
بقلم اسماعيل موسى
سيد ما كانش بيحسب الشهور بالتقويم ولا بعدد الأيام، كان بيحسبها بالموعد اللي مليكة تخرج فيه من البيت، اللحظة اللي صوت خطوتها يختفي من على السلم، فيقف عند الشباك، يراقب، يسمع، ويستعد، كأن الظرف بيتخلق في اللحظة دي مخصوص عشانه.
مليكة كانت تروح القصر كل شهر، مش علشان تدخل، ولا علشان تشوف حد، ولا حتى علشان تسمع صوت فارس، كانت تقف عند البوابة وبس، الأمن يعرف اسمها من غير ما يسأل والظرف المقفول يتسلم من غير عدد، من غير شرح، من غير كلمة، فارس بعد ليلة إصابته عمره ما قابلها ولا طلب يشوفها ، الفلوس كانت دايمًا واصلة، ودي كانت رسالته الوحيدة.
سيد كان يستلم الظرف، يفتحه ببطء، يعد الفلوس، يكشر، لأن فلوس القصر عمرها ما كانت تكفي حد زي سيد، شهيته كانت أكبر من جسمه، وأكبر من خوفه، فبدأ يزنّ، في الأول بكلام، وبعدين بالصوت، وبعدين بالإيد، يقولها روحي قوليله يزوّد، قوليله أنا محتاج، قوليله يعطف عليّا، ومليكة كانت تهز راسها، لا اعتراض ولا موافقة، مجرد حركة فاضية من المعنى، وترجع القصر، وترجع بنفس الظرف
أول مرة مسكها من شعرها ما كانتش علشان الفلوس، كانت علشان الإهانة، عشان مليكه رفضت تتزلل لفارس ، وبعدها الضرب بقى أسهل، أقرب، أسرع، ولما قالها لو رجعتي من غير زيادة تاني هقتلك، كان بيبص للحيطة مش ليها، كأنه بيجرب الجملة على لسانه قبل ما يصدقها، وهي صدقته، مش لأنه قوي، لكن لأن دماغه راحت من المخدر ، مفيش جواه غير الفراغ والغضب.
رجعت الشهر اللي بعده، الظرف نفسه، نفس الوزن، نفس الصمت، رجعت البيت متأخرة، لقيته مستني، لا صاحي ولا نايم، واقف، ضربها بتركيز مش بجنون، وهي سكتت، مش شجاعة، اعتياد، ولما قالها فارس لو شافك كان زمانه زوّد، انتي غبيه انتى عاق .
الفلوس خلصت أسرع من أي مرة، وسيد ما استحملش يستنى شهر تاني، جاب اللي يريّح اللحظة مش اللي يحسبها، وفي الليلة المشؤومة مليكة كانت قافلة على نفسها في الأوضة، بتعد النفس مش الوقت، سمعت صوت حاجة وقعت، وبعدها الصمت، وفي الصبح خرجت، لقيته ممدد، ملامحه هادية لأول مرة، لا مستني ظرف، ولا شهر، ولا قصر، ما لمستوش، ما عيطتش، قعدت شوية وبعدين قامت وغيرت هدومها.
اكتشفت مليكة بعد موت سيد بأيام قليلة، وهي بترتب البيت وتحاول تتجنب الريحة التقيلة اللي سابتها الوحدة مكانه، إن الفلوس كلها اختفت، مش بس اللي كان بيصرفها قدام عينيها، لكن حتى القروش اللي كانت مخبياهم بعيد عنه، تحت البلاطة، جوه كيس قماش ملفوف بعقدة كانت فاكرة إن الزمن نفسه نسي مكانها، قعدت على الأرض وعدّت، وأعادت العد، وكررت الحركة كأن الرقم لو اتقال تاني هيطلع، لكن الفراغ فضل فراغ، وساعتها فهمت إن سيد ما كانش بيضيع فلوس، كان بيمسح أثرها.
فضلت قاعدة فترة، لا قادرة تعيط ولا تصرخ، لأن الخوف كان سابق الدموع، خوف من الإيجار اللي قرب، من العيش اللي خلص، من بنتها اللي بتتحرك في الأوضة الضيقة بحركات مش حاسة إن سقف الأمان وقع، فقامت تاني يوم ونزلت تدور على شغل، مش لأنها مستعدة، لكن لأنها لو ما نزلتش هتقعد تفكر، والتفكير بقى رفاهية.
لفّت على محلات، سألت بصوت واطي، بياعة، مساعدة، خدامة، أي حاجة، كانت بتتكلم عن قدرتها على الشغل، لكن الردود كانت دايمًا بتبص لجسمها قبل كلامها، نظرات بتمشي عليها ببطء مقلق، وأسئلة جانبية ملهاش علاقة بالشغل، وكلام يطلع في صيغة هزار وهي فاهمة إنه مش هزار، فكانت تمشي، وكل مرة تمشي وفيها حتة بتقع.
وفي مرة، بعد أيام من اللف والدوران، وافقت ست تشغلها خدامة في بيتها، الست كانت هادية، عينها باردة، كلامها محسوب، قالت لها إنها محتاجة حد ينضف ويرعى البيت، ومليكة وافقت من غير ما تسأل كتير، لأنها ما بقتش تملك رفاهية السؤال، ومن أول أسبوع لاحظت إن جوز الست بيبصلها أكتر من اللازم، مش نظرة فحص عادية، نظرة بتتأخر، بتستقر، وبتسبقها ابتسامة مش مريحة.
كان بيديها فلوس زيادة عن اللي اتفقوا عليه، يحطها في إيدها من غير شرح، ويقول كلام بسيط مالوش وزن، لكنها كانت حاسة بوزنه كويس، حاسة إن الفلوس مش بريئة، وإن النظرات اللي بتسبقها وتلحقها ليها حساب مش واضح، فكانت تاخد وتسكت، مش طمع، لكن اضطرار، ومع كل مرة كانت ترجع البيت وهي شايفة الفلوس في إيديها تقيلة أكتر من اللازم.
مليكة ما قالتش لحد، ولا حتى لنفسها، وفضلت تتعامل إن الموضوع مش موجود، لأن تسميته كانت هتفتح باب هي مش مستعدة تدخله، فخلّت الأمر معلق، زي كتير من الحاجات اللي اتعلمت تسيبها معلقة عشان تعرف تكمل.
وفي الليل كانت تضم بنتها، تعد الفلوس، وتحسب الأيام، وهي عارفة إن في شيء بيكبر في الزاوية، مش باين، لكنه موجود، وساكت… وده أخطر أنواع الحاجات.
مع الوقت، وبعدين من غير ما تحس، بقت مليكة معتمدة على فلوس الشغل اعتماد يخوّف، الفلوس بقت مش بس أجر، بقت طوق نجاة، وكل ما الطوق شدّ كل ما الإيد اللي ماسكاه شدّت أكتر. جوز الست بقى يقرب زيادة، ما بقاش يكتفي بنظرة ولا كلمة عابرة، بقى وجوده نفسه تقيل، حضوره وهو داخل المطبخ، وقفته وراها وهي بتنضف، صوته وهو بيكلمها قريب زيادة عن اللزوم، لمساته اللي تيجي في صيغة صدفة، لكن الصدف لما تتكرر بتبقى نية.
كانت مليكة تحاول تزوّغ، تسرّع إيدها، تغيّر مكانها، تخلص شغلها بسرعة، وترجع البيت مرهقة أكتر من اللازم، بس التحرش ما كانش بيمشي، كان بيستناها، وكل يوم يتجرأ خطوة صغيرة، خطوة محسوبة، كأنه بيقيس قدرتها على الاحتمال، أو صمتها.
فكرت كتير تقول لمراته، الست اللي شغّلتها، الست اللي عينها دايمًا ثابتة، واللي كلامها قليل، فكرت تقولها مرة وعدّت، وبعدين مرة تانية وعدّت برضه، لحد ما في يوم حصل اللي ما كانش ينفع يحصل. كان واقف قريب منها، قريب زيادة، كلمته طالعة ببطء، وإيده اتطولت، والست كانت موجودة، واقفة، شايفة المشهد بعينها، عينين مفتوحتين، ثابتتين، من غير دهشة، من غير اعتراض، من غير حتى حركة.
مليكة في اللحظة دي ما نطقتش، ولا صرخت، ولا تحركت، حسّت إن الكلام اتحجر جوا بقها، كأنها ابتلعت حجر تقيل، حجر سدّ حلقها وخلاها واقفة مكانها، سمعته بينزل جواها مش بس في بطنها، في صدرها، في ركبها اللي ضعفت، وفي عينها اللي بصّت في الأرض عشان ما تشوفش.
الست ما قالتش حاجة، كملت كلامها كأن اللي حصل مش موجود، وهو رجع خطوة، وابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة انتصار هادي، ومليكة فهمت في اللحظة دي إن الشكوى ملهاش مكان، وإن البيت ده ليه قوانين مكتوبة من غير كلام، وإن سكوتها اتسجل، واتحسب، واتشاف.
رجعت البيت اليوم ده أبطأ من المعتاد، الخطوات كانت تقيلة، وجسمها كله موجوع من غير ما يكون اتضرب، قعدت جنب بنتها، لمّتها عليها، وحاولت تطلع الحجر من جوه صدرها، لكنه ما طلعش، فضل مكانه، ثابت، زي وعد بشيء لسه جاي.
الصبح بنتها فريده بتصحيها تروح الشغل همست بضعف
مفيش شغل انا مش رايحه تانى
اكتشف فارس بالصدفه ان اظرف الفلوس بقالها شهرين عند حارس البوابه ولما سأله قال
الست إلى بتوصل كل اول شهر مجتش يا فارس بيه