
بعد منتصف الليل عاد ، شيء ما دعاه ليطمئن عليها بعد ما كان ، مرّ من أمام حجرة والدته التي طلبت أن تبيت عندها الليلة، همس خافت رافقه وأزعجه حتى قاده إليها فاقترب أكثر يسترق السمع ، فتحت والدته الباب فوجدته أمامها، حمدت الله ثم قالت مستنجدة « الحقني غزل تعبانة جوي يا ولدي معرفاش أعمل إيه؟»
غادرت والدته لتحضر المزيد من الغطاء وبعض الأدوية.
وقف هو على عتبة باب الحجرة يتأمل رقدتها فوق الفِراش بإحساس بالذنب وندم ينهش كبده ويعصر فؤاده، نائمة على جنبها الأيسر، خصلاتها الحمراء الناعمة القصيرة تسقط من على حافة الفِراش متدلية، تتأرجح مع أناتها الخافتة التي تصدرها وهي نائمة في غيبوبة لا تعي منها سوى الوجع والألم، تضم جسدها المرتجف بذراعيها في حماية وطلبًا للدفء.
اقترب منها وانحنى خلف رأسها يلملم خصلاتها المتدلية في قبضته والحزن يكسوه ثم أراح شفتيه فوق جبينها متحسسًا، أزعجته حرارة جسدها وابتعد عنها مصعوقًا في عجز، نادت بصوت خافت متداخل «حامد،قاسم»مرر كفه على جبهتها وهو يهمس مستغلًا غيبوبتها «اطمني أنا جنبك»أراد لصوته أن ينفذ إلى اللاوعي ويصل لكنها كررت وحمتها تفور «قاسم»
ابتعد واقفًا يسحب الأغطية ويدثرها بها داعيًا لها بالشفاء ولقلبه بالصمود ثم جلس على ركبتيه وفرد ذراعه حول جذعها ضامًا لها يهمس مؤكدًا «أنا جنبك»
جاهدت لفتح عينيها المصبوغة بالحمرة ذابلة النظرات، فلفّ رأسه بالشال الذي يلقيه على كتفه استعدادًا لتمريرالأمر
إلى غياهب وعيها، همست متوسلة بأعين تصارع بين الواقع والخيال «وديني لحامد يا طاهر»ثم بكت متألمة ترجوه «عايزة حامد يا طاهر،مشيني من هنا»
تبدلت ملامحه أصابها خريف الهوى فسقطت أوراق جموده وتعرت فهمس وهو يقبّل رأسها «أنا جنبك»
فتحت عينيها ببطء وتثاقل، رأت الجالس أمامها ملثم كعادته، فشهقت ذاهلة تهمس باسمه في وهن «حامد»
همس باللقب الذي تحب وهو يمرر أنامله على خدها «كيفك يا غريبة؟» حاولت الاعتدال لكن جسدها وهن ويبس عوده فلم تقدر، طمأنها برفق «خليكي مرتاحة»
همست بدموع وصوت مختنق بغصة وهي تجاهد لتبقى عيناها مفتوحة «مش قادرة أقوم كل حاجة بتمنعني عنك » مسح على رأسها بحنو، ثم هبط بكفه على وجهها مسحه وهمس «اجمدي عايزك علطول قوية »
توسلته وهي تحتضنه بنظرة مشوشة وصورة تبتعد وتُطمس «خدني من هنا عند قاسم»
طمأنها بحنو ورفق وهو يلثم جبينها الملتهب«هاخدك متخافيش بس اصبري»
توسلته وهي تحرك كفها تريد كفه «خليك جنبي» ناولها لها قبل أن تغيب عن الدنيا تاركة تأوهات ألمها وضعفها سهامًا مسمومة تصوّب لقلبه..
عادت والدته حاملة الأغطية وبعض الدواء، فرفع الشال عن ملامحه ونهض لمساعدتها، تناول الغطاء وزمّل المرتجفة، ثم جلس جوارها ورفع رأسها لصدره هامسًا وهو يضع حبات الدواء بين شفتيها «خدي يا غزل»
كانت غائبة فحاول جاهدًا لتبتلع حتى نجح وبعدها نهض قائلًا «هطلع أشوف صيدلية فاتحة أجبلها محاليل وإبر مش هينفع كده»
جلست والدته جوارها قائلة «هتلاجي دلوك؟» لفّ شاله ثانيةً؛ ليقيه برد تلك الساعة وخرج قائلًا «هدور وأشوف يا أما بإذن الله هلاجي»
بعد مرور وقت كان يطرق مستأذنًا فهتفت والدته بلهفة وقد كانت مستيقظة تمسح لها وجهها بقماشة مبتلة من وقتٍ لأخر، اندفع يسأل وهو ينزع عنه الشال ويضعه بعيدًا «طمنيني يا أما؟»
أجابته والدته بحزن «يعني أحسن شوية »
رفع كمي جلبابه واقترب يدس جهاز الحرار بفمها، بعد قليل سحبه قائلًا بيأس«حرارتها لسه عالية جوي معرفش خدت ميكروب من المية ولا خدت برد ولا في إيه»
أفرغ كيس الدواء وبدأ في إسعافها بسرعة، غرس إبرة المحلول في كفها فتأوهت مما جعله يهمس مواسيًا دون حذر «معلش يا بطلتي اتحملي»
كان ينفّذ تعليمات الطبيب بمهنية شديدة وبعدها جلس منهكًا ممسكًا بجهاز الحرارة داعيًا لها هاتفًا بوالدته مشفقًا عليها «ارتاحي يا أما أنا جاعد جارها»
تمددت جوارها وظل هو جالسًا فوق كرسي جوار الفِراش منحنيًا بجذعه ناحيتها يمسح فوق رأسها وجبهتها بحنان وهو يهمس «شعرك حلو يا غزالي حبيته جوي»
ثم ابتسم وهمس لها كأن همسه يصلها في عالمها «قاسم بيسأل عليكي دايمًا وبيجولك لسه عالعهد مالوش أصحاب غيرك» أعاد ظهره للوراء متنهدًا ينظر لعبوّة المحلول المرتفعة بزفرة حزن، مغمضًا عينيه منتظرًا حتى شعر بتقلبها ففتح عينيه ومال يهمس متحسسًا جبهتها «حاسة بإيه يا غزالي»
حمد الله على انخفاض حرارتها ونهض ليصلي قيامه ويذكر الله كما تعوّد.. بعد مرور مدة عاد ليتحسس جبهتها من جديد وحين تسرب إليه الاطمئنان من جسدها البارد جلس فوق الكرسي ممسكًا بمصحفه يقرأ ورده..
استيقظت نجاة فوجدته نائمًا أشفقت عليه فأيقظته «جوم يا ضنايا اتمدد على الكنبة»
نظر حوله مستردًا وعيه قبل أن يميل ناحية جسد غزل متحسسًا من جديد، ابتسمت والدته مطمئنة «بجت كويسة اسحب الإبرة وغطيها وريّح شوية يا ولدي أنا نازلة أفطر أبوك وجدتك»
لثم كفها بتقديرٍ وحنو قبل أن تغادر مغلقة خلفها وتتركه يسحب من كفها الانبوب هامسًا بحنو«سلامتك يا غزالي أجر وعافية»
انحنى ملثمًا جبينها بحب واتجه ناحية الأريكة الموجودة بالحجرة تمدد متدثرًا وغاص في نوم مضطرب… استيقظ بعد مرور ثلاث ساعات في موعده المعتاد وغادر بعدما اطمئن عليها… ظهرًا حين علم طاهر اندفع لحجرة زوجة خاله استقبلته غزل بحب فجلس جوارها قائلًا «جومي غيري هنروح الدكتور»
نظرت للإبرة بظاهر كفها هامسةً بوهن «أنت مقصرتش مفيش داعي يا طاهر»
تحسس جبهتها مستفسرًا بقلق وهو يتأمل ذبولها وإرهاقها الواضح «أنتِ كويسة يا حبيبتي»
طمأنته وهي تربت على كفه «والله بخير كيس علاج ومحلول مقصرتش بسيطة بإذن الله»
قال بإصرار وهو يساعدها على النهوض «لازم نروح الدكتور ونعرف سبب تعبك يا غزل» همست بوهن «مفيش داعي»
طرق رؤوف الباب مستأذنًا الدخول فسمح له طاهر، سألها عن حالها فأجابته ثم دعم طاهر في طلبه «لازم تروحي للدكتور مفيش حاجة اسمها لاه… ثم وجّه كلماته لطاهر «جوم البس يا طاهر يلا علشان تروح معاها» أومأ طاهر وانسحب مطيعًا لقوله ينفذ فورًا، حررأخيرًا شوقه مغتنمًا من ملامحها ليهدأ خافقه الثائر بصدره، قالت ممازحة «مفيش داعي يا متر للدكتور متخافش مش هقول قصرتوا ولو مُت محدش هيحاسبكم»
عبس في ضيق وأغلق جفنيه متعذبًا بافتراضها ثم فتح عينيه ونظر إليها قائلًا بمزاح مماثل «أنتِ روح أكيد ربنا هيحاسبنا يا بشمهندسة»
قالت بصدق «لو أقدر أعفيك يومها هعمل كده»
فاجئها بقوله وعتبه المستتر «ناوية تعيشي العمر تشيلي عن غيرك وتحمّلي نفسك كل حاجة؟»
صمتت متفاجئة ذاهلة ومأخوذة بعتابه الصادق فتابع بحزن «نفسك هتاجي وقت وتلومك والي بتكتميه جواها هيطلع غصب عنك ومن غير إرادتك»
توسعت عيناها على وجهه فابتسم قائلًا لا يمنحها حرية الرد ولا التفكير فيما قال «اجهزي علشان نمشي أنا حجزتلك عند دكتور»
رمشت بعينيها قائلة «بسرعة كده طيب هدومي فوق»
شاكسها قائلًا «لو تحبي ممكن أطلّعك»
استفسرت ببراءة وعفوية «ازاي طيب؟»
اتسعت ابتسامته وهو يوضح ببساطة امتزجت بمكره «عادي هشيلك»
انكمشت عابسة برفض وهي تتأمله بنظرة منزعجة «لا طبعا مش كل مرة أنا زي الفل وأقدر أطلع»
فك ذراعيه من خلف ظهره وفرد ذراعه اليمنى موجهها للباب يشجعها بابتسامة حنون «يلا وريني شطارتك»
ألقت الدثار ونهضت محافظة على ثباتها وقوتها بتشبثها بحافة الفِراش، ترنحت قليلًا حين تركته واختل توازنها فاقترب بسرعة محيطًا خصرها في دعم مستغلًا كل فرصة تقربه منها، تملصت منه منزعجة تهمس باسمه في ضيق غير قادرة على الصياح وهذا الدوار يحملها فوق بساطه «رؤوف ابعد» ابتهج لنطقها اسمه بهذه الرقة فابتعد مبررًا بجدية كاذبة «كنتي هتجعي على فكرة»
ابتعدت عنه مستندة على الجدار، وهو يتابعها بصمت وصبر، طرق طاهر الباب مناديًا فأجابته بلهفة وهي تتنهد بارتياح لإنقاذها «ادخل يا طاهر» دخل طاهر ففردت ذراعيها مستنجدة به «تعالى ساعدني يلا أطلع فوق»
نظر لرؤوف بحرج وتردد فمنحه رؤوف الإذن بضجر ليتقدم ويساعدها، أمسك طاهر بذراعها ومرّ من أمامه فهمس رؤوف بغيظ «يسد بيت أبوك يا طاهر»
كتم طاهر ضحكته وغادر تاركًا خلفه أخيه يشتغل غيظًا وغيرة.
*************
بعد مرور ثلاثة أيام
دخل ليطمئن عليها بعدما سمحت له بالدخول فسمح هو لشوقه بالعبور لنوافذ عينيه حين رآها، وقف وقفته المعتادة وسألها «عاملة إيه؟»
أجابته بوهن ونظرة ذابلة فقدت حيويتها «الحمدلله»
أشاح في هزيمة ضائقًا برؤيتها هكذا وقال «محتاجة حاجة؟»
هزت رأسها ونظراتها تمنحه الشكر والامتنان «لا الحمدلله»
سألها بلهفة غلبته وهو يعيد نظراته إليها صاغرًا «متى هترجعي فوق؟»
حرّك رأسه يلوم نفسه على تهوره واندفاعه قبل أن يصحح بصلابة «أجصد هتجعدي هنا كتير مع أمي؟»
تأفف ولم يعجبه ما قال ولا صياغة السؤال فتوتر أكثر، ضحكت بنعومة فاستغفر مبررًا «أبوي تعب من نومة المندرة»
جاءه والده من خلفه مصححًا بضحكة ماكرة «وحياة أمك»
هرش رؤوف مؤخرة رأسه في حرج بينما جلس عدنان جوار غزل قائلًا بتشفي «متعبتش ولا حاجة ميهمش المهم بشمهندستنا تجوم بالسلامة»
عض رؤوف باطن شفتيه في غيظٍ وحنق فمسح عدنان رأسها ليثير أعصابه وقال مرحبًا بوجودها «خليها جاعدة مونساني وبتقرألي كل يوم ولا الحوجة والعوزة للي يسوى والي ميسواش»
شكرته بلطف «شكرًا يا عمو بس أنا هطلع علشان فعلا كفاية» ثم مازحته غامزة بمرح «علشان مبقاش عزول»
تهلل وجه رؤوف وبشّ في رضا فقال والده رافضًا «لاه خليكي»
جز رؤوف على أسنانه داعيًا ألا تتراجع، لكنها نهضت في عزم مقررة التنفيذ في الحال «لا خلاص كفاية أنا هطلع زرعي وحشني يا عمو»
تحركت تجاه رؤوف فقال عدنان «هتضلم هنا وتنور فوق»
ضحكت شاكرة له بأدب ومودة «ربنا يخليك يا عمو وشكرًا على ضيافتكم»
ابتسم عدنان قائلًا وهو يراقب مشاعر ولده الواضحة وفرحته الظاهرة «الشكرلله ابجي كرريها»
قالت وهي تقف جوار الواقف صامتًا يراقب ويستمع دون تدخل «يلا يا متر»
تحرك أمامها وهي خلفه، قابلت في طريقها سماسم التي وقفت متحيرة تنازع بين رغبة السؤال والصمت، فابتسمت غزل واقتربت محيية بلطف وبشاشة «ازيك يا طنط» همست سماسم متظاهرة بالجفاء «الحمدلله» ثم غلبها لطفها واستحكمت طيبتها وسألت«بجيتي كويسة ؟»
أجابتها ممتنة لمشاعرها وحنوها«الحمدلله» ثم ودعتها وصعدت خلف الواقف منتظرًا لا يريد الصعود مجددًا دونها، نظر إليها طويلًا وهي تخطو تجاهه فسألته بمزاح «مستنيني ولا إيه؟» صمت متمنيًا لو أخبرها أنه حرّم على نفسه خلوته دونها، وأنه كان يقتسم مع والده المندرة في تعاسة وشقاء، وأنه كره الصعود وحده ولم يحب المكان دونها، هذا المكان الذي صنعه بنفسه ولنفسه أصبح دونها موحشًا لا يرتاح فيه كما قبل ولا يطمئن إلا حين تجاوره… قال مبررًا وهو يصعد أمامها «لاه ابدًا بس أنتِ لسه تعبانة أخاف تجعي،أو تدوخي»
أجابته وهي تمر خلفه من أمام شقة آيات «لا اطمن أنا بخير وأقدر أطلع لوحدي»
خرجت آيات على صوتيهما ابتسمت قائلة «رؤوف هستناك زي كل ليلة»
ثم بررت كأنما للتو انتبهت لوجود غزل «ازيك يا غزل بجيتي أحسن؟»
استخفت غزل بقولها فكرمشت ملامحها بانفعال متهكم وهي تراها أمامها بقميص حريري وفوقه مئزره بسطت لها غزل ملامحها وألقت لها قبلة في الهواء قائلة بتدليل مستفز قصدته كرد على ما قالته «الحمدلله يا يويا بخير أووي» بعدها سبقته غيرمنتظرة لكنها توقفت عن المواصلة حين نظر رؤوف لآيات بحنق وأجابها بابتسامة متهكمة فاضحًا كيدها «مش هاجي زي كل ليلة يا آيات»
كتمت غزل ضحكاتها وواصلت الصعود وهو خلفها، حين وصلا مغلقين خلفهما باب السطح عاتبته على قوله «كسفتها وأحرجتها حرام»
رفع حاجبه قائلًا وهو يأخذ راحته في تأملها «أنتِ مالك؟»
سألته بابتسامة ناعمة ومرح افتقده «هدنة ولا حرب؟»
ابتسم سعيدًا بعودتها وعودة الفرح لمجرى قلبه بوجودها، تدفقت الحياة في أوردته أخيرًا « أنتِ خفيتي خلاص يبجا حرب»
ابتسمت قائلة وهي تتحرك ناحية الزرع «ماشي حرب»
تأملت ما زرعته مثنية على اهتمامه به وعنايته «شكرًا إنك اهتميت يا متر بوردي وزرعي»
نكر قائلًا بمرح وهو يسير خلفها وهي تتنقل للإطمئنان على زرعها «عشان حرام لولا كِده مكنتش راعيت لحاجة تخصك»
أجابته ببساطة وهدوء وتسامح «المهم خدت بالك منه أيًا كان الغرض»
«وحشتيني» قالها لا يعرف كيف خرجت منه ولا كيف هربت من مخبأ النفس، كيف حلت وثاقها وركضت دون حيطة أو حذر، لكنه مثقلٌ بها لم تهدأ نفسه حتى قالها، كانت الكلمة جمرة في حشا الروح راقدة تتوهج حتى لفظها، استدارت مستفسرة «بتقول حاجة يا متر؟»
غطى وجهه بكفه قليلًا ثم مرره حتى ذقنه وقال «لاه مجولتش» شككت في قوله برفعة حاجب ونظرة رافضة، فتحرّك هاربًا وهو يقول «ارتاحي شوية وبعدين شوفيه»
دخل حجرته وتركها حائرة لدقائق، قبل أن تزفر وتغادر لحجرتها معتصمة بها.
*************
جلست فوق الدرج جلستهما المعتادة واضعة الشال جوارها في قدسية، تنظر إليه من حين لأخر مؤنبة نفسها على قرارها، تغالطها وتناقشها وترمي لها الأعذار كحطب للنيران، لكنها عازمة ولشدة عزمها وإصرارها وضعته جوارها لا بين يديها حتى لا تضعف أو تأخذها سنة من غفلة.. مدت كفها تريد لمسه ربما تعلق الرائحة بكفها لكنها تراجعت في حزم وأعادت كفها في إصرار، سيجت نفسها بالقوة ونظرت أمامها منتظرة مجيء طاهر، صعد الدرج راكضًا حتى وصل إليها لاهثّا ينحني ملتقطًا أنفاسه قبل أن يرمي سلامه «ازيك يا هندسة»
ابتسمت هامسةً بصوت دثره الشجن «ازيك يا حبيبي اقعد»
نظر للشال بصمت قبل أن يجلس على الدرج الذي يلي ما تجلس عليه ويميل ناحيتها مستفسرًا بقلق «مالك يا غزل؟»
بللت حلقها وأجابته بابتسامة كلمعة سيف «مفيش أنا كويسة كنت عايزة أديك حاجة ترجعها لأصحابها» ختمت قولها ناظرة للشال فسأل وهو يمسك به مندهشًا «دا شال جدي»
ابتسمت غزل مستمعة لكلماته التي أطلقها وهو يتأمل الشال «كان أداه لأخوي هدية» أصابت كلماته عمق القلب، عصرته فضاق صدرها بينما تابع طاهر يحكي لها السطور الناقصة في الحكاية «أخوي بيحبه جوي وغالي عليه كيف خدتيه وليه هترجعيه؟»
ألمتها الكلمات فجف غصن قوتها وتساقت أوراق صلابتها.
قالت متأثرة بتلك المكانة التي رفعها لها حامد بأن منحها هدية غالية كتلك، وعز عليها بعدما سمعت أن تردها إليه ولا تحتفظ بها لكنها لو فعلت لوصمها ضميرها بالخيانة لأشقاها وعذبها برغبتها طوال العمر، هي أرق من أن تتحمل جلدات ضميرها الحي، هي تقبلت أن تصبح زوجة رؤوف فلتتحمل وتحافظ على اسمه حتى من أفكارها وأحلامها.. لم تكن يومًا خائنة ولن تكون حتى لو كانت زوجة غير فعلية.
التقطت أنفاسها وقالت وهي تنظر أسفل قدميها متذكرة ما حدث بشجن «لما كلمتني صفوة وعيطت بخوف مقدرتش أتحمل وماما كمان كلمتني وطلبت مني أنزل وأتصرف لإن صفوة مش هتعرف وعلشان أقف مع بابا وأسانده لإنه رافض إن ماما ترجع وهي خايفة على صفوة، علطول قررت وحجزت، بس قولت أكسب وقت وأنزل على قنا أشوفك ونتكلم وللأسف يومها حصل تعطيل ووصلت متأخر لما ركبت عربية تجيبني لعندك عملت حادثة في الطريق الصحراوي واتأخر الإنقاذ بس الحمدلله كنت كويسة وإصابة بسيطة قومت واتحركت ومشيت بس مكملتش ووقعت بعدها فوقت لقيتني فبيت»
صمتت تاركة لدموعها التعبير عن وجعها الداخلي وحقيقته، ربما لا تقدر الكلمات على وصف ألمها اللحظة لكن الدموع قادرة وربما تمنحها الراحة.. مسح طاهر فوق رأسها مؤازرًا بحنو فتابعت دون أن ترفع رأسها «فبيت صغير جميل وهادي كله دفا وحب ورضا، عند واحد اسمه حامد وابنه اسمه قاسم وعبود ورأفة والخالة تماضر» تبدلت حالتها كليًا وهي تحكي له عنهم وعن حسن ضيافتهم وكرمهم وما أغدقوه عليها من محبة وتقدير واحترام، ثم قالت بحسرة «مكنتش أعرف غير اسمه حامد بيتاجر في الغلة مدانيش أي معلومة تانية ولما طلبت العنوان مكتبهوش وأنا اتكسفت أطلب بعد ما طلب مني أمشي»
رفعت عيناها المغرورقة بالدموع قائلة «بس والله مش زعلانة منه يا طاهر مشيت وأنا راضية وحتى بعد ما عرفت إنه أخوكم وتوأم رؤوف وإنه ممكن مشاني علشان أنا بنت مرتضى التمست له العذر أكتر، هو وأكيد خاف على قاسم مني صح يا طاهر؟»
ضم طاهر وجهها بكفيه مشاركًا لها عذابها وحزنها يتوسلها برقة «لاه مخافش ولا حاجة أنا متأكد»
تماسكت رافعة وجهها خاذلة كفيه، التقطت أنفاسها وقالت «اديله الشال وأشكرهولي وقوله عمري ما هنسى ضيافته وكرمه وسلملي على قاسم كتير يا طاهر»
سألها طاهر متألمًا لأجلها معذب الفؤاد بانهيارها «ليه خليه معاكي دا هدية ولو عايزة هخليكي تكلمي قاسم كل ساعة»
عضت جانب شفتيها كاتمة بكاءها وحسرتها في قلبها وقالت «لا، وجود الشال هيفتح باب محبش أفتحه يا طاهر، وكلامي لقاسم برضو هيخليني أفكر وأنا مش عايزة أفكر أنا أبسط وأضعف من إني أشيل ذنب التفكير فحاجة »
سألها طاهر وهو لا يقدر على فك شفرات كلماتها ولا حل اللغز «حبيتي أخوي حامد»
نظرت لعينيه بقوة مفكرة في الإجابة، فأمسك طاهر بكفها مطمئنًا يعدها بحفظ السر إن قالته، فربتت على كفه تمنحه المحبة والثقة قائلة «يمكن مش عارفة ولإني مش عارفة خايفة، رؤوف ميستاهلش الخيانة حتى لو جوازنا صوري وأنا مستاهلش أشيل ذنبه ومقدرش عليه بس أقدر أموّت كل حاجة جوايا وأدفنها زي حاجات كتير»
أدمعت عينا طاهر وقال بصدق وانبهار «أنا فخور بيكِ يا هندسة ومبسوط إنك أختي»
أكدت بهزة رأس «وأنا كمان يا طاهر»
ثم قال بثقة «جومي يلا البسي هنستأذن رؤوف ونطلع نتمشى»
رفضت وهي تمسح آخر دموعها «لا هروح أخد العلاج وأنام شوية »
نهض قائلًا وهو يسحبها من كفها لتقف «جومي طيب يلا ارتاحي هعمل حاجة وارجعلك لو مش هتنامي»
أومأت مبتسمة فغادر ممسكًا بالشال وانعزلت هي بحجرتها… في المندرة بالأسف دخل طاهر بعدما طرق واستأذن، وجد رؤوف كعادته خلف مكتب صغير منعزل يقرأ أو يراجع قضية رفع رؤوف نظراته فرآه يدخل ممسكًا بشال بملامح غامضة ونظرتة يستوطنها الحزن ويعمر فيها وتمتد جذوره للنفس..
جلس طاهر واضعًا الشال فوق المكتب بينهما، أطرق قليلًا بحزن فترك الآخر ما بيديه وانتبه له وقد عرف الشال، اضطربت دقات قلبه وانتظر بثبات ما ستأتي به رياح المعرفة.. نظر طاهر أمامه قائلًا بنبرة تموج ما بين الإعجاب والحزن «غزل ادتهوني وجالتلي أرجعه لصاحبه»
نظر لعيني أخيه دون تمهيد فارتبك رؤوف قبل أن يسيطر على نفسه ويستعيد ثقته منتظرًا وقلبه ينبض بقوة مُعلنًا التمرد والعصيان، أردف طاهر «أختي حست إنها لو فضل معاها كده بتخونك ولو كلمتك قاسم هتبقى بتجرحك، وإن مجرد التفكير فحامد غلط ومش صح مهما كانت طريقة جوازكم»
انحنت الثقة في عينيه للحنين بقلبه، لانت النظرة وأخضعت الجوارح، ابتسم منبهرًا متأثرًا ومُحبًا، قلبه يضرب مُعلنًا الشوق والعشق… سأله رؤوف بلهفة «غزل اتعلقت بحامد؟»
ابتسم طاهر لمفارقات القدر قائلا بعدم تصديق «اتعلقت برؤوف ورسايله وحامد وولده، كل مرة هربت منك رجعتلك.. كنها جدرك يا متر»
ابتلع رؤوف ريقه وصمت فتابع طاهر «تنقذها مرة من النار ومرة من نفسها ومرة تيجي على بابك وتنقذها برضك ومرة تاجيك برجليها وتوافق على جوازك دي مش علامة برضك؟»
استفسر رؤوف وهو يبعد نظراته عن مرمى نظرات طاهر «على إيه؟»
أجابه طاهر برجاء «إنك تتأكد إنها ليك، إنك تريحها وتحكيلها الحقيقة وتجولها إنك حامد الي خايفة تخون رؤوف معاه وإنكم واحد ومتكدبش عليها»
قال رؤوف بجمود «لاه مش دلوك»
انتفض طاهر غاضبًا يسأل «ليه لاه؟ أنا مش فاهمك ولا عارف ليه مبتريحهاش وليه كدبت لما سألتك عايز إيه؟ أنت بتحبها مش من دلوك من أول ما شوفتها»
ارتبك رؤوف من قوله واضطرب في ضيق قبل أن يقول «أنا حر يا طاهر فحياتي أمشيها زي ما أحب»
صاح طاهر برفض «لاه حرام طالما بتحبها وهي بتحبك وتقدر تريحها ليه مبتعملش كده»
طرق رؤوف فوق المكتب قائلًا ببرود «أنت عرفت الي عايز تعرفه يا طاهر وخلاص سيب الباقي لا تدخّل فيه ولا تسأل»
هتف طاهر برفض وقهر «لاه كده ظلم يا رؤوف كل مبرراتك متساويش ولا ليها لزمة وأنا شايفها متعذبة كده وفايدي أريحها»
وقف رؤوف ضاربًا المكتب بغضب محذرًا له «مش هتتكلم وهتسكت يا طاهر»
صاح معاندًا في قسوة «مين هيسكتني ولا يمنعني؟»
قال رؤوف في غضب «أنا يا طاهر»
توعده طاهر بنظرة ثائرة «ماشي يا رؤوف هنشوف» منحه رؤوف ظهره علامة على انتهاء النقاش عند هذا الحد
فرحل طاهر وتركه يستغفر مستعيدًا ثباته، جلس منهكًا زافرًا بقوة حتى وقعت نظراته على الشال فتحولت مشاعره وتبدّل تلقائيًا، ابتسم متذكرًا قولها وهو يسحب الشال هامسًا بإعجاب«مخيبتيش ظني فيكِ ولا مرة يا غريبة»
**********
هتف يونس ضاحكًا «يا أبو مخ تخين أخوك بيحب أختك وواقع من زمان»
انزعج طاهر وقال موبخًا في غلظة «ما تحترم نفسك يا بغل أنت إيه الكلام ده؟»
قهقه يونس قائلًا «يا ابني افهم متربسش دماغك رؤوف مشغول بغزل من يوم الحريقة لما أنقذها» استفسر طاهر وهو يدور في حجرته «رؤوف هو الي أنقذها؟ أنت عرفت كيف ومين جالك؟»
سخر منه يونس بتعالي وفظاظة «الله يخيبك حتى محامي مش نافع، عملت تحرياتي وعرفت»
تأفف طاهر حائرًا فنصحه يونس بتهكم «بطل شغل المخبرين ده يا طاهر وارتقي والعبها بحرفنة ومعلمة»
وقف طاهر مكانه مستفسرًا بتوهة متغاضيًا عن حماقات يونس «يعني إيه؟»
أجابه يونس بحماس «الي حصل حصل وخلاص، أخوك دماغه جزمة جديمة بيحبها وعايزها بس بيكابر ويلف ويدور هنعمل إيه هما المحامين كدا بيموتوا في اللف والدوران مع إنها بسيطة ١+١=٢بس نجول إيه» ضحك طاهر فتابع يونس
«احنا نجيب الواحد جنب الواحد التاني ونجمعهم بعلامة زائد» تأفف طاهر مستاءً فأوضح يونس بإنزعاج
«افهم هو خلاص الي عايزه هيعمله إحنا بجا نجبره يتكلم ويعترف بنفسه على نفسه»
سأله طاهر «مش فاهم يا يونس وتايه؟»
أشفق عليه يونس فواصل إفاهمه برفق ودون دس حماقاته بين الكلمات «سيبه ومتسبوش، تابع معاه من غير ما تدّخل يا طاهر احنا ما صدقنا جلبه اتعلق وحياته بتتغير، كان نفسك تجمعهم وأهو ربنا استجاب خلاص، احنا بجا نحركه منجفش فطريجه، نلعبها بمزاج لغاية ما يجولّها هو برضاه وبمزاجه من غير تدخلنا عشان منبوظش حاجه»
صمت طاهر فصاح يونس بحنق وهو يركن سيارته ليهبط منها «لو جولت مش فاهم هلعن أبوك وهتزعل»
ضحك طاهر قائلًا بمودة «لاه فهمت خلاص هعمل إيه»
قال يونس مشجعًا بحنو «جدع تعجبني سلام بجا وأبجا وافيني بالتفاصيل»
أنهى يونس الاتصال وخرج من سيارته متجهًا للبناية المقصودة وهو يغمغم «ربنا يجدرني على فعل الخير»
أيقظ رجب النائم بالكرسي الخلفي قائلًا «جوم نشوف الهم التقيل التاني»
تمطأ رجب متثائبًا وهو ينظر حوله مستفسرًا «وصلنا؟»
أجابه يونس وهو يترجل ممسكًا بحقيبة صغيرة «أيوة جوم»
ترجل رجب مثله ودخلا البناية..
بعد قليل كان يونس يطرق باب الشقة المقصودة، فتحت فيروز باب الشقة مبتسمة فتأملها قليلًا قبل أن يمنحها الحقيبة «اتفضلي يا دكتورة»
تناولتها شاكرة «شكرًا يا بشمهندس والله، وآسفة لتعبك»
ابتسم قائلًا بغطرسة وهو ينظر لرجب المبتسم ببلاهة «ولا يهمك عامة هما المهندسين كدا جدعان من يومهم»
ضحكت مؤكدة بلطف «طبعًا مفيش نقاش» ضحك مثلها برزانة وهو يعتذر لها «معلش جيت متأخر بس كان معايا شغل لما فضيت جيتلك علطول محتاجة حاجة؟»
شكرته بلطف قائلة «ولا يهمك متشكرة والله» دس يونس كفه بجيب بنطاله وأخرج رزمة أموال قائلًا «رؤوف باعتلك دول» تناولتهم عابسة بضيق، فتابع يونس عندما لاحظ حزنها «بيجولك الحساب يجمع» ابتسمت شاكرة بلطف «تمام اشكرهولي»
فُتح باب الشقة المجاورة وخرجت منها إمرأة عجوزة كبيرة في السن، وقفت أمام باب شقتها مستفسرة وهي ترتدي نظارتها الطبية المُعلقة على صدرها «أنتم مين»
أجابها رجب «جايين للدكتورة»
استفسرت السيدة بضيق «وجاينلها فوقت متأخر ليه؟»
جز يونس على أسنانه وأخرسها بإدعاء كاذب «أنا خطيبها يا حجة مش غريب»
تضرجت وجنتاها بالخجل بينما تقدمت السيدة متعكزة على عصاها قائلة «ولما خطيبها بتيجلها ليه في الليل زي الحرامية ما تجيلها في النهار»
استدار يونس قائلًا من بين أسنانه «عشان أنا جليل أدب يا حجة ومش متربي والله العظيم»
لوت السيدة فمها بامتعاض قائلة «قليل الأدب يحترم نفسه ولو بتحبها حافظ على سمعتها ولا اكمنها يتيمة يعني هتستغلها لا أصحى»
ضرب يونس جبهته مغمغمًا «أوعى دي كملت»
ضربته السيدة بالعصا قائلة «غور يلا أمشي جيل مهبب»
كتمت فيروز ضحكاتها بينما تحرك يونس تجاه الدرج قائلًا «يلا يا رجب بدل ما نلبس جضية»
ركض رجب قائلًا «لاه يا أبوي يلا بينا دي شكل مخها مفوت»
ابتسمت السيدة قائلة بانتصار «يلا بلا قلة أدب» ثم مدت العصا تجاه فيروز قائلة «وأنتِ اقفلي ونامي بلا سهوكة»
قهقه يونس حين وصلته الكلمة فتوعدته فيروز في سرها لمعرفتها أنه يغيظها ويستفزها بتلك الضحكة.
أغلقت الباب جيدًا وتسللت للداخل متذكرة كيف هرّبها رؤوف لهذه الشقة وكيف تولى يونس نقل أغراضها وحده وبحذر شديد، جلست ممسكة بالأموال تطالعهم بامتنان شديد فقد قاربت أموالها على النفاذ، شكرت رؤوف في نفسها ومعاونته ومساعدته الدائمة دون طلب منها أو حرج بل يمنحها الكثير مبررًا أنه سيأخذ أكثر حين تنال حقها وتحصل على أموال أبيها.
يمازحها قائلًا بأنه يدوّن كل ما يعطيه لها وأنه دينًا عليها ويتوجب عليها رده يومًا.
نظرت لهاتفها تقرأ رسالة يونس المستفزة «في حاجة تانية ناقصة يا مسهوكة» ختمها بوجه ضاحك جعلها تكتب بعصبية تردها له «لا يا قليل الأدب وعديم التربية»
أرسل لها وجهًا غاضبًا فكتبت مُنهية الدردشة «تصبح على خير»
كتبتها وتركت الهاتف جوارها متمنية لو استطاعت الاطمئنان على والدتها لكن رؤوف حذرها من أن تفعل ذلك ووعدها بالاهتمام وتقصي أخبارها. تمددت فوق الفِراش داعية بنوم هانىء وأحلام دون كوابيس.
*********
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ على نَبِيِّنَا مُحمَّد.’)