة كل يوم بسمعك»
طأطأت رأسها بخجل وحرج لانكشافها أمامه وتعريها وهي التي تجاهد لتبدو قوية، توجع وهو يراها حزينة خائفة وندم لصراحته معها، تغاضى معتذرًا بقوله التالي «تشربي شاي»
ظنها ستهرب لكنها رفعت رأسها وقالت بصوت مشروخ رغمًا عن كبرياؤها «هيسهرني أكتر يا متر كان نفسي مرفضش دعوتك اللطيفة دي»
ابتسم وتوهجت روحه وقال بمشاكسة «نأجلها لبكره تبجى هدنة حرب يا هندسة»
ضحكت برقة فاضطربت دقاته، استأنست بلطفه وتمنت لو شكرته فقد منحها جرعة طمأنينة بعد كابوس يلتصق بعقلها كغراء، استأذنته متابعة بمرح تمرر له صلابته ساخرة من ألمها «هروح بقا أكمل الكابوس أكيد مستنيني»
قبل أن تتحرك وجد باب حجرته مفتوحًا فرمت نظراتها مستكشفة قبل أن تستدير عائدة لتسأله «متر»
ابتسم مُرحبًا بعودتها، استدار يمنحها الانتباه دون أن يدخر منه شيئًا منحه لها ليأخذ منها ما يشبع حبه حتى لا يفطم في مهده أو يتعذب بالحرمان «نعم»
صمتت مترددة قبل أن تعود لمجاورته بحماس مستفسرة بفضول وحماس لمع بنظراتها «عايزة اسألك عن حاجة وبتمنى تديني إجابة مباشرة بليز»
وداعتها ورقتها أيقظت كل شغفه واستمتاعه فقال بابتسامته الجذابة التي تغريها لتتأمله «اتفضلي هحاول أديكي إجابة مباشرة» كان السكون حولهما يبعث على الراحة والهدوء يمنحهما صفاء،فينبذان النزاع واللغط خاشعين للسكينة التي توقظها الأجواء في وجدانهما
سألته وهي تحاول الجلوس على حافة السور، فتعثر في خوفه عليها وأبدى مشاعر فزع غير منقوصة بالحيطة «حاسبي تجعي يا غزل» نبرته وترتها، الخوف المتأهب في عينيه جعلها تعرض وتتوقف وقلبها يبرم عقودًا مجهولة الهوية سرية البنود، طردت المشاعر المتناثرة وقالت بجدية «أنا بصراحة نفسي أسألك إزاي بتدخل أوضتك بتطلع منها مرتاح؟»
بدت ملامحه متأهبة ونظراته تحيطها بالترقب، يخشى أن تعتلي السور فينتبه باهتمام وعدم كسل في المراقبة، أوضحت لما جهلت تعبير وجهه «بلاحظ بتدخل تطلح مرتاح بتعمل عشان ترتاح» تبدلت ملامحها لتوسل ورجاء، كأنها تطلب مسكنًا لألمها أو تطلب وصفته للشفاء من عللها، تأثر بمعاناتها الخفية لكنه مازحها « أجولك ليه؟ ما يمكن محبش أريحك ؟»
ابتسمت تمنحه عذرها، تقدم قربانها لتنال الراحة «مش قولنا هدنة يا متر جاوب بقا»
نظر إليها بعذوبة تأمل تقاطيعها بحب قبل أن يُجيبها بمراوغة «محبش أدي سري لبت عدوي »
تأففت بإنزعاج شديد وخيبة احتلت خريطة وجهها ثم لكمته بصراحتها «ردودك بتقفلني أحيانًا منك»
قال في مكابرة وعناد «وصراحتك بتعمل نفس الشيء»
قطبت والحزن يفرد أشرعته على وجهها، استدارت لتغادر دون كلمة، فأعاق سيرها بهمسه الصادق وهي لا تعرف متى وقف خلفها حد الإلتصاق «آسف»
فقط كلمة وعيناه بعدها قالت الكثير لعينيها التي ارتفعت بنظرة مندهشة، ظلت عالقة في فضاء عينيه تستمع لثرثراته دون فهم حتى ابتسمت ونطقت بحياء «آسفة»
تعانقتا الكلمتان وتشابكت أنامل النظرات، ابتسما معًا دون ترتيب بل كصدفة منّ بها قدرهما السعيد، ابتسامتهما اللحظة أبرمت عقدًا ومنحت وعدًا غير منطوق بالأسف وقت الخطأ والإعتذار إن احتاج الأمر.. ضيقت عيناها وقالت بمرح «هتقولي؟»
فاجئها بقوله «لو تحبي تدخلي تشوفيها معنديش مانع»
اتسعت عيناها لاتصدق عفوه ولا سماحة نفسه، ضمت كفيها منبهرة تسأل عن حقيقة قوله «بجد»
سألها بدهشة «ولا مرة دخلتيها وأنا مش موجود؟»
أجابت ببساطة «لا طبعًا ومش بكدب» قالتها وهي تشهر سبابتها في وجهه، فضحك قائلًا «عارف»
ضم كفها وسحبها، فحركت كفها في خجل متملصة منه وتوقفت فوقف يستفسر «رجعتي فكلامك؟»
بنظرة مهتزة أجابت «مش عارفة أنت مش هتضايق؟»
ابتسم قائلًا بترحاب ولطف «لاه عادي»
تراجعت خطوة مترددة داخلها انذارًا لخطر مجهول فدقق فيها النظر وسألها «خايفة؟»
صارحته وهي تواصل التراجع بخطواتها «يمكن مش عارفة برضو»
كسدت تجارة فرحته فألقاها في بحار اليأس والإحباط، تنهشها أسماك الخيبة.. استأذنته بخفوت وفرّت هاربة لقوقعتها، الجو كان مسكرًا غيّب وعيها فانساقت خلف رغباتها دون وعي، أغلقت الباب بالمفتاح فتنهد ودخل هو لحجرته مثلها موشومًا بالنبذ، ومحاطًا بخيبة الأمل تمدد فوق الأريكة مُفكرًا حتى غاص في النوم
ارتمت فوق الفِراش نادمة، تلوم نفسها وعقلها وتنهر قلبها هذا الذي بدا غريبًا عنها ومنفصلًا بمملكة خاصة، يحكم ويأمر وينهي غير خاضع لقوانين عقلها، قلبها الذي يضطرب في حضرته ويبصره بعين لا تعرفها، ويهدم كل السدود التي تبنيها..
لا تعرف سرّ الألفة ولا أسبابها، لا تعرف كيف يهدأ القلق بحضرته ولا تهدأ دقات القلب… تأففت فلا ينقصها لغز جديد ظلت مستيقظة حتى سمعته يخرج وقد ارتفع أذان الفجر، أدى فرضه وجلس أسفل نافذتها يتلو ورده اليومي الذي اعتادت أن تسيقظ عليه أو تنام عليه… ألقى تعويذته وسحره فأغمضت عينيها ونامت بطمأنينة.
يومًا ما ستخبره أن صوته كان مهدؤها الخاص.
*****
بعد مرور يومين
هبطت درجات السلّم تجذبها الرائحة المنتشرة والمنبعثة في المكان، فتشت عنهم حتى وجدتهم في حوش خلفي للمنزل دخلته مُلقيةً السلام الذي لم يجيب عليه سوى والدة روؤف الجالسة بعيدًا وحدها تفكك حبات الفايش وتبعدهم عن بعضهم«همي يا غزل ساعديني» اندفعت بفرحة وحماس جلست على ركبتيها فوق البساط الواسع وبدأت في النظر إلى نجاة وتقليدها، تتألم من حرارة المخبوزات فتنهاها نجاة بحنو «استني يا بتي بالراحة تتلسعي»
سألتها غزل ورائحته الشهية تغازل أنفها وتثير معدتها«ممكن أدوقه يا طنط»
رحبت السيدة بفرحة وبشاشة «واه أمال» منحتها واحدة فالتهمتها بشهية جلبت الابتسامة لفم نجاة بينما امتعضت آيات وأشاحت في غيظ قبل أن تنهض نافضة ملابسها ومغادرة.
أثنت غزل عليه وهي تغمض عينيها مستشعرة حلاوته في فمها «تحفة يا طنط بجد»
دخل راميًا السلام، نظر لما يصنعونه وابتسم ثم نظر لتلك التي تجلس أمام المخبوزات تلتهمها بشهية مفرطة،
نظرت إليه بصمت فابتسم لها بترحاب.
تحركت نجاة ناحية العجين وبدأت في تقطيعه لقطع متساوية ثم برمها لأصابع متساوية وصفها في صاج مدهون، راقبتها غزل بحب ثم نهضت واقتربت تطلب بعفوية «ممكن أساعدك؟»
نهتها الجدة بحدة وفظاظة شديدة«مش هتعرفي متبوظلناش العجين» أطبقت شفتيها وعادت بصمت لمكانها
استاءت من تلك المعاملة والنظرات، لكن والدته عز عليها حزنها وأسف ابنها فقالت متحدية رفض الجدة ومتجاهلة نظرات سماسم المعاتبة «اجعدي وهعلمك والله اليدين الحلوة دي هتجطّع أحسن من أي حد»
نظر رؤوف لوالدته نظرة رضا فهمتها، بينما جاورتها غزل تقلدها في ما تفعل بنشاط وحماس، هتفت نجاة «رؤوف هات الصيجان الي تلاك»
استنكرت الجدة بحنق«واه عايزة الاستاذ يجبلك ويساعدك؟»
قالت نجاة بضحكة وهي تنظر لرؤوف المتابع لزوجته بكل حب «أستاذ بس مش علي أنا أمه»
منحها ما طلبت وغادر المكان خارجًا من تأثيرها عليه، بينما ساعدت غزل الجميع بكل رضا وحب متجاهلة التعليقات الساخرة والنقد اللاذع مكتفيةً بإطراء نجاة والحديث معها..
بعد قليل عادت آيات وهي تشير للفرن «ما تجومي يا غزل احمي الفرن»
نهضت غزل في طاعة متجاهلة السخرية في نبرتها «حاضر»
رفضت نجاة ونهضت قائلة « لاه أنا هحمي»
اعترضت غزل وقالت ببسالة «خليكي أنا شوفتهم وهعمل زيهم»
لامت نظرات نجاة القلقة آيات، بينما جلست غزل أمام فوهة الفرن خالعة حجابها وأزاحته لتظهر حروقها واضحة للعيان مثيرة شفقة سماسم وتشفي آيات ورضاها.. بدأت في تلقيم الفرن الأوراق لكنها فجأة شردت في شكل النيران ولهيبها المتصاعد تذكرت حادثها المؤلم فغابت عن الحاضر ولم تشعر باشتعال النيران وخروجها من فوهة الفرن تجاهها، وضعت نجاة كفها على قلبها في ضيق وحزن بينما زفرت آيات بغل وهي تراه يركض وقد تزامنت صرخته باسمها مع صرختها هي، لينتبه الموجودين وتترقب أعينهم الحدث، ركض بخفة حتى وصل إليها وجذبها بسرعة لأحضانه مبتعدًا بها عن النار الشرهة للإلتهام، انكمشت بأحضانه تتنفس بسرعة عالية مما جعله يضمها أكثر لاهيًا ومشغولًا بها عن سواها، العالم فارغ والأصوات بعيدة والصور مموهة حوله، مسح بكفه على رأسها حامدًا الله قبل أن يفيق على كلمات والدته «ّسلّم يارب أنتِ بخير يابتي؟»
رفع رأسها محيطًا لها بكفيه غائصًا في نظراتها الزائغة يستفسر «أنتِ بخير»
توقفت الكلمات في حلقها كالشوكة فأدمعت بقهر جعله يسحبها غير عابيء بمن حولهما ولا نظراتهم المندهشة.. وحدها والدته نهضت تتبعه بخوف لتطمئن عليها، مسحت جسدها بنظراتها قبل أن تربت على خدها محتوية خوفها «مفيش حاجة متخافيش بسيطة»
مازالت غائبة عن الوعي منفصلة الروح تهز رأسها بتوهة أرعبته، فسألها برهبة «غزل فيكِ حاجة؟»
أشارت له والدته بشفقة «خدها يا ولدي شجتها وشوف النار صابتها ولا إيه»
سحبها محيطًا لها بذراعه في حماية وحنو حتى وصلا فدخل بها وأجلسها فوق الأريكة منحها عيناه الدافئة تغترف منها الحنان قدر حاجتها وتحيك من اهتمامه دثارًا يقيها لهيب الذكريات المشتعل بصدرها الآن، أمسك كفيها بحنو بالغ ومسح عليهما بكفه هامسًا بصوت دافيء كموسيقى ناعمة «اهدي خالص، متخافيش، مفيش حاجة»
تتسابق هي والألم في مضمارٍ الذكريات، تتنفس بسرعة وتشهق بارتياع، تشخص نظراتها في هلع ثم تغرق في ألم تعبر عنه بأنات خافتة، نبذ تحفظه بعيدًا ورفع كفه يمسح على رأسها مكررًا برقة بالغة «اهدي وخدي نفس، متخافيش أنا جنبك»
عبقت رئتيها بالهواء ثم زفرته محاولة ترتيب أنفاسها والخروج من هذا السباق دون خسائر، هبطت كفه لخدها وضمته وهو يهمس بنبرة دافئة تغلغلت كالضوء لروحها المظلمة «أنتِ بخير مفيش حاچة»
انتظمت أنفاسها فرفعت له عينين مغرورقتين في نهرٍ من الحزن، ابتسم لها هامسًا وهو يترك خدها ويعود لكفيها ضامًا لهما يوصل رسائله لجسدها عبرهما «سبحي بين كل نفس والتاني» تعلقت نظراتها المذعورة به وانصاعت لكلماته بفكرٍ غائم ، تتنفس مسبحة.. أغمضت عينيها تاركةً همساته في الخلفية تؤمن موضع ضعفها وتهدهد قلبها، فشد على كفيها هامسًا «ترتاحي شوية؟»
هزت رأسها بالرفض فابتسم هامسًا «احكيلك حكاية حلوة»
تشققت صلابة ملامحها بابتسامة ضعيفة فهمس بمرح «ايه رأيك ريحي عشان حكاياتي بتنوم»
فتحت عينيها فأطلت منها نظرة ضياع أوجعته، أشار لها «نامي وأنا هحكيلك»
سرقت منه نظرة طويلة مشبعة بحنوه قبل أن تتمدد ويدثرها ثم يضع كفه على رأسها ماسحًا وهو يحكي لها بصوته الساحر، يمرر كفه فوق خصلاتها مكررًا بعض المقاطع ثم توقف مستفسرًا «نمتي؟»
هزت رأسها وأجابته بامتعاض «لا بس بليز متموتش الأمير»
ضحك متمنيًا لو لثم جبينها ثم همس «لاه مش هموته هيتجوز الأميرة»
ابتسمت مثله وصمتت تستمع إليه في سعادة مسح بحنوه فوق وجعها فذهب ألمه، استخدم لها صوته الذي تحب لتهدأتها كسينفونية عذبة ساعدتها على الاسترخاء والنوم.
انتظمت أنفاسها فمال ولثم جبينها داعيًا لها وخرج ليطمئن والدته عليها.
استيقظت فوجدته جوارها فوق كرسيه شاردًا شفتاه تتحركان ببطٍ متزامن مع حركة أنامله، ابتسم حين اعتدلت فسألته وهي تتثاءب« نمت كتير»
مال بجذعه ناحيتها وأجابها «لاه مش كتير»
تأملته برهة قبل أن تستفسر بخجل «عطلتك؟»
أعاد ظهره للوراء مسترخيًا يخبرها بلطف «لاه مش ورايا حاجة أعملك حاجة تشربيها»رمقته بدهشة وهي تستفسر «أنت»
نهض تاركًا سؤالها معلق دون إجابة، اتجه للمطبخ وبعد قليل عاد إليها بكوب عصير، منحه لها فشكرته ممتنة وعاد هو لكرسيه بصمت «إيه الكرم دا كله يا متر؟»
أجابها بابتسامة جميلة «معلش أصلي متصدقتش النهادة زي كل يوم»
ارتشفت من كوب الليمون متسائلة «أنت الي عملته؟»
سخر منها بضحكة خافته «أكيد منزلكيش من السما يعني»
ضحكت وهي تتجرعه فصمت محركًا أنامله وشفتيه «بتقول إيه يا متر»
تنهد ثم أجابها بود «مالا يقضى بالفكر يقضى بالذكر»
استفسرت باهتمام وانتباه «بليز فهمني نص كلامك شفرات سرية»
اقترب بكرسيه من الأريكة، أمسك بكفها اليمنى وفرده تحت نظراتها المتتبعة بسحر، المتألقة بانبهار وبهمس رافقه ابتسامته الجذابة قال وهو يحرك أناملها«أنا لما بحتار فحاجة بستغفر باسم الله الفتاح، لما حد بيضايقني بسبح.. لما بزعل بصلي على النبي»
تركت أناملها وأنامله يكتبانِ عهدًا بالحب والقرب، يتعانقانِ ويتلامسانِ في رقة وغرام، واستأثرت بنظراته الدافئة الحنون التي تغمرها بالحب، وابتسامته الرائعة البهية، تتنقل نظراته بخفة ما بين أناملها ووجهها وهو يتحدث فسألته برقة «ودلوقت كنت بتقول إيه؟»
فكّر قليلًا ثم أجابها «في قضية شغلاني وبفكر فيها بستغفر عشان ربنا يفتحلي أبواب المعرفة»
تعلقت نظراتها به وهمست مأخوذة بسحره الطاغي ودون إرادة «أنت عظيم يا متر والله»
اتسعت ابتسامته وأجابها بتفهم «لاه مش عظيم العظمة لله وحده، والذكر دا فضل من ربنا، جربي الي بجولهولك وأبجي جوليلي حسيتي بإيه»
سحبت كفها وعرضت بخجل لوّن محياها «ممكن تقولي القضية وتحكيهالي وتقولي محتار ليه؟»
صمت بتفكير ونظرة طويلة ثم أجابها برضا «معنديش مانع بس جومي اتوضي وصلي والأول»
نفضت الدثار بقوة ونهضت بحماس وخفة قائلًا «حالا»
وجهها بلطف «أنا جاعد مستنيكي مستعجليش فصلاتك»
استدارت مبتسمة تسأل «أنتم كلكم كدا يا متر؟»
سألها بحاجبين ملتصقين «كده كيف؟»
ابتسمت متراجعة «ولا حاجة خلاص»
تذكر ما تذكرته وأخفته، ابتسم بتفهم ومكر فعادت إليه ما قطعته من خطوات مستفسرة بدلال «متر أنت صحيح خدت برأيي وطبقته فمشكلة البنت؟»
تظاهر بالدهشة وهز رأسه مراوغا بمكر «أنا لاه أنا محدش يمشي كلامه عليا»
مالت بوجهها ناحيته غامزة بشقاوة«يا متر اعترف بقا»
زفر بنظرة مستغيثة وهي بهذا القرب منه وهتف بضياع وانهزام «اعترف بايه ولا ايه بس يا شيخة روحي صلي»
انتصبت قائلة بمرح «يومًا ما هتعترف أنا مش مستعجلة»
ضحك قائلا باستسلام «يوما ما لازم اعترف يا هندسة»
عادت بعد صلاتها بملامح مضيئة مشرقة وابتسامة متألقة وأنفاس أكثر هدوءًا، جلست فوق الأريكة تشع حماسًا «يلا قولي يا متر بسرعة»
منحها وعيه واهتمامه قائلًا «جوليلي الأول ايه جعدك عند الفرن؟ وليه تعملي حاجة متعرفيهاش»
أسندت خدها بقبضتها قائلة «شوفتهم بيعملوا وعملت زيهم كان قصدي أساعد»
سألها بحزن «ليه النار بس يا بت الناس»
ضحكت موضحة برقة «فكرت عادي»
مال ناحيتها يقص عليها من نبأ قلبه «كنت فاكر زيك زمان بس النار هي النار»
ارتعش جسدها واهتز ثبات نظراتها، انطفأت من جديد وهي تزيح ركام الماضي المتهدم من على قلبها «صح يا متر، لما قعدت حسيتها سحبتني جواها وأكلتني زي الحطب وكل حاجة اتكررت خوفي وتوهتي وأنا بدور على حد يطلعني»
شعر بأن الماضي يسحبها من جديد لالتهامها فاقترب وسحب كفها ضامًا وهو يهمس بحنو «مفيش نار ركزي معاي»
عضت جانب شفتيها وابتسمت هامسةً وهي تسحب كفها «أنا كويسة»
عاد لمقعده من جديد أكثر هدوءًا وراحة فقالت عائدة لحماسها «يلا فين القضية يا متر»
شجعها وهو يتكيء للخلف في استرخاء «عالمكتب خشي جبيها يلا»
قفزت بعفوية من فوق الأريكة وركضت ممتلئة بالحيوية والنضارة، التقطته بسرعة وعادت به، تربعت فوق الأريكة ممسكة به فقال وهو يغمض عينيه «اقرأيه ولما تخلصي جوليلي نتناقش»
ضحكت بسعادة قائلة«تمام أوووي»
انهمكت هي في القراءة وغاص هو في أفكاره وحده
***”
اليوم التالي ببداية المساء
دخل المكان فاردًا ظهره بهيمنة وهيبة لا يملكها سواه واضعًا كفه اليمنى بجيب بنطاله، هتفت من خلفه
«لابس أسود ليه يا متر دا حتى الدنيا حر يا أخي» استدار بنفس ملامحه، تأمل جلستها وما ترتديه ثم قال بجمود
«خير وأنتِ مالك؟»
هزت رأسه مبتسمة وصمتت فتنهد واقترب منها مستفسرًا «بتعملي إيه؟»
رمته بنظرة لامعة ممتلئة بالشقاوة وأجابت مقلدة طريقته«خير وأنت مالك؟»
ابتسم رغمًا عنه ورفع رأسه«آسف»
بادلته أسفه برقة«وأنا كمان يا متر»
نهضت واقفة تقفز بحركات منظمة، وهي تخبره «والله يا متر أنا وقفت على الميزان معرفتنيش بصيت على كرتونة الفايش بتاعة طنط ملقتهاش ففهمت»
تأمل تمريناتها مستفسرًا بحلم «تمام بالهنا نجبلك غيرها كتير»
توقفت واقتربت متوسلة «لا أرجوك الحمدلله انها خلصت ومتجبليش حاجة ولا تبلغ طنط خليها تظغطك أنت مبيأثرش فيك» قالتها وهي تتأمله بنظرة جانبيه متفحمة بالغيرة فضحك قائلًا «اعتبر ده حقد»
اقتربت منه أكثر ولفت ذراعها حول ذراعه وسارت به خطوتين موضحة بإحباط «متر أنت بتاكل أكل طنط نجاة ومبتتخنش ليه؟» تركت ذراعه وقالت بتأفف مغتاظ واستنكار ضاحك «يا ابني دا كفاية قرص العجوة بالسمنة البلدي»
مازحها قائلًا وهو يتأملها بنظرة أضاءت سراجها بنظراتها «لو جرالي حاجة هعرف دي عينك علطول»
عادت إليه من جديد ولفت ذراعها حول ذراعه قائلة برقتها المعهودة وحنانها الغزير «لا ياسيدي بعد الشر عنك أنت اديني الطريقة وبس»
أجاب بجدية ونظراته تقف عند حدود عينيها كشطان «ولا حاجة باكل كميات قليلة» أكدت بصراحة وهي تهرب بنظراتها من أسره «أنا لاحظت كدا برضو»
رفع حاجبه مستفسرًا «ولاحظتي إيه كمان؟»
سقطت في فخه دون انتباه ولم تقاوم بل ابتسمت متوردة بخجل وغيرت الحديث منزلقة من بين أنامل قبضة سؤاله«كنت جاي ليه بقا معلش عطلتك»
استدار وتحرك للشقة دون إجابه فتنفست برضا وتابعت ما تفعل، بعد قليل خرج بعدما أبدل ملابسه لأخرى بيتية مُريحة وجلس بالقرب منها يستفسر «متعبتيش من التنطيط؟»
سرقت دقيقة هدوء من أنفاسها اللاهثة وأجابته «لا»
انشغل بهاتفه وظلت هي تتدرب كثيرًا أمامه تائهة وشاردة، زفر بضيق وهو يراها تقفز أمامه بحيوية ونشاط، حوقل لاعنًا قبل أن يرن هاتفه ويُجيب المستفسر «فينك غايب يا أبو الصحاب»
تأملها بنظرة غرام ذائبة وأجابه مُحطمًا برغبته وشغفه «آه لو تعرف الي صاحبك فيه ؟ عُقب شقا وحِزن والله قاعدي أنا فقعر الأيام؟»
ضحك زين مستفسرًا بوقاحة «شكله محصلش»
حك رؤوف ذقنه ونظراته تتابعها بهيام كلما انطفأ تشعله من سحرها الطاغي «هتموتني جبلها بعمايلها والله»
ضحك زين متشفيًا فيه شامتًا «مش قولت سيبها هناك وتسيبك من الكلام الفاضي وتتجوزها وتعسل البت راضية ومتعلقة بيك وبرسايلك قولت لاه ورجعتها مرتاح كده »
هرش فروته قائلًا بإحباط وهو يطارد تحركاتها بنظراته المحبة «لاه دي مش هشوف معاها راحة»
ضحك زين ساخرًا منه «أحسن المهم أنا فقنا مع الجماعة ما تيجي بالليل تسهر معانا»
فكر رؤوف قليلًا ثم أجابه «تمام جايلك بالمرة أشوف حمزة»
أنهى الاتصال وظل مكانه يتابعها بيأس حتى نهض مغمغمًا «أجوم أرنها علجة دي يا أبوي ولا أهبب إيه عشان تهمد وتبطل تنطيط»
تحرّك ناحيتها متظاهرًا بالضيق والغضب بعدما لاحظ وجود السماعات في أذنها
انسجمت هي مع سماعات أذنها متأثرة بالكلمات التي تنساب وتتغلغل في الروح باحثة عن مصدر إلهامها وشقائها، وبتأثر تدفقت الذكريات فتمتمت الكلمات بحزن بدا عتيقًا على ملامحها وظهر انشغالها عنه واضحًا، لم يشفع لوعيها وقوفه ظل هاربًا يطارد الذكريات.
ضغط شفاهه السفلى بغيظ وهو يراها هكذا متجاهلة باردة وبعيدة جدًا، صفق بكفيه ولا يعرف ماذا أصابه، تلك المشاعر تصيبه كنزلة برد آخر عهده بها منذ سنوات «وجفي وروحي اعمليلي شاي»
صوبها بنظرة حادة وأمر غليظ فسكنت بصمت وقد بدأت في معرفته قليلًا وأصبحت تفطن لانفعالاته وأحواله، لا يتحدث بلهجته إلا حين يغضب، أومأت بطاعة قبل أن تتحرك مُلبية وتغادر تاركة له يتململ على جمر الغيرة والغيظ.. بعد قليل جاءت بالكوب وضعته أمامه فأمرها «هاتي نعناع»
تحركت لزروعها قطفت ورقتين وعادت بهما إليه، ثم جلست جواره منشغلة مرة أخرى في عالمها، تذوق الشاي وهو يراقبها والغيظ يتفاقم وفضوله يصرخ ماذا أصابها وما سبب شرودها الغريب «الشاي ناجص سُكر»
رفعت حاجبها قبل أن تنهض وتغادر تاركة سماعة أُذنها والهاتف، تحرك قليلًا يسحبه ليسمع ما يشغلها، خُطف بروعة الكلمات واحساسها، استمع رغم ضيقه بمتعة وابتسامة أبحرت رغم عواصف الرفض..
أحس بحركتها فترك كل شيء مكانه وعاد لمكانه برزانة يسيطر على انفعاله، وضعت السكر الذي يحتاج تحت نظراته وبعدها جلست.
ارتشف منغمسًا مثلها في أفكاره وحروب نفسه وعواطفه المتشابكة.
***
عاد من سهرته الرائقة يدندن متشبعًا بعاطفة شديدة تمنى لو منحها لها كاملة دون نقصان أو شاركها إياها على الأقل ،
سعيدًا ومنطلقًا للحد الذي يجعله لو سألته سيعترف لها أنه حامد وأنه صاحب الرسائل وأنه وقع في غرامها منذ رآها وأنه لا يريد سواها رفيقة للأيام وونسًا للياليه.
بحث عنها بنظراته وهو يواصل الدندنة بمزاج معتدل ثم وقف خلف السور يتنفس بعمق، ملّ انتظارها فتحرك ناحية النافذة ليطرق وقبل أن تضرب أنامله الخشب وصله هتافها أولًا مُزيحًا الستار عن خديعتها «تمام أنا بنفذ كل الي اتفقنا عليه زي ما قولتلي وبتقرب منه عشان يطمنلي…»
بهتت ملامحه وتمسك بحواف النافذة مترنحًا، كلماتها تشبه عصا أبيها الغليظة التي سقطت غدرًا فوق رأسه، خداعها اللحظة بمثابة ضربة أخرى مباغتة وغادرة فوق رأسه، ثبّت كفه على الجدار مستمدًا من ثباته القوة ليعتدل وتتزن أفكاره
«لسه مدخلتش الأوضة ولا دورت، تمام هدخل يا بابا فالوقت المناسب»
تحولت عيناه لجمرتين مشتعلتين من الحقد والغضب، كتم صرخة عضبه في صدره، وهوينظر لكفه العليلة بحزن فاض وأغرق الكون حوله بالظلام، الظلام الذي لملم النور بأحفانه وطواه كبساط ثم تسلل لروحه واحتل كيانه… فأضحى كل شيء حوله لا يرى..
” مَن لزَمَ الصلاةُ على النَبيّ ﷺ
كُفى همّهُ وغُفِرَ ذنبهُ
اللهُمَّ صَلّي وسَلّم وبارِك علي سيدنا وحبيبُنا مُحَمَّد ﷺ ❤🕊.. “