رواية قدري الأجمل الفصل الرابع عشر 14 بقلم ندا الهلالي

رواية قدري الأجمل الفصل الرابع عشر 14 بقلم ندا الهلالي



{أصعب من المواجهة… هي من تواجه."🖤🌎}
     وقفت مكّة خلف الشرفة تتطلع إلى الأسفل، وقلبها يخفق باضطرابٍ لا تهدأ له وتيرة.
كانت مها هناك، وحيدة، منكسرة، كأنها جاءت تحمل اعترافًا أثقل من قدرتها على الاحتمال.
ترددت مكّة طويلًا.
شيءٌ في داخلها كان يأمرها أن تغلق الباب وتعود، وشيءٌ آخر كان يلحّ عليها أن تواجه.
وفي النهاية… نزلت.
ما إن وقعت عينا مها عليها، حتى اندفعت نحوها كمن أفلتت منه الحياة، وألقت بنفسها في حضنها، تشبثت بعنقها، وارتجف جسدها كله من شدة البكاء.
كانت شهقاتها متلاحقة، وبكاؤها صامتًا لكنه مزلزل.
غير أن مكّة لم تبادلها العناق.
ظلت واقفة كتمثالٍ بلا روح، ثم أبعدتها عنها بقسوة مكتومة.
قالت من غير ما تبصلها:
— إنتِ إيه اللي جابك هنا؟
مسكت مها كف إيدها بسرعة، صوتها مكسور:
— أرجوكي يا مكّة… اسمعيني مرة واحدة بس.
سحبت مكّة إيدها بعنف، والغضب انفجر من صدرها:
— أسمعك؟!
إنتِ فاكرة نفسك عملتي إيه؟
فاكرة أنا حبيتك قد إيه؟
ارتعش صوتها، والدموع نزلت غصب عنها:
— أنا كنت مستعدة أخسر حياتي كلها ولا أخسرك إنتِ!
لو كنت أعرف إنك بتحبي مالك… والله كنت سيبته ليكي!
إنتِ ماكنتيش مجرد صاحبة…
إنتِ كنتِ أختي، وصاحبتي، ودار أماني.
انخفضت رأس مها، وعيناها معلقتان بالأرض، والدموع تنساب بلا توقف.
تشابكت أصابعها في بعضها، كأنها تعاقب نفسها قبل أن يُدان ذنبها.
أشارت مكّة بيدها نحو باب القصر، وصوتها خرج مبحوحًا صارخًا:
— اطلعي برا.
وسيبيـني في حالي.
وانسي إن كان ليكي صاحبة اسمها مكّة في يوم.
ثم صرخت بكل ما تبقى فيها:
— بــــــــراااااااااااااااا!
استدارت مكّة لتغادر، تاركة خلفها إنسانة محطمة.
لكن مها أوقفتها فجأة، صوتها خرج مرتجفًا:
— أنا حامل…
بس مش من مالك.
من محمود.
توقفت مكّة مكانها، وكأن الهواء قد تجمد حولها.
خطت خطوة إلى الخلف، وقلبها كاد يخرج من صدرها.
التفتت ببطء، ونظرت إليها وفمها مفتوح من الصدمة.
ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة باهتة، وقالت ببرود:
— كذبة جديدة.
جرت مها نحوها، أمسكت كف إيديها، وسقطت على ركبتيها أمامها:
— والله العظيم بقول الحقيقة!
إنتِ باقي سنتين وتبقي دكتورة، تقدري تعملي تحليل DNA بنفسك!
اعمليه… شكّي زي ما إنتِ عايزة!
كانت مكّة واقفة، شاحبة الملامح، زائغة النظرات، ثابتة في موضعها كأنها تلقت ضربة لم تستوعبها بعد.
أخذت مها نفسًا عميقًا، وبدأت تحكي كل شيء بسرعة، ودموعها لا تتوقف،
بينما ظلت مكّة كما هي…
عالقة في لحظة صدمة لا زمن لها.
ظلّت مكّة واقفة في موضعها، لا تتحرك، كأن الكلمات التي سقطت على مسامعها قد شلّت الزمن من حولها.
كانت تنظر إلى مها، لكن بصرها لم يكن يراها، وكأن عقلها ما زال عالقًا عند الجملة الأخيرة.
تنفست مها بعمق، صدرها يعلو ويهبط بعنف، ثم قالت بصوت مرتعش:
— أنا ماكنتش عايزة ده يحصل… والله ما كنت قاصدة أخسرِك.
لم ترد مكّة.
ملامحها جامدة، وعيناها ثابتتان في نقطة بعيدة، كأنها تحتمي بالصمت من الانهيار.
اقتربت مها خطوة، ثم توقفت، خائفة من أن تُصدّ من جديد
ابتلعت ريقها بصعوبة، وأكملت وهي تبكي:
— عمري ما حبيت مالك زي ما إنتِ فاكرة… هو كان إنقاذ، لحظة غباء، بس إنتِ؟
إنتِ كنتِ حياتي.
شدّت مكّة أصابعها بقوة، أظافرها انغرست في كفها، محاولة أن تستعيد توازنها.
ثم قالت ببطء، بنبرة منخفضة لكنها حادة:
— وإنتِ فاكرة إن الكلام ده يفرق؟
رفعت مها عينيها إليها، مليئتين بالخوف:
— يفرق… علشان تعرفي إني ما خنتكيش عن قصد.
ضحكت مكّة ضحكة قصيرة خالية من الفرح:
— القصد ما يغيّرش النتيجة.
ساد الصمت لحظة ثقيلة، لم يُسمع فيها سوى أنفاس مها المتقطعة.
أغمضت مكّة عينيها لثوانٍ، ثم فتحتهما وقالت بصوت مبحوح:
— إنتِ كسرتي حاجة ما بتتصلحش.
انكمشت مها على نفسها، وكأن الجملة سحبت منها آخر ذرة أمل:
— عارفة… وعارفة إني أستاهل كل ده. بس محدش يستاهل الانتقام ده يامكه 
تقدمت مكّة خطوة إلى الخلف، كأنها تحتاج مسافة تحميها:
— اللي بينا انتهى.
حتى لو الكلام خلّص… الوجع لسه.
رفعت مها رأسها، نظرت إليها نظرة أخيرة مليئة بالرجاء:
— بس حاول تسامحيني
لم تجبها مكّة.
استدارت ببطء، ومشت نحو باب القصر، خطواتها ثقيلة لكنها ثابتة.
أما مها…
فبقيت في مكانها،
وحدها،
تحمل سرًا أكبر من قدرتها،
وتراقب ظهر مكّة وهو يبتعد،
مدركة أن بعض الخسارات لا يعوّضها اعتراف،
ولا يمحوها صدق متأخر.
أغلقت مكّة باب غرفتها خلفها، وما إن استندت إليه حتى سقط ثقل جسدها عليه، كأنها كانت تتماسك فقط إلى أن وصلت إلى هذا المكان.
اتجهت نحو السرير بخطوات متعثرة، ثم توقفت في منتصف الغرفة.
صوت مها عاد يرنّ في أذنيها بإلحاحٍ قاسٍ.
أنا حامل… بس مش من مالك… من محمود.
رفعت يدها إلى رأسها، ضغطت على صدغيها، وكأنها تحاول إيقاف ذلك الصوت، لكن الأفكار كانت أسرع.
محمود…
أخوها.
كيف حدث هذا من دون أن تعلم؟
وأين هو الآن؟
ثم مالك.
ملامحه، أفعاله، مواقفه التي بدت لها وقتها قاسية وغير مبررة.
هل كان يفعل كل ذلك من أجلها؟
هل كانت تراه بعينٍ واحدة فقط؟
تسارعت أنفاسها، وبدأ صدرها يعلو ويهبط بعنف.
نظرت إلى انعكاسها في المرآة، فرأت وجهًا شاحبًا، عينين متورمتين، وشفتين ترتجفان.
خرج صوتها فجأة، مبحوحًا، كأنها تحاسب نفسها:
— بس أنا كنت فين من كل ده؟!
لم تحتمل الوقوف أكثر.
انزلقت على الأرض بجوار السرير، ظهرها إلى الحائط، وساقاها مطويتان تحتها.
انهارت.
انفجر بكاؤها، بكاءً مريرًا، جسدها كله يهتز، ودموعها تنساب بلا توقف.
كانت تبكي غيابها، وتسرعها في الحكم، ووجع الحقيقة التي جاءت متأخرة.
وفجأة…
انفتح باب الغرفة بعنف.
دخل تميم، وما إن رأى المشهد حتى توقفت أنفاسه.
مكّة كانت على الأرض، شعرها مبعثر، خصلاته ملتصقة بوجهٍ غارقٍ في الدموع، عيناها حمراوان، زائغتان، وفستانها متجعد، كأنها خرجت من معركة خاسرة.
جري نحوها، جثا على ركبتيه، ومد يديه بسرعة:
— مكّة! إيه اللي حصلك؟!
لم تجبه.
كانت تبكي بقوة، شهقاتها متقطعة.
أمسك كتفيها برفق، محاولًا رفع وجهها إليه، وصوته مليء بالصدمة:
— بصّيلي… إنتِ كويسة؟
رفعت عينيها ببطء، نظرت إليه نظرة مليئة بالتعب والضياع، وهمست:
— أنا… كنت بعيدة أوي.
لم يسأل أكثر.
شدّها إليه، وضمّها بحذر، وكأنها شيء هشّ قد ينكسر بين يديه، بينما استمر بكاؤها بين ذراعيه.
وفي تلك الغرفة،
بين جدران تعرف أسرارها،
سقطت مكّة أخيرًا…
وسمحت لنفسها أن تنهار.
لم تشعر مكّة بنفسها حين هدأ جسدها بين ذراعي تميم.
كان بكاؤها قد استنزف ما تبقى فيها، فاستسلمت للنوم ببطء، رأسها مستقر فوق صدره، وأنفاسها غير منتظمة، كطفلة احتمت أخيرًا من العاصفة.
ظلّ تميم ثابتًا لا يتحرك.
كان يتأمل ملامحها عن قرب؛
العينان المغمضتان بتعب،
آثار الدموع الجافة على وجنتيها،
وشفتان ترتجفان حتى وهي نائمة.
رفع يده ببطء، أبعد خصلة شعر علقت بوجهها، وتنفس بعمق.
اقترب بفمه من أذنها، وهمس بصوتٍ منخفض كأنه حديث لا يجب أن يسمعه أحد:
— شكل كل الأدوار هتتلعب عليكي في لحظة يا أميرتي الصغيرة.
نهض بحذر شديد، وحملها بين ذراعيه دون أن توقظها.
كانت خفيفة… أكثر مما ينبغي.
وضعها على الفراش برفق، كأنها قطعة من الزجاج، وعدّل وضعها، ثم استدار.
توجه نحو أحد الجدران.
لم يكن جدارًا عاديًا؛
لوحة معدنية سوداء، مدمجة بإتقان في الحائط، تشبه باب خزنة عملاقة، لا مقبض لها ولا مفاتيح.
وقف أمامها بثبات، ووضع كفّه داخل مربع صغير محفور في المعدن.
ثوانٍ قليلة…
ثم صدر صوت خافت، أشبه بنبضٍ معدني.
انشقّ الباب ببطء.
من الداخل، ظهر سلّم ضيق ينحدر إلى الأسفل، درجاته من الحديد الداكن، يبتلع الضوء كلما نزل أعمق.
عاد تميم سريعًا، حمل مكّة من جديد، ودخل بها.
أُغلق الباب خلفهما في صمت.
بدأ النزول.
وكان مع كل درجة، يبتعدان أكثر عن العالم في الأعلى.
انتهى السلم عند غرفة مخفية أسفل الأرض.
غرفة واسعة على غير المتوقع، جدرانها حجرية ملساء، يكسوها ضوء خافت مائل للزرقة، مصدره وحدات إضاءة صغيرة مخفية في الزوايا.
الهواء بارد، نقي، مشبع برائحة معدنٍ قديم وأسرار دفينة.
في منتصف الغرفة، فراش بسيط لكن فخم، وإلى جانبه طاولة خشبية داكنة، وعلى الجدران شاشات مغلقة، وخزائن معدنية، وملفات مرتبة بعناية.
المكان كله يوحي بشيء واحد:
هذا ليس ملجأ…
بل غرفة انتظار للحقيقة.
وضع تميم مكّة على الفراش، ووقف يتأملها للحظة.
هنا، في هذا العمق،
في أعماق الغرفة السفلية، كان الصمت سيد المكان.
مكّة نائمة بسلامٍ زائف، لا تعلم أن الأمان الذي احتمت به لم يكن إلا جزءًا من لعبة أكبر منها.
وقف تميم بعيدًا عنها، ظهره إلى الفراش، وعيناه مثبتتان على إحدى الشاشات التي أضاءها بلمسة واحدة.
ظهرت صورة قديمة لرجلٍ في منتصف العمر…
والد مكّة.
انقبض فكه، وارتسمت على ملامحه قسوة لم تعهدها من قبل.
لم يكن هذا المكان وليد الصدفة.
ولا هذا الزواج محض حب.
عاد بذاكرته سنواتٍ إلى الوراء…
إلى بيتٍ آخر، وصوت ضحكات لم تكتمل، وأبٍ كان عالمه كله.
رأى المشهد مجددًا، كما لو أنه يحدث الآن:
أبوه، منكسرًا، مخدوعًا، بعد أن اكتشف خيانة أحب الأشخاص  و الأقرب…خيانة زوجته.
خيانة واحدة كانت كفيلة بأن تسلبه كل شيء.
شرفه.
كرامته.
وحياته.
لم يحتمل الوجع، ولا الخذلان.
اختار النهاية الأسرع…
قتلها.
ثم أنهى حياته.
وفي لحظة واحدة،
تحوّل تميم من ابنٍ مدلل
إلى يتيمٍ محروم حتى من حق البكاء.
حُرم من أبيه…
أحبّ الناس إلى قلبه.
تنفس تميم بعمق:
التفت ببطء نحو مكّة.،كانت نائمة ببراءة، ملامحها هادئة، لا تشبه الرجل الذي يحمل اسمه كرهه منذ سنوات.
 ومرر يده على وجهها، ثم قال بصوتٍ منخفض، كأنه يحدث أشباح الماضي:
— كل ده كان لازم يترد.
اقترب منها خطوة، ثم توقف.
صراعٌ حاد دار داخله.
لم تكن هي الهدف.
لكنها كانت الطريق.
قال بصوت خافت، يحمل قسوة القرار:
— أنا اتجوزتك علشان أنتقم من أبوكي… 
علشان يحس بوجع الحرمان زي ما حسيته.
وأنت الوحيده اللي هتوجع الحي والميت 
سكت لحظة، ثم أضاف بنبرة أخف، أكثر اضطرابًا:
— بس ماكنتش عامل حساب إنك تبقي كل ده.
مدّ يده، توقف قبل أن يلمسها، ثم قبضها بقوة وتراجع.
على الشاشة، ظهرت ملفات جديدة.
تواريخ.
أسماء.
صور.
كلها تشير إلى شبكة خيانه قديمة، لم تُغلق ملفاتها بعد.
رحلة الانتقام بدأت.
لا تراجع.
ولا رحمة.
لكن المشكلة الوحيدة…
أن قلبه بدأ يتمرد على الخطة.
وفي الحروب الكبيرة،
أخطر شئ (أن تقع في حب ابنة عدوك.)
-----------------$---------------$----------$----
في مساءٍ مثقلٍ بالخذلان، 🥹
وقفت مها أمام بابٍ حديدي بارد داخل المستشفى الخاص.
كانت قد وصلت إلى الحافة؛ لم تعد تعرف إلى أين تهرب، ولا بمن تستنجد.
لم يفتح لها أحد، لكن صوتًا خافتًا من الداخل جعل قلبها ينقبض.
طرقت بخفة.
لا رد.
اقتربت أكثر، وضعت أذنها على الباب…
وسمعت أنفاسًا متقطعة، متألمة، كأنها صادرة من صدرٍ يحتضر.
ترددت لحظة، ثم دفعت الباب ببطء.
كان محمود ممددًا على الأرض، جسده ملتف على نفسه، ذراعاه تحيطان بصدره كمن يحتمي من ألمٍ لا يُرى.
ملامحه شاحبة، عرق بارد يغطي جبينه، وشفاهه تتمتم بكلمات غير مفهومة.
شهقت مها، واندفعت نحوه:
— محمود…!
فتح عينيه بصعوبة، حاول أن يركز، وحين رآها تجمد في مكانه.
الخجل سبق الألم إلى ملامحه.
قال بصوتٍ مبحوح:
— إنتِ… إنتِ بتعملي إيه هنا؟
جلست على الأرض أمامه، دموعها تنساب بلا توقف:
— جيت أطمن عليك… الدنيا قفلت في وشي، وما لقيتش غيرك.
أدار وجهه بعيدًا، وكأن النظر إليها يقتله:
— امشي… وجودك هنا غلط.
اقتربت أكثر، صوتها مكسور لكنه ثابت:
— الغلط حصل خلاص… بس إحنا لسه عايشين.
ضحك بمرارة، ضحكة مختنقة:
— عايشين؟
أنا مش عايش… أنا بعاقب نفسي.
مدّت يدها بتردد، ثم وضعتها على كتفه.
ارتجف جسده تحت لمستها.
قالت بصوتٍ مرتعش:
— أنا خايفة عليك.
صرخ فجأة، بعجز:
— وأنا أستاهل؟
أنا كسرتك… أذيتك…
أنا مش عايز أتعالج، سيبيني أموت.
انهارت مها، وضمت وجهها بين يديها، ثم رفعت رأسها وقالت من بين بكائها:
— لو مت… ابنك هيعيش بإيه؟
هيعيش بذنب مالوش فيه؟
تجمد محمود.
تابعت، وصوتها يرتعش لكنه صادق:
— الطفل ده مالوش ذنب في اللي حصل…
مالوش ذنب إن أبوه كان ضايع.
بدأت دموع محمود تنهمر بصمت.
صوته خرج ضعيفًا:
— ابن…؟
هزت رأسها، والدموع تغرق وجهها:
— أيوه… ابنك.
انهار.جسده كله انحنى، ودفن وجهه في الأرض.
اقتربت مها، وضمّته.
لم يكن عناق حب فقط، بل عناق إنقاذ.
رجل محطم وامرأة موجوعة، يتشبثان بالحياة من آخر خيط.
قال بصوتٍ مبحوح، مختنق:
— أنا خايف.
همست وهي تضمه:
— وأنا كمان… بس الخوف مش مبرر إننا نسيب الطفل يتوجع.
تنفس بعمق، كأنه اتخذ قرارًا أخيرًا، وقال بصوتٍ متعب لكن صادق:
— أنا… هتعالج.
علشان ابني.
علشان ما يطلعش زيّي.
شدّت ذراعيها حوله أكثر، وبكت:
— كفاية عليّا القرار ده.
وفي تلك الغرفة الباردة،
لم يُولد حب…
بل وُلدت مسؤولية،
وأمل هش،قد يكون آخر فرصة للنجاة.
-------------&--------------&-----------------🌚🖤
استفاقت مكّة على إحساسٍ غير مألوف بالبرودة، وكأن الأرض تحتها تحاول ابتلاعها، والهواء يضغط على صدرها.
فتحت عينيها ببطء، لتجد نفسها في غرفة حجرية ضيقة، الإضاءة فيها مائلة للزرقة، والظلال تلعب على الجدران بشكل يخيف أكثر مما يطمئن.
كل شيء حولها غريب… أصوات خافتة لا تعرف مصدرها، ورائحة معدنية باهتة تشبه البرودة نفسها.
جلست فجأة على السرير، قلبها يقفز في صدرها كمن يريد الخروج، كأن كل عصب في جسدها صار متوترًا بشكل مبالغ فيه.
أصابعها ترتجف وهي تحاول لمس الفرش، كأنها تحاول أن تتأكد من أنها ليست في حلم، أو كابوس جديد لا ينتهي.
همست بصوتٍ منخفض، كأنها تخاطب نفسها قبل أن يخطر في بالها أي فكرة:
— تميم؟
توقف كل شيء.
لحظة غريبة… صمت يثقل المكان.
ثم جاء صوته من طرف الغرفة، هادئًا لكنه غير واضح المعالم:
— صحيتي؟
التفتت إليه، لكنها لم تستطع رؤية ملامحه بالكامل، كان واقفًا في الظل، كظلال تتحرك مع الضوء.
خوفها ازداد، وفكرها بدأ يتخبط:
— إيه اللي بيحصل؟… أنا فين بالظبط؟… وليه هو هناك؟
مدّت يدها إلى صدرها، تشعر بضربات قلبها العنيفة تصل إلى حلقها، تتنفس بشكل متقطع، وكل مرة تتنفس فيها يزداد إحساسها بالغربة والخطر.
حاولت أن تتكلم بصوتٍ أقوى مما شعرت به، لكنها اكتفت بصوتٍ مبحوح:
— أنا… فين؟
اقترب تميم خطوة، صوته منخفض، غامض، مليء بالإيحاء:
— المكان ده… مش ليكي تعرفيه دلوقتي.
شهقت مكّة، عيناها تتسعان، جسدها بدأ يرتجف من الخوف والارتباك، شعرت أنها محاصرة بين الجدران وبين رجلٍ لا يمكنها أن تقرأه.
— إيه؟!… إنت جبتني هنا ليه؟!
— أنا لازم أفهم!
صوتها بدأ يرتعش، لكنها أجبرت نفسها على التقدم خطوة، حتى تهتز الأرض تحت قدميها وكأنها تعلن عن ضعفها.
ابتسم تميم ابتسامة جانبية قصيرة، بلا دفء، كأنه يقرأها دون أن تنطق بكلمة:
— كل واحد فينا ليه دوره… ودورك لسه مخلصش.
سقطت الكلمات على أذنها كجمر، شعرت بشيء غريب يضغط على قلبها، خوف مختلط بالحيرة، وبالأسى على التسرع في الحكم… على نفسها، على مها، وعلى كل الماضي.
اقترب أكثر، ومدّ يده نحو جزء صغير في الحائط، وفي لحظة، انقسم الجدار إلى نصفين، بشكل مخيف وهادئ في نفس الوقت، وكأن المكان كله قد تنفس فجأة.
شهقت مكّة، هرولت نحوه، ضربت بقبضتيها على الحائط:
— افتح!… تميم!… رد عليّ!
لم يأتِ أي رد، ولم يكن هناك أي صوت إلا ارتجاف قلبها وأنفاسها المتقطعة.
انسحبت إلى زاوية الغرفة، جسدها يرتجف، عيناها ملأتهما الدموع، وفمها يخرجه شهقات طويلة.
كانت تبكي بقوة، شعور بالغربة والخطر مختلط بالغضب والندم على كل شيء، حتى على سرعة حكمها على كل من حولها.
في وسط البكاء، عاد صوت مها يتردد في ذهنها:
اسمعيني مرة واحدة بس… أنا ماكنتش أقصد.
شهقت مكّة، ودموعها غمرت وجهها:
— أنا اتسرعت… حكمت على الكل… قبل ما أفهم حاجة.
أخذت نفسًا عميقًا، حاولت أن تتنفس من جديد، لكن الغرفة بدت أكثر برودة، والظل حولها صار يضغط عليها أكثر.
كانت وحدها… شعور بالوحشة، بالرعب، بالخذلان… حتى البرودة أصبحت ملمسًا على جسدها، على أطرافها، على قلبها، وكأن كل شيء حولها صار غامضًا وتهديدًا.
وبهذا، في هذه الغرفة تحت الأرض، بين الظلال والجدران التي تخفي الأسرار، كانت مكّة…
وحيدة تمامًا، بلا إجابة، بلا فهم، بلا أمان.
(التسرّع في الحكم بداية الضياع، والانتقام نهايته.")
-------------&--------------&-----------------🌚🖤
عند مالك 🌚🌎
جلس مالك على كرسيه في الغرفة المضيئة بضوء الشرفة الخافت، فرشته في يده، واللوحة أمامه.
كان يرسم مكّة كما رآها في الجامعة، كل خط على الورق يحاول أن يثبت صورةً منها في قلبه قبل عينيه.
لكن شيئًا غريبًا هزّه فجأة… شعورٌ لم يعرفه من قبل.
كأن قلبه صار مربوطًا بخيطٍ مرئي معها، كأن أحدًا يضغط على صدره بقوة، يسكب خوفًا لا يمكن تفسيره.
توقف عن الرسم فجأة، عينا مالك اتسعتا، ويده بقيت معلقة على الفرشة.
لم يكن ألمًا جسديًا، بل إحساسًا عميقًا، شعور بالخطر الذي يحيط بها، بكأنها على بعد أميال وهو يشعر بكل تهديد يقترب منها.
رفعه رأسه نحو الشرفة، النظر للسماء الصافية لم يخفف من شعوره، بل زاد قلقه… قلبه يصرخ بلا صوت:
“مكّة… أنتِ بخير؟… في أمان؟”
الفرشة هبطت إلى الطاولة، يده ترتجف، وتنهيدة ثقيلة خرجت من صدره.
كل صورة كان يرسمها لها الآن تحمل خوفه عليها، خوف لم يعرفه قلبه من قبل، خوف يغمره ويجعله عاجزًا عن التفكير في أي شيء سوى حمايتها.
جلس دقيقة، كأن الوقت توقف، يلتقط أنفاسه ويحاول تهدئة قلبه.
لكن الشعور لم يختفِ… كل ثانية تمرّ بدون أن يعرف عنها شيئًا كانت تضاعف قلقه.
ابتلع ريقه ببطء، وعيناه لم تترك اللوحة، كأنه يريد أن يلمسها بنظراته فقط.
اهتز رأسه إلى الوراء، وعض شفتيه بصمت، محاولًا السيطرة على الصدمة.
ثم عاد الهدوء، لكن شعورًا جديدًا ظهر: خوف.
خوف على مكّة، على سلامتها، على كل خطوة تخطوها.
كان يريد الاطمئنان عليها، أن يعرف أنها بخير الآن، هنا، لحظةً بلحظة، وكأنها تناديه بلا كلمات، وصدى ندائها يملأ قلبه كله.
مد يده بعناية، لكنه لم يلمسها…
كان الأمر مجرد إحساس، وهمسة، نبض خفي يربطه بها أكثر من أي حوار يمكن أن يقوله.
ابتسم لنفسه بخفة، وهمس في صمت:
— صدق أنتوان دو سانت إكزوبيري لما قال:
 "الحب ليس أن تنظر إلى بعضكما البعض، بل أن تنظروا معًا في نفس الاتجاه."
ثم قرر شيئًا، فكرة هاجمت قلبه بقوة:
“لازم أشوفها… من بعيد… بس أتأكد إنها بخير… بس من بعيد… قلبك بس يا مالك، بس عشان يهدى.”
وقف، أخذ معطفه بهدوء، والفرشة بقيت على الطاولة، واللوحة نصف مرسومة…
خطوته الأولى نحو الشرفة، نحو الخارج، نحو ما يتيح له الاطمئنان عليها دون أن يقتحم حياتها، 
-------------&--------------&-----------------🌚🖤
عاد رحيم من صلاة الظهر، خطاه ثقيلة، ووجهه مُرخي التعب.
دخل البيت، جسده يئن من إرهاق يوم طويل، وكأن كل خطوة تكبر عمره عشرات السنين.
جلس على الكنبة البسيطة، ظهره منحني، ويداه تستند على ركبتيه، تنهده أنفاسه المتعبة.
البيت كله ساكن… كأن الحزن نفسه يملأ الجو، يضغط على الصدر بلا رحمة.
فاطمة كانت في المطبخ، تتحضر الغداء، لكن عينيها تذرفان دموعًا صامتة.
دموعها تسيل على وجنتيها، بينما قلبها يئن من غياب بنتها، من الانتقام الذي يسلك طرقه المجهولة، ومن ابنها الممدد في المستشفى بلا حراك.
كل شيء حولها يشهد على الألم الدفين الذي يختنق في البيت…
حتى الهواء نفسه يبدو ثقيلاً، كأن الجدران تمتص الحزن وتعيده إليها.
وفجأة، رن هاتف محمود على واتساب بإشعار غريب…
رقم من خارج مصر.
فتح الفيديو بتردد، وما إن ضغط التشغيل حتى تجمدت أنفاسه، وعاد قلبه يسكب الرعب في عروقه.
رأى مكّة… في غرفة ضالمة، تسقط على الأرض، ترتعش، تبكي بصوت عالٍ، دموعها تتدفق بغزارة، وكل شيء فيها ينبض بالوجع، بالخوف، بالانكسار…
انقبض قلبه، وانطلقت في عقله أفكار متسارعة، حية، لا يجرؤ على تجاهلها.
ثم وصلت الرسالة البسيطة على الشاشة:
"قوي قلبك على الوجع يا رحيم… اللي جي عليك مش رحيم"
ابتلعت الكلمات الهواء حوله، شعوره ارتجف، وعقله تجمد عند منظر ابنته، دموعه انزلقت، يده ارتعشت، لا يقدر على السيطرة.
أول اسم خطر في ذهنه كان مالك…
هو الوحيد الذي قد يقدر أن يصل إليها بسرعة، أن يراقبها، أن يحميها…
لم يفكر ثانيتين.
رحيم يلتقطه، ويضغط على الاتصال
عند مالك🌎🌚
خرج من البيت، وصوت المحرك يهدر، والأدرينالين يملأ جسده، يضغط على دواسة الوقود كما لو أن العالم كله ينهار خلفه.
وفجأة، رن الهاتف مرة أخرى.
وصوت  رحيم كان على الطرف الآخر، صادق، حاد، مشحون بالعجلة:
— الحقني يابني!
توقف قلبه للحظة، وارتعشت كل أعصابه.
في تلك اللحظة، كل شيء أصبح متوقفًا… كل شيء أصبح معلقًا بين قلب رحيم، قلب مكّة، وقلوب من يحبونها.

(قدري الأجمل 🖤 🌚)



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة