رواية وربحت رهان حبك الفصل الثامن عشر 18 بقلم ملك سعيد


رواية وربحت رهان حبك الفصل الثامن عشر 18
بقلم ملك سعيد



كانت ديما جالسة تحت شجرة في الحديقة الخلفية للسرايا، تضع سماعات الأذن وتستمع إلى الأغاني باستمتاع، و تستعيد في ذاكرتها رقصة رعد معها، ولطفه الواضح، واعتذاره الصادق لها .

بدأت تنظر إليه بصورة مختلفة؛ فمنذ أن رأته أول مرة، لم تكن ترى فيه سوى عيوبه، ولم تنتبه يومًا إلى مميزاته، وبرغم بروده وجموده الدائم، إلا أن داخله كان يحمل حنانًا خفيًا، وقد لاحظت ذلك في تلك الرقصة التي جمعتهما .

تذكرت أيضًا لحظة إنقاذه لها من محاولة الاعتداء التي كادت تتعرض لها، وتذكرت حضنه وكلماته المهدئة، وفي تلك اللحظة بدأ رعد يستولي على أفكارها دون مقاومة.....

_____________________

في ذلك الوقت، خرج رعد إلى الحديقة ليستنشق بعض الهواء، فهي عادة قديمة لديه؛ يحب الخروج ليلًا والجلوس وحيدًا تحت إحدى الأشجار .

بدأ يتمشى وهو يستعيد في ذهنه الرهان الذي اضطر للدخول فيه من أجلها... من أجل الفتاة التي سكنت قلبه وروحه، تلك التي لا يعرف متى ولا كيف أحبها، لكنه كان متيقنًا من شيء واحد: أنه لن يقبل بخسارة هذا الرهان، لا من أجل صورته أمام أدهم، بل من أجل حبه لها وخوفه عليها منه .

فكرة أن تكون لغيره، وخاصًة لأدهم، كانت مستحيلة بالنسبة له، وسط أفكاره، لمح طيف شخص يجلس تحت شجرة، فقطب حاجبيه باستغراب، واقترب حتى اتضحت له الرؤية... كانت هي ديما مالكة قلبه .

رآها جالسة تستمع للموسيقى، وكأنها تحييها بهدوئها،
وقف أمامها، عاقدًا ذراعيه على صدره، وعيناه لا تفارقانها، يتأمل جمالها الهادئ وسط ظلام الليل، ونور القمر، وبعض الأضواء الخافتة التي صنعت لوحة أخاذة أمام عينيه، كانت ديما مغمضة عينيها، مستندة إلى الشجرة في سكينة، ولم تشعر بنظراته التي تكاد تلتهمها .

فجأة أحست بوجود أحد بجوارها، ففتحت عينيها بفزع وصرخت بأعلى صوتها، لكن رعد سيطر عليها سريعًا، ووضع يده على فمها، بينما أمسك وجهها من الخلف باليد الأخرى .

وقال لها بهدوء:

" اهدي ده انا "

فتحت ديما عينيها ببطء، وما إن التقت عيناها بعينيه حتى توقف الزمن بينهما، في نظرة طويلة حملت مشاعر كثيرة؛ حبًّا وإعجابًا من رعد، وتوترًا وخجلًا من ديما.....

_______________________

في تلك اللحظة، كان أدهم يراقبهما من بعيد، يضغط على قبضته بقوة، وقد بدأ الكره والحقد في صدره يتضاعف، كان يرى بوضوح تأثير رعد على ديما، وهذا ما أخافه أكثر، فقال وهو يجز على أسنانه:

" مهما عملت يا رعد مش هسيبلك ديما... مش كل حاجة بتتمناها هتنولها، وخاصًة ديما "

أنهى كلماته، وغادر بخطوات سريعة نحو غرفته، وقد قرر أن يبدأ من الغد بالتقرب من ديما؛ فلم يعد يحتمل الانتظار أكثر.....

____________________

ابتعدت ديما عن رعد بخجل، وهو راعى ارتباكها ورفع يده عنها مبتسمًا بهدوء، أشاحت بنظرها عنه، واستندت إلى الشجرة ورفعت رأسها نحو السماء تتأملها بإعجاب، بينما كان هو يتأملها هي، فكسر الصمت قائلًا بلطف:

" لو انا طلبت منك نبدأ من جديد هتقولي إيه؟ "

نظرت إليه باستغراب وسألته:

" ازاي مش فاهمة؟ "

ابتسم مجيبًا إياه:

" قصدي إننا نكون صحاب ونبطل عِند وخناق على الفاضي "

أعجبتها الفكرة، فقالت:

" يعني لو انا وافقت هستفاد إيه؟ "

رد بغرور مصطنع:

" هتستفادي إيه؟ إنتِ تطولي أصلًا تصاحبيني "

نظرت إليه بضيق مصطنع، وقالت بغيظ:

" وأنا مش عايزة أطول أصاحب واحد مغرور زيك "

أدرك أنه بهذه الطريقة لن ينال شرف صداقتها، فقال بسرعة:

" لا لا اهدي كده وصلي على النبي، وسيبك من كلامي الأهبل اللي قولته، وركزي في اللي هقوله دلوقتي "

نظرت إليه بفضول، فابتسم وقال:

" بصي يا ستي، أنا زهقت من الخناق معاكي، فقولت نبقى صحاب مسالمين، إيه رأيك؟ وأنا أوعدك إني مش هتخانق معاكي أبدًا إلا للضرورة "

ابتسمت في البداية، ثم قالت بضيق:

" إنت متعرفش تكمل كلامك بنمط واحد؟ ليه لازم تخرجني عن شعوري؟ "

قال بابتسامة هادئة:

" خلاص يا ستي أنا آسف... قولي تقبلي نبدأ صداقة جديدة من غير خناق؟ "

مد يده لها، فهزت رأسها بابتسامة، وصافحته، وفي داخله، شعر رعد بفرحة حقيقية؛ فمن خلال هذه الصداقة سيبدأ طريقه نحو قلب ديما...

_____________________

في صباح اليوم التالي..

اجتمعت العائلة حول المائدة الكبيرة، وبدأوا يتناولون الإفطار وسط أجواءٍ مليئة بالمزاح والضحكات
كانت ديما لا تكف عن مشاكسة علي، بينما يُظهر هو ضيقًا مصطنعًا منها، ما أضفى على المكان روحًا خفيفة .

أما الجد، فكانت عيناه لا تفارقان ديما ورعد وأدهم،
وكان عقله مشغولًا بأفكارٍ لا تنتهي
كان يدرك في قرارة نفسه أن عليه إعادة فتح موضوع زواج ديما من جديد، ضمانًا لبقاء حفيدته إلى جواره،
وتنفيذًا لعاداتهم وتقاليدهم التي لا يمكن كسرها بسهولة .

وبينما كان يتأملهم بصمت، حسم أمره داخليًا، وقرر أن يفتح هذا الموضوع معهم في المساء...

________________________

تحدثت ديما بصدمة وهي تمسك الهاتف:

" إنت بتهزر يا لؤي مش كده؟! "

جاءها صوته بنبرته اللبنانية الناعمة:

" لا يا دمدومتي انا قررت اني زور الصعيد.. كرمال هيك حاكيتك وقلت خبرك اني جاي بعد يومين
وبما انك عايشة مع عيلتك فقررت اني عيش معك طول فترة اقامتي شو رأيك؟! "

أبعدت ديما الهاتف عن أذنها، ووضعت يدها على السماعة حتى لا يسمع صوتها، وهمست بقلقٍ وهي تفكر:

" دلوقتي لو انا وافقت وفعلا لؤي جه إيه اللي هيحصل بينه وبين رعد؟ انا متأكدة إن رعد هيقتله ومستحيل يستحمله اعمل ايه ياربي؟ "

قطع أفكارها صوت لؤي وهو ينادي اسمها بصوتٍ عالٍ، فأعادت الهاتف إلى أذنها وقالت:

" ايوا معاك يا لؤي مفيش مشكلة إنت تنور
قولي بس قبل ما تيجي بكام ساعة علشان استقبلك "

رد عليها بفرحة واضحة:

" حبيبتي يا دمدومتي كنت بعرف انك كتير رح تفرحي لما تعرفي اني جاي لعندك "

ثم صمت لحظة، وضرب مقدمة رأسه وكأنه تذكر أمرًا مهمًا، وقال:

" إيه صحيح نسيت خبرك اني مو جاي لحالي "

تساءلت باستغراب:

" كيف يعني قصدي إزاي يعني؟! "

أجابها بسرعة:

" للأسف رح اضطر جيب معي رزان بنت عمي المجنونة
لإنها بدها تاخدلها كام صورة بالصعيد.. وتنشرهم على حسابها بالإنستا كرمال هيك رح جيبا معي
وكمان هاي رهف رفيقتنا بالجامعة أكيد بتعرفيها
كمان قررت أنها تيجي معي، كرمال هيك جهزيلنا ٣ غرف أو ٢ كرمال ما تقل عليكم.. يلا رح اضطر سكر الخط لأني رح ضب غراضي يلا باي دمدومتي "

كانت ديما على وشك الرد، لكنها فوجئت بانتهاء المكالمة.. فنظرت إلى الهاتف بصدمة وقالت بصوتٍ منخفض:

" إيه الورطة اللي وقعت فيها دي؟ مش كفاية لؤي هييجي رايح يجيبلي بنت عمه المجنونة اللي كل حياتها تنزل صورها على الانستا وتصور فيديوهات
ولا رهف التانية البنت المتفوقة من اوائل الدفعة
كل حياتها جد في جد.. هعمل إيه دلوقتي؟؟
لازم اقول لجدي الأول وأخد رأيه "

فجأة جاءها صوت من خلفها:

" اتجننتي يا ديما؟! "

انتفضت بفزع، واستدارت لتجد أدهم ينظر إليها باستغراب... فقالت بتوتر محاولة إخفاء ارتباكها:

" ها لا مفيش انا كويسة جدًا "

اقترب منها أدهم ووقف أمامها قائلًا:

" إنتِ متوترة ليه على فكرة مش مشكلة هي روحي قولي لجدك عن الموضوع وهو مستحيل يرفض
متقلقيش "

نظرت إليه ديما بصدمة، متسائلة كيف عرف بما كانت تنوي فعله.. ففهم أدهم نظراتها، وقال موضحًا:

" متنصدميش انا سمعتك بالصدفة وإنتِ بتكلمي نفسك
وعرفت بالموضوع علشان كده بقولك روحي قولي لجدك وهو مش هيرفض، ولو قلقانه هروح معاكي ونقوله ها إيه رأيك؟! "

ارتسمت ابتسامة فرِحة على وجه ديما، وقالت بحماس:

" بما انك هتقوله معايا يبقى يلا بينا "

هز أدهم رأسه ولحق بها، وهو يبتسم ابتسامة خبيثة، وقال في سره:

" لو وقوفي جنبك في الموضوع الأهبل اللي قلقانه منه ده هيقربني منك فمفيش مشكلة هتلاقيني بدعمك دايمًا كل ما تحتاجيني.. بغرض اني اكسب الرهان على رعد "

وبالفعل، ذهبت ديما برفقة أدهم إلى غرفة جدها، وأخبرته بأن أصدقاءها قادمون إلى الصعيد بغرض السياحة... فقابل الجد الأمر بصدرٍ رحب، ووافق على الفور، وطلب من الخدم تجهيز غرف الضيوف لهم .

بعد خروجهما من غرفة الجد، شكرت ديما أدهم لأنه رافقها حتى لا تشعر بالتوتر، فأخبرها أنه سيكون دائمًا إلى جانبها كلما احتاجته...

__________________________

" في مكتب رعد "

قال عمر بعدم تصديق:

" إنت بتهزر يا رعد مش كده؟! "

رد رعد بضيقٍ واضح:

" للأسف لاء "

صرخ عمر بانفعال:

" يبقى أكيد اتجننت، إزاي توافق على التحدي ده
إزاي توافق انك تلعب على ديما الحب؟ إنت بجد مش طبيعي مكنتش اتوقع منك التصرف ده "

نهض رعد بعصبية، وقال بنبرة حادة:

" يا غبي إيه اللي إنت بتقوله ده؟ انا مش همثل على ديما الحب لإني بحبها فعلًا.. وبالنسبة للتحدي
فأنا وافقت عليه علشان خايف على ديما من أدهم
هو ده سبب موافقتي على التحدي "

رد عمر بضيق:

" حتى لو بتحبها وحتى لو خايف عليها بس الفكرة نفسها وحشة دخلت في تحدي علشان تكسب قلبها
وحتى يا سيدي لو حصل وحبتك
ممكن تقولي لو عرفت إن كل الحب ده كان مجرد تحدي بينك وبين أدهم إيه هيكون ردة فعلها
قولي؟! "

مسح رعد وجهه بتعب، ثم جلس على الكرسي وتنهد بقوة، وقال:

" أكيد هتفكر اني كنت بلعب عليها واني عمري ما حبيتها بس انا معنديش حل تاني
أكيد مش هسيب أول بنت حبيتها في حياتي لواحد زي أدهم كل همه في الحياة انه يهزمني ويأذيني بأي طريقة، قولي إنت لو كنت مكاني كنت هتعمل إيه 
هتوافق ولا ترفض؟! "

فكر عمر في كلام رعد، واقتنع به؛ فمن يحب حقًا، سيحارب الدنيا بأكملها من أجل من يحب..
لكن مشكلة رعد لم تكن حربًا مع الدنيا، بل تحديًا مع أدهم على قلب ديما، وتلك لعبة خطيرة وليست معركة شريفة .

كان رعد ينظر إلى عمر منتظرًا إجابته، وحين وجده صامتًا يفكر، ابتسم بإرهاق وقال:

" سكت ليه؟! بيتهيألي انك عرفت انا ليه وافقت
مش كده؟! "

هز عمر رأسه بالإيجاب، فابتسم رعد محاولًا تغيير الموضوع وقال:

" آه صحيح إنت قاعد هنا وسايب الشغل يلا على مكتبك يا أستاذ احنا جايين نلعب ولا إيه "

نظر إليه عمر رافعًا حاجبه وقال:

" والله مش إنت اللي طلبتني علشان تفضفضلي حسب ما اتذكر ولا علشان خلصت مصلحتك تقوم تطردني "

ابتسم رعد باستفزاز وقال:

" ايوا فعلًا خلصت المصلحة يلا برا علشان عايز اشوف شغلي "

وقف عمر بغيظ وقال:

" تعرف يالا انا خسارة فيك بجد إنت واحد مبتقدرش حد "

أمسك رعد بتمثالٍ من فوق مكتبه ليقذفه نحوه،
لكن عمر لمح حركته وخرج مسرعًا من المكتب، فأعاد رعد التمثال إلى مكانه، وضحك على تصرفات عمر المجنونة، ثم أسند ظهره إلى الكرسي، وغرق في أفكاره، مستحضرًا صورة تلك الجنية التي سرقت قلبه دون سابق إنذار...

يتبع......

                الفصل التاسع عشر من هنا 
تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة