رواية ليتنى لم احبك الفصل العاشر 10بقلم شهد الشورى

رواية ليتنى لم احبك الفصل العاشر 10 بقلم شهد الشورى


وقف أكمل النويري بشموخه المعتاد، لكن الغضب الذي يتأجج في صدره بات ينال من صلابته، على الطرف الآخر، جلست جيانا وقد احنت رأسها نحو الأرض، ملامحها مزيج من الحزن والخوف، بينما عز يحاول أن يطفئ هذا البركان قبل انفجاره، فقال بصوت هادئ متزن :

أكمل، اهدى شوية، وجيانا هتحكيلك كل حاجة


أكمل بغضب، ونبرته تزداد حدة مع كل كلمة، وعيناه لا تفارق ابنته التي ما زالت تُخفض رأسها بخوف :

ده يكون أحسن ليها تفهمني كل حاجة دلوقتي حالاً وإلا.....


ردت عليه جيانا، بصوت متحشرج مليء بالندم والحزن، تقاطعه قبل أن يكمل تهديده، دون أن ترفع عينيها عن الأرض:

كنت في أول سنة جامعة، شوفته في حفلة عيد ميلاد صاحبتي، وقتها كنت حضرتك وماما مسافرين اجازة لباريس


توقفت للحظة، محاولة جمع شتات نفسها، ثم أغمضت عينيها، وبدأت تقص الحكاية، الكلمات تخرج منها ببطء، كأنها تستخرجها من ألم قديم، دفين


عودة بالزمن لسبع سنوات مضت 


كانت الفيلا أشبه بقصر استُعير من عالم آخر، أضواء الثريات اللامعة تنعكس على الرخام البراق، والموسيقى الراقية تملأ أرجاء المكان بصخب لا يخلو من الفخامة، انها حفلة ميلاد "حبيبة" ابنة رجل الأعمال الشهير "منصور المحمدي" كانت تجمع في أروقتها نخبة من رجال الأعمال وأصحاب النفوذ


وسط هذا البذخ المترف، كانت "جيانا" تقف مع صديقاتها "نادين" و"حبيبة"، يتبادلن الأحاديث والضحكات بخفة، لم تكن ملابسها تليق بتلك الأجواء، لكنها كانت تحمل في بساطتها سحرًا خاصًا، ارتدت بنطال جينز أزرق، وجاكيت جلد أسود فوق قميص أبيض بسيط، وحذاء رياضي، ومع ذلك، بدا الجمال يتسلل من كل تفصيلة فيها، من ضحكتها العفوية، ومن حركاتها التي تشي بعدم اكتراثها للعيون المحيطة بها


على الجانب الآخر، شقت ثلاث شخصيات طريقها نحو الحفل "فريد الزيني"، رجل الأعمال الذي لم تُعرف عنه سوى الثقة والغرور، كان يتقدم بخطوات بطيئة ولكنها ثابتة، وخلفه "أركان" و"أيهم"، يتبادلان حديثًا خافتًا عن صفقات تجارية مرتقبة


ما إن وقعت عيناه عليها، حتى بدا كأن الزمن قد توقف، كانت هي النقطة الوحيدة الثابتة وسط كل هذا الزخم، ضحكتها، الطريقة التي تمسكت بها ببراءتها وسط عالم يفيض بالمظاهر، كل شيء فيها بدا وكأنه يناديه !!


ردد أركان بصوت منخفض، مشيرًا بعينيه نحوها :

دي جيانا....بنت أكمل النويري، المحامي الكبير اللي كان ماسك شغل والدي اللي يرحمه زمان


لكن فريد لم يكن يستمع له، بل كان أسيرًا لنظرته الأولى لها، يُعيد رسم ملامحها في عقله كأنه يحاول فهم سر هذا الانجذاب المفاجئ

........

مع انتهاء الحفل، تسللت جيانا بهدوء إلى الخارج، تبحث عن سيارة أجرة تعيدها إلى منزلها، الهواء البارد لفح وجهها، لكن ضيقها الداخلي كان أشد، وقفت على الرصيف، تنظر يمينًا ويسارًا بلا جدوى، فتمتمت لنفسها بضيق :

تستاهلي يا جيانا، كان لازم ترفضي تيجي مع السواق....أهو دلوقتي واقفة بقالك ساعة مش لاقية تاكسي


في تلك اللحظة، جاءها صوت من خلفها، ولم يكن سوى صوت فريد الواثق والهاديء :

تحبي أوصلك؟


التفتت إليه جيانا بدهشة، لكن نظرتها لم تُبدي أي انبهار، بل قالت ببرود :

شكرًا، مش محتاجة مساعدة


اقترب منها خطوة، معرفًا عن نفسه، وقد ازداد ضيقًا من برودها :

فريد الزيني


عرفته بالطبع، فمن لا يعرف رجل الأعمال الشهير فريد الزيني وعلاقاته النسائية المتعددة، لكنها لم تمنحه سوى نظرة عابرة، ثم استدارت لتغلق أي مجال للحديث، تاركة وراءها رجلًا لم يعتد أن يواجه تجاهلًا كهذا


اقترب أركان من فريد وقال بابتسامة ماكرة :

متحاولش، دي مسحت الأرض بمحامي في مكتب ابوها، عشان عاكسها، جامدة، بس صعبة أوي !!


رد عليه فريد بغرور وثقة :

مفيش حاجة صعبة على فريد الزيني....وافتكر كلامي ده كويس، البنت دي.....هتكون ليا !!!!!


ردد أركان مستفزًا إياه :

تحدي ده يعني !!


رد عليه فريد بثقة :

تحدي ورهان....مليون منك لو كسبت، ومليون مني لو خسرت


تمتم أركان بحماس :

اتفقنا يا بن الزيني !!!!!


لكن فريد لم يكن يرى في الأمر مجرد تحدي، بل رغبة جامحة أن يُثبت شيئًا لنفسه....أو ربما لها !!!

.........

في اليوم التالي داخل شركة الزيني

جلس "فريد الزيني" خلف مكتبه الفخم، يراقب ذلك الملف المفتوح أمامه كما لو كان مفتاحًا لخطة مُحكمة، أصابعه تنقر بخفة على سطح الورق، بينما عيناه تتنقلان بين السطور التي تحكي كل شيء عنها، ابنة محامٍ كبير، شابة بالكاد أتمت عامها العشرين، تدرس الصحافة بكل شغف، وتحيا حياةً تُحسد عليها، لكنها كانت تعيش في قلعة من الكبرياء، محاطة بأسوار من التحدي والعناد


أغلق الملف بهدوء، واستند إلى ظهر كرسيه الفخم، ابتسامة جانبية ارتسمت على شفتيه، تخفي وراءها خليطًا من الفضول والتحدي !!!


همس لنفسه بصوت ماكر خبيث :

شكل التحدي المرة دي هيكون مُسلي....مُسلي اوي


مرت الأيام...

في كل يوم كان يحاول الاقتراب منها، لكنها كانت تسد كل الطرق بعناد لم يعتده، لم تعره اهتمامًا، لم تسقط في الفخ كما كان يتوقع ولكن مع كل محاولة منه، كان هو من يغرق، اللعبة التي بدأها للتسلية تحولت إلى شيء أعمق، شيء لم يكن في الحسبان


"جيانا النويري"....اسمها وحده أصبح يتردد كهمسة غامضة في عقله، فتاة تقلب موازين كل شيء، جميلة، مشرقة، شرسة الطباع، لكنها كانت تحمل في طياتها براءة لم يلتقِ بها من قبل، ليست كغيرها، ليست كأي فتاة اعتاد أن يمر بها، كانت مختلفة، كأنها وُلدت لتعيد رسم ملامح حياته التي اعتاد أن يتحكم بها وحده


في أحد الأيام....

خرجت من أبواب الجامعة بخطوات واثقة، لكن قلبها كان يعج بتوتر خفي وما إن رفعت عينيها حتى رأته هناك، كما توقعت، واقفًا بجانب سيارته الفاخرة، مسندًا يده على الباب، ارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة المفعمة بالثقة، تلك التي لطالما أشعلت غيظها وأثارت غضبها، لم تمنحه فرصة ليبدأ لعبته المعتادة، أدارت وجهها عنه كأنها لا تراه، ثم أسرعت بخطواتها، وكأنها تهرب من ظل ثقيل يتبعها دون كلل


لحق بها فريد، صوته يناديها بلهجة حاول أن يجعلها هادئة، لكن نفاد الصبر كان يكسوها :

جيانا، استني....اسمعيني بس


توقفت فجأة، استدارت نحوه بقوة كأنها عاصفة، ثم رفعت إصبعها بوجهه، وعيناها تشعان بحدة :

اسمع يا اسمك ايه انت، بطل تمشي ورايا في كل مكان، وبطل اسطواناتك دي وخليك فاهم كويس اوي اني مش من البنات اللي هتضحك عليهم بكلمتين عشان يترموا تحت رجلك....


تسمرت مكانها، تراقبه وهو يبتسم بتلك الثقة التي تثير جنونها، رفع عينيه إليها وقال بهدوء، لكنه حمل بين كلماته نغمة غزل مفاجئة :

عارف إنك مش زيهم، انتي مش زي حد، انتي ست البنات 


في تلك اللحظة، شعرت وكأن قلبها قد تعثر في نبضه، لكنها حاولت أن تُخفي ارتباكها بغضب مصطنع :

احترم نفسك أحسنلك


ثم استدارت وغادرت سريعًا، تُوقف سيارة أجرة وتختفي عن أنظاره، لكنه ظل واقفًا، عيناه تتبعان أثرها، وابتسامته تتسع وكأنه اكتشف لغزًا جديدًا، همس لنفسه :

شكلك هتتعبيني معاكي يا جيانا !!!


مرت الأيام، وكانت محاولاته لا تتوقف، في كل مرة كان يقترب، كانت تصده، لكنها لم تدرك أن صدودها لم يمنعه من أن يغرق في هواها أكثر، ولم تدرك أن اهتمامه بها بدأ يثير شيئًا عميقًا في داخلها، شيئًا لم تكن تريد الاعتراف به، لكنه كان ينمو


وفي أحد الأيام، جلست في مطعم مع صديقتيها

كانت تضحك وتتكلم بحماس، غافلة عن عينيه اللتين كانتا تراقبانها من بعيد،لم تكن تعلم أن قلبه لم يعد يملك رفاهية الفرار، وبينما كانت تتحدث، وقعت عيناها عليه، يقف هناك، يراقبها بصمت، يبتسم تلك الابتسامة التي تعني أنه لم ولن يتوقف.


زفرت بضيق، أشاحت بوجهها بعيدًا، ثم استأذنت فجأة من صديقتيها وغادرت، شعرت أنها بحاجة إلى الهروب مرة أخرى، لكنها لم تكن تعلم أن هذه المرة لن تسلم من السقوط.


خرجت تسير بسرعة، وكأنها تهرب من شبح يلاحقها، لكنه كان خلفها، يراقبها بعينين ملتهبتين، وبينما تسير، تعثرت فجأة، التوى كاحلها وسقطت على الأرض، صرخت بألم، لكنه كان بجانبها في لحظة، يجثو على ركبتيه بجانبها، وعيناه تبحثان عن أي علامة للأذى، يسألها بقلق :

جيانا، انتي كويسة، رجلك بتوجعك، حاسة بأيه ؟


دفعت يده بضيق وقالت :

ابعد عني، ملكش دعوة


زفر بضيق، ثم قال ساخرًا :

تستاهلي....عشان تبقي  تهربي مني تاني


نظرت إليه بغيظ، وقالت بصوت مرتجف من الألم والغضب :

واهرب منك ليه، انت مين أصلاً ؟


اقترب منها أكثر، عيناها تصرخان بالغضب، وعيناه تفضحان شيئًا أعمق من الكلمات،  قال بهدوء، لكن صوته كان يحمل يقينًا لا يحتمل الجدل :

بتهربي عشان خايفة، خايفة تحبيني، أما سؤالك عني أنا مين....فأنا فريد الزيني.....عاشقك يا بنت النويري !!!!


صمت للحظات ثم تابع بتملك :

دي الحقيقة اللي لازم تتقبليها، برضاك أو غصب عنك، من النهارده أنا جزء من حياتك، مش هتقدري تهربي مني


صمتت، الكلمات علقت في حلقها، لم تكن تعلم كيف ترد على ذلك الاعتراف الصريح، لكنها شعرت أن قلبها قد بدأ يخونها !!!!


ارتبكت للحظة، لكنها حاولت أن تخفي ذلك عنه برد غاضب :

انت جريء اوي 


حاولت الوقوف، لكنها تأوهت مجددًا من الألم "آه"


نظر إليها بقلقٍ يتسلل إلى ملامحه المتوترة، وقال :

لازم نروح المستشفى حالاً


رفعت حاجبها بتحدي وقالت بحدة لا تخلو من الرفض :

مالكش دعوة


زفر بضيقٍ كأن أنفاسه تُحمل على كاهل من الغضب، وقال بنبرةٍ لا تخلو من الاستياء :

هو انتي لسانك طويل كده علطول، متعرفيش تتكلمي بلباقة وأدب أبدًا


رمقته بنظرةٍ حادة وكلماتها تُقطر بالغيظ :

مع اللي زيك بس بتكلم كده


اشتعل الغضب في عينيه كشرارة تحاول الانفجار، وهدر بصوتٍ عميق يغلي بالحزم :

لمي لسانك أحسنلك


نطقت بتحدٍّ عميق وهي تقف كأنها تُحارب عاصفة :

ولو ملمتوش، هتعمل إيه، أنت أصلاً إيه اللي موقفك معايا


شعر بالنفاذ من صبره، اقترب منها بخطواتٍ كأنها تحمل ثقلًا من الضيق وقال بغضب مكتوم :

انتي رغاية ليه، اللي زيك أصلاً مينفعش معاهم الأدب، لازم الحاجة تكون عافية معاهم


لم تمض لحظة حتى وجدته يلتف حولها بخفةٍ غير متوقعة، يرفعها بين ذراعيه وكأنها لا تزن شيئًا، واتجه بها نحو سيارته، بدا وكأنه تحدٍ صامت، لكنها لم تكن صامتة، إذ صرخت بصوتٍ يملؤه الغضب والتهديد :

إنت بتعمل إيه يا بني آدم انت، نزلني وإلا الله هصرخ وأقول خاطفني.....نزلني يا زفت


لكنه كان كالصخر، لا يهتز لصرخاتها، فقط عيناه تعكسان عزمًا لا رجوع فيه، كأنه يعلمها أن بعض الحروب تُربَح بالصمت، وبعض الصراعات تُحسم دون كلمات


أكمل سيره باتجاه سيارته، وأدخلها للداخل عنوة، نظر إليها  ثم قال بتهديدٍ مصحوب بحذر :

اتهدي بقى، وإلا قسمًا بالله لو لسانك طول تاني، هسكتك بطريقة مش هتعجبك بس، واثق إنها هتعجبني انا وأوي كمان !!!


انزلقت كلماته إلى أذنيها كالسُم، وكأنها تلقت ضربة مفاجئة، فلم تجد نفسها سوى انها تتحداه بنظرةٍ مليئة بالصدمة، بينما شفتيها تتحركان بسرعة وهي ترد عليه بعنفٍ :

إنت قليل الأدب.....هتوقع إيه من واحد سافل كل يوم في حضن واحدة، بجح وقليل الأدب ومش متربي كمان !!!


نظر إليها بشيء من الملل، ثم دَفَع السيارة للأمام كأنما لا وقت لديه للجدال، وأطلق كلماته بحدة ونفاذ صبر :

يالله، يابت اتلمي همد إيدي عليكي


أما هي، فلم تكتفِ بالصمت بل شعرت بغضبٍ يكاد يلتهمها، محاولة فتح الباب المغلق على عجل، وجاء صوتها كالرعد في الأفق :

تصدق خوفت، نزلني حالاً بقولك، وافتح الزفت ده


أجابها بمزيدٍ من الاستفزاز، وعيناه تلمعان بشقاوة :

تؤ....هنروح المستشفى الأول نطمن على رجليكي، وبعدين هوصلك لحد بيتك


زفرت بضيق شديد، ثم قالت وهي تشيح بوجهها عنه :

متشكرة، مستغنية عن خدماتك....روحني ع البيت علطول 


قبل أن يجيب، رن هاتفها فجأة، كان المتصل ابن خالتها، يخبرها بضرورة مجيئها لمنزلهم مساءً، لأن والدها يريدها في أمرٍ هام وبكل برود، أجابته :

خلاص، هاجي، متزنش كتير، إنت الظاهر من كتر قعدتك مع هناء بقيت رغاي زيها....سلام 


بعد ثوانٍ من المكالمة، أغلقت الهاتف لتجد ذلك الجالس بجانبها ينظر إليها بتساؤل حاد، وعيناه تخترقانها بنظرة ليست بريئة :

بتكلمي مين؟


زفرت بضيق، ثم ردت بابتسامة صفراء :

وانت مالك؟


التفت إليها فجأة، ونبرة صوته تغيرت لتصبح أكثر حدة :

ردي عليا، أنا على آخري منك، أقسم بالله هتشوفي وش عمرك ما شوفتيه، اظبطي وردي عليا واتكلمي كويس 


زفرت مرة أخرى وهي تدير وجهها بعيدًا عنه، ثم قالت في استهانة :

اووف


قال بغضبٍ أكبر، صوته يشق الصمت في السيارةز:

انجزي، كنتي بتكلمي مين ؟


ثم تابعت بحدة  :

ما تردي!!!!


نظرت له بنظرة حادة، ثم قالت بعنادٍ متجذر في كلماتها :

قولت ملكش دعوة


نظر لها بعينيه المملوءتين بالغيظ وقال :

تصدقي إنك بت مستفزة


ابتسمت ببرود، ثم أجابت مستفزةً إياه :

شكراً....تحب تضيف حاجة تانية


أوقف السيارة فجأة على جانب الطريق، وخلع حزام الأمان بسرعة، وهو يقترب منها بحذرٍ قائلاً :

الظاهر إنك فعلاً مش بيمشي معاكي الأدب، ولازم قلة الأدب


شعرت برعبٍ يغزو قلبها، لكنها لم تظهر له شيئًا، بل ردت عليه بغضبٍ جامح :

انت بتعمل إيه يا حيوان، والله لو قربت لهكسرلك دماغك


لكن يديه كانت أسرع، قرصت وِجنتها بقوة، وقال بسخرية :

اتكلمي على قدك يا شطورة، واعرفي إن ابن الزيني مش بيتهدد


نظرت له بتحدي وقالت :

واديك اتهددت اهو


عينيه مليئتان بالشرر، وكانت نظراته تتابعها في صمتٍ، يوحي بالتهديد والبرود في آن واحد !!!!


وصلوا إلى المستشفى بعد دقائقٍ ثقيلة، نزل من السيارة، متوجهًا بسرعة لفتح الباب، ساعدها على النزول وكاد ان يحملها، لكن كانت كلماتها تخرج من فمها كالسكاكين، مُحملة بالغضب :

انت هتعمل إيه يا بابا، انت استحلتها ولا إيه، قال عاوز يشلني تاني قال


زفر بضيقٍ، وكأنه قد بلغ حده، ثم قال بصوتٍ منخفض :

يالله، الصبر من عندك


دخلوا معًا للطبيب، وبعد الفحص، أخبرهم الطبيب بجدية :

مفيش حاجة، التواء بسيط، هكتبلها على كريمات تحط منها، وإن شاء الله يومين وتخف بسرعة


أومأ كلاهما برأسه، شكر الطبيب، ثم خرجوا من العيادة، فقال لها فريد بحنانٍ، وعيناه ملؤها اهتمام :

حاسة بوجع


نظرت له لثوانٍ، ثم قالت بهدوءٍ، وقد بدأت عواطفها تختلط مع ذلك الاهتمام :

لا، أحسن


ساعدها على المشي، وكانت تستند إلى ذراعه مرغمة، بينما عقله يعيد تشكيل كل مشهد بينهما، يحفظ كل حركة وكل كلمة نطقت بها


أمام الفيلا، عندما أوصلها إلى باب منزلها، توقفت للحظة. نظرت إليه بعينيها الواسعتين، وكأنها تريد أن تقول شيئًا، لكنها سرعان ما أشاحت بوجهها، لكن قبل أن يغادر استوقفها قائلاً بحنان :

ارتاحي شوية....وخدي بالك من نفسك


بعد دقائق داخل غرفتها، ألقت بنفسها على السرير، وأخذت نفسًا عميقًا، تحاول ترتيب أفكارها التي باتت مشوشة، لم تستطع نسيان كلماته "أنا عاشقك يا بنت النويري"


أخذت تسأل نفسها لماذا يبدو مختلفًا عن الجميع؟ لماذا عندما ينطق بكلماته، أشعر وكأن صوته يتسلل إلى أعماق روحي كألحانٍ ساحرة لا يمكن مقاومتها؟ هل هو حقًا صادق، أم أن كل هذا جزء من لعبته الماكرة؟ هل لي أن أضع ثقتي فيه، أم أنني أغامر بعاطفتي في بحرٍ مجهول؟ ومع ذلك.....

لماذا يغمرني هذا الدفء الغامض عندما يتلاقى نظري بنظره؟ لماذا أشعر وكأن كل لحظة معه تحمل أسرارًا غير مُعلنة، وكأن قلبه يتحدث بلغة لا أفهمها، ولكنني أعيها بكل جوارحي؟


ابتسمت لنفسها رغمًا عنها، عندما تذكرت طريقته في حملها، رغم احتجاجها المستمر، بعد تفكير طويل قررت في النهاية أن تُبقي مسافة بينها وبينه، لكن رغم ذلك، قلبها كان يتمرد على عقلها، ينادي باسمه في كل نبضة !!!!!!


أما فريد يجلس خلف مكتبه، يداعب قلمه بيده، بينما وجهه يتأمل السقف بشرود، أفكاره تلاحقه، كل تفصيلة صغيرة منها تسكن رأسه، ابتسامتها الخجولة، نظراتها المتحدية، وحتى غضبها الذي كان يجد فيه نوعًا من الجاذبية لا يقاوم.

.......

مر أسبوع كامل، لم تخرج جيانا من منزلها وقد أصر جدها أن تبقى حتى تتعافى تمامًا، وحينها فقط يمكنها العودة إلى جامعتها، ظاهرًا، أبدت اعتراضها، لكنها في أعماقها كانت ترى أن هذا هو الحل الأنسب، فرصة لتبتعد عن ذلك الشخص الذي أصبح حضورُه في حياتها أكثر إرباكًا من أي وقتٍ مضى كانت تأمل أن يمل ويغادر، تاركًا إياها تتابع حياتها كما كانت، بلا تعقيد


أما هو، فقد بذل جهدًا مضاعفًا ليصل إليها، حاول أن يتواصل معها بكل الطرق، لكنها كانت تختفي عن ناظريه، لا تظهر في الجامعة، ولا ترد على مكالماته، لأول مرة، شعر بتلك اللهفة، بتلك الرغبة الملحة في رؤية أحدهم، وأدرك أنه لا يستطيع الصبر أكثر


وفي اليوم الذي قررت فيه أخيرًا أن تخرج من المنزل، كانت قدمها قد تعافت بما يكفي، كانت تود زيارة المكتبة لشراء بعض الكتب والروايات، غافلة عن السيارة التي كانت تراقبها عن بُعد، انه أحدى رجال فريد الذي قد أرسله لمراقبتها، ويخبره حالما خرجت من المنزل


عندما خرجت من المكتبة، كانت عيناها مشغولة بتفحص الكتب، ولم تنتبه للدرج الذي أمامها، كادت أن تسقط، لولا أن يدًا قوية أحاطت بخصرها بسرعة، ساعدتها على التوازن، لتسقط الكتب من يديها !!


رفعت عينيها لتجد نفسها أمامه، انه هو....من كانت تهرب منه طوال الأيام الماضية، تقابلت الأعين بنظراتٍ طويلة، مليئة بالحيرة والخوف، لكنها كانت مشوبة بشيءٍ آخر، شيءٌ أكثر عمقًا.....انه "الاشتياق"


ابتعدت عنه بسرعة، بينما انحنى هو ليلتقط الكتب التي سقطت، ويقدمها لها، أخذتها منهه، ثم شكرته وابتعدت، لكنها شعرت بشيءٍ غريب في قلبها، قبل أن تبتعد أكثر، أمسك فريد بيدها فجأة، ولفها نحوه، ثم قال بابتسامة هادئة :

أظن إننا لازم نتكلم، والمرة دي من غير غضب أو عناد، مش كده برده يا جيانا 


كادت أن تعترض، لكن في أعماقها، كان هناك شيء آخر يريد أن يسمعه، شيءٌ جعلها تومئ برأسها بهدوء، وفي اللحظة التالية، كانت يده تجذبها برفق نحو سيارته في صمت، خلف سيارته كانت سيارة إيهم، ومعه أركان، يراقبون الموقف بفضول ودهشة


ردد أركان بدهشة :

هو الرهان اتقلب بجد ولا إيه، شكل ابن عمك حبها بجد !!


ضحك إيهم وقال بسعادة :

ياريت والله، يكون بيحبها، البت تستاهل، باين عليها جدعة، وملهاش في الشمال، شكلها كده هتربيه من أول وجديد


ضحك أركان، ثم توجه مع إيهم إلى الشركة من جديد، غير مصدقين أن فريد قد وقع في الحب بالفعل !!!!


على الشاطئ، أوقف فريد سيارته، وظلا يجلسان لبعض الوقت في صمت، نظرت إليه جيانا وسألته :

إنت عاوز مني إيه


التفت إليها بابتسامة هادئة، وقال :

ما أنا قولتلك، عاشقك


أدارت وجهها وقالت بسخرية، وكأنها لا تصدق :

عشق مرة واحدة، هو حد كان قالك إني هبلة عشان أصدق الكلام ده


سألها بهدوء :

وماتصدقيش ليه ؟


التفتت له وقالت بنبرة ساخرة، حادة :

عشان أنا مش غبية، مش بسهولة أصدق إن فريد الزيني، اللي سيرته زي الجنيه الدهب، فجأة بقى بيحبني، وفكرك يعني لو فعلاً بتحبني.....أنا هقبل بيك


رفع حاجبه وقال بغرور :

وماتقبليش ليه، في كتير يتمنوا


تنهدت بضيق، ثم ردت عليه بجدية :

أنا بقى مش من الكتير دول، ببساطة، أنا مش بايعة نفسي، في مثل بيقول اللي فيه داء عمره ما بيبطله، يعني مهما كنت بتحبني زي ما إنت بتقول، طبعك و اللي اتعودت عليه هيغلبك


جاءها رده السريع :

هتغير عشانك


نظرت إليه، ثم قالت بعدما أطلقت تنهيدة عميقة :

غلط....لو هتتغير، يبقى عشان نفسك، لو اتغيرت عشاني، معنى كده إنك هتتغير لفترة مؤقتة، لحد ما توصلي، الواحد بيتغير عشان هو بيبقى عاوز كده، مش عشان حد


أغمض عينيه ثم فتحها قائلاً :

جيانا....أنا....أنا بحبك !!!


لم تجد ردًا، وترددت قليلاً قبل أن تقول دون النظر له :

أنا عاوزة أروح


ناداها بصوتٍ عميق :

جيانا....


ردت عليه بنبرة يغلب عليها الرجاء :

لو سمحت، ابعد عني، ولو كنت حابب تتسلى، في بنات كتير ينفعوا ليك، بس أنا لأ، أنا مش منهم، ومش ناوية، ابعد عني، ماتخلنيش أشوفك تاني


ثم غادرت من السيارة بينما هو أغمض عينيه بألم، غارقًا في بحر من الذكريات التي لا تنتهي، وعندما فتحهما مجددًا، كان المشهد أمامه كالقسوة نفسها طفل صغير يلهو بين يدي والديه، يبتسمان له بحب وعناية


ابتسم بدوره، لكن ابتسامته كانت مريرة كالحزن نفسه، ربما لو كان قد عاش حياةً مختلفة، مليئة بالتفاهم والمودة بين والديه، لما وصل إلى ما هو عليه الآن، لما أصبح خائفًا من الارتباط، مترددًا في الزواج، خائفًا أن يكون نسخةً من والده الذي فشل في كونه أبًا صالحًا، أو من والدته التي فشلت في أن تكون أمًا قادرة على العطاء، خاف أن يخطئ في تقديم الحب لأولاده يوماً ما، كما أخطأ والديه في حقه


جلس يفكر في نفسه وفي تلك الحياة التي قضاها بين أحضان علاقات سريعة، يفرغ فيها غضبه وألمه، فيُنسى نفسه، ليُدمن الهروب من الحقيقة، ليته يستطيع أن يعبر عن مشاعره أو يصرح بما في قلبه، لكن قلبه كان مشبعًا بالخوف من أن يُشفق عليه أحد، كانت حياته مليئة بالمشاحنات، بصرخات والديه الذين لم يعطوه يومًا سوى العنف اللفظي


كان الأب يلاحق رغباته دون النظر إلى ابنه، والأم كانت غارقة في ذاتها، مشغولة بما حولها، تبكي على زوجها وألعابه مع النساء، وفي النهاية، كانت الحروب بينهما تكشف عن عجزه وعجزها عن الإحساس بوجوده، كان يختبئ وراء جدران منزله، لا يسمع سوى صوتهم وهم يتشاجرون، وكلما زاد العنف، كلما تضاءل وجوده في أعينهم


لكن كل تلك الآلام والأحزان لم تُمزق قلبه كما فعلت تلك الفتاة التي دخلت حياته دون موعد، أضاءت قلبه بحبّد لم يتوقعه، حاول أن يوقعها في فخه، فوقع هو نفسه في حبها، وعاش كل لحظة بين أفكارها، يعجب بها، ولكن الخوف كان يكبل خطواته، يخشى أن يفشل معها، أن يؤذيها، أن يُعيد إليها ما كان يتلقاه من خيبة، لكنه لم يكن قادرًا على الابتعاد، كان يحبها، وإن كان هذا الحب مرهقًا له !!


كان في حالة شرود تام، كل تفكيره مُعلق في صورتها التي لا تفارق ذهنه !!!!

........

مرت ثلاثة أيام وكأنها دهر.....

كان فريد يراقبها من بعيد، كأنه يبحث عن ملامح وجهها في الزحام، لكنها كانت تتجنب لقاءه بكل الطرق، لم يكن الأمر سهلاً عليه، فرغم صلابته الظاهرة، إلا أن فكرة خسارتها كانت أشبه بطعنة في قلبه، لم يكن هذا الهروب عادياً، بل كان هروباً من ماضٍ يطارده ومن حبٍ بدأ يتغلغل في أعماقه بلا هوادة


أما جيانا، فقد حاولت جاهدةً أن تشغل نفسها بالدراسة والأصدقاء، لكنها لم تستطع طرد صورته من ذهنها، شعرت بأنها ضائعة بين قلبها الذي يدفعها نحوه، وعقلها الذي يذكرها بكل المخاطر التي قد يحملها هذا الحب !


لم تفهم كيف اقتحم حياتها بهذه الطريقة، لكنه فعل، حتى انها لم تعرف كيف ولماذا أحبته، لكنها تذكرت تلك الكلمات التي كان يرددها جدها دائمًا، تلك التي لم تعِ معناها إلا الآن الحب ليس جمالًا يُسلب، أو مالًا يُكسب، الحب قدر يأتي بلا دعوة، وبلا سبب

......

في صباح ذلك اليوم، قررت أن تضع مشاعرها جانباً، على الأقل حتى تنهي يومها الدراسي، خرجت من قاعة المحاضرات برفقة صديقتها نادين، التي كانت تدرك تماماً ما يدور في ذهن جيانا، ولم تفوت فرصة الحديث عنه :

يا بنتي، طالما عاجبك كده، وبتحبيه، بتهربي منه ليه. ؟


ردت عليها جيانا بحدة وتوتر ملحوظ :

إيه الكلام الفاضي ده، عاجبني ايه، وحب ايه، أنا أصلاً مش طايقاه، وبعدين أنا اللي قولتله يبعد عنه


نظرت إليها نادين بصمت ثم قالت بابتسامة ماكرة :

طب عليا أنا، ده إنتي عنيكي بتدور عليه في كل مكان، بتكدبي على مين يا جيجي


زفرت جيانا بضيق ثم قالت :

ما تبطلي كلام فاضي ويلا خلينا نمشي


رددت نادين بيأس :

عندية ومستحيل تعترفي


بينما كانت جيانا تسرع بخطواتها للخروج من الجامعة، تجمدت فجأة، انه أمامها، على بُعد أمتار قليلة، يقف مستندًا على سيارته، عيناه كانتا تبحثان عنها وحدها، كأنه لا يرى العالم من حوله


شعرت بارتباك يسيطر عليها، فحاولت تجاهله وأسرعت مبتعدةً عنه، لكن نادين أمسكت بيدها وسحبتها باتجاهه، قبل أن تفهم جيانا ما يحدث، باغتتها نادين بسؤالها المفاجئ لفريد :

إنت بجد بتحبها ؟


تفاجأ فريد قليلاً بالسؤال، لكنه لم يتردد في الإجابة :

بحبها 


رددت نادين بمرح :

يبقى متسيبهاش تهرب منك، هي عنيدة، ومش هتعترف بسهولة، اللي بتعمله ده كله هروب....متسيبهاش


ثم استدارت نحو جيانا بابتسامة واسعة، ولوحت لها قائلة :

باي يا جيجي


وقفت جيانا مذهولة، تحاول استيعاب ما فعلته صديقتها، لكنها لم تتمكن من الاعتراض، مد فريد يده وأمسك بها برفق، قائلاً بنبرة مشاكسة :

رايحة فين، مش سمعتيها قالت متسيبهاش تهرب، عايزاني أكسر كلام صاحبتك يعني....ابدا والله ما يحصل، مستحيل


بقيت صامتة، عاجزة عن إيجاد الكلمات المناسبة، فتح لها باب السيارة بحركة حاسمة، دون أن يمنحها فرصة للرفض، وانطلق بها إلى مكان هادئ بعيد عن الأعين


توقفت السيارة بعد وقت قصير، نزل أولاً، ثم تبعته على مضض، نظرت حولها، كان المكان يملؤه السكون، لكنه لم يمنحها أي شعور بالراحة، التفتت إليه وقالت بحدة :

انا مش قولتلك مش عايزة أشوفك، إيه، مش بتزهق !!


رد عليها فريد بهدوء :

لا، مش بزهق، وعمري ما هزهق....لأني بحبك


ردت عليه جيانا بغضب مكتوم :

انت عايز إيه، مفكر إنك لما تطاردني وتفضل تقول بحبك، هتوصل لقلبي يعني


اقترب منها بخطوات واثقة، حتى باتت أنفاسه قريبة من أذنها، وهمس بصوت عميق مليء بالعشق :

انا مش عايز أوصل لقلبك....لأنه وصلتله خلاص، عنيكي اللي بتهرب مني قالتلي كل حاجة، والخوف اللي جواكي، خوف من إنك تغرقي أكتر وأكتر في حبي.....زي ما أنا غرقت


شعرت بشيء يتحرك داخلها، لكنه كان ممزوجاً بالخوف والقلق، تمالكت نفسها وردت بتحدي :

وأنا مش عاوزة ده !!!!!


رفع وجهها بين يديه، ونظر في عينيها نظرة حملت كل ما في قلبه من صدق ثم سألها :

اومال عاوزة إيه 


أبعدت وجهها عنه، وأجابت بصوت مرتجف :

عاوزاك تبعد عني


لانت نبرتها وهي تسأله بحزن يشبه استغاثة الروح :

إنت طلعتلي منين


ابتسم بهدوء عكس العاصفة التي بداخله، ثم أجاب بصوت يفيض صدقًا :

انتي اللي طلعتيلي، وظهرتي قدامي وكأن ربنا بعتك ليا عشان تنوري حياتي.....وتكوني السبب اللي يخليني أتغير


صرخت فيه بغضب، كمن يحاول إخفاء ضعف قلبه الذي يعترف بالعكس :

انا مش عاوزاك، مينفعش أحبك، ومينفعش إحنا الاتنين نكون لبعض خالص 


أمسك يدها بحزم، يهزها برفق لكي يجبرها على النظر في عينيه مباشرة، وكأنهما مرآة الحقيقة التي لا تريد مواجهتها :

ليه؟ ليه ماينفعش؟ ليه يا جيانا ؟


صمتت، عاجزة عن الإجابة، حدق فيها بملامح حزينة ثم أكمل بصوت هادئ، لكنه مثقل بما يحمله قلبه :

أنا عارف إن الماضي الأسود بتاعي لوحده كفاية يخليكي تفكري مية مرة قبل ما تاخدي خطوة ناحيتي، بس صدقيني، لو كنت أعرف إنك هتدخلي حياتي، لو كنت عارف إن في يوم هحبك، كنت فضلت مستنيكي، مكنتش خليت اي واحدة من جنس حوا تشاركك فيا !!!!


أبعدت يده، كأنها تُبعد ثقلًا يجثم على روحها، وقالت بتعب واضح وحزن عميق :

فريد....مش هينفع، افهم بقى


نظر إليها بأسى، كمن يقف أمام قيد يحول بينه وبين الحرية، ثم قال بنبرة حزن ممزوجة برجاء :

عايزاني أفهم إيه، إن إحنا مننفعش لبعض، انا بحبك، ومتاكد إنك بتحبيني.....ده مش كفاية؟


أغمض عينيه لثوانٍ وكأنه يحاول أن يستجمع شجاعته، ثم فتحهما وهو يتحدث بحزن وقلة حيلة :

آه... أنا كنت بتاع بنات، وفيا كل العيوب اللي تخليكي تهربي مني، بس....بحبك، أعمل إيه يعني، انا مقدرش أغير الماضي بتاعي، بس أقدر أبدأ معاكي الحاضر والمستقبل، اثبتلك كل يوم حبي وعشقي ليكي


اقترب منها بهدوء، وضع يديه حول وجهها برفق كمن يحاول أن يحيط عالمه كله بين كفيه، ثم قال بصوت مليء بالحب :

مقدرش أسيبك تمشي، مستحيل أفرط فيكي بسهولة كده، ده أنا ما صدقت لقيت حظي وسعادتي في الدنيا، اقوم أسيبها تضيع من بين إيديا من غير ما أعافر عشان اوصلها عليها....مستحيل يا جيانا 


حدقت في عينيه طويلاً، كأنها تبحث بين نظراته عن منفذٍ للهروب، عن ذرة كذب تُبرر بها إنكارها لمشاعرها، لكن الحقيقة كانت حاضرة هناك....قاسية، واضحة، تخترق دفاعاتها كسهام لا تخطئ الهدف، شعرت وكأنها تقف أمام مرآةٍ تعكس كل مخاوفها، كل ضعفها الذي تخفيه خلف قناع القوة


أما هو، فقد بدا كأن روحه كلها تنطق في صوته، لم يكن رجاءً عاديًا، بل كان أشبه بنداء يأتي من أعماق أعماقه، صوت يشبه وعدًا أبديًا، حمل في طياته أمانًا :

قوليها، قوليها ووعد مني عمري ما هخليكي تندمي عليها يا جيانا !!!!


كانت كلماته أشبه برجفة أيقظت قلبها من سباته، كأنها يد خفية تمتد نحوها وسط ظلام الغرق، تعدها بالخلاص، لكنها بقيت صامتة، مسلوبة الأنفاس، مأخوذة بتلك اللحظة التي بدت وكأن الزمن نفسه توقف عندها، لحظة أشبه باستسلام الروح أمام قدرٍ لا مفر منه


ظلت مكانها، وكأنها في مواجهة بين حب يشتعل في أعماقها، وخوف يحيط بها كسور لا ينكسر، أفكارها تصطدم ببعضها كأمواج هائجة، لكنها قررت أخيرًا....أن تخطو تلك الخطوة التي طالما ترددت أمامها، أن تقولها، وتترك الباقي للقدر


بهدوءٍ مشوبٍ بالارتباك، دفعت صدره بخفة، ثم أدارت له ظهرها كأنها تبحث عن ملاذ من عينيه التي تكشف كل شيء وأخيرًا، خرجت الكلمات من بين شفتيها همسًا، لكنها حملت شجاعة اللحظة بأكملها :

بحبك.....خلاص، ارتحت كده


ابتسم بسعادة لم يستطع إخفاءها، كأن العالم كله توقف عند احمرار وجنتيها الذي فضح خجلها، اقترب منها، وصوته خرج أشبه بلحنٍ يحمل كل الحب الذي اكتشفه في أعماقه لأول مرة :

فوق ما تتخيلي.....كده الدور بقى عليا أنا !!!


وفي لحظة خاطفة، أمسكها من خصرها ورفعها عاليًا، يدور بها كطفل عثر على كنزه الذي طالما حلم به، صارخًا بحب انفجر من أعماقه :

بـحـبـــــك


ضحكت رغمًا عنها، محاولة أن تخفي سعادتها تحت قناع الغضب، لكنها فشلت وهي تصرخ :

مجنون


أنزلها ببطء، وكأنها قطعة من روحه يخشى أن تنكسر، ثم وضع كفه على وجنتها، ينظر في عينيها بعشقٍ يسكنه وعدٌ أبدي، وقال بصوتٍ نابع من أعماق قلبه :

اعاهدكِ ان تكونِ وحدكِ في حياتي و ان تكونِ ملكة على هذا القلب الذي لم يقع بغرام احدًا سواكِ وان تبقى ابتسامتي مع وجودكِ فقط بحياتي

#تكملة_الفصل_العاشر

#رواية_ليتني_لم_أحبك 

#الكاتبة_شهد_الشورى

مرت الأيام، ولم يمر يوم دون أن يراها أو يتحدث معها، وكأن وجودها أصبح ضرورة لحياته.

أغرقها بحنانه وحبه، ومسح كل خوف وقلق كان يسكنها. أما هي، فكانت تحلق سعادةً في سماء لا تراها إلا معه


في أحد الأيام، قررت جيانا أن تفاجئه بزيارة لشركته، كانت قد ذهبت برفقته من قبل، ولكن هذه المرة ذهبت وحدها


بمجرد أن دخلت، لمحت سكرتيرته "سالي" التي بالكاد كانت ترتدي ما يسترها

نظرت لها جيانا باشمئزاز، ثم تجاهلت وجودها ودخلت إلى مكتبه دون أن تنتظر إذنًا، كما أوصاها فريد من قبل قائلاً لسالي بصرامة :

الآنسة جيانا لما تيجي تدخل على طول


أما سالي، فلم تجرؤ على الاعتراض، رغم الغيرة التي كانت تتآكلها من الداخل، لم تفهم حتى الآن كيف استطاعت تلك الفتاة أن تخطف انتباه فريد، ولماذا بات يتجنبها هي رغم محاولاتها المستميتة لإغوائه


دخلت جيانا إلى المكتب، فرأته جالسًا وسط أكوام من الأوراق، يرتدي قميصه الأبيض وقد فتح معظم أزراره ورفع أكمامه حتى منتصف ذراعيه، يعلو ملامحه تركيز شديد، كان في عينيها أجمل رجل رأته يومًا !!!!!!


رفع رأسه مع خطواتها، وحين لمحها، ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، اقتربت وجلست أمامه، وقالت بدلال طفولي:

إنت بتعمل إيه؟


ابتسم وأشار بعينيه إلى الأوراق قائلاً :

زي ما إنتي شايفة... غرقان في الشغل


قطبت حاجبيها بدلع فطري، ثم باغتته قائلة:

مفيش شغل النهاردة خالص


ارتفع حاجبه بدهشة وسألها :

نعم؟!


شدت جيانا يده بحماس وهي تقول :

قولت مفيش شغل،تعالى معايا، هوديكي أماكن خطيرة


تمسك بمقعده وكأنه يحتمي به وقال ضاحكًا :

استني يا مجنونة، عندي اجتماع مهم بعد ساعة


ردت عليه ببساطة ودلال طفولي سرق قلبه :

تلغيه.....وبعدين أنا ولا الاجتماع


راقه أسلوبها الطفولي الذي يذيب القلب، ليبتسم وهو يلتقط سترته قائلاً :

يولع الاجتماع... ع اللي عايز يحضره


ضحكت، وجذبته من يده بحماس قائلة :

يلا بسرعة... مفيش وقت


خرجا معًا، تحت أنظار سالي المشتعلة من الغيرة، وهي ترى الرجل الذي طالما حلمت به يضحك ويشاكس فتاة أخرى

.

.

بعد وقت قصير، توقف بسيارته أمام مطعم شعبي بسيط في أحد الشوارع، أشارت جيانا بحماس لمكان ما قائلة :

المطعم هناك اهو


نظر لها بدهشة وسألها :

مطعم في الشارع؟!


أومأت بحماس وهي تقول ببساطة :

ده مطعمي المفضل أيام الثانوية، كنت باجي أنا ونادين ناكل هنا بعد الدروس، عم صبحي صاحب المكان بيعتبرنا بناته من كتر ما كنا بنروحله حفظنا


هز رأسه بتحفظ وقال :

جيانا مش معقول ناكل هنا، إنتي متأكدة ان الأكل هنا نضيف


رفعت إصبعها بجدية وبدلع طفولي قالت:

اسمع الكلام، هتاكل هنا ومن غير نقاش وعلى ضمانتي... لو الأكل معجبكش، ليك عندي اللي تطلبه


لم يتمالك نفسه أمام عفويتها الساحرة، فأومأ موافقًا دون جدال، ونزل من السيارة خلفها، يشعر أن كل لحظة يقضيها معها تستحق أن يترك من أجلها العالم كله !!!!!!


وما إن توقفا أمام المطعم حتى اقترب منهما رجل شاب الشيب رأسه، متوسط القامة، ذو وجهًا بشوشًا مليئًا بالود، قائلاً بترحيب دافئ :

أهلاً أهلاً بالندلة اللي داخله على شهرين ومحدش بيشوفها


ابتسمت جيانا ابتسامة خاطفة للقلب، وصافحته بحماس قائلة :

أديني جيت يا عم صبحي، معلش مشاغل بقى، أول سنة جامعة ومتلخبطة خالص


أومأ الرجل برأسه داعيًا لها بحنان :

ربنا يعينك ويوفقك يا بنتي


ثم أكمل بضحكة خافتة :

عمرو بيسأل عليكي كتير، وحشاه أوي، ده أول مرة يتعلق بحد ويحبه كده !!!!!


ارتفع حاجب فريد غيرةً، وقال بحدة خفيفة :

نعم؟!


بينما جيانا، دون أن تلاحظ النيران المشتعلة في عينيه، ضحكت وأجابت ببراءة :

وهو كمان واحشني جدًا، لما أشوفه هصالحه، هو فين مش موجود هنا دلوقتي ولا ايه....؟!


ابتسم عم صبحي وقال :

هيوصل بعد عشر دقايق


طلبت جيانا الطعام وجلست إلى الطاولة، لكن فريد كان يغلي داخليًا، فلم يتمالك نفسه وهتف بنبرة غضب لم يحاول إخفاءها :

بيسأل عليكي، وواحشاه، وهتصالحيه كمان؟! فهميني عشان ما أطربقش المكان ده ع اللي فيه حالاً.....انطقي!!!!!!


قبل أن ترد، جاء طفل صغير يركض نحوهما، وألقى بنفسه في أحضان جيانا وهو يقول بلهجته الطفولية اللذيذة:

جيانا... وحثتيني أوي أوي


ابتسمت جيانا بحنان وهي تقبل وجنته الصغيرة بحب:

وانت كمان وحشتني يا صغنن....حقك عليا، من النهاردة هعدي عليك كل يوم، بس ماتزعلش مني يا عمور


أومأ الطفل لها ببراءة قائلاً:

ماشي، مث هثعل منك خلاث، بث تيجي تثوفيني كل يوم


ضحكت جيانا وقبلت وجنته مرة أخرى، ثم قالت مداعبة اياه :

حبيبي ياناس....حاضر، يلا روح شوف جدو لو محتاج حاجة


غادر الطفل الصغير، فالتفتت جيانا نحو فريد، قائلة:

ده عمرو... حفيد عم صبحي، باباه مات وهو لسه بيبي، ومامته بتشتغل طول النهار عشان تصرف عليه، ايه لازمة كل الغضب ده


رغم الشرح، كانت عينا فريد لا تزالان مشتعلة بالغيرة، فتنهد وقال بضيق:

أنا كنت فاكره حد كبير وبعدين حتى لو طفل....إزاي تسمحيله يحضنك كده


ضحكت جيانا وهي تهز رأسها قائلة :

بتغير !!!


ابتسم فريد بنظرة عاشقة وقال:

ومغيرش ليه؟ يرضيكي حد يشاركني في حضن حبيبتي اللي أنا لسه ماجربتوش حتى 


احمرّ وجهها خجلًا، فنهرته قائلة:

يا قليل الأدب


هز كتفيه بلامبالاة وأضاف مشاكسًا اياها :

قليل الأدب، هي دي قلة الأدب عندك، أومال لو جربتي قلة الأدب الحقيقية بقى هتعملي ايه !!!!!


أرادت الرد عليه ولكنها تهربت من نظراته الغارقة بالحب والخجل الشديد يسيطر عليها، فقالت:

تصدق... أنا غلطانة إني جبتك معايا


ضحك عليها برقة، ليأتي بعدها الطعام ويقطع حديثهما، وبينما هما يأكلان، سألها فريد فجأة:

صحيح... انتي ليه ساكنة مع جدك؟ باباكي ومامتك فين؟


أجابته ببساطة :

ده وضع مؤقت، أصل بابا وماما مسافرين، وهييجوا كمان شهرين إن شاء الله


ثم نظرت له بحماس وتابعت باهتمام :

طب، إحكيلي إنت عن نفسك، أنا عايزة أسمعك


تحفز فريد قليلاً قبل أن يجيب بحذر :

مفيش جديد... أنا الابن الوحيد لوالدتي، بابايا متجوز ومخلف بنت تانية اسمها ديما


سألته جيانا بدهشة :

يعني باباك ومامتك منفصلين؟


حرك رأسه نفيًا ورد عليها بضيق وحرج :

لأ، بس اتجوز على ماما وخلف


كادت أن تسأله المزيد، لكنه قاطعها برجاء خافت:

ممكن بلاش نتكلم في الموضوع ده؟ أنا مش بحب اتكلم فيه


أومأت بتفهم، ثم احتست بعضًا من العصير أمامها، قائلة برقة :

طب كمل... احكيلي مواقف حلوة فاكرها، بتحبها، عاشت معاك حاجات زي كده 


ابتسم فريد بخفة، ثم نظر لعينيها مباشرة وقال بصوت أجش:

أنا كله اللي عارفه إن حياتي قبل ما أعرفك كانت فاضية، المواقف اللي بحبها كلها بدأت معاكي، يوم ما شوفتك لأول مرة ويوم ما قولتيلي بحبك بعد عذاب عشان أسمعها من بين شفايفك


خجلت جيانا بشدة وقالت وهي تخفض نظرها :

على فكرة.....إنت بترتبكني وبتوترني بكلامك ده


ضحك بخفة وقال :

واحدة بواحدة، ولا هو انتي بس اللي من حقك تعملي فيا كده !!!!!!


سألته جيانا بدهشة :

ليه أنا عملت إيه؟!


ابتسم بحب، وهمس لها :

نظرة عنيكي، أي حركة منك، سواء بقصد أو من غير قصد... كفيلة توترني وتخليني مش على بعضي


ابتعدت بنظرها عنه خجلًا من صراحته التي لا تعرف كيف تتعامل معها، ثم هددته بمزاح :

لو ما بطلتش... همشي واسيبك قاعد هنا لوحدك !!!!


ضحك فريد على هيئتها الخجولة ثم قال بمزاح محبب:

خلاص خلاص، بس تعرفي؟ شكلك بيبقى حلو أوي لما بتكوني مكسوفة....وجمالك بيزيد أكتر لما تتعصبي، عايزة الصراحة،. انتي حلوة في كل حالاتك يا جيانا


تهربت جيانا هذه المرة بتناولها الطعام محاولة إخفاء خجلها، بينما ابتسم هو، عيناه لا تفارقانها، يتأمل ضحكتها، غمازاتها المحفورة على وجنتيها، كل حركة منها كانت بالنسبة له لوحة فاتنة !!!!

لم يكن يتخيل يومًا أن يقع في الحب، لكنه وقع، ومن؟!

تلك الفريدة من نوعها التي استطاعت أن ترسم على ملامحه ابتسامة حقيقية كان قد نسيها منذ زمن


كانت تخوض معركة لا تعرف عنها شيئًا، بينما هو بداخله يحارب بكل قوته كي لا ينجرف لما هرب منه سابقًا... ذلك الطريق الذي أقسم أن يبتعد عنه، عن كل فتاة، عن كل تعلق.

يدعو الله في صمت أن يبقى قادرًا على ضبط نفسه، ألا يفعل يومًا ما قد يجرحها أو يخسرها، فكل شيء قد يتحمله... إلا الابتعاد عنها !!!!!!

........

بعد أن أنهى الاثنان طعامهم، ركبا السيارة مجددًا

ابتسم فريد وقال :

هنروح فين تاني؟


أجابته بحماس مشرق :

المرة دي انت خدنا مكان على ذوقك


ابتسم فريد وهو يثبت نظره بها للحظة طويلة قبل أن يشيح بعينيه نحو الطريق قائلاً بحماس :

جنان بجنان بقى، اربطي الحزام هاخدك على مكان محدش شافه ولا هيشوفه غيرك !!!!!


ما إن ربطته حتى انطلقت السيارة بسرعة عالية، فهتفت جيانا بفزع :

يا مجنووون، هتودينا فين طيب !!!!!


ضحك وأجابها بثقة :

مكان خاص بيا....بحبه جدًا وعاوزك تشوفيه


بعد فترة من القيادة، توقف أمام بوابة حديدية كبيرة تفتح إلكترونيًا، دخل بسيارته، وما إن توقفت، حتى نزلت جيانا منبهرة تردد :

بسم الله ما شاء الله......ايه الجمال ده !!!!!


كان المكان قطعة أرض شاسعة تطل على الشاطئ، يتوسطها كوخ خشبي أنيق تزينه الورود الملونة، ومشهد البحر الهادئ يكمل لوحة ساحرة


اقترب منها فريد وقال وهو ينظر نحو الأفق :

دي أرض شوفتها من سنة... عجبتني، اشتريتها، وبنيت عليها الكوخ ده، لما أحب أهرب من كل حاجة.... أجي هنا


قالت جيانا بإعجاب صادق وهي مازالت تحدق في المكان حولها :

حلو أوي ما شاء الله


ابتسم فريد بخبث وقال مغازلاً :

هو حلو، بس بعد دخولك زاد جماله جمال والصورة اكتملت بيكي ♡


احمرت وجنتاها خجلًا وأبعدت خصلة من شعرها تمردت على وجنتها، فابتسم بمكر وقال:

هعمل حاجة... بس أوعي تتعصبي، تمام....؟!


سألته بحذر :

حاجة إيه....؟!


رد عليها فريد سريعًا:

هعمل كده


في لحظة كان قد حملها بين ذراعيه ودار بها يضحك بعلو صورته، لتصرخ جيانا هي الأخرى من بين ضحكاتها :

نزلني يا مجنوووون


توقف يغمز لها بعينيه وقال مشاكسًا اياها :

انتي لسه شوفتي جنان


ضحكت عليه من قلبها، ثم جلست على الرمال تنظر إلى البحر بابتسامة حالمة، اقترب منها وجلس بجانبها، مد يده برقة فوضعها على كتفها وجذبها نحوه بلطف، حتى أصبح رأسها مستندًا على كتفه 

أغمض عينيه بسعادة حقيقية لم يعرفها منذ زمن، ثم همس بصوت مبحوح بالحب :

جيانا....


همهمت هي بإجابة خافتة دون أن ترفع رأسها، ليقول فريد بحب نابع من أعماق قلبه :

بحبك ♡


ابتسمت بخجل، مجيبة إياه بحب مماثل :

وأنا بحبك أوي


اعتدلت في جلستها، لتصبح مقابلة له، ثم قالت بعد صمت :

عاوزة أطلب منك طلب... ممكن؟


ابتسم لها فريد وقال بدون تردد :

طلباتك كلها أوامر


ردت عليه بنبرة حاولت جاهدًة أن تبدو هادئة، لكن رجفان صوتها فضح رجاءها العميق وهي تتوسل إليه:

بلاش في يوم تخليني أندم إني حبيتك... بلاش تعمل حاجة تجرحني... لأن صدقني، على قد ما هحبك، على قد ما هكرهك، أنا معنديش حاجة اسمها فرصة تانية، لأنك لو بتحبني بجد، مش هتسمح أصلا يكون في فرصة تانية، ولا إنك تجرحني من الأساس


نظر إليها مطولًا، وسيطر الصمت على اللحظة كأنه كان يقاوم شيئًا داخله، يعلم جيدًا أن فتاة نقية وبريئة مثلها لا تستحق أن تكون برفقته، بل الأجدر بها من هو أفضل منه... لكنه يحبها، ولا يقوى على فراقها


أومأ برأسه ببطء، ثم جذبها إلى أحضانه، يطوقها بقوة، كأنه يريد أن يُدخلها بين ضلوعه حتى لا تبتعد عنه أبدًا، يقسم ان قلبه أن حياته قبلها لم تكن حياة، بل مجرد أيام فارغة... وأن حياته الحقيقية بدأت يوم التقاها ووقع في حبها


ابتعدت عنه قليلًا، فغير فريد الموضوع قائلًا بمكر :

جيتي معايا المكان ده لوحدنا ومش خايفة، لأعمل فيكي حاجة كده ولا كده....؟!!


رفعت كتفيها بابتسامة خفيفة وأجابته قائلة بثقة :

أولًا، مش هتقدر... عشان أنا بعرف أدافع عن نفسي كويس، وثانيًا، واثقة فيك، وعارفة إنك مش هتخون ثقتي، وكمان كان معاك فرص كتير قبل كده تستغلها بس انت معملتش كده


ابتسم دون أن يرد، بينما نهضت هي بحماس قائلة:

أنا عاوزة أتفرج على المكان.....مش هنقضيها كلام وبس


استجاب لرغبتها، وجعلها ترى كل جزء بالمكان وقد أبدت إعجابها الشديد بكل شيء، وحين انتهيا، سألها:

عايزة تروحي فين تاني؟


ردت عليه جيانا بتعب :

تاني إيه بس، هو أنا فيا حيل أخرج تاني، أنا هروح، عشان عمي وعيلته معزومين عندنا ع العشا....ولازم أروح بدري عشان متأخرش


سألها بحدة مفاجأة :

عمك ده عنده اولاد 


ردت عليه ببساطة :

معندوش غير ابن واحد بس... آسر وأكبر مني كمان 


أومأ برأسه، ثم قال فجأة بصرامة :

طب يا روحي، عشان نبقى على نور... لو ضحكتي في وشه حتى، مش بس كلمتيه، هتبقى ليلة سودا على دماغك


سألته بزهول :

إيه...!!!!!!!!


ابتسم لها بجدية وقال بنبرة صادقة تغلفها الغيرة :

زي ما سمعتي... ضحكتك ليا أنا وبس، مش مسموح لحد يشوفها غيري، حتى مساء الخير وازيك متقوليهاش


ردت عليه جيانا بضيق :

ده جنان


أجابها قائلاً بغيرة لم يستطع إخفاءها :

زي ما تسميه سميه... أنا بغير، وغيرتي قاتلة يا جيانا، بلاش تجربيها... لأني وقتها مبعرفش بعمل إيه


نظرت إليه طويلًا قبل أن تقول بجدية :

أنا عايزة أروح


تنهد فريد بضيق قائلًا :

انتي زعلتي ليه دلوقتي؟


لم تجبه، فاكتفى بالقول بجدية :

ماشي يا جيانا، يلا بينا... بس خلي بالك، كلامي هيتنفذ


انطلق بسيارته يوصلها إلى فيلا "الدالي"، منزل جدها

بمجرد وصولها، اتصلت بها نادين، وجاء الحديث بينهما حيث سألتها نادين

انتي زعلانة من إيه بقى؟ يعني عاوزة واحد يسيبك تهزري مع ده وده كإنك مش فارقة معاه؟ ولا عاوزة واحد يحبك ويغير عليكي حتى من الهوا، الغيرة دليل ع الحب يا جيجي


ردت عليها جيانا بضيق :

طريقته واسلوبه ضايقتني


تنهدت نادين وقالت :

يمكن عبر غلط....طب سيبك المهم قوليلي هو هيقدملك امتى صحيح


ردت عليها جيانا بجدية :

أنا هقوله أول ما بابا وماما يرجعوا من السفر يجي يتقدملي على طول


استمرت المحادثة بينهما لدقائق، ثم نزلت جيانا للأسفل جلست مع جدها وشقيقيها وعائلة عمها


بعد منتصف الليل، وبعد أن رحل الضيوف وخلد الجميع للنوم، تفاجأت بهاتفها يرن، حين نظرت، وجدت أنه فريد

أجابت بسرعة، ليأتيها صوته قائلًا :

انزلي....أنا تحت !!!!


سألته بصدمة :

تحت فين.....؟!!


رد عليها ببساطة :

اطلعي البلكونة


هرعت إلى الشرفة، لتجده يقف بعيدًا مستندًا على سيارته، يرفع رأسه نحو شرفتها، سألته بصدمة عبر الهاتف :

انت بتعمل إيه هنا، مش عارف الساعة كام دلوقتي 


رد عليها بهدوء واشتياق :

معرفش.....اللي أعرفه إني كنت عاوز أشوفك وخلاص


ضحكت جيانا بخفوت وقالت :

مش بقولك مجنون


ابتسم قائلاً بحب :

طب انزلي


حركت رأسها نافية وقالت :

مستحيل، وبعدين، لو أنا وافقت ونزلت، هعدي ازاي من الحراس اللي تحت، وبكره ممكن معرفش أشوفك، جدو قالي لازم يبقى معايا حارس علطول... عشان كده سليمان هيبقى معايا طول الوقت ومش هعرف اشوفك 


سألها فجأة بحدة :

مين سليمان ده....؟!


ردت عليه ببساطة :

ده رئيس الحراس....وجدو بيثق فيه جدًا


سألها فريد بغيرة مضحكة :

عنده كام سنة؟


أجابته وهي تحاول كتمان ضحكتها :

كبير.....معدي الأربعين


زفر بضيق، مما جعلها تضحك، فسألها مستنكرًا:

بتضحكي على إيه؟


نفت قائلة بمرح :

مفيش 


صمت للحظات ثم قال بحزن ظاهر :

طب انا ماليش فيه... أنا عاوز أشوفك، مقدرش أكمل يومي من غير ما أشوف وشك وضحكتك اللي بتحلي يومي... أنا مسافر بكرة شغل ضروري... حاولي تنزلي... هتوحشيني


شهقت بصدمة قائلة :

هتسافر؟!


رد عليها بحزن :

غصب عني


سألته بحزن، وصوتها بالكاد يخفي ارتجافة قلبها:

كام يوم؟


أجابها بهدوء :

يومين او تلاته او يمكن اسبوع، مش عارف !!


لم تترك له فرصة للحديث أكثر، بل قالت بسرعة قبل أن تغلق الهاتف :

أنا هنزل... استناني


بهدوء وحذر، فتحت الباب الخلفي للفيلا، مستغلة غياب الحارس عن المكان، وما إن خطت إلى الخارج حتى ركضت نحوه بخطوات متلهفة

رآها، فلم يتردد لحظة، بل جذبها إلى عناق طويل، متجاهلًا قلقها من أن يراهما أحد


حاولت الابتعاد بتوتر، قائلة:

فريد....ابعد


لكنه تمسك بها أكثر، مجيبًا بحب:

لو تقدري تبعديني... اعملي كده


تنهد وهو لا يزال يطوقها بين ذراعيه، ثم قال بصوت مملوء بالشوق :

هتوحشيني اووي


ردت عليه بحزن خافت وخجل:

انت كمان هتوحشني اوي.....يعني هو لازم تسافر ضروري؟


ابتعد عنها قليلًا، ليجيبها بحزن ظاهر :

غصب عني


أومأت له بحزن، بينما ظلت عيناه تتأملان ملامحها بشوق، كأنهما يحاولان حفظ تفاصيلها عن ظهر قلب

استقر نظره على شفتيها، فابتلع ريقه بصعوبة، محاولًا السيطرة على مشاعره المتأججة، لكن عقله غاب للحظة...

وانحنى برأسه نحوها، يريد أن يطبع قبلة يسرقها قبل وداعه

لكنها ابتعدت سريعًا بتوتر وخجل، قائلة:

احم... الوقت اتأخر على فكرة... ووقفتنا هنا كده غلط


ابتسم رغم الألم الذي يعتصر قلبه، ثم اقترب منها وقبل جبينها برقة، قائلًا :

خلي بالك من نفسك، وأنا هكلمك كل يوم أطمن عليكي.


أومأت برأسها قائلة بابتسامة حزينة:

حاضر


ظل يراقبها حتى صعدت لغرفتها، ووقفت بشرفتها تلوح له بيدها الصغيرة، تخبره بوصولها بأمان

ابتسم لها بوداع صامت، ثم استدار مغادرًا، وقلبه يرفض أن يهجرها حتى لو كانت أيامًا قليلة !!!!!

..........

وصل فريد إلى وجهته مع حلول المساء، فتوجه مباشرة إلى الفندق الفخم الذي حُجز له فيه جناح ضمن طابق خاص بالنزلاء من الطبقة الراقية


دخل غرفته منهكًا، ألقى بحقائبه جانبًا، ثم توجه إلى المرحاض ليأخذ حمامًا دافئًا علّه يخفف من تعب السفر قبل موعد العشاء مع مدير فرع الشركة وأحد عملائها المهمين


ما إن انتهى من حمامه، وقد لف خصره بمنشفة طويلة وجفف شعره بمنشفة أخرى، حتى سمع طرقًا على الباب

توجه ليفتح، ليتفاجأ بوجود ابنة عمته "هايدي" واقفة أمامه، تبتسم له بدلال فاضح، فسألها بصدمة :

انتي بتعملي ايه هنا....؟!!!


اقتربت منه بلا خجل، تحيط رقبته بذراعيها، قائلة بغنج :

مفيش كل الحكاية، اني مقدرتش أستحمل أبعد عنك، خدت أول طيارة وجيت وراك


زفر بضيق وهو يبعد يديها عنه قائلاً :

انتي ما بتزهقيش...!!!!!!


ردت عليه بدلال :

تؤ.....


لم يحتمل وجودها، فأمسك بيدها وسحبها إلى الخارج ثم أغلق الباب بوجهها بحركة حاسمة، ركلت هايدي الأرض بقدمها غيظًا وهي تهمس بحدة :

ماشي يا فريد، يا انا يا انت، ما ابقاش هايدي لو ما عملتش اللي في دماغي


ثم استدارت ودخلت غرفتها المجاورة لغرفته وصفعت الباب بقوة !!!!!!

.........

أما فريد، فارتدى بدلته السوداء الأنيقة، واستعد للنزول إلى العشاء الرسمي، وبمجرد نزوله، لمح مدير فرع الشركة "راغب"، بصحبته امرأة فائقة الجمال تُدعى "أليس"، ورجل وسيم أشقر يُدعى "مارك"


تقدم فريد نحوهم وصافحهم جميعًا، وحين صافح أليس، ضغطت على يده أكثر مما ينبغي، ولم تخفي إعجابها الشديد به، سحب فريد يده منها بسرعة محاولًا تمالك نفسه، ثم جلس معهم يناقش أمور العمل


لكن أليس لم تتركه بسلام، بل كانت تقترب منه باستمرار، تلامس ساقه بساقها تحت الطاولة في حركة متعمدة،

أبعد قدمه متوترًا، يستغفر الله في سره أن يمنحه الثبات ولا يخونه ضعفه !!!!!


في لحظة مباغتة، توجهت أليس نحوه بنظرة جريئة، قائلة بالانجليزية :

Would you dance with me?

ترقص معي؟


لم يجد بُدًا من الموافقة تحت أعين الجميع، اصطحبها إلى حلبة الرقص، يتمايل معها على أنغام الموسيقى بهدوء.

اقتربت منه أكثر، تحيط رقبته بذراعيها، وهمست قرب أذنه بإغواء فاضح :

Oh handsome, what do you think about spending the night with me? I promise you won't regret it.

أيها الوسيم، ما رأيك بقضاء ليلة برفقتي؟ أعدك أنك لن تندم


ابتلع فريد ريقه بصعوبة، امرأة جميلة تعرض نفسها عليه بهذه الوقاحة، وهو... بشر، ليس نبيًا ولا معصومًا

لكن صورة "جيانا" خطرت في ذهنه فجأة، وتذكر الوعد الذي قطعه لها


ابتعد عن أليس فجأة، واتجه إلى البار، أخذ يشرب كأسًا تلو الآخر بلا وعي، حتى بدأ رأسه يدور وأقدامه تترنح


أمسك سترته بصعوبة، وصعد إلى غرفته مستندًا إلى الجدران

في الطريق، لحقت به أليس، تمسك بذراعه لتساعده على السير، لكنه أبعدها عنه بلسان ثقيل :

ابعدي...


لم تفهم كلماته وسألته بإغراء :

Sorry, what did you say?

عذرًا، ماذا قلت؟


وصل إلى غرفته، وفي اللحظة ذاتها خرجت هايدي من غرفتها المجاورة، لتجد المشهد أمامها !!!!!


دون تردد، دفعت أليس بعيدًا عنه، وسحبت فريد معها إلى الداخل، وأغلقت الباب بوجه أليس، التي كادت تشتعل غيظًا.


داخل الغرفة، جلس فريد مترنحًا على السرير، بينما اقتربت هايدي منه بابتسامة ماكرة !!!!!!


أحاطت عنقه بذراعيها، تقترب منه دون خجل !!!!!

حاول دفعها عنه بضعف، لكن جسده خذله ولم تسعفه إرادته لمقاومتها


استمرت هايدي في اقترابها، تزيل عوائق المسافة بينهما، تلمسه بشغف متعمد، حتى دفعته ليستلقي مستسلمًا على الفراش.......


في لحظة انسياق، امتدت يده المرتجفة إليها دون وعي، غاب عن عقله صوت الرفض، وتوارى خلف تأثير الكحول والرغبة الضعيفة، خائنًا بذلك.....عهده !!!!!!

.........

على الناحية الأخرى في الإسكندرية


استفاقت جيانا في منتصف الليل، مفزوعة، تلتقط أنفاسها بصعوبة، كما لو أن قلبها كان يكاد ينفجر من فزع الكابوس الذي جثا على صدرها وعلى إثر صراخها، استفاق جدها عز وتيا من نومهما، بينما كان رامي غارقًا في سبات عميق لا يشعر بشيء


دخلوا إليها، فبادر عز قائلاً بلهجة قلقة:

مالك يا بنتي؟


أجابت عليه، وهي تلهث وكأنها كانت قد اجتازت سباقًا مرهقًا:

كابوس... يا جدو... كابوس


رددت تيا بقلق وهي تقدم لها كوبًا من الماء :

خدي اشربي شوية مية


أخذت الماء منها، ارتشفت قليلاً، ثم أعادته إليها، جذبها جدها إليه، محتضنًا إياها بحنانٍ عميق، مرددًا آيات من القرآن الكريم والأذكار، حتى عادت لتغرق في نوم هادئ، ثم دثرها بالفراش بحرص، وقال لتيا بصوتٍ دافئ:

نامي جنبها يمكن تحتاجك يا تيا 


أجابته تيا بصوت رقيق هاديء :

حاضر يا جدو


ابتسم عز وهو يربت على شعر تيا برفق قائلاً :

تصبحي على خير، يا بنتي


ردت عليه تيا بهدوء :

وأنت من أهله يا جدو

..........

في صباح اليوم التالي


فتح عينيه ببطء، يداه تعصران رأسه من شدة الألم. لم تدم لحظات الارتباك طويلًا، فبمجرد أن فتح عينيه، وجد نفسه في صدمة جديدة، حيث كانت فتاة عارية بجانبه، خصلات شعرها المبعثرة تغطي وجهها، دفع عن رأسها ذاك الشعر، فصُدِم عندما اكتشف أنها ابنة عمته، هايدي !!!!!!!


شعر وكأن الأرض قد تخلت عن توازنها، جذب بنطاله بسرعة، وبدأ يلكزها بذراعها بعنف حتى استيقظت، ما إن فتحت عينيها، ابتسمت له ابتسامة مغرية قائلة :

صباح الخير، يا حبيبي


رد عليها بنبرة مشوبة بالغضب، غير مصدق لما جرى:

إيه اللي حصل؟ وانتي هنا إزاي؟


رفعت شفتيها في تعبيرٍ مصطنع عن العتاب، وابتسمت بوقاحة قائلة :

كده برضو؟ مش فاكر اللي حصل بينا امبارح؟ دي كانت أجمل ليلة في حياتي


ألقى عليها نظرة امتعاضٍ، ثم دفع الطاولة التي كانت بجانبه بقدمه، وقال بصوتٍ غاضب :

البسي هدومك، وغوري من قدامي حالًا


كادت أن ترد عليه، لكنه قطع حديثها بالصراخ في وجهها، وهو يوجه إليها كلماتٍ جعلتها ترتجف :

سمعتي أنا قولت ايه.....برررره


ارتدت ملابسها على عجل، ثم خرجت من الغرفة وما ان أغلقت الباب خلفها، حتى انفجر صوت تحطيمٍ داخل الغرفة، جعلها تبتسم ابتسامة ناعمة، سعيدة بنجاح خطتهاؤ همست لنفسها بمكر :

مفيش قدامك حل تاني، يا فريد هتتجوزني يعني هتتجوزني


مر يومان وفريد يتجنب جيانا، يختبيء، لا يجرؤ على مواجهتها، لم يحاول الاتصال بها، وكان كلما هاتفته، تحدث معها بجملٍ مقتضبة، ثم يغلق الهاتف متعللاً بانشغاله في العمل، بدأت الشكوك تداعب قلبها، خاصة بعد الكابوس الذي راودها، فتساءلت في نفسها هل قد مل منها.....؟!

هل لم يعد يريدها.....؟!

في النهاية، قررت التوقف عن الاتصال به

........

في يوم العودة، كان يجر حقيبته خلفه، وعيناه تبتعدان عن كل شيء من حوله، لكنه فوجئ بهايدي أمامه، تقف بوجهه قائلة بغضب:

انت بتهرب مني ليه بعد اللي حصل بينا


نظر إليها ببطء، ثم قال بصوتٍ بارد :

وأهرب ليه؟


أجابته وهي في حالة توتر شديدة من بروده :

طب هتطلب ايدي من جدو امتى عشان نتجوز


رد عليها ببرودٍ قاتل :

نتجوز ليه؟


أجابته بلهجة غاضبة :

هو إيه اللي ليه؟ أومال إيه المفروض يحصل بعد اللي حصل بينا غير الجواز 


رد عليها بحسم، وبصوتٍ كأنه يقطع حبل أي أمل:

والله الجواز ده كان هيكون لو خدت منك حاجة بالغصب مش برضاكي، لا، وكمان أنا مش الأول، إيه اللي يخليني أتجوزك؟ عندي ليكي اقتراح، روحي للي كنتي معاه قبلي يمكن يقبل.....يتجوزك !!!!!


رفعت يدها وكادت أن تصفعه، لكن يدها تجمدت في الهواء حين مسكها بقوة وقال :

إياكِ تفكري حتى تعمليها، مفيش حد يرفع إيده على ابن الزيني مين ما كان 


دفع يدها بعيدًا، ثم غادر الفندق متوجهًا إلى المطار، وعينيه تتأملان الأفق، وهو في صراع داخلي لا يعرف كيف سينظر إلى عينيها بعد ما فعله بحقها !!!!!!!

...........

بعد ساعاتٍ طوال من السفر، وصل فريد أخيرًا إلى الإسكندرية، وما إن وطئت قدماه أرضها، حتى أسرع بالاتصال بها دون أن يمنحها فرصة للحديث، قائلاً بصوت يفيض شوقًا :

– أنا عاوز أشوفك


سألته بلهفة وقد تلاشى غضبها الذي كانت تضمره له بسبب تجاهله لها طيلة الأيام الماضية :

– انت رجعت؟


أجابها فريد بإيجاز :

– لسه واصل اسكندرية حالاً


قالت بحزن لم تستطع إخفاءه :

– مش هينفع دلوقتي... أنا مع جدو في فلة شغل


سألها بجدية :

– حفلة إيه وفين؟


ردت عليه بضيق :

– حفلة في بيت رجل الأعمال اسمه أحمد الكامل


أومأ برأسه وكأنها تراه، ثم أجابها بغموض حمل بين طياته ألف شعور غير مفسر :

– تمام... سلام دلوقتي

...........

أما هي، فشعرت بغصة خفية تعتصر قلبها؛ إذ تمنت لو أنها قادرة على لقائه الآن. لم تكن راغبة أصلًا في حضور تلك الحفلة، لكن جدها أصر عليها بحجة تعارفه القديم مع صاحب الحفل


بعد وقت ابتعدت عن صخب الحفل وضجيج الموسيقى العالية، متسللة إلى ركنٍ هادئ تحيط به الأشجار، غافلة عن تلك الأعين التي كانت تتبعها بنظرات مشتاقة


كان يراقبها مبتسمًا... ارتدت "سالوبيت" جينز بسيطًا فوق تيشرت أبيض، بدت وسط الحضور المختلفين كزهرةٍ بريئة وسط صحراء، لم يتمالك نفسه، اقترب منها وسحبها من يدها بلطف إلى الحديقة الخلفية، حيث ضمها بين ذراعيه بقوةٍ وشوقٍ جارف. بادلته جيانا العناق بسعادة غامرة بعد أن أدركت هويته !!!!!!


ظل محتضنًا إياها طويلًا، حتى ابتعد قليلاً عن وجهها، يحاوطه بكفيه، قائلاً بنبرة ملؤها الحب والاشتياق، ناسيا كل خلافٍ مضى، وكل خيانة :

– وحشتيني أوي يا جيانا


نظرت إليه بعتابٍ ممزوج بحب، وقالت:

– عشان كده مكنتش بتكلمني


ابتسم بثبات، محاولًا أن يخفي ارتباكه حتى لا تشك به :

– غصب عني... الشغل كان كتير وكنت مضغوط أوي، أول ما خلصت خدت أول طيارة وجيتلك جري


ابتسمت له بمحبة، ليقترب منها أكثر ويطبع قبلة خفيفة على وجنتها، لكنها ابتعدت عنه فورًا محذرة اياه بحدة :

– فريد وبعدين بقى


ضحك فريد قائلاً بشوق :

– حقك عليا... بس انتي وحشتيني أوي


أجابته بامتعاض :

– ما انت كمان وحشتني... ومعملتش زيك كده


رد عليها فريد بمكر ومشاكسة :

– طب ما تعملي كده... هو انا ماسكك ولا اعترضت؟


وكزته في صدره وهي تقول بضيق :

انت قليل الأدب


تمتم متصنعًا الألم :

– آه، بقى كده من أولها ضرب؟ أومال لما نتجوز هتعملي إيه، لا خلاص، رجعت في كلامي... هروح أشوفلي واحدة مترفعش إيدها عليا وتحترمني


جذبته من ياقة قميصه بشراسة قائلة :

– عيد تاني، كنت بتقول إيه؟


رد عليها بخوفٍ مفتعل :

– ولا حاجة يا روحي... بقول يلا نتجوز بقى


تركت قميصه قائلة بغرور محبب :

– بحسب... قال يشوفله واحدة تانية قال، ده كان يبقى آخر يوم في عمره وعمرها


غمز لها بمشاكسة قائلاً :

– أموووت فيكي يا شرس انت


حاولت كتم ضحكتها لكنها فشلت، فضحك هو قائلًا بمكر وهو يدفعها بخفة نحو الحائط خلفها، يحاصرها بذراعيه:

– أنا ملاحظ إن لسانك وإيدك طولوا عليا أوووي


شهقت جيانا قائلة بصدمة :

– انت بتعمل إيه؟!


رد عليها بمكر :

– إنتي غلطتي كتير النهارده... يلا، صلحيني بدل ما يحصل حاجة مش هتعجبك


ردت عليه بتحدي :

– والله؟!


ابتسم بمشاكسة وقال :

– آه والله


زفرت بضيق ثم قالت بإصرار :

– فريد بلاش هزار... جدو هنا وممكن ييجي في أي وقت


رد بلامبالاة طفولية :

– يبقى تصالحيني بسرعة أحسن ليكي


حاولت الهرب لكنه أحكم حصارها، فأجبرها على أن تقول بتذمر :

– أوف، طب عاوز إيه؟


همس لها بمكر شديد :

– بوسة !!!!!!


توسعت عيناها بصدمة، ثم صاحت فيه بحدة :

– آه يا سافل يا قليل الأدب


ضحك ببراءة مفتعلة قائلاً :

– إيه يا حبيبتي، دي بوسة بريئة... زي اللي إديتهالك رجعيهالي انتي يلا بقى


هزت رأسها بإصرار وقالت بنفي :

– مستحييل


رد عليها ببساطة ولامبالاة :

– انتي الخسرانة


ضربت الأرض بقدمها كطفلة غاضبة وقالت :

– فريد بلاش هزار، لازم أمشي


رفع حاجبيه متظاهرا بالجدية وهو يقول :

– يبقى تعملي اللي قولتلك عليه ولا تمشي وتسيبيني زعلان


ردت عليه جيانا بغيظ :

– ما تتفلق


نظر لها بمكر وقال :

– كل ما لسانك بيطول... كل ما العقوبة بتكبر


تنهدت بضيق، ثم اقتربت منه على مضض، وطبعت قبلة خفيفة على وجنته لكنها بالكاد ابتعدت حتى استدار هو فجأة ليقبض على شفتيها قبلةً طويلة، التهم خلالها رحيقها بشغفٍ لم يعرف مثله من قبل !!!!!!!!


حاولت دفعه، لكنه أصر على الامتزاج بروحها في تلك اللحظة الساحرة وبعد دقائق، ابتعد عنها، ليجد عينيها تنطقان باللوم العاتب، دفعته عنها بغضب وركضت باتجاه الحفلة


لحق بها، وأمسك بيدها قبل أن تبتعد، معتذرًا :

– جيانا استني، غصب عني والله مقدرتش أمسك نفسي...


صرخت عليه بحدة وغضب :

– قولتلك... مبحبش كده ومع ذلك.....


قاطعها قائلاً بندم حقيقي :

– حقك عليا، مش هتتكرر تاني.....وعد !!!!!


أومأت برأسها، وقبل أن تتفوه بكلمة أخرى، جاء صوت جدها يناديها بقوة :

– جياناااااا


نظرت لفريد برعب، فطمأنها بنظرةٍ حانية، اقترب منهما عز، موجهًا حديثه لجيانا وهو يرمق فريد بريبة :

– اختفيتي فجأة... دورت عليكي كتير، ملقتكيش


ردت عليه بتوتر :

– كنت بتمشى بعيد عن الدوشة


أومأ لها عز، ثم أشار نحو فريد قائلاً بهدوء يسبق العاصفة :

– مش تعرفينا؟


مد فريد يده مصافحًا عز باحترام وهو يقول :

– فريد الزيني


رد عز وهو ينظر إليه بنظرة فاحصة :

– حفيد صلاح الزيني... مش كده !!


أومأ فريد بابتسامة هادئة، فقال عز بجدية:

– أنا وجدك كنا زملا في الجامعة زمان... سلملي عليه


ابتسم فريد وقال بهدوء :

– أكيد


ردد عز وهو ينظر إلى جيانا بنظرة فهمتها :

– يلا... الوقت اتأخر


أومأت له مطيعة، وغادرت معه، بينما توجه فريد إلى سيارته، عائدًا إلى منزله، وما إن ألقى بجسده المرهق على الفراش حتى غرق في دوامةٍ من الذكريات... تذكر قبلته لها، ذلك الشعور السماوي الذي غمر كيانه، ابتسم كالمغيب وأغمض عينيه، ليغرق في نومٍ عميقٍ هانئ


قبل أن يستسلم للنوم التام، وصلت إليه رسالة نصية منها تخبره بأنها وصلت إلى المنزل، فابتسم، وغفا وملامح الرضى تعلو وجهه......لكن هل ستدوم !!!!!!

............

بفيلا "عز الدالي"

كانت خطواتها ثقيلة وهي تصعد إلى غرفتها، وما إن أغلقت الباب خلفها حتى شعرت بالاختناق من ثقل الهم الذي يحاصر قلبها بسبب كذبها على عائلتها، لم تمضي دقائق حتى فتح "عز" الباب بابتسامة دافئة، وقال بنبرة حانية :

– باين عليه محترم... اللي اسمه فريد ده


توترت ملامحها، وقالت بصوت خفيض :

– آه... محترم جدًا


اقترب منها وجلس على طرف الفراش، يتأمل ملامحها التي يحفظها عن ظهر قلب، ثم سألها بحنان :

– طب إيه؟ مش عاوزة تحكيلي حاجة؟


رمقته بتوتر وقالت:

– حاجة إيه؟


ضحك بخفة وقال بمكر جد محب :

– والله إنتي أدرى... إيه اللي مخبياه عن جدو من فترة؟ بس يا ترى اللي مخبياه ليه علاقة باللي اسمه فريد....؟؟


رددت جيانا بتوتر :

– جدو...


قاطعها قائلاً وهو يربت على يدها بحنو :

– حبيبة جدو... إحنا صحاب قبل ما نكون جد وحفيدته، احكيلي، وعد محدش هيعرف، هيكون سرنا أنا وإنتي وبس 


أومأت له  بخجل واستسلام، لتبدأ بسرد كل شيء، كانت الكلمات تخرج من فمها بتردد، كأنها تتعرى من الخوف والشك أمام حضنه الآمن


صمت قليلًا بعدما انتهت، ثم قال بعقلانية:

– تعالي نحسبها بالعقل...


أومأت، فقال بجدية يختبئ خلفها خوف رجل يرى حفيدته تقترب من الخطر :

– لو فعلاً بيحبك كان دخل من الباب مش من الشباك، يا بنتي، اللي بيحببيحافظ ع اللي بيحبه من الغلط !!


سألته بعين قلقة وقلب مرتبك :

– يعني هو مش بيحبني؟


رد عليها بحسم :

– لو بيحبك، بيت أبوكي مفتوح، يروح لوالدك ويطلبك عشان تبقوا في النور....مش الضلمة


أومأت برأسها وقد بدأت أفكارها تتلاشى أمام يقين حديثه، فقال وهو يربت على كتفها:

– قبل ما تعملي أي حاجة... فكريي بالعقل يا بنتي، واحسبيها كويس، مفيش حد في الدنيا يستاهل إنك تغلطي عشانه


أومأت مرة أخرى، استمر حديثهما قليلاً، ثم تركها وغادر وفي الصباح هاتفت فريد على الفور تطلب منه ان يتقدم رسميًا لها ليخبرها بصدق وبكلمات خطفت قلبها :

اول ما والدك يرجع هكون اول واحد يدق على بابه


مرت أيام قليلة حاول فيها فريد تجاهل هايدي التي عادت من السفر فجأة، وفي إحدى الليالي أنهى عمله متعبًا وقرر العودة إلى شقته الخاصة بدلًا من القصر


ما إن وصل حتى خلع ملابسه وأخذ حمامًا سريعًا، ثم خرج برداء الاستحمام، يجفف شعره بمنشفة، وهو يتجه نحو غرفته... ليصدم بالمشهد الذي كان ينتظره !!!!!


كانت "سالي"، سكرتيرته السابقة... أو لنقل إحدى عشيقاته القدامى، ممددة على فراشه، ترتدي ثوب قصيرأسود شفاف لا يستر منها إلا القليل !!!!!!


سألها بصدمة وغضب :

– إنتي بتعملي إيه هنا؟


نهضت ببطء، تمشي نحوه بدلال قائلة :

– وحشتني يا باشا، وبقالك كتير مطنشني، قولت أكيد زعلتك في حاجة، فجيت أصالحك


صرخ عليها بغضب :

– البسي هدومك وامشي فورًا


اقتربت منه تعبث بحزام الروب الخاص به قائلة بإغراء فج :

– كده يا باشا؟ نسيت سالي ونسيت اللي كانت بتعمله سالي؟


دفعها بعيدًا، لكنها اقتربت أكثر، تُغويه بكل ما تملك من مكرٍ وخبرة، حتى ضعف، سقط في لحظة ضعف كلفته ما لا يُغتفر !!!!

انتهى به الأمر معها، يرتكب ذنبًا بحق من وهبته قلبها بكل ثقة، ذنبًا يهتز له عرش الرحمن !!!!!!!!

........

على الجانب الآخر كانت "جيانا" ترتب الهدية التي طلبت تصميمها خصيصًا له بمناسبة عيد ميلاده، صندوق أنيق يتدلى منه حبل متصل بورقة صغيرة كُتب عليها "soon"

"قريبًا"، وذلك لأن والدها سيعود بعد يومين فقط، وعندها سيتم إعلان ارتباطهما رسميًا


هاتفته، لكن هاتفه مغلق... اتصلت بأيهم، فلم يجب عليها، لجأت إلى "أركان" تسأله بقلق :

– أركان، فريد موبايله مقفو، ما تعرفش ألاقيه فين؟


رد عليها ببساطة :

– فريد خلص شغل من شوية... غالبًا في شقته في.......


بعد ان املاها العنوان رددت جيانا بهدوء :

– تمام... عرفت العنوان، متشكرة اوي


أغلقت المكالمة، التقطت الهدية بحماس، ثم توجهت إلى العنوان الذي اخذته منه !!!!!!!!!!


بعد قليل، وصلت إلى باب شقته، فوجدت الباب مواربًا، لم يُغلق جيدًا لم تكن تنوي الدخول، كانت فقط ستطرق الباب، تفاجئه، تهديه قلبها المغلف بورق هدايا

لكن التوتر تملكها.....

الخوف تسرب لقلبها ظنًا منها انه ربما يكون ليس بخير !!!!


بتردد شديد، تقدمت نحو الداخل بصعوبة، قلبها ينبض بسرعة تكاد تصم أذنيها ،كانت تدعو الله بداخلها أن تكون ظنونها خاطئة.

لكن، ما إن دخلت المنزل حتى صُدمت مما رأته الثياب مبعثرة على الأرض في كل مكان بصالة المنزل !!


اتجهت نحو تلك الغرفة التي كان بابها مفتوحًا قليلًا، دفعته بيدها لتكتشف ما زاد من صدمتها !!


صدرها يرتفع وينخفض بشكل متسارع، تحرك رأسها بنفي غير مصدقة ما تراه...هو، هو نفسه يتوسط الفراش وبين أحضانه فتاة أخرى، وصوت أنفاسهما العالية يملأ الغرفة، وكانا في حالة من الانغماس التام


تراجعت إلى الوراء، لم تبكِ، ولم تنهار، بل ظلت تحدق في الغرفة وعيناها متسعتين من الصدمة الدموع كانت عالقة فيهما، لكنها لم ترد أن تنزل صدرها كان يرتفع وينخفض بشكل ملحوظ


في تلك اللحظة، أدركت أن شعور الخذلان لا يضاهي اي شعور سيء بالعالم لقد راهنت عليه وخذلها !!


سقط الصندوق الصغير الذي كانت تحمله بين يديها، وبخطوات سريعة خرجت من المنزل دون أن تغلق الباب خلفها


نزلت إلى الأسفل، وأثناء ركضها لمحت أيهم وأركان يدخلون البناية برفقة امرأتين يرتدين ملابس غير لائقة !!


صُدم الاثنان بشدة عند رؤيتها، لكنها لم تعرهما اهتمامًا وواصلت الركض في الشوارع، دون وجهة محددة، فقط كانت تدرك أن عالمها الوردي قد انهار


مشت في الشوارع تتجول بين الناس بتوهان، غير قادرة على تحديد مكانها أو الوقت


عقلها توقف عن العمل، وأصبحت غارقة في أفكارها كل ما كان يدور في ذهنها صورته وهو في أحضان امرأة أخرى 


جلست على أحد المقاعد على الطريق، واستجابت لتوها لرنين هاتفها الذي رن أكثر من عشرين مرة، لكنها لم تكن تسمعه


أمسكت بالهاتف بيدين مرتعشتين، لتجد أن المتصل هو جدها....أجابت بصعوبة :

جدو، تعال خدني من هنا !!!

.....

على الجانب الآخر، نهض من فوق الفتاة، ومشاعر الاشمئزاز تملأه...كان يشعر بالضعف، فقد استسلم لشهواته ولم يحافظ على الحب الذي يعلم تمامًا أنه لا يستحقه


ارتدى بنطاله، وجذب قميصه من الأرض، ثم خرج إلى الخارج، وهو يشعر بالضيق وبالشعور السيء الذي اجتاحه


ما إن خرج، وجد أيهم وأركان يدخلون من باب المنزل المفتوح ، عبس في وجوههم بتعجب فسأله أيهم بسرعة عندما رأى الفتاة تخرج من الغرفة خلفه، وهي ترتدي قطعة ثياب تكشف اكثر ما تستر :

جيانا، عملت إيه لما شافتك مع البت دي !!


عبس في وجهه باندهاش وسأل بتوتر و خوف :

جيانا، ايه اللي هيجيبها هنا وفي الوقت ده !!!


ابتلع أركان ريقه بصعوبة وأجاب :

لما كنا طالعين مع البنات، شوفناها خارجة من العمارة وشافتنا، وكمان الباب كان مفتوح، فدخلنا


كأن أحدًا صب فوق رأسه دلوًا من الثلج في أكثر ليلة باردة، وقف متجمدًا في مكانه، يحاول استيعاب ما يُقال !!

هل كانت هنا؟

هل رآته مع تلك الفتاة، والأكثر سوءًا، أنها رأته في وضع مخزٍ للغاية ؟


ذهب بسرعة إلى الغرفة التي كان بها قبل قليل، دافعًا الفتاة جانبًا ليأخذ هاتفه الملقى على الأرض، وفتح كاميرات المراقبة المتصلة بهاتفه


راقب الفيديو بسرعة، وهو يدعو الله أن لا تكون قد رأته في تلك الحالة


لكن، للأسف، لم يتحقق ما تمناه !!


فقد شاهد عبر كاميرات المراقبة دخول جيانا إلى المنزل ورؤية الفوضى التي عمت الشقة

رأى صدمتها عندما فتحت الباب، ورآها وهي تخرج مسرعة والصندوق الذي سقط من يدها !!


القى الهاتف على الفراش ثم ذهب إلى الصندوق و التقطه بيدين مرتعشتين تحت أنظار الموجودين

عاد إلى الغرفة، أغلق الباب خلفه، وجلس على الفراش


فتح العلبة بيدين مرتجفتين، عيناه تتفحصان محتواها بشغفٍ متوجس، كأن قلبه ينذرُه أن ما سيراه لن يكون عاديًا... وقد كانت المفاجأة !!!!!


بلورة زجاجية نقية، في داخلها تمثال صغير لعريسٍ وعروس، يقفان متشابكي الأيدي، وكأن الزمن قد تجمّد ليخلدهما معًا. ومن أسفل، نُقش اسمه واسمها بخطٍ رقيق "فريد ♡ جيانا"


وما إن أمال البلورة قليلًا، حتى انطلق منها صوتها، صوتها الذي حفظه عن ظهر قلب، بنبرتها الرقيقة، المليئة بالعشق :

يا فريدَ روحي ونبضَ قلبي،

لقد أودعتُك سرّ حُبي، ومنحتُك قلبي طائعًا مختارًا،

لم أتردد، ولم أخشَ الندم،

لأنك في عيني وعدٌ بالأمان، وفي صدري وطنٌ لا يُغادر.

أحببتُك عشقًا لا يعرف فتورًا،

وتعلّقتُ بك تعلق الغيمِ بالسماء،

فصرتَ لي قدرًا جميلًا، لا مهرب منه ولا نجاة من هواه.

فلا تتركني على أعتابِ الخيبة،

ولا تخذل قلبًا اختارك من بين العالمين،

ولا تهدم حبًّا بُني على الصدق واليقين.

يا فريدَ روحي ونبضَ قلبي

أنت وعدي الأبدي،

وأنا عهدُك الذي لا يخون.


أغمض عينيه بقوة، كأن الصوت اخترق جدار صدره ليستقر في عمق روحه، طعنة لا تنزف دمًا لكنها تريق كل كبريائه


رفع البطاقة الصغيرة المرفقة، كُتب عليها بخطها الرقيق

"Happy Birthday"

وبجانبها أخرى، مربوطة بخيط رفيع، كُتب عليها فقط

"Soon"


تقدم نحو المرآة، نظر إلى انعكاسه باحتقارٍ بالغ كل ما رآه أمامه هو وجهٌ مُحطم، وجه رجل خان من أحبته، وتنازل عن كل شيء بلحظة ضعف


ضرب كفه بالحائط عدة مرات، وهو يصرخ بغضب وقهر :

غبي.....انا غبي !!!!!!!


كررها وهو يهوى بكلتا يديه على طاولة الزجاج، يكسرها، ثم الكرسي، ثم كل ما امتدت له يداه، وكأن تحطيم الأشياء هو السبيل الوحيد لمعاقبة نفسه، الغرفة تحوّلت إلى فوضى، حطام في كل زاوية، وزفرات غضب تتصاعد كأنها لهب يكوي صدره.


جلس على الأرض، يتنفس بعنف، قلبه يضرب صدره بعنف كأنما يحاول الفرار، لم يكن في الغرفة إلا صوت أنفاسه الثقيلة... وصدى صوتها الرقيق ما زال يرن في أذنيه، كأنها توبخه بلطفها !!!!


ورغم تحذيرات أركان وأيهم، لم يجرؤعلى الاقتراب منه، ظل وحده، حتى خرج أخيرًا، وجهه شاحب، عيناه زائغتان !!!!!!


نظر لهم ثم قال بصوت خافت متعب :

— اطلعوا بره......كلكم برررره


لم ينتظر ردًا، توجه نحو المطبخ، أخرج زجاجة خمر، وسكبها بلا تردد، يشرب بنهمٍ حارق، كأن كل رشفة قد تبتلع جزءًا من ألمه... أو تنسيه ما فعله. لكنه كان يعلم... لا خمر الدنيا سينسيه تلك الخطيئة !!!!!!


هو لم يخذلها فقط....

لقد خذل رجولته، خذل الحب، خذل الوعد !!

.........

داخل فيلا عز الدالي...


منذ اللحظة التي وصلت فيها برفقة جدها الذي لم يتأخر عنها عندما طلبته، صعدت "جيانا" إلى غرفتها بصمت، لم تنبس ببنت شفة، نظراتها شاردة، وخطاها كأنها تتحرك بلا وعي. لم تلتفت، لم تجب، كأن الحياة انطفأت في ملامحها.


وقف عز عند باب الغرفة، يتأملها بقلقٍ بالغ، ثم قال بصوتٍ متهدج:

— يا بنتي... قوليلي، ساكتة ليه كده؟


لكنها لم ترد، لم تتحرك، فقط ظلت كما هي !!!!!


اقترب منها أكثر، وجلس على طرف الفراش يسألها بقلق :

— فريد عملك حاجة؟ اتخانقتوا؟


فور سماعها لاسمه، ارتعش جسدها كأن صاعقة سرت في عروقها. تذكرت وجهه... حضنه لغيرها... خيانته، كانت الصورة تنغرز في ذهنها كخنجر صدئ


فهم "عز" أن الأمر لا يخلو من علاقةٍ بذلك الشاب، فاعتدل في جلسته، وقال بصرامة وتهديد:

— لو مردتيش واتكلمتي، أنا هقوم أروحله لحد عنده


رفعت عينيها ببطء، وأجابته بشرودٍ ثقيل:

— متروحش في حتة يا جدو....


تنهد، وقد بلغ به القلق مبلغه، ثم قال بغضب ونفاذ صبر :

— طب طمنيني... مالك؟ إيه اللي مضايقك؟ عملك إيه؟


لكنها لم ترد، بل تمددت بجسدٍ منهك على السرير، تغمض عينيها وتهمس كمن يهرب من ألمٍ لا يُحتمل:

— أنا تعبانة... وعاوزة أنام


زفر بضيق، ثم نهض واقفًا، وقال بضيق :

— ماشي يا جيانا، ارتاحي دلوقتي بس بكره، لينا كلام مع بعض 


وما إن خرج وأغلق الباب خلفه، حتى غرقت في نومٍ ثقيل، نومٍ يشبه الغرق، لا راحة فيه، فقط هروب


أما هو، فظل واقفًا عند الباب، يتأمل الفراغ بعينٍ قلقة، ثم أخرج هاتفه ليتصل بـ"فريد"، لكن الهاتف مغلق، زفر بعمق، ثم عاد إلى غرفته، يقلب الأمر في رأسه، لا يعلم ما الذي أصاب حفيدته.......؟!!!!!!!

...............

في صباح اليوم التالي...


فتحت "جيانا" عينيها ببطء، تنفست بعمق، ثم جلست على الفراش تنظر للفراغ بشرود. ذكريات الليلة الماضية عادت كأمواجٍ غاضبة، تضرب قلبها بلا رحمة.


لم يكن كابوسًا.......

لقد خانها فعلًا....

ارتكب أكثر ما توسلت إليه ألا يفعله...


أخفضت رأسها، الشعور بالخذلان كان طاغيًا، ثقيلًا، خانقًا. كيف استطاع؟ كيف هان عليه حبها؟


ظلت على حالها نصف ساعة، بلا حركة، ثم فجأة نهضت وكأن بركانًا انفجر في صدرها، بدلت ملابسها بسرعة، وذهبت تبحث في الغرفة عن صندوق كرتوني وحين وجدته، راحت تجمع فيه كل ما يخصه

الهدايا، الرسائل، الصور، العطر الذي قال إنه يذكره بها.....

كل شيء !!!!!


ستمحو أثره من حياتها كما يُمحى الغبار عن الزجاج،

ستنفيه من ذاكرتها، كأنما لم يكن


أغلقت الصندوق بإحكام، ثم حملته بيديها وخرجت من الفيلا استقلت سيارة أجرة، وعيناها لا تغادران الطريق، كانت تعرف وجهتها تمامًا، منزله.....منزل فريد !!!!!!

........

على الناحية الآخرى، كان الأرق قد استوطن عينيه، رافضًا أن يمنحه لحظة هدنة. بدا كأن الحياة قد صفعت هيئته، فملابسه مبعثرة، وعيناه غائرتان، وزجاجة الخمر لم تفارق قبضته منذ الأمس.


رن جرس الباب بنغمة ثقيلة، وكأنها تدق على رأسه لا على بابه، نهض بتكاسل، يجر قدميه المثقلتين، فتح الباب... وإذا بها، الفتاة التي كانت برفقته ليلة أمس.


اقتربت منه دون تردد، طبعت قبلة وقحة على شفتيه، ثم تسللت إلى الداخل بخفة. أغلق الباب خلفها بتلقائية، لكنه لم يُحكم إغلاقه !!!!!!!


خلعت معطفها الطويل وجلست على الأريكة، واضعة ساقًا فوق الأخرى، تكشف عن جسدٍ فاضح، لا يعرف الستر طريقًا إليه، ثم سألته وهي تتمعن بالفوضى المحيطة:

– إيه اللي عمل كده؟ مين كسر الحاجات دي؟


لم ينطق سوى بكلمة واحدة، خرجت ثقيلة، مشبعة بالقرف:

– اطلعي بره !!!


اقتربت منه، تطوق عنقه بذراعيها، وهمست بميوعة مقززة:

– ليه بس يا روحي؟! أنا حتى مشيت بدري امبارح... والسهرة كانت ناقصة، قولت أجي نكملها النهاردة سوا


ابعدها عنه وجلس فوق الاريكة خلفه، فتابعت سالي بنبرة ماجنة وهي تجلس فوق قدميه :

– بس إيه رأيك في ليلة امبارح؟! عجبتك؟!


دفعها عنه بعنف، وجلس على الأريكة كأنه يهرب من نفسه، من جسده، من روحه، لكنه لم يكن سريعًا بما يكفي


قبل أن يلفظ أي رد فعل، سمع الصوت الذي لم يتمنى سماعه أبدًا في تلك اللحظة... صوت آخر من يتمنى أن تراه عينه الآن !!!

– زي ما انتوا والله ما انتوا قايمين، سوري لو قطعت عليكم اللحظة، معلش، تعوضوها يوم تاني... كفاية عليكم امبارح


التفت بسرعة، نظر إليها بذهول، عجزت الكلمات عن الخروج من فمه، لكن اسمه خرج منه متقطعًا، ثقيلاً، مرتبكًا:

– ج... جيانا؟


رفعت الفتاة الأخرى حاجبها بدهشة وسألته بضيق:

– البت دي بتعمل ايه هنا يا حبيبي ؟


صرخ عليها بغضب دون أن يلتفت إليها :

– اطلعي بره !!!!


تفاجأت من حدته، تراجعت خطوة، لكنه زادها قسوة :

– قولت بررررره


ارتدت معطفها سريعًا، وأخذت أغراضها، ثم غادرت، تُطلق نظرات حارقة نحو جيانا، وكأنها تلقي عليها اللوم لطردها المهين


بقي هو واقفًا كالمسجون بين ذنوبه، حاول أن يتكلم، أن يبرر، أن يقول أي شيء... لكن الكلمات خانته :

– أنا...آآ...


قاطعته بسخرية لاذعة، وهي ترفع كتفيها بلامبالاه :

– متتعبش نفسك....مش هتلاقي حاجة تقولها، مفيش حاجة تتقال غير إني كنت غبية، آه والله غبية !!!!


تنفست بعمق، ثم ابتسمت بمرارة وتابعت باشمئزاز منه  :

– غبية إني صدقتك... غبية إني وثقت في شخص زيك... غبية إني افتكرت للحظة إنك ممكن تتغير، بس الظاهر اللي اتربى على القذارة، صعب يعيش نضيف


زم شفتيه بوجع، غضب عجز... ناداها بصوته المتكسر :

– جيااانا...


ابتسمت بتهكم وقال :

– معلش ما هي الحقيقة بتوجع؟


أغمض عينيه كأنه يحاول الفرار من الواقع، فتابعت ببرود مصطنع يخفي دمارًا داخليًا سببه هو :

– أنا مش جاية أعاتبك... ولا ألومك، انت حتى مش خسارة في الزعل بس، انت خسارة فيك الكره حتى


حاول فريد التبرير قائلاً :

جيانا انا بحبك، والله.......


قاطعته قائلة بسخرية :

– بلاش تحلف، اللي زيك ميعرفش ربنا اصلاً، هتبرر إيه، مهما قولت او حلفت، كلامك مبقاش يلزمني روح اضحك بيه على مغفلة غيري


ثم، بحركة مفاجئة، ألقت بصندوق أمامه، فسألها متعجبًا :

– إيه ده؟


ابتسمت بسخرية مريرة وقالت :

– دول كل حاجتك... كل ذكرى ليك عندي


تناولت زجاجة الخمر من الأرض، وسكبت محتواها على الصندوق، بينما هو واقف مذهول، لا يحرك ساكنًا، ثم أمسكت بالقداحة، وأشعلت النار


تقدمت ببطء، والنيران تتراقص بينهما، وقالت بحزم لا يقبل الجدل :


– من اللحظة دي... إنت اتحرقت زي الذكريات دي، طلعتك من حياتي، ومحيتك من قلبي، وحرقتك زي ما حرقت كل لحظة حلوة كنت فاكرة إنها صادقة


ثم همست لنفسها بقهر بألم وقهر فشلت في اخفائهما :

– حتى حبك... بقى رماد زيهم !!!!!


تنفست بعمق ثم تابعت بحزم كأنها تواسي نفسها بتلك الكلمات قبله :

– مكاني عمري ما كان معاك، مكاني كان مع اللي يستحقني، مع اللي يعرف قيمتي، واللي اكيد مش انت


نظرت له لأخر مرة، ثم استدارت لتنصرف، لكنه أمسك يدها بقوة، بعينين احمرتا من الغضب والغيرة :

– مش كده... مش بالسهولة دي تخرجي من حياتي، أنا بحبك، سامعة، بحبك، إنتي ليا... ليا أنا وبس يا جيانا 


حاولت أن تفلت يدها، لكنها لم تستطع، فصرخت عليه بحدة :

– سيب ايدي !!!!!


اقترب منها أكثر، يهمس بجنون :

– هعمل اللي لازم أعمله، هحفر اسمي على روحك...انتي ليا انا برضاكي او غصب عنك


ارتجفت من الرعب، دفعت صدره بكل قوتها وقالت :

– ابعد عني !!!!!!


جذبها من يدها بعنف إلى داخل الغرفة، كانت تحاول الإفلات منه، الهرب، لكن قوته—حتى وهو ثمل—فوق طاقتها. دفعها نحو السرير، ثم ازال قميصه، وبدأ يفك أزراره واحدًا تلو الآخر، ببطء مخيف !!!!!!


قفزت جيانا واقفة، وركضت نحو الباب، وما إن أمسكت بمقبضه حتى جذبها مجددًا إلى حضنه، ذراعه تطوقها، والأخرى تغلق الباب وتلقي بالمفتاح بعيدًا !!!!!


دفعته بكل ما أوتيت من قوة، ثم أخذت تتراجع، وهو يقترب خطوة بخطوة، حتى تعثرت بطرف السجادة وسقطت على الفراش خلفها !!!!


اقترب منها، يحيطها بكلتي يديه، حاولت دفعه ولكن دون جدوى، اقترب من عنقها، يقبلها بعنف، وهي تصرخ، تبكي، تستنجد، لكن لا أحد يسمع، كانت تلف وجهها يمينًا ويسارًا رافضة ومشمئزة من لمساته !!!!!!


أمسك فريد بيديها، وثبتها فوق رأسها بقوة، ويده الأخرى أمسكت وجهها، ثم اقترب منها يقبلها رغماً عنها، قبل أن يبتعد للحظات يلهث، ثم يعود إلى عنقها، ويده تتسلل نحو ثيابها...


لكن فجأة، دوى صوت طرق عنيف على الباب، يتبعه صوت أيهم الغاضب يصرخ :

– فريد افتح الباب، فريييييد !!!!!


كان صوت أيهم، يعلو بالغضب والتهديد، لكن فريد لم يجب، ليقتحم أيهم الباب بعنف، يندفع إلى الداخل، ينظر لما أمامه بعيون متسعة من شدة الصدمة، لم يصدق ما رأى، تقدم نحوه بسرعة، ودفعه بعيدًا عنها بقوة !!!


أما هي، فنهضت مسرعة، لا تستوعب ما حدث، كانت ترتجف، عيناها متسعتان من الذهول، ماذا لو لم يصل أيهم في الوقت المناسب؟ كانت لتُسلب، لتُدفن في ليلتها حية، بلا نجاة !!!


وقف فريد، يترنح، بدأت الخمرة تتبخر من رأسه، ليصحو على ما كاد أن يفعله، كان الغضب يعميه، ثم جاء الشراب فطمس ما تبقى من وعيه !!!!


ساد صمت ثقيل في الغرفة، لا يُسمع سوى أنفاسهم اللاهثة، والذهول المشترك بينهم !!!!


خفض فريد رأسه أرضًا، عاجزًا عن النظر في عينيها، أما هي، فكانت ترمقه بنظرة صدمة وخيبة، تهمس بداخلها

كيف أحببت هذا الإنسان يومًا.....؟!

أكنت عمياء إلى هذا الحد....؟!


أما أيهم، فكان يحدق فيهما، يلعن في قلبه حماقة ابن عمه، يشفق على تلك الفتاة التي تنظر إلى فريد وكأنها تبحث عن شخص عرفته يومًا، شخص أحبته... لكنها لم تجد سوى جسدٍ بلا رحمة، بلا ضمير !!!!


رفع فريد رأسه أخيرًا، بعينين يملؤهما الندم والانكسار، لكن نظرتها بقيت ثابتة، تائهة، كأنها تُشيعه داخلها إلى قبرٍ اسمه.....الخذلان !!!!!!!


اقترب فريد منها، صوته يخرج بصعوبة، يحمل ندمًا ثقيلًا، يكاد يغرقه :

جيانا...أنا آسف،مكنش قصدي، ااا....اا.....


لكن الكلمات توقفت في حلقه، لا مبررات، ولا تفسيرات يمكن أن تصحح ما حدث....ما حدث لا يُغتفر


خرج أيهم من الغرفة، تاركًا لهما مساحة للحديث، لكنَّه ظل قريبًا، في مكانٍ يضمن ألا يتهور فريد مجددًا، كان يعلم أن هذه اللحظة هي اللحظة الحاسمة بالنسبة لهما !!!


أما جيانا، فما إن نطق فريد بكلماته، حتى مرت لحظاتٌ من الصمت الثقيل، ثم انفجرت ضاحكة بشدة، تضحك وكأنها فقدت قدرتها على التوقف، ضحكت حتى اختنق صوتها، بينما كان فريد ينظر إليها بتعجبٍ شديد، غير قادر على فهم ما يحدث !!!!!!


رددت جيانا من بين ضحكاتها الجافة :

أنا اللي آسفة، حقيقي، أنا اللي آسفة إني عرفت واحد زيك، شكرًا انك علمتني درس عمري ما هنساه !!!!!


نظرت له بنظرة مشمئزة، تحمل ندمًا لا يمكن تخيله، نظرةٍ مليئة بالخذلان، كأنها تقول له "ليتني لم أحبك"


ثم خرجت من الغرفة، ثم دخل أيهم على الفور صارخًا عليه بغضب عارم واشمئزاز :

وثقت فيك، فكرتك بني آدم، قد الثقة، بس في النهاية طلعت حيوان، بيجري ورا شهواته وبس


قفز فريد واقفًا، ممسكًا بثياب أيهم من المقدمة، صارخًا عليه بألم:

انت مش مكاني عشان تعرف هتتصرف إزاي، محطتش نفسك مكاني عشان تعذرني


دفعه أيهم بعيدًا عن صدره، صارخًا في وجهه بقرف :

مش مكانك، ولا عمري هكون مكانك، لو في يوم اتحطيت في موقف زي ده، عمري ما أخون الثقة أبدًا، حتى لو على موتي آه، أنا زبالة، وفيا كل العبر، بس مش زيك، أنا مروحتش راهنت على واحدة علشان أخد اللي عاوزه منها وأرميها، أنا ما وقعتش في الحب بسهولة، وخونت بكل سهولة، كان ممكن ترفض، بس انت حابب ده، حابب تعيش في المستنقع ده، كان قدامك تعيش حياة نضيفة معاها، وتسيب العك ده كله، لكن انت أناني !!!!!


كانت كلمات أيهم كالطعنات في قلب فريد، لكنه كان غافلًا عن الشيء الأهم في تلك اللحظة... تلك التي استمعت لكل كلمة منهم في الخارج، تلك التي أدركت أخيرًا أنه حتى لم يكن حبًا، بل مجرد رهان على جسدها وعواطفها، كان شعورًا زائفًا من البداية !!!!!!


خرجت جيانا من المنزل، مصدومة، قلبها مكسور، لم تعرف معنى الخذلان حتى ذلك اليوم، لكنها تعلمت لأول مرة معناه على يده


في الداخل، تنهد أيهم بسخرية، ثم قال بغضب، موجهًا حديثه إلى فريد بحدة :

أقولك يا فريد، أنت نفسك في إيه؟ من الآخر، نفسك في واحدة تحبك وتحبها، عايزها تكون ملك ليك لوحدك، وانت مستخسر تكون بتاعها لوحدها


ثم ابتسم بحزن، وتابع بحسرة :

صدقني، اتمنيتها من كل قلبي ليك، شوفت فيها البنت اللي ممكن تغيرك... بس الظاهر إني كنت غلطان، عارف، أنا من جوايا بتمنى واحدة زيها أحبها وأتغير عشانها، كنت عاوز سبب قوي يخليني أبعد عن القرف ده، انت جالك الدافع اللي يخليك تقاوم، لكنك بسهولة استسلمت، كان نفسي في فرصة زي دي، وكنت همسك فيها بإيدي وسناني، وعمري ما كنت هضيعها أبدًا زيك !!!!!


قالها بحزن عميق، ثم غادر الغرفة، تاركًا فريد جالسًا على الأرض، يئن من الندم، متسائلًا ماذا فعل بسبب ثمالته؟

كان على وشك أن يؤذيها لولا تدخل ابن عمه في اللحظة الحاسمة، والآن هو يدفع ثمن أفعاله....وسيظل يدفع!!!!!


كانت تلك آخر مرة يراها فيها، رغم محاولاته العديدة لرؤيتها مجددًا، لكنه لم يستطع، حتى عندما أخبرها أيهم أنها سيسافر دون عودة، أن كانت تريده ان يبقى، تذهب وتلحق به، لكن جيانا لم تبالِ به ، لو يعلم انها تعلمت القسوة منه، تعلمت القوة من اللحظة التي ضحكت فيها، وكان من المفترض أن تصرخ وتبكي


لقد كان هو السبب في قسوة قلبها عليه، ليغادر هو، ليختفي، لأن لا أحد يستحق أن تهدر كرامتها من أجله !!

ستظل كرامتها فوق رغبات قلبها.....وفوق كل شيء !!!!


عودة للوقت الحالي.....


رددت جيانا بصعوبة، غير قادرة على النظر إلى وجه والدها :

اتفاجأت لما شوفته مع رونزي، بعد كده جالي المكتب، وأنا طردته...


لحظات من الصمت مرت، وكأن الوقت تجمد في تلك الغرفة الصغيرة التي امتلأت بعبء الكلمات التي خرجت من بين شفتيها !!!!


كان والدها واقفًا أمامها، مصدومًا، وكأن كل كلمة تصطدم به كرصاصة موجهة إلى قلبه، لقد خانت ثقته، كذبت عليه، فعلت كل شيء خاطئ !!!!


كان الصمت ثقيلًا، يملأ الهواء بينهما، لكن أكثر ما فاجأه هو ما قالته عن ذلك الحقير، الذي حاول الاعتداء عليها، وكاد يضيعها إلى الأبد !!!!!


لم يقطع هذا الصمت سوى الصوت الذي لا يُحتمل، صفعة على وجهها من يد أبيها، هوت الصفعة كالصاعقة على وجنتها، لتنفجر بعدها في بكاء مرير، وكأن الدموع التي انسكبت كانت تلامس أعماق روحها المكسورة


أخذها عز بين ذراعيه، يحاول تهدئتها، بينما ينظر إلى أكمل بحزن عميق في قلبه لم يستطع إخفاءه


كانت ملامح أكمل صارمة، ونبرته لا تعرف التراجع، بل كانت حاملة غضبًا لا يمكن إنكاره :

أنا اديتك ثقتي، وكنت دايمًا أقول بنتي عمرها ما تخون الثقة... بس خانتها من النهاردة مفيش شغل، ولا خروج من البيت وأي زفت عريس هيتقدم بعد كده، وطلع كويس، هتتجوزيه، مفيش حاجة اسمها رفض أو مش عاجبني، ومش عاوز أشوف وشك طول ما أنا في البيت


قالها ثم غادر الغرفة، بينما بقيت هي، تتنفس بصعوبة، تبكي في مرارة لم تعرفها من قبل.، ما كانت تخشاه قد حدث، لقد خسرت ثقة والدها، ةخسرت احترامه !!!

قلبها يتفتت مع كل لحظة تمر


ضمها عز إلى صدره يواسيها بقلب يعتصره الحزن، حتى غفت بين ذراعيه منهكة الدمع والحزن، وضعها على الفراش برفق، ثم نزل يبحث عن أكمل، لكنه لم يجده…..

كان قد غادر المنزل، فأدرك عز بفزع انه ربما ذهب إلى.....فرييييد !!!!!!!


                الفصل الحادي عشر من هنا 


لقراءه جميع فصول الرواية من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة