
رواية قدري الأجمل الفصل السادس عشر 16 بقلم ندا الهلالي
كان في شيء غامض…
شيء يشدّ مالك نحوه دون وعي، فضول حذر، إحساس مهندس يشكّ قبل أن يفهم.
تحرّك ببطء شديد، خطواته محسوبة، عيناه لا تفارقان ذلك الشيء المندمج في الحائط.
تميم ظلّ في مكانه، ثابتًا… ببرود مستفز.
مالك ضيّق عينيه، صوته خرج هادي: — إيه البتاع ده؟
تميم ضحك ضحكة باردة، قصيرة: — البتاع ده؟
وسكت لحظة، قبل ما يكمل بسخرية: — مش عيب تبقى مهندس قدّ الدنيا… ومش عارف إيه البتاع ده؟
مالك بصّ له نظرة طويلة، نظرة واحد متأكد إن في حاجة غلط.
ردّ بنفس برودِه: — أنا كمهندس… لو شغّلت دماغي وعرفت إيه البتاع ده،
وقف لحظة، عينه في عين تميم
— هتزعل مني أوي يا دكتور.
تميم رفع إيديه بسرعة، كأنه بيستسلم: — وليه نتعب دماغ المهندسين؟
اتجه ناحية الحائط، ما لمسش الباب، بس كتب كود.
وفي ثانية…
الباب اتحوّل لخزنة مفتوحة.
فلوس.
ملفات.
أوراق مترصّة بعناية.
تميم بصّ لمالك، غمز له ببرود: — بس كده.
— لو تميم العاصي اتسرق… هيبقى واضح أوي مين اللي سرقه.
مالك قرّب خطوة، حط إيده على كتف تميم.
صوته كان ثابت… واثق… مخيف: — تميم اللي مدّ إيده وسرق حاجة مش بتاعته…
سكت لحظة، يفرك صوابعه جنب فمه، وبص له من فوق لتحت بهدوء قاتل: — وتعرف عندنا في الإسلام عقوبة اللي بيسرق إيه؟
عينيه نزلت على كفّ تميم ببطء: — قطع إيده.
ربت مرتين على كتفه، كأنها لمسة وداع.
ثم استدار وخرج من الغرفة.
تميم ظلّ واقفًا.
ثابتًا.
لكن قلبه اتقبض…
قشعريرة غريبة عدّت في جسده، ما قدرش ينكرها.
هبط مالك بهدوء.
لكن عيون كتير كانت متعلقة بيه…
نظرات وجع، رجاء، اعتذار عن ذنب ما ارتكبوهش.
آسر اندفع ناحيته، مسك كفّه بتوتر: — انت هتلاقي مكّة… صح؟!
مالك رفع راسه ببطء، رفع حاجبه.
وشه كان هادي…
لكن الألم كان بيصرخ جواه.
— إنت بقى تعرف مكّة؟
آسر ردّ فورًا، من غير تفكير: — أنا من غير مكّة… هضيع.
مالك ركّز في نبرته، في صدقه.
قال بجدّ: — مممم…
— للدرجة دي؟
رهف صرخت من وراه، صوتها مكسور: — يعني إيه للدرجة؟!
— إنت ما تعرفش مكّة دي بالنسبالنا إيه!
وقربت خطوة: — أبوس إيدك… رجّعها.
— ولو حد فينا زعلها… أوعدك محدش يزعلها تاني أبدًا.
مالك لفّ بنظره عليهم.
وجوه مليانة حب.
خوف.
عيون بتتكلم قبل ما الشفايف تنطق.
تنفّس بعمق…
وساب كل حاجة.
ثواني…
وكان قاعد في عربيته.
إيد على الدركسيون، راسه مسنودة لورا،
والإيد التانية مغطيّة عينه بألم.
عقله بيحاول يربط… يجمع… يفهم.
بس مفيش حاجة بتيجي.
ضرب الدركسيون بغضب: — آااه!
وفجأة…
صورتها جات قدّامه.
وهي بتتألم.
وما حسّش بنفسه…
دموعه نزلت،
سيل…
زي المطر لما يتحوّل لسيول.
شهق…
كطفل صغير تايه.
كانت مكّة فاقدة الوعي، جسدها ساكن كمن استُنزف حتى آخر قطرة.
آثار البكاء لا تزال محفورة على ملامحها، وشفتيها تتمتمان بكلمات غير مفهومة، كأن عقلها عالق في كابوس لا يريد الإفاقة منه.
في اللحظة نفسها، دلف تميم بخطوات هادئة للغاية.
اقترب منها ببطء، قلبه يتحرك وحده، بينما عيناه خاليتان من أي شعور.
جلس جوارها على الفراش.
الجو من حولها كان ساخنًا على غير طبيعته، كأن موضعها تحوّل إلى بؤرة حرارة، كأن جهاز تدفئة خفيًّا يعمل بلا توقف.
بيد مرتعشة، وضع ظهر كفه على جبينها…
وسرعان ما سحب يده بعنف، كمن لامس إناءً مشتعلًا تُرك طويلًا فوق النار.
اقترب منها، حرّكها برفق: — مكّة…
لا شيء.
لا أنين.
لا نفس مسموع.
جسد هامد.
تنفّس بألم، وصرخ داخل نفسه: غبي يا تميم… غبي.
لو حصلها حاجة، مش هرحمك… غبي.
اندفع مسرعًا نحو الخزنة، تلك التي بدت وكأنها صُنعت خصيصًا لمداواة جراح هذه المسكينة.
أخرج الدواء، أعدّ العلاج بخبرة واضحة، وبدأ يخفّض حرارتها بعناية شديدة، خطوة بعد أخرى، حتى استقر جسدها نسبيًا.
ثوانٍ قليلة، ثم غادر المكان.
لم تمر دقائق حتى عاد مرة أخرى، هذه المرة يحمل طعامًا.
جلس بجوارها، عيناه تتنقّلان بين الكانولا وملامحها الهادئة.
رفع يده، وربّت بخفة على وجنتها: — مكّة…
فتحت عينيها ببطء، كأنها تستيقظ من نومٍ عميق.
ما إن وقعت عيناها عليه، حتى اندفعت للخلف بفزع، جسدها انكمش على نفسه.
قالت بصوت مرتعش، والدموع تنهمر: — ه… هتعمل إيه؟
أشار بيده، محاولًا تهدئتها: — مش هعمل حاجة… بس ممكن تاكلي؟
هزّت رأسها نفيًا، تتلعثم: — ل… لا… مش جعانة.
نظرت إلى كفيها، ثم أغمضت عينيها بألم شديد.
نبرته تغيّرت، غضب ممزوج بخوف: — أنامش باخد رأيك… بقولك كُلي.
ارتجفت من صوته، وأخذت تأكل، والدموع تسيل بصمت.
كطفل صغير تُجبره أمه على طعام لا يريده.
مسح وجهه بيده، قلبه يصرخ أن يضمّها بين ضلوعه، أن يحميها…
لكنه وبّخ نفسه بعنف.
الانتقام كان أحب إليه من حبّها.
توقّف حين سمع صوتها المكسور: — ش… ش… شبعت… مش هقدر تاني.
نظر إلى الطبق، بالكاد لم تمسّه.
اقترب، جلس أمامها مباشرة، أمسك كفّيها وضمهما إلى صدره.
لحقت بهما ضربات قلبه المتسارعة.
قال بهدوء مثقل بالخزي: — أنا آسف… ماكنتش أقصد.
— سامحيني… مش بإيدي.
هزّت رأسها موافقة، لا تنطق، دموعها فقط تتساقط من شدّة الخوف.
قالت بصعوبة: — س… سيبني أطلع من ح… حياتك.
— وأوعدك أنا هختفي… ومش هتشوفني تاني أبدًا.
نظر إليها بحزن، مرّر أنامله على وجنتيها، يمسح دموعها برفق: — ماينفعش.
نهض فجأة، تبدّلت نظرته.
ما إن أمسك بيدها حتى صرخت بأعلى صوتها، تتوسّل: — لأ… لأ… ابوس إيدك يا تميم سيبني!
— أنا عملتلك إيه؟ أستاهل عليه كل ده؟
— تميم… هتعمل إيه؟ هتعمل إيه؟!
لم يجب.
قبضته كانت أقوى من صراخها.
وفي ثوانٍ، ألقى بها داخل غرفة مظلمة.
باب حديدي أُغلق خلفها بصوت مدوٍّ.
كورَت نفسها على الأرض، تصرخ بهستيريا: — يا ماما… طلعوني من هنا!
— يا تميم… يا ماما… بخاف من الضلمة!
— طلعني من هنا تميمييييييم!
استند بظهره إلى الباب الحديدي.
دمعة مؤلمة هبطت من عينيه، مسحها سريعًا، يذكّر نفسه: ما تنساش…
حرموك من أبوك.
هما السبب… هما.
وتركها تواجه قدرها…
تُعاقَب على ذنوب لم ترتكبها يومًا.
في الداخل، ساد الصمت لحظات.
ثم…
زئير.
مكّة هزّت رأسها نفيًا، وضحكت بهستيريا: — لأ… لأ… أنا بتخيل…
لكن الصوت اقترب.
أنفاس ثقيلة.
عينان تلمعان في الظلام.
لم يكن كابوسًا.
كان واقعًا.
تجمد جسدها، صرخت صرخة اخترقت المكان، الرعب ابتلع صوتها، وانهارت قواها بالكامل.
وفقدت الوعي. 🖤
في صباح يومٍ جديد…
جلس رحيم على حافة الفراش، ظهره محني، كتفاه ساقطتان كأن العمر هبط عليه دفعةً واحدة.
الهاتف بين يديه، يقبض عليه بقوة، كأنّه خيط النجاة الأخير.
ينتظر…
أي رسالة،
أي صوت،
أي دليل أن ما عاشه لم يكن سوى كابوسٍ عابر.
أن مكّة بخير.
أن قلبه لم يُكسر إلى هذا الحد.
مرّت ثوانٍ ثقيلة…
ثم جاء صوت مها، متزامنًا مع إشعار الهاتف: — أرجوك يا عمو… خد الدوا، وكل أي حاجة.
لكن يد رحيم كانت أسرع من أذنه.
فتح الفيديو.
وفي اللحظة ذاتها…
ارتعش جسده بعنف.
ارتجاف لا إرادي بدأ من أطرافه، تسارعت أنفاسه، اتسعت عيناه، وتجمد صوته في حلقه.
حاول أن يتكلم…
لم يخرج صوت.
سقط الهاتف من يده.
ثم…
انهار جسده بالكامل.
الأرض ابتلعته.
ارتخاء مفاجئ في نصف جسده، ذراعه لم تستجب، ساقه خانته، فمه انحرف قليلًا، وعيناه ظلّتا مفتوحتين في ذهولٍ مرعب.
حاول أن يصرخ…
لكن لسانه لم يطاوعه.
هرولت مها نحوه، هبطت على ركبتيها، تصرخ بأعلى صوتها: — عمي رحيم!!
— حد يلحقناااااا!!
حاولت تحريكه، هزّت كتفيه: — عمو… كلّمني!
— عمو رد عليّ!
لم يجب.
أنفاسه متقطعة، صدره يعلو ويهبط بصعوبة، ونصف جسده ساكن كأنه لم يعد يخصّه.
وصلت فاطمة على صراخ مها.
ما إن رأت المشهد حتى شهقت بقوة، وضربت على صدرها، وانهارت: — يا رب… يا رب رحمتك!
— رحيم… رد عليّ! علشان خاطري رد!
وفي تلك اللحظة…
كان سامر يدخل البيت.
تجمّد للحظة، استوعب المشهد بسرعة، وانقلب إلى شخصٍ آخر.
اقترب فورًا، فحصه بعين خبيرة: — مها… ابعدي.
— فاطمة… اهدي.
أمسك برحيم، حاول تثبيت رأسه، رفع صوته بحزم: — رحيم… سامعني؟
— رمش بعينك لو سامعني.
لا استجابة.
— لازم نتحرك حالًا… دي حالة طارئة.
بعد دقائق…
كانت سيارة الإسعاف تشق الطريق.
وفي المستشفى، ساد الهرج، أصوات الأجهزة، خطوات سريعة، وأسئلة متلاحقة.
نُقل رحيم على النقالة، وأُغلق الباب خلفه.
مرّت دقائق كأنها ساعات.
خرج الطبيب أخيرًا.
ملامحه جادّة… لا تحمل بشائر.
اقتربوا منه بلهفة.
فاطمة بصوت مرتجف: — طمّني يا دكتور… بالله عليك.
تنفّس الطبيب بعمق: — للأسف… المريض جاله شلل كُلّي مفاجئ.
شهقت فاطمة، كادت تسقط: — شلل؟!
مها صرخت: — يعني إيه شلل؟! يعني مش هيقوم؟!
الطبيب بهدوء مهني: — إحنا شاكّين في جلطة دماغية.
— هنعمل أشعة فورًا علشان نتأكد ونحدد درجة الإصابة.
سامر ضغط على فكه، سأل بثبات: — حالته خطيرة؟
الطبيب أومأ: — أي جلطة بتبقى سباق مع الوقت.
فاطمة انهارت تمامًا، جلست على الأرض تبكي بحرقة: — بنتي…
— جوزي…
— يا رب أنا عملت إيه علشان يحصل فيّا كده؟
وقف سامر صامتًا، عيناه معلّقتان على باب غرفة الأشعة.
في قصر العاصي…
كان تميم نازل السلم، وشّه شاحب، ملامحه متكسّرة، حزن تقيل قاعد على صدره كإنه حجر.
كان ناوي يخرج، يهرب من المكان ومن نفسه.
وقف فجأة.
صوت هادي جاله من وراه… صوت فيه ترقّب وخوف ووجع مكبوت.
— فين مكّة يا تميم؟
قدمه شلّت مكانها.
ما اتحرّكش، بس نفسه اتسحب من صدره بعنف.
لفّ ببطء.
واقفة ورا، متكأة على عصاها، نظرتها باردة، لكن رعشة إيديها الممسكة بالعصاية كانت فاضحة كل القلق اللي جواها.
تميم أخد نفس طويل: — عايشة… ما ماتتش.
قربت منه خطوة، مسكت كف إيده، وبكت بحرقة: — سيبها يا ابني… أبوس إيدك.
— هي مالهاش ذنب… مالهاش دعوة بأي حاجة.
فجأة صرخ.
عينه اتحولت لغضب أعمى، مسك كف إيديها وضغط عليه بقوة، من غير ما يكون مدرك هو بيعمل إيه: — محدش يحدد اللي ليه سبب واللي مالوش سبب غيري!
تأوهت فايزة بألم، وهو بيبعد عنها ويهرول: — هتندم يا ابني!
— ليه تعاقب واحدة كل ذنبها إنها بنت رحيم؟
— ليه يا تميم؟
لكن تميم كان اختفى…
ساب وراه صدى صوته ووجع ما ليهوش علاج.
قعدت فايزة على أقرب أريكة، دموعها نازلة بمرارة: — يا رب… يا رب.
وفجأة…
شدّها فلاش من الذكريات.
— يا ابني سيب الكرسي كده… هتعوّر نفسك!
وقفها بحركة حادة من إيده في الهوا: — خليكِ مكانك يا تيتة!
— الكرسي ده كان بيوقّع بابا!
قالت بخيبة أمل: — سيب الكرسي يا تميم… هتتعوّر.
لكن ما سمعش.
فضل يضرب فيه لحد ما اتكسّر حتت خشب.
إيده اتجرحت جرح قوي، الدم نزل، بس ما اهتمّش.
فضل يخبّط بإيده المصابة، يصرخ: — علشان تبقى تعوّر بابا تاني!
فاقت من شرودها، دموعها نازلة بحرقة: — يا رب… يا رب.
وضمّت العصاية لصدرها،
وقلبها بيبكي على حفيدها المدلّل…
اللي الانتقام كان بياكله حتة حتة.
في قمة سعادته…
كان تميم يشقّ طريقه داخل المستشفى، خطواته واثقة، صدره مرفوع، كأن القدر أخيرًا انحنى له.
ارتدى قناع الحزن بإتقان، شدّ ملامحه، خفّض عينيه، وأبطأ خطاه مع اقترابه من الدور الذي تقع فيه غرفة رحيم.
ما إن وصل…
حتى اصطدم بالمشهد.
سامر واقف، ملامحه مشدودة، صامت كتمثال.
ومها…
كانت تبكي بحرقة، كفها فوق بطنها، تضغطه برفق، كأنها تطمئن جنينها أن كل شيء سيمر، أن هذا العالم القاسي لن ينتصر عليهما معًا.
أما فاطمة…
فكانت في غرفة الطوارئ، جسدها موصول بالمحاليل، الكانولا في يدها، عيناها مغمضتان عن عمد.
ترفض أن تفيق…
ترفض الواقع.
توقف تميم لحظة، راقب المشهد ببرود خفي، ثم استجمع نفسه، وعدّل هندامه، واتجه إلى غرفة رحيم…
كأنه طبيب كبير جاء ليؤدي واجبه.
الغرفة كانت باردة.
الإضاءة خافتة.
رحيم ممدد على السرير، جسده ساكن، شاحب، الأجهزة تحيط به من كل جانب.
أنبوب أكسجين، جهاز رسم قلب، أسلاك متشابكة، وصوت منتظم ينبض آليًا بدلًا عن قلبٍ متعب.
وقف تميم عند الباب.
نظر إليه طويلًا…
ثم انفجر ضاحكًا.
ضحكة عالية، قوية، مليئة بنشوة انتصار لم يعرفها من قبل.
اقترب، جلس جواره، وأسند ظهره على الكرسي.
قال وهو يضحك: — شوفت بقى؟
— عرفت أكسرك إزاي؟
— شوفت إزاي عرفت أركّعك يا رحيم؟
— شوفت إزاي عرفت أوجعك؟
ضحك بهستيريا، صوته يملأ الغرفة: — رغم إني حبيت مكّة أوي… أوي.
— بس المشهد ده؟
اقترب أكثر: — حبيته أكتر يا رحيم.
وفجأة…
ارتعشت أهداب رحيم.
فتح عينيه ببطء شديد، كأن الروح تعود إليه بالقوة.
ما إن سمع اسمها…
حتى تحرّك شيء داخله.
همس بصوت واهن: — مكّة…
ضحك تميم، يهز رأسه: — أيوه…
— عندي.
— بعذبها… بدفّعها تمن اللي إنت عملته زمان.
تحرّكت شفتا رحيم بصعوبة، كأن الكلمات تُنتزع من صدره.
رفع يده المرتعشة، أشار إليه بصعوبة: — ب… ب… بنتي معاك؟
حاول التقاط أنفاسه: — ل… ل… ليه كده؟
ابتسم تميم بسخرية مريرة: — وأنا ليه خنت أبويا؟
— ليه خلّيتني أخسره؟
— مع مين؟ مراته؟
— ليه تعمل في أبويا كده؟
اقترب منه، صوته انخفض: — أنا مالك حسام العاصي…
— اللي إنت دمّرته زمان يا رحيم.
أغمض رحيم عينيه، وهزّ رأسه نفيًا مرات متتالية: — أنا… ما خنتش حد.
ضحك تميم، وأكمل بصوت أبيه، كما كان يدوّن في مذكراته: — أنا النهارده شوفت رحيم وأكتر إنسانة حبيتها مع بعض في الكافيه…
مش هقدر أستحمل أعيش وأشوفها مع غيري…
ولا هقدر أسيبها…
سامحني يا تميم… أبوك مش أناني… أبوك حب ناس ما حبّونيش…
رحيم فتح عينيه بصعوبة: — إنت… وإبوك… فاهمين… غ… غلط يا ابني…
حرّك إصبعه نفيًا: — أوبسيدين… كانت مراتي… قبل ما أبوك يتجوزها.
— أخدت منها مكّة… وسيبتها تمشي.
— أوبسيدين كانت أكتر إنسانة حبيتها…
صوته اختنق: — بس كنت هخسر مراتي بسببها.
— كانت غلطة…
— وربنا شاهد… ما خنتش أبوك.
— المشهد اللي بتقوله…
— كانت بترجّاني تشوف بنتها مرة… بس مرة.
— أبوك كان مريض شك…
— كان دايمًا شاكك فيها علشان جميلة…
— ما قدّرش النعمة اللي في إيده.
الكلمات سقطت على تميم كالصاعقة.
وقف فجأة، ضحك بجنون: — إنت بتقول إيه؟
— عايز تقول إن أوبسيدين هي الضحية؟
انفجر ضاحكًا: — حتى وإنت على فراش الموت… لسه بتكدب يا رحيم!
لكن فجأة…
تسارعت ضربات قلب رحيم بعنف.
الجهاز بدأ يعلو صوته.
أنفاسه تقطّعت، صدره يعلو ويهبط بصعوبة.
همس متوسلًا: — س… س… سيب بنتي يا تميم…
— بنتي مالهاش ذنب.
الصوت بدأ يخفت…
عيناه زاغتا…
أطرافه بردت…
شحوبٌ تام، ارتخاء في الفك، أنفاس متباعدة، والجهاز يطلق إنذارات متسارعة.
تميم وقف مكانه، يهز رأسه نفيًا، يضحك بهستيريا: يعني إيه؟
يعني كل السنين دي…
كنت بحكم غلط؟
وفجأة…
صوتٌ حاد، مستقيم، بلا نبض.
الصافرة أعلنتها بوضوح.
رحيم…
غادر الحياة. 🖤
فتحت مكّة عينيها بصعوبة، شعرت بثقل يضغط على رأسها، كأن العالم كله انهار فوقها.
تنهدت بحذر، محاولاً أن تدرك ما حدث، عينيها تلتقط الضوء الخافت حولها، جسدها مازال يرتجف من الإغماء والضربات السابقة.
سمعت همسات بعيدة، صدى أصوات لا تعرف مصدرها، تقترب إليها برفق وخوف.
رفعت رأسها قليلاً، ثم شعرت برائحة التراب الكثيف، رائحة رطبة ومغلقة… قلبها بدأ يخفق بسرعة، إحساس غريب بالاختناق.
نظرت حولها… ببطء، برهبة متزايدة…
فوجئت.
كانت محاطة بجدران خشنة، باردة، قاتمة اللون… زنزانة صغيرة لا تتجاوز عرضها مترين.
الأرض ترابية وقاسية، الرطوبة تلتصق بجلدها.
لا نافذة، لا ضوء سوى شق صغير في الأعلى يسمح بدخول أشعة باهتة من الشمس.
الزنزانة ضيقة، لا هواء يكفي، ولا أي طريقة للهروب… وكل شيء يصرخ بالحبس والخذلان.
وقفت مكّة على ركبتيها، صدمتها تزداد…
ثم جاء صوت من الأمام، حاد، قاسٍ، يقصم نفسها:
— قومي يا قمورة!
— من ساعتي ما شرفتِ، وانت مقتولة!
صوت آخر، ضحكة قوية مزقت صمت الزنزانة:
— سيبها يا بدريه… دي شكلها حبيبة حمزه بيه!
مكّة فتحت عينيها على مصراعيها، قلبها يطير من مكانه…
رعبها اختلط بدهشة… لم تكن تعرف إذا كان ما تسمعه حقيقيًا أم مجرد كابوس آخر يلاحقها.
جلست مكّة على الأرض، تنظر حولها، يديها ترتجفان، نفسها متقطعة، وكل خلية في جسدها تصرخ خوفًا.
الزنزانة تبدو وكأنها فخٌ صامت، لا مهرب منها، كل زاوية فيها تحمل ظلالًا غامضة، صوت ضحكاتهم يلتصق بجدرانها… وكأن المكان كله يتحرك ضدها.