رواية عزف السواقي الفصل الحادي عشر 11بقلم عائشة حسين


رواية عزف السواقي الفصل الحادي عشر 11بقلم عائشة حسين



شعر أنه تمادى كثيرًا في ردة فعله، تهوّر ولم يحسب حساب لتلك المذعورة بنظرات تتحرك كبندول الساعة في خوف ظهر جليًا على محياها وسرق طمأنينتها، تعملق غضبه فأرعبها وجعلها تنكمش بتساؤل
مسح وجهه مستغفرًا وجلس من جديد تائهًا يلملم ثباته ويجمع ما تبعثر من وعيه، يربت على أنفاسه الثائرة مقتنصًا من تلك المذعورة صورة تعينه على التماسك، فما ذنبها هي..
فتح فمه لينطق فتاه منطقه، أغلق فمه وحمحم مُجليًا حنجرته ثم اعتذر «آسف»
نهضت صفوة وقد حانت الفرصة للهرب، اعتذرت هي الأخرى «عن إذن حضرتك»
شعرت أنه ليس طبيعيًا وخوفها كلما تركته يتكاثر ويسيطر على حواسها فقررت الرحيل، ستبحث عن عمل غيره
تحركت واقفة تطلب ملفها فسحبه بسرعة دون وعي «لو سمحتي اتفضلي»
طرق العامل ودخل بالمشروب البارد، فاستلّ ابتسامته الرزينة الهادئة ورجاها فهو المذنب وسيتحمل «رجاءً اتفضلي بعتذرلك عن سوء فهمي وتصرفي»
عادت للجلوس بجسد مرتعش أورثه الندم، أشار لها لتتناول المشروب ففعلت بحذر..بصعوبة عاد لهدوئه وبدأ في سؤالها وهي تُجيب، رغم انشغال عقله بهذا الحدث الجلل إلا أنه ضبط انفعاله قدر المستطاع والتزم أقصى درجات ضبط النفس معها حتى لا يرعبها أكثر وتفرّ هاربة من قبضته فكيف تأتيه ويتركها؟
أخبرها بابتسامة مجاملة «تمام يا أستاذة تقدري تنزلي الشغل من بكرة بإذن الله»
فكت عقدة حاجبيها وابتسمت بإهتزاز ومازال داخلها شيئًا من ناحيته بعد ما فعله، نهض واقفًا يصرفها بأدب «تمام نورتي يا أستاذة»
قوست شفتيها بابتسامة ردًا على قوله واستأذنت المغادرة، بعدما تحركت رفع سماعة الهاتف «رامز تعالى فورًا»
تحرك من خلف مكتبه يدور في حجرته دون صبر حتى جاءه رامز مستفسرًا «أيوة يا بوص»
قال رؤوف بسرعة «البنت الي جات مع لمياء عايزك تمشي وراها من غير ما تحس بيك وتجبلي عنوانها»
قطب رامز بعدم فِهم قائلًا «ليه مش فاهم؟»
منحه رؤوف مفاتيح سيارته قائلًا «يلا بسرعة وبعدين هفهّمك»

هز رامز رأسه بالموافقة وهو يتناول المفاتيح «تمام يا بوص»
غادر وترك الآخر يفني ما يشاء من الصبر بلهفته.
رفع رؤوف هاتفه قائلًا بانتصار «لجيته» سأله الأخر غير مصدق «إزاي وفين؟»
قال رؤوف «شوية وجايلك محتاجين قعدة طويلة نرتب ورقنا »
أجاب الآخر «تمام مستنيك»
أنهى رؤوف الاتصال وجلس يهمس دون تصديق «أدور عليك أنا السنين دي كلها وفي الأخر الدنيا تجيبك لعندي»
***********
مسحت دموعها قبل أن تدخل، محت آثار البكاء عن وجهها وخطت للداخل وهي ترتب أنفاسها بزفرة ملتهبة وترتب مشاعرها بابتسامة هادئة، منحها المنزل وعبقه الطمأنينة التي تحتاجها والراحة التي تنشدها، وضعت صغيرها أرضًا موجّهة له «روح العب في الأوضة»أطاع الصغير بعدما نظر لعينيها بحزن ومنحها الفرح في تلثيمة سريعة لخدها كاعتذار وترضية. اندفعت للداخل وأمام أقرب حوض مياه غسلت وجهها وجففته ثم نادت على زوجها «مؤمن»
لم يجبها فخطت ناحية حجرتهما؛ لتطمئن، وصلها صوته فكتمت أنفاسها ووقفت تستمع لمعاناته التي يخفيها عنها، وهمومه التي يواريها بعيدًا بكومة قشٍ من صبر، عضت شفتيها والدموع تقطر من عينيها لا إرادة تمنعها ولا صبر يجففها دموع من الروح.. زوجها يشكو لأخته ضيق الحال وطول المرض وعجزه.

فتحت الباب تواجهه بوجودها تُعلمه باستماعها وتعاتبه بنظراتها التي تضم وتربت وتدثر كأم رؤوم… عتابًا لطيفًا أصاب قلبه الصب.
تابع الحديث والسؤال عن أحوالها وصغارها وعينيه تتابع التي تتحرك حوله كفراشة، ترتب وتنظف ثم تجثو على ركبتيها وتفرد طبقة الكريم على ساقيه وتدلّك بآلية، فهي تعرف ما يجب عليها فعله دون أمر، أنهى الاتصال وتنهد يتابعها بنظراته الحزينة حتى انتهت ونهضت فهمس يستوقفها «هدى»
أجابت وهي لا تمنحه عفو نظراتها ولا مرآة قلبها «نعم»
تحركت بآلية والأفكار تنهشها وهمسه التالي يطاردها «هدى في إيه؟»
بهمس مقتضب فاقد للحياة أجابت «مفيش»
وقفت أمامه تتهرب بنظراتها منه قائلة «يلا عشان تتمشى»
رفض بحزم وهو يشدها من ذراعها ناحيته «مش هتمشى غير لما تجوليلي مالك»
انحنت تطوّع جسدها مع جذبة ذراعه رفقًا به ورحمةً بضعفه، نظرت لعينيه قليلًا ثم أشاحت قائلة «مفيش»
تركها قائلًا بعصبية «ماشي خلاص اطلعي وسيبيني لوحدي»
قرّبت منه العكاز وغادرت مُغلقة خلفها وقد اجتمعت همومها في القلب بأثواب الحداد.. زوجها يشكو لغيرها يستنجد ويطلب وهو الذي عهدته أبيًّا بكرامة تعلو الهامة وعزة نفس تضيء في عينيه كمصابيح، تتألم لأجله كثيرًا لأجل كسرته وحسرته، لأجل أنه وصل للحال الذي جعله يتنازل.. بلغ منه اليأس مبلغه ففعل فسحقت هي وتلاشت..

تحركت بعصبية في المطبخ، تصنع الطعام و أفكارها تتسرب على هيئة دموع غزيرة سريعة، وهمومها تسكن الأنفاس المتسارعة.. شعرت بانهاك النفس والجسد فجلست تدثر وجهها وقد حفرت فيه الدموع أخاديدًا طويلة.
تحرّك ببطء حتى وصل إليها وضع عكازه جواره وانحنى يطوقها فانتزعت نفسها من الألم انتزاعًا وهمست «مؤمن»
لثم رأسها بتقدير وحنو وصمت فعاتبته بلطف «ليه جولت لأختك؟ ليه مش أنا؟ بتداري عني يا مؤمن الي مزعلك ومبتحكليش؟ »
لثم صدغها معتذرًا «آسف»
قالت بوجع نبض في حروفها «أختك أجربلك مني؟»
همس بعاطفة «محدش أجربلي منك يا غالية، أنتِ والنفس جيران في الصدر»
رفعت وجهها المحمر وقالت «احكيلي أنا مش حد تاني، جولي ونفكر مع بعض»
مسح دموعها بكفه هامسًا «أنتِ شايله كتير وأنا خايف عليكِ من كل حاجة»
همست بصدق «خاف عليَّ لما أكون بعيدة عنك متخفش عليا وأنا فحضنك، أنا مش شايلة حاجة غيرك أنت فجلبي وأشيلك فجلبي فوج العمر عمر ولا أزهق ولا أتعب ولا أملّ»
ابتسم وأضاءت روحه، لثم جبينها بقبلة طويلة ثم ابتعد محيطًا وجهها براحتيه قائلًا«حقك عليا»
ابتسمت من بين دموعها وقالت «متتكلمش ولا تطلب حاجة من حد ولا تحكي حاجة لغيري مهما حصل»

ابتسم قائلًا «حاضر »
تغضن وجهه ببعض الألم الذي حاول إخفائه لكنها التقطته وقالت وهي تمسك بذراعه «جوم يلا عشان متتعبش»
نهض متعكزًا على ذراعها حتى وقف فساعدته حتى وصلا للحجرة، أجلسته فوق الفِراش وجلست على ركبتيها أمامه تدلّك ساقيه قائلة «احكيلي يلا في إيه؟»
صمت قليلًا بتردد ثم صارحها وهي لا ترفع نظراتها إليه حتى لا يتوقف ولا يعيقه شيء عن البوح، تمنحه الحرية بلا مشاعر منها تقيده أو رد فعل على ملامحها يزعجه ويشتته
«خايف عليكي الحمل تعب وشغلك كله تعب، لو عليا مش عايزك تعملي حاجة لحد يا هدى»
حافظت على ثبات نبرتها وقالت وهي تخفض رأسها تصب نظراتها على ساقيه «أنت عارف إني بحب كده، اعتبرني مخبز يا مؤمن أو حلواني.. أنا مش تعبانة ولا حاجة أنا بتسلى»
قال بحسرة دفعتها لترفع نظراتها عنوة «كان نفسي أريحك»
عاتبته برفق «مين جال مش مرتاحة؟ بتفترض من نفسك الحاجة وتزعل يا مؤمن؟»
قال ونظراته تنثر الأسف على وجهها «كان نفسي معولكيش هم وتعيشي أحسن عيشة»
أمسكت بكفه ولثمت باطنه وهي تعانق نظراته بعينيها هامسةً بصدق « مش عايلة هم طول ما أنت جنبي، مفيش عيشة أحلى من كِده يا مؤمن الحمدلله»

صارحها وهو يخفض بصره في حرج «ليه حصل كل دِه»
عاتبته بضيق «استغفر ربنا يا مؤمن الحمدلله انك بخير ووسطنا دا لو كان جرالك حاجة كنت موت»
أغمض عينيه وقال «ياريتني مو..»
وضعت كفها على فمه مانعةً بغضب محذرة له «أوعى يا مؤمن…»
تركت كفه واندفعت تحيطه بذراعيها معاتبةً «عايز تسيبني»
انهار صمودها وتفتت ثباتها بكت فضمها معتذرًا عن قوله، توسلته من بين شهقاتها «متجولش كِده تاني عشان خاطري»
اعتذر لها واعدًا أنه لن يفعل حتى هةلكنها بقيت تضمه متشبثة وبقيّ هو يمسح على رأسها بحنو .
******
دخل والدها المنزل عاصفًا الغضب يرفع راياته والجنون يقود أفكاره، في بهو المنزل وقف صارخًا باسمها «آيات»
انتفضت من جلستها الكئيبة مرتعدة، قلبها المثقل يخفق بجنون ورهبة، كرر النداء فنهضت متعثرة، الوعيد يحفّ حروف اسمها والتهديد يبعثره من فمه مع الرذاذ… هبطت متعثرة لا في الثوب بل في خوفها وترقبها هي تعلم ما خلف النداء وما تحمله النبرة من مآسي قادمة.
وقفت أمامه مرتجفة تسأل ببراءة متنصلة من قسوتها وأفعالها المشينة «أيوة يا أبوي»

رمقها بنظرة محتقرة بعثرتها ومزقتها لأشلاء قبل أن يسأل بهدوء منتظرًا أن تدخل فريسته الشباك «إيه الي بيجوله الناظر دِه؟»
تظاهرت بالجهل وحدقتيها تهربان من عينيه المشتعلة بالجحيم الذي يتوعدها ويدعوها إليه «جال إيه الناظر؟»
بصوت هادىء ملعون قال وهو يقيدها بنظراته، يترقب رد فعلها ويتصيد مشاعرها الطافية فوق ملامحها «بيجول إنك هتطلقي ولما سألته جالي اسألها » ابتلعت ريقها وتهيأت للكذب، لنفحة من خداع تصيب الحقيقة فتعكرها وتشوهها.
حذرها والدها وعصاه ترتفع في استعداد «إياكِ تكدبي»
نظرت حولها تطلب الدعم، تبحث عن قشة تنقذها من الغرق فلم تجد إلا الحسرة تضحك كاشفةً عن أنيابها، أغمضت عينيها تلملم الشجاعة في نظراتها وتسلب القوة في أنفاس. ..
«رؤوف هيتجوز عشان الخلفة»
سخر والدها ونظراته تتهكم «ما يتجوز حقة أنتِ غضبانة ليه؟»
صمتت بإطراق، انفصلت عن العالم بروحها وحلّقت بعيدًا هاربة، ووسائل الاتصال بجسدها معطلة، لا جسد يشعر ولا أذن تسمع ولا عين تبصر، في منطقة اللاوعي وقفت تتابع من الخارج…
هاتف والدها رؤوف الذي كان يحمل من الغضب أطنانًا، مشغول ولا ينقصه تلك المخادعة الماكرة ووالدها، عدّد رؤوف الأسباب بقهر انبثق من داخله حين سمع اسمها

«عشان مش عايزها، متلزمنيش، بتك خاينة وجليلة أصل نايمة فبيتي وعلى فرشتي وبتاكل فخيري وبتستغفلني، حرمتني من الخلفة كل السنين دي بمزاجها.. ربيها يا حاج عشان ناجصة رباية» ولولت والدتها بصوت مسموع استحضر شياطين والدها، فهتف وعينيه تومض بشر «اتكلم بأدب واحترام يا رؤوف»
مسح رؤوف وجهه مستغفرًا وتابع «هطلقها ومش عايزها وكل حقوقها هتوصلها بزيادة سلام»
أنهى رؤوف الاتصال فاغتاظ الرجل وزمجر لاعنًا،رفع عصاه وهوى بها على جسدها مقتسمًا مع رؤوف مشاعر الخديعة بإنصاف «الي جاله صُح يا بت؟ »
وقفت والدتها حائلًا بينهما تتوسله وترجوه بضعف وانهزام، فدفعها بعيدًا في قوة محذرًا بغلظة«قسمًا عظمًا لو جربتي تاني ولا سمعت حسّك لتكوني طالجة يا مرة»
انكمشت تكتم فمها بكفها في عجزٍ وحسرة
تاركة لعينيها الحرية كيدٍ تمتد وتربت وتعانق.
تألمت آيات من ضربته ورفعت رأسها مؤكدة بحرقة ونظرة انتقامية متشفية «أيوة كنت باخد»
هوى بعصاه مرة أخرى وهو يُعنفها «عملالي جليلة الحيلة وتنوحي أنتِ وأمك»
صرخت بقسوة وجفاء وعداء شديد «مكنتش عيزاه ولا حبيته ولا طيقاه»
عنفها والدها وعصاه لا تتوقف ولا تكفّ «اكتمي، أنتِ يا بت تخليه يجولي ربي بتك»

وقفت جامدة تبتلع شهقاتها منفصلة كليًا عن العالم متذكرة بعيدًا دثره التراب كان يقف حائلًا يتلقى ضربات والدها عنها حتى لا تشعر، يبتلع الإهانة ويرضخ ليحميها.
مع آخر رسالة انذار من جسدها المنهك للعقل حتى يفيق وقعت فاقدة للوعي.
ركلها بقدمه وغادر فركضت والدتها تحاول إنقاذها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دخل عدنان الصف بهدوء عاقدًا ذراعيه خلف ظهره، نظر لأحد الطلاب وأشار «تعالى يا واد يا سامح»
ترك الطالب ما بيده واندفع ناحيته يسأل «خير يا حضرة الناظر»
نظر إليه عدنان طويلًا بصمت ثم سأله «أبو منه بيشتكي منك»
ارتبك الطالب وزاغت نظراته في وجوه زملائه ثم أجاب بتلعثم «أبو منة مين؟»
ضربه عدنان بعصاه على ذراعه قائلًا بتهكم «أبو منة يا واد الي بتعاكسها في الرايحة والجاية وواجفلها زي اللجمة في الزور»
أنكر الطالب ببراءة كاذبة«أنا يا حضرة الناظر؟»
ضربه مرة أخرى بالعصا قائلًا بتهكم «بجيت راجل وشنبك خطّ يا معفن وماشي تعاكس»
استشهد عدنان ببعض زملائه «بيعاكسها ولا لاه»
نظر الشباب لبعضهم البعض في رعب فصرخ فيهم وهو يشهر عصاه «ها»
فشهدوا باضطراب وخوف احتل المقل «أيوة»

قال عدنان بابتسامة ظفر وهو يشير لأحد الطاولات «طيب طلعوه عشان يتمد على رجليه»استنكر الطالب برفض «اتمد ايه؟ لاه لاه»صرخ عدنان بحزم أرعدهم «جولت طلعوه وجلعوه الجزمة»
توسله الطالب بفزع «خلاص يا حضرة الناظر مش هكررها»
أصرّ عدنان زاعقًا في الشباب «يلا عشان أشوف مين بعدها هيهوّب ناحية مدرسة البنات تاني»
رفعوه فوق الطاولة وكشفوا قدمه كما طلب عدنان الذي ضربه قائلًا «عشان تيجي برجلك مدرسة البنات عندي يا واد وتتجرأ تاني» انكمش الباقي لا يجرؤون على الاقتراب فعدنان له كلمة مسموعة في البلدة، وقرار لا يستطيع أحد معارضته، الآباء يثقون به ويوافقونه الرأي، يذهبون إليه للشكوى أو طلب النصيحة و يطلبون مساعدته مع أولادهم إن احتاج الأمر..
بعد قليل أنهى عدنان ما يفعله وقال مهددًا لهم جميعًا «جلة أدب وسفالة تاني مش عايز والي هلمحه تاني ولا أعرف عمل حاجة هو حر»
قالها واندفع للخارج، هبط الدرج وتخطى الباب الفاصل بين المدرستين، سار باتجاه مدرسته في ارتياح ورضا..
أمام حجرة مكتبه وقفت حنين تسأل «حضرة الناظر هي ميس آيات فين؟»
أجابها وهو يدخل حجرة مكتبه «ما تسأليها هي مش جريبتك؟»

ابتسمت قائلة بفطنة «جريبتي أيوة بس في البيت مش المدرسة»
قال عدنان بضيق غير مستأنس بحديثها ولا يروقه مكرها «غايبة»
سألت حنين بدهشة «دي بجالها تلت أيام»
أجابها عدنان بحدة«واخدة أجازة شهر»
فتحت فمها في صدمة غير مصدقة «أجازة مرة واحدة ليه حامل؟»
صاح عدنان بنفاذ صبر وهو ينهض من جديد ممسكًا بعصاه في تهديد «يلا على صفك» ركضت ضاحكة حتى وصلت لصفها توسطته بين زميلاتها وأخبرتهن بنصر وسعادة «آيات واخدة إجازة شهر» هللن وصحن بسعادة كبيرة وهن يطرقن على الطاولات مبتهجات بغيابها.
**********
دخل يونس البناية ممسكًا بحقيبته، يؤرجحها فتتزامن حركاتها مع دندنته الخافتة ، وقف أمام شقة رجب الذي يخرج صوته الغاضب الآن مُحطمًا كل قواعد الهدوء مبارزًا الصمت بنبرته الخشنة، جز يونس على أسنانه واقترب يطرق مناديًا «يا رجب»
تقدمت زوجته تفتح فنهرها بحدة وفتح هو الباب، سأله يونس من بين أسنانه «صوتك جايب العماير المجاورة ليه يا رجب»
اقتربت زوجته تحكي له ليحكم بينهما لكنه زجرها بنظراته وعنفها بقوله «غوري جوه هتجفي كمان تتسايري مع البشمهندز» سخر يونس بفظاظة «جاي تدبح الجطة دلوك يا رجب كنت فين السنين الي فاتت لما بتدبحها دلوك وجدامي»

سأل رجب ببلاهة «ها»
دخل يونس الصالة وجلس قائلًا «أيوة حصل إيه احكيلي؟»
سألته زوجة رجب بترحاب «تشرب حاجة يا بشمهندز؟»
أشار يونس للحقيبة بمغزى وهو يرمق رجب بطرف عينيه «لاه واكل وجايب بسبوسة كمان للتحلية.»
هدأ رجب وابتسم قائلًا وهو يجلس جواره«لسه هتسألي همي يلا هاتي شاي ولا عصير»
ابتسم يونس بفطنة وقال وهو يربت على كرش رجب الذي بدأ يكبر «خايف يجيلك تسمم حمل وتروح فيها»
ضحك رجب وسأله وهو ينظر للحقيبة «نجبلك صحون للبسبوسة»
ابتسم يونس قائلًا «لاه لما تحكيلي الأول»
خرجت زوجة رجب بالعصير قائلة بحنق«يرضيك يا بشمهندز كل ما يشوفني بره ولا بكلم حد يهتّ عليا ويضربني»
غمز لها رجب لكنها أشاحت وتابعت بتشفي «ده حتى بيجولي لو كلّمك البشمهندز متجفيش ولا تردي»
حوّل يونس بصره له متوعدًا فبرر رجب بتلعثم « يا بشمهندز ما أنت عارف معندناش حريم تجف وتتساير عيب»
توعده يونس «بجا كِده»
صاح فيها رجب بغيظ «غوري جوه»
غادرت مغمغمة باستياء وضجر فاستدار له يونس قائلًا «كمان البشمهندز آه يا جاسوس يا حقير»

ضحك رجب موضحًا بحرج «حريمنا وبغير عليهم يا بشمهندز»
نهض يونس قائلًا «ماشي يا رجب حقك وهعديهالك ، بس أحب أجولك أنا أصلًا مبعرفكمش من بعض»
هرش رجب رأسه بعدم فِهم فابتسم يونس وتحرك للخارج قائلًا «يا راجل دي بت عمك ومعروفة شبهك بتغير عليها ليه، أنت وعيالك ومرتك شبه بعض»
خرج يونس فتبعه رجب يستفسر متجاهلا ما قاله «البسبوسة يا بشمهندز»
ضرب يونس على كتف رجب قائلًا «بعينك أنت تشوف الدكتورة فوج تعملك رجيم أرانب تاكل جزر بس»
قال رجب بابتسامة وغمزه «بمناسبة الدكتورة» انتبه يونس له فتابع رجب بنفس الغمزة «بتسأل عليك أطلع معاك تشوفها» ختم قوله بغمزة فتأفف يونس وابتعد بضجر، صعد للأعلى وكلمات رجب لا تتوقف «أبجا ناديلي ها… ومتكلش البسبوسة لوحدك»
وقف يونس أمام شقتها مترددًا حتى خرجت جارتهم من عندها غاضبة وقف باستفسار غير منطوق
بينما وقفت فيروز على عتبة شقتها عابسة، همّت بإغلاق الباب خلف السيدة لكنها توقفت حين رأته أمام شقته، التقت النظرات لثواني قبل أن يشيح هو غاضًا بصره وحمحم قائلًا «ازيك يا دكتورة»
أجابت بهدوء غير مسبوق معه هو «الحمدلله»
سلّمت عليه الجارة بترحاب شديد وابتسامة لطيفة «ازيك يا بشمهندس»

أجابها بأدب «الحمدلله يا أم إيهاب»
خلعت السيدة رداء الصبر وفكّت قيود الهدوء عن لسانها قائلة تشكو مظلمتها «يرضيك أروح للدكتورة وأدفع كشف وتطردني»
نظر يونس لفيروز مستفسرًا فتابعت السيدة وهي ترمق فيروز باحتقار من بين كلماتها «إلا ما شوفت حد في العيادة، ولا سمعت عنك حتى»
ضربت فيروز بكفها الباب معترضة بعصبية «أنتِ ست قليلة ذوق ولولا إنك أد أمي كان هيبقالي تصرف تاني معاكي»
عقد يونس حاجبيه باستياء واضح مما يحدث فسارعت السيدة قائلة «شوف دي أخلاق دكاترة عجايب والله»
زفرت فيروز ضاربة بقدمها الأرض بحركة طفولية تقوس لها فم يونس بابتسامة دثرها سريعًا بالجدية، دافعت فيروز عن نفسها بعصبية «هو يا أعملك الي عيزاه يا أبقى وحشه»
تعجب يونس وساوره الشك مما تقوله فيروز،فمصمصت السيدة وأشاحت معترضة على قولها «دفعالك كشف» أزالت فيروز شكه باليقين، ووضحت بعصبية «تدفعي كشف أتصورلك بيه صورة للمحروس ابنك الي عايش في الخليج توريهاله؟»
فردت السيدة كفها أمام وجه يونس تمنع بها الحسد قائلة بإمتعاض «أنتِ الخسرانة ابني لقطة وميتعيبش»
استفسر يونس ليزيح الغموض ويفك شفرة الحوار متجاهلًا فعلة السيدة «حصل إيه يا دكتورة» دبدبت فيروز مرة اخرى بقدمها وهي تحكي له بضيق شديد «جارتنا المحترمة دفعت ودخلت وفجأة لقيتها بتتصل بابنها وبتفتح الكاميرا عليا علشان يقول رأيه فيا وموافق على انها تخطبني ولا لا، ولما اتعصبت وزعقت عشان تنهي المهزلة دي معجبهاش»

عض يونس باطن شفتيه بحنق مكتوم بينما قالت السيدة معددة مزايا ولدها «دا ابني إيهاب مفيش زيه لو عليا أجوزه بنت خالته زي القمر بس هو الي غيته دكتورة »
تهكم يونس «إيهاب مين فعيالك؟ الي رأسه شبه القلقاسة ولا التاني»
نظرت السيدة إليه شذرًا مندهشة من قوله، مستنكرة سخريته المفاجئة، فتابع يونس وهو يشير للدرج «اطلعي يا أم إيهاب ولدك مليحه عليه بت خالته حتى يتأدب»
حاولت السيدة الحديث لكنه صاح متخليًا عن هدوئه ضائقًا بالثرثرة «اطلعي الله لا يسيئك يا أم إيهاب مش ولدك ممسكينه بير بترول في الخليج، هو تلاجيه متجوز هناك»
ضربت السيدة على صدرها رافضةً قوله تستهجنه، فهتف بحدة «اطلعي ولولي فوج عايز أنام ولو سمعت صوت هرن على أبو إيهاب وأجوله إيهاب لسه باعتلك فلوس » حملقت السيدة تستوعب قوله فابتسم قائلًا «اطلعي الله لا يسيئك»
نفخت السيدة بضيق قبل أن تصعد بغضب وخطوات قوية،… تهكم يونس في الخلف «بالراحة يا أم إيهاب العمارة هتجع على دماغنا مش نجصاكي»
استدار لفيروز التي خبأت ابتسامتها سريعًا، نظر إليها بصمت ثم دخل شقته ضاربًا الباب بقوة انتفض لها جسد فيروز التي زمجرت من فعلته وقلدته بعدها ضاربةً الباب بعنف أكبر

******
سأل حامد صغيره المُنشغل بالهاتف «بتعمل إيه يا قاسم؟»
أجابه الصغير بسرعة «بلعب يا أبوي»
ترك حامد مكانه واقترب منه وجلس بجواره، أحاطه بذراعه قائلًا «بتلعب إيه؟»
أجاب قاسم متفاعلًا مع اللعبة بحواسه «free fire مع عم طاهر» سأله حامد بإقتضاب «طاهر بيلعبها؟»
أجابه قاسم ونظراته تتحرك بسرعة كما أنامله «أيوة وعم يونس»
هتف يونس عبر اللعبة مُعدلًا له بغضب «عمي البشمهندس يونس يا كلب»
ابتسم حامد لقول يونس فعدّل قاسم مستجيبًا له مما أزعج حامد وجعله يرفض «متسمعش كلامه»
رفع قاسم بصره لوالده قائلًا «مجدرش جالي اجتلك»
هتف حامد بإنفعال «خليه ياجي جنبك وأنا أعلجه من شعر رأسه في الموقع بتاع»
ضحك قاسم بإستمتاع بينما صرخ يونس غاضبًا «يا جاعدين يكفيكم شر الجايين»
ضحك طاهر وسأله بعدما خفت انشغاله باللعبه «ازيك يا أخوي»
أجابه حامد بلطف «ازيك يا طاهر»
أجاب طاهر بود «الحمدلله أنت كويس؟»
قال حامد برضا تام «الحمدلله»
توسل قاسم والده «وديني عندهم يا أبوي»
أيّد يونس القول «هاته يجعد معايا شوية»

فكّر حامد قليلًا ثم اقترح «ما تيجوا أنتو غيروا جو واجعدوا معاه وشوفوا خالتكم»
انتهت اللعبة فهاتفهما قاسم دردشة جماعية اعتذر يونس من خلالها بأسف «معاي شغل كتير والله»
وجّه حامد قوله لطاهر «تعالى أنت يا طاهر أنا مشغول الفترة دي ويمكن أتأخر عنه فشغلي»
تردد طاهر قليلًا وفكرّ متذكرًا غزل التي طالت غيبتها وقلّ تواصلها مما يسبب له الضيق والحزن «ماشي يا أخوي»
ابتهج حامد وبشّ في رضا قائلا «هرتب وأجولك»
أنهى حامد الاتصال وانتبه لصغيره الذي سأل بعبوس «هتروح فين؟»
فرك حامد منابت شعر قاسم بأنامله قائلًا «مشوار اتأخر كتير»
سأله قاسم من جديد بحزن «هتتأخر؟»
أجابه حامد بابتسامة يمتص بها حزن قاسم «ادعيلي معوجش عليك»
نهض قاسم على ركبتيه وعانقه ببراءة قائلًا بتأثر «إن شاء الله» مسح حامد على ظهره موصيًا له «راعي لنفسك وجدتك وعبود، طاهر هيجيلك علطول وهيجعد معاك يونسك»
ابتعد قاسم عنه قائلًا «هتزور جبر أمي المرة دي؟»
ضم حامد شفتيه بأسف غير منطوق ثم أجابه «بإذن الله»
قال قاسم برجاء نبضت به نظراته البريئة «سلملي عليها جوي وجولها زوري قاسم عايز يشوفك»

أومأ حامد بحزن وحسرة تألقت بنظراته، اخترق العجز الكبد فأدمى الروح، ربت حامد على ظهر صغيره قائلًا «حاضر»
عاد قاسم للجلوس جواره بصمت وحزن فتت قلب حامد، نادت تماضر من داخل المنزل قائلة «يا قاسم»
نهض قاسم فورًا وركض للداخل اقترب ممسكًا بكفها الممدودة ولثمه كما يفعل والده ثم سأل «عايزة إيه يا جدة؟»
سحبت كفه الصغير ولثمته فابتسم الصغير لفعلتها، شدته لأحضانها قائلة «أمك جاية يا قاسم»
سأل الصغير ببلاهة وأعين متسعة «أمي أنا جايه فين ومتى؟»
دفعته برفق عن أحضانها وقالت «جول لأبوك الميعاد اتأخر عشان البعيد يجرّب ، النار ردت الظلم لصحابه أقبل الكفارة يا ولدي أيام معدودة من المودة وجلب جايلك شايل كفنه أكرم مثواه فجلبك تُندر(تبصر) الطريق»
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقف أمام الباب قليلًا يتأمله مغمضًا عينيه يتنفس بسرعة والماضي يعود لصورته الأولى قبل أن يُتلف بغبار النسيان، أيام يُلمّع الصور في ذهنه لتسطع من جديد فقد أن أوان أخذ الحق.
ابتسم وهو يرن الجرس مترقبًا شغوفًا ومثقل بانتقام ليس له حد ولا نهاية. تأكد من عدم وجود أحد غيره قبل أن يأتي منفردًا للمواجهة الأولى والتي سترسي أول قواعد الانتقام.

فتح مرتضى الباب واستفسر «مين حضرتك»
نظر إليه رؤوف طويلًا جدًا يحصي السنين والأيام يُذكر نفسه بملامح الواقف أمامه ويعيد إليها الرونق بأنامل السنين.
قال رؤوف بأدب يناقض نظراته الشرسة المحتقرة «جاي لحضرتك فطلب ممكن ادخل»
سمح له مرتضى بدهشة فدخل رؤوف وجلس بغطرسة تعجب لها مرتضى واستاء منها «طلب إيه حضرتك؟»
وضع رؤوف ساقًا فوق الأخرى وقال بابتسامة واسعة «طالب ايد بنتك الآنسة صفوة»
أراح مرتضى ظهره واسترخى قائلًا بكبرياء«يا أهلا بيك ممكن أتشرف باسم حضرتك »
ابتسم رؤوف واعتدل قائلًا وهو ينظر لعيني غريمه بقوة مفتشًا عن مكامن الضعف قابضًا على رد فعله محتكرًا لها ليتشفى«رؤوف عدنان قاسم الحفناوي»
جحظت عينا مرتضى بصدمة وكارثة حلّت فوق رأسه فانتفض من مكانه فزعًا لا يصدق ما سمع ولا يستوعب المفاجأة التي ألقته في قعر جحيم الماضي.



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة