
«إيه اللي بيحصل؟!إحنا اتحبسنا ف القاعه ولا إيه؟!»
عرفو ان على صاحب القاعه وهما بقوا جوه لعبته.الكل لفّ ناحيته…
عيون مليانة صدمة، رُعب، وعدم تصديق.
مين المجنون ده؟
إزاي محدش قادر يوقفه؟
فجأة…
بيب… بيب… بيب…
صوت توقيت معدني الناس بصّت حوالين نفسها في ذعر.
حد رفع راسه للسقف…عداد أحمر.
رقماته بتجري.
شكلُه… شكل قنبلة.
***********************
قال مالك لوعد:«علي كان بيتقمّص شخصية… مش حقيقته.
كان بيعافر يكون ثابت قدامكم،
يرسم الابتسامة غصب عنه،
ويحاول يصدّق الدور عشان يعرف يمثّله صح.
بس كل مرة كان صوت الانتقام يصرخ جواه،
يفكّره هو واقف وسطكم ليه،
ويخوّفه ينسى حقيقته.»
سكت لحظة، وبعدين كمّل بنبرة أعمق:
«متتخيليش إنه كان بيمثل باحتراف،
بالعكس…
علي أكتر واحد كان معرّض يتكشف،
لأنه مكنش بيعرف يسيطر على كره.
وأبسط مثال؟
إزازة الخمرة…
اللي مبقاش يمشي من غيرها.»
-------
كان علي بيصرخ،
بيرزع في كل حاجة حواليه،
يشدها ويرميها على الأرض وهو بيصرخ:
«كانوا قدامي…
كانوا قدامي وأنا بضحكله وبقوله أخويا!
كلهم كانوا قدامي!
وأنا أعمى!»
انهال على الحيطة ضرب،
إيده تنزف وهو مش حاسس،
الغضب كان أعمى من الألم.
اتفتح الباب بعنف،
ودخل رضوان بسرعة:
«علي!»
لفّ علي ناحيته،
عينيه حمرا،
نَفَسه مقطوع،
وصوته خارج من صدر محروق:
«قولّي إزاي؟
قولّي إزاي مكنتش شايف؟»
قرب رضوان منه بحذر،
مش خوف…
لكن عارف إن اللي قدامه دلوقتي
مش إنسان عادي،
ده إعصار.
قال بصوت واطي لكنه ثابت:
«اللي حصل خلص.
دلوقتي…
يا تسيب نفسك للغضب،
يا تستخدمه.»
سكت علي،
قبضته اتشدّت،
وعينه نزلت على الدم اللي على إيده،
وكأن اللحظة دي كانت بداية
تحوّل مفيش رجوع بعده.صرخ علي بصوت مكسور،
صوت خارج من صدر محروق:
«مش هقددددر أعيش وسطهم…
مش قادر أسانده وأكون دراعه اليمين…
مش عارف أمثّل زيّهم!
أنا مش زييييهممم!»
كان صوته بيتهز،
مش ضعف…
انكسار.
رضوان قرب خطوة، صوته هادي بس قاطع:
«لازم تبقى زيهم…
عشان تعرف تاخد حقك.»
رفع علي راسه فجأة، عينه مولعة:
«هاخده بطريقتي.
هواجهه… وأقت.له.هاخد الحقيقه منه لو هو لبس منى جريمه معملتهاش فليه قال قال إنها سرقت...
كل ما بيقف قدامي
بيكون عندي رغبة أقتله.مش ده هو رجل الأعمال اللي قولتلي
إن منى كانت في الحبس بسببه.»
رضوان ثبت نظره فيه، وقال بوضوح:
«أنا ماكدبتش عليك يا علي.»
علي حس إن الأرض بتلف بيه، صوته اتكسر:
«مخلّيني أستتتنى إيه؟
معقول يكون في غيره؟
معقول يكون هو اللي أذى منى ؟»
مسكه رضوان من دراعه بقوة،
مش علشان يوجعه…
علشان يصحيه:
«عشان تاخد انتقامك
لازم إيدك تتوسّخ.
ولو ما بقيتش زي بدران
عمرك ما هتعرف تاخد حقك.
إنت بالنسبة له حشرة،هو عنده مال وسلطه زى ما دهس اختك لسبب مجهول فهو قادر يدهسك.»
سكت لحظة،
وبعدين قرب أكتر وقال بنبرة أخطر:
«إنت كسبان بدران
من ساعة ما أنقذته.
إنت ماشي صح يا علي…
وبيثق فيك.
وأنا عايزك
تخلّي ثقته فيك
عمياء مش كفايه زورتلك بطاقه وعملتلك شخصيه من اولها لاخرها تخليه يقتنع بيك.»
علي - مش قااادر مش قادر أكون معااااه.
وجودي في المكان معاهم بكرهه.
مش بعرف أنام…
ومش بعرف أصحى.
إزاي أنام في بيت
اللي أذى أختي؟
لو حد لمسني
أنا ممكن أقت.له.
إيدهم المتوسخة
بدم منى…
كل حاجة هناك بتفكرني،
وكل ده هيكشفني.»
رضوان مسك خمرهصب له في كاس
ومدهوله.
«اشرب.»
علي بصله رضوان قال «إيه؟ متردد؟
دي اللي هتساعدك
تمثل صح،
وتضحك طول ما إنت بينهم.»
مسك علي الكاس،
وشرب
وهو عارف كويس
بيشرب إيه
وبيعمل في نفسه إيه.
رضوان كمل بصوت واطي بس سام:
«كل مرة تحس
إن علي الحقيقي بيطلع…
اشرب.
بس خليك حريص
وإنت شارب
تفضل أخو بدران.
ما تفتكرش
إنت مين
ولا إنت هناك ليه،
وإلا
هتعترف على نفسك
بإيدك.»
رضوان مد إيده.
في لحظة
علي زق إيده بقوة
ولفها ورا ضهره،
صوته طالع بنبرة غضب
«كام مرة هقولك
ما تلمسنيش!»
كان واضح…
إن علي
مش بيمثل
ولا بيبالغ.
في الحالة دي كان واضح إن علي بعد موت منى اتغيّر؛
بقى يشوف الناس كلها أوساخ،مبيطقش حد يلمسه من بعد منى
السكر بدأ يبان عليه.
رجليه تقيلة،
خطوته متلخبطة،
لكن مع تكرار جملة بدران في ودانه:
«إنت علي… أخو بدران»
بدأ يحفظها،
يرددها وهو سكران،
لحد ما صدّقها.
كان يضحك،
يبتسم،
يلبس قناع الشخص اللعوب الخفيف
اللي دايمًا بينال إعجاب بدران
ويعتمد عليه من غير شك.
------
رجع مالك «علي مكنش بيشرب.
بس أول مرة شرب فيها
بقت الزجاجة في جيبه
زي ما إنتِ شايفة يا وعد.
كل مرة كان يخاف
من علي الحقيقي اللي ممكن يطلع،
يشرب.
وبعدها
بقى ياخد تركيزات أعلى،
لما عقله مبقاش يسكر بسهولة.
سنين…
وعلي بيمثل حقيقة
مش حقيقته،
بس عشان يوصل لقضية أخته المجهولة.
ولما القضية اتفتحت
وعرف سبب ف موت اخته،
الانتقام
بدأ من هنا.»
كان قلب وعد بيدق بعنف،
كأنه هيطلع من صدرها.عارفه ان كلمه حقيقه لأنها شافت على وهو مش بيعرف ينام حتى برغم قربه من عيلتها كان عنده فيله بيعقد فيها اكتر
قال مالك بهدوء تقيل:
«الحقيقة صعبة…
خصوصًا لما تكون عن أهلك.»
نزلت دمعة من عينها، وهمست بصوت مكسور:
«كابوس…
ده كابوس.»
رد مالك بنبرة أخف لكنها أوجع:
«ياريته كان كده.»
رفعت وعد عينيها ليه،قال:
«علي فين؟»
قال مالك:
«قولتلك…
في أي مكان قريب من عيلتك.
دلوقتي هو اللي بيطاردهم.»
ارتعش صوتها:
«هيعمل فيهم إيه؟»
سكت مالك.
الصمت ده كان أقسى من أي إجابة.
نزلت دمعة تانية،
وقالت بصعوبة وخوف:
«إيه اللي علي هيعمله؟…»
وترددت،
ثم نطقت الكلمة وكأنها بتخنقها:
«هه… هيقتلهم؟»
تنفّس مالك بعمق وقال:
«معرفش.
انتقام علي هيحققه إزاي…
أنا دوري كان أساعده يعرف مين أذى أخته،
ومن هنا
هو بيكمل لوحده.
بس في أي حاجة
أنا هدعمه.»
نظر لها وقال
«بس ما أظنش إن انتقامه
هيكون القت.ل الرحيم.»
اتسعت عينا وعد،
وقلبها وقع في بطنها.
وأكمل مالك:
«إنتِ متعرفيش علي…
إنتِ تعرفي
علي المزيف.»
والصدمة
كانت أكبر من إنها تستوعبها.قالت وعد بصوت متوسل:
«خُدني عنده يا مالك.»
حاولت تقوم،
لكن رجليها خانتها،
ورجعت تقعد مكانها تاني،
تأثير البنج لسه ماسك فيها
وبيسحب وعيها غصب عنها.
قال مالك وهو ثابت قدامها:
«مش هعرف أوقف علي يا وعد…
وأنا مش عايز انتقامه
يحرقه معاهم.»
كانت جفونها بتتقفل رغماً عنها،
قالت بصوت واطي متكسر:
«وقّفه يا مالك…»
رد بهدوء تقيل:
«لو تقدري توقفيه،
اعمليها.
أنا لو تدخلت
هكون خنت أمانته
إني أحميكي.
بس اللي بقولهولك…
وقفيه
لو عرفتي.»
قفلت وعد عينيها تمامًا،
وارتمى راسها على الوسادة
غصب عنها،
والوعي انسحب منها ببطء
زي روح بتتهزم.
التفت مالك ناحية الشاشة،
وعينيه ثبتت على علي،
نظرة واحدة كانت كفاية
تعرفه إن النار
اللي كانت مكبوتة جواه
اتحررت أخيرًا.
«من أي جحيم خرجت إنت يا علي…»
**********
قنبله......شهقات.صرخات مكتومة.
ناس حطّت إيدها على بقها من الهلع.
صوت علي طلع هادي، مخيف أكتر من أي صراخ:
«مش هطوّل عليكم…
الوقت اللي قدّامكم هو وقت خروجكم من الدنيا كلها.»
الذعر انفجر.
واحد من كبار رجال الأعمال اندفع ناحيته وهو بيترعش:
«افتح الباب ده حالًا!
إنت فاهم بتعمل إيه؟!»
علي وقف في وشّه.
نظرة واحدة من عينه…
خلّت الراجل يرجع لورا كأنه اتخبط في حيطة.
قال على ببرود«على كل ترابيزة مكتوب اسم شركة.
صاحبها هيلاقي ورقة تحتها…
ياخدها،
ويقَطّعها.»
سكت لحظة.
قال واحد بصوت مرتعش:
«ورقة إيه؟!»
علي «عقدكم مع شركة بدران.
يتقطع…
وتحلفو دلوقتي،
وإنتوا راكعين على رجليكم،
إنكم مش هتنفّذوا أي تعاقد مع الشركة دي تاني.»
محمود اتجمد في مكانه.
عينيه راحت تلف على القاعة…
وشاف المشهد اللي عمره ما كان يتخيله.
رجال أعمال.
أصحاب شركات بملايين.
بيجروا…
زي جبناء على وشك الانهيار.
كل واحد اندفع لترابيزة مكتوب عليها اسم شركته.
يفتش بعصبية.
إيديه بتترعش.
عرق بينزل على وشوشهم.
أول واحد لقى الورقة.
شدّها.
قطعها نصين.
وبعدين أرباع.
ورماها على الأرض وداس عليها.
نزل على ركبتيه وهو بيصرخ:
«والله… والله ما هتعامل مع شركة بدران تاني!»
واحد تاني رفع الورق المتقطع في إيده زي شهادة نجاة،
وصوته بيكسر:
«أقسم… أقسم بالله!»
الثالث… الرابع…
كلهم نفس المشهد.
تمزيق.
ركوع.
قسم.
والعداد الأحمر فوقهم بيعد.
بيب… بيب… بيب…
يوسف كان واقف مكانه،
وشه شاحب،
بيبص للناس اللي كانت من دقايق قليلة بتتكلم عن مليارات…
ودلوقتي بتبيع كرامتها علشان ثانية حياة.
محمود جرى ناحية واحد منهم،
مسكه من إيده:
«استنى! إنت بتعمل إيه؟!»
لكن الراجل زقّه بقوة.
وعقده اتقطع في لحظة.
مافيش شيء أهم من الروح دلوقتي.
ولا بدران…
ولا الشركات…
ولا أي فلوس في الدنيا.
العداد قرب للصفر.
بيب… بيب…
علي رفع إيده.
إشارة واحدة.
الباب اتفتح.
القاعة انفجرت حركة.
رجال الأعمال جريوا زي قطيع اتفك من المقصلة.
تدافع.
صراخ.
بدل فاخرة بتتداس.
وكرامة بتترمي تحت الجزمة.
يوسف مسك إيد أبوه بقوة:
«يلا يا بابا… نخرج!»
بدران ما اتحركش.
عيونه لسه معلقة بعلي.
محمود صرخ وهو بيقرب:
«بدران بيه! يلا حالًا! مافضلش غير خمساشر ثانية!»
الوزير، وشه أزرق من الرعب:
«علي! وقف القنبلة! حالًا!»
علي ما ردش.
ولا حتى رمش.
كان مركز بس على بدران…
كأنه مش شايف في الدنيا غيره.
يوسف شد إيد أبوه بجنون:
«بابااا! يلا! خمس ثواني!»
بيب… بيب… بيب…
والزمن…
كان بيقفل قبضته.مشى بدران مع يوسف بخطوات متعثّرة ناحية باب القاعة.
العداد بيصرخ فوق راسهم:
٤…
٣…
٢…
١…
ما لحقوش.
في آخر ثانية بدران انبطحو على ركبته وسحب يوسف معاه.
الوزير ارتمى جنبهم، مغمض عينه ومستني النهاية.
…
ولا حاجة حصلت.
لا نار.
لا انفجار.
لا موت.
صمت…
تقيل.
يوسف فتح عينه الأول.
بص حواليه بعدم تصديق.
بدران رفع راسه ببطء…
الوزير ما زال على الأرض، نفسه متقطع.
العداد بقى صفر.
وفجأة—
رشاشات الطوارئ انفجرت من السقف.
مياه غزيرة نزلت.
القاعة كلها غرقت.
ما كانتش قنبلة.
كانت… خدعة.
خدعة شيطان.
بدران لف بصدمه وعصبية.
عينه وقعت على علي.
رجال علي واقفين حواليه.
واحد فاتح له مظلة سوداء.
واحد تاني بيحميه من المية.
كأنه ملك وسط الطوفان.
علي إيده في جيبه.
ماشي ناحيتهم بهدوء مرعب.
بدران، يوسف، محمود…
كلهم على الأرض.
وقف قدامهم.وكانهم راكعين عند رجله
على ببرود«ماكانش عداد قنبلة…لكن عدّاد حياتكم بيبدأ دلوقتى.»
أعين بدران كانت بتولع.
مش غضب وبس…
إهانة.
واقف على ركبه، قدّام علي،
الراجل اللي سحب منه اسمه وكراكته قدام البلد كلها
البوليس ظهر فجأه ودخلو القاعه
الوزير قام وهو بينفض الميه من بدلته بعصبية وقال:
— اتأخرتوا ليه؟
الضابط قرب وأدى التحية:
— أوامر حضرتك يا فندم؟
الوزير شاور على علي بحدة:
— اقبض عليه حالاً.
يوسف ومحمود وبدران قاموا يقفوا، بينفضوا لبسهم بقرف،
عيونهم معلقة بعلي…
مستنيين لحظة سقوطه.
الضباط اتحركوا…
لكن عدّوا علي.
وقفوا قدّام بدران.
الضابط قال— بدران بيه… حضرتك مطلوب للتحقيق
يوسف اتشلّ.
لف لأبوه بصدمة:
— بابا؟!
بدران بص للضابط، صوته متحشرج من الغضب:
— فيه غلط… أكيد فيه سوء تفاهم.
الضابط مدّ الكلبشات:
— معايا أمر ضبط وإحضار. ليك حق ترشّح محامي… وسوء التفاهم ده يتحل في القسم.
بدران ما ردّش.
كان باصص بس.
على.
علي اللي كان ماشي ناحية الباب.
حر.
رجالته حواليه زي جيش.
وكأن كل اللي حصل…
كان خطوة في لعبته.
بدران انفجر:
— علــــي!
علي وقف. عند آخر باب في القاعة.
ضهره للنور، وشه للظلام.
قال بدران بصوت مكسور فيه غضب:
— ما قلتليش بتعمل ده ليه… القضية دي أنا وإنت دفنّاها. لو وقعت هتوقع معايا. استفدت إيه؟! يعني أنا هتأذى؟ دول حبتين ورق مش هيقضوا عليّا.
علي لف نص لفة.ببرود قال
— القضية اللي اتعرضت النهارده… عمرها ما كانت قضيتي...دى بداية حر.ب
علي كان هيكمل خروجه…
لكنه وقف.
— آه، نسيت أقولك… ألف لا بأس على شحنة سبايك الدهب اللي اتاخدت.
عيون بدران اتوسعت.
الدم نشف في وشه.
— إنت…؟!
علي — بدلتها بحاجة أغلى.
في لحظة…
بدران افتكر العرايس.
إزاي علي هو اللي دخلها؟على الشخص الى عارف عن العرايس
إزاي اختار العرايس بالذات؟
علي قرب خطوة، صوته واطي زي السُم:
— القانون مع السلطة… والطيبين مالهمش مكان هنا.
الجملة دي…بدران كان حافظها لانه قالها لحد زمان
لكن لما طلعت من فم علي…
بقت رعب.
رعب حقيقي.قال علي بصوت هادي بس تقيل:
— لا السلطة… ولا القانون… يقدروا يحموك مني.
بلع بدران ريقه، صوته اتكسر:
— إ… إنت مين بالظبط؟
علي ابتسم.
ابتسامة شيطانية ما فيهاش أي دفء.
بص لقدّامه… ومشي.
خطواته كانت تقيلة،
كأن كل خطوة مفتاح لقبر جديد…
واحد لكل واحد فيهم.
بدران كان باصص له وهو بيبعد،
رجالة علي وراه صف واحد،
وهو بيبلع ريقه ويبص ليوسف.
— بابا…
قالها يوسف بخوف.
الظابط قرب:
— اتفضل معانا يا فندم.
العسكري مسك بدران.
زقّه بدران بعصبية:
— إيّاك حد فيكم يلمسني!
بعدوا خطوة.
هيبته لسه موجودة…
بس الخوف فضحها.
بص بدران ليوسف وقال بحدة واطية:
— كلم المحامي.
يوسف أومأ، مش قادر يتكلم.
بدران اتحرك معاهم بخطوات ثابتة متصنعة،
ظهره مفرود،
لكن قلبه بيرتعش.
مش من البوليس…
ولا من السجن…
من علي.
في القسم،
ما إن وصل بدران ونزل من العربية،
حتى اندفعت الصحافة نحوه
كأنهم كانوا في انتظاره منذ ساعات.
ميكروفونات، كاميرات، أصوات متداخلة.
البوليس والبودي جارد حاولوا يفتحوا له طريق،
يزقّوا الصحفيين بعيد،
لكن الأسئلة كانت أسرع من الأيادي.
– بدران بيه، عايزين تعليق على البث اللي ظهر النهارده!
– في اتهامات رسمية ضد حضرتك، ممكن توضيح؟
– إزاي شريكك يعترف بعداوته ليك ويتهمك اتهام خطير بالشكل ده؟
– هل الاتهامات حقيقية؟ وهل فعلًا تم إخفاء جريمة غرق السفينة؟
– بدران بيه، عايزين رد!
لم يرد.
ولا كلمة.
دخل القسم،
وأُغلق الباب خلفه بعنف،
اختفت الضوضاء فجأة،
كأنها لم تكن.
قال الضابط وهو يشير للكرسي:
«تشرب إيه؟»
رد بدران بهدوء متحكم:
«شكرًا… مش عايز حاجة.»
جلس على المكتب،
شابك إيديه،
ونظر بثبات وقال:
«ممكن أفهم أنا اتجبت هنا ليه؟»
رفع الضابط عينه إليه:
«حضرتك عارف كويس إنت هنا ليه.»
ابتسم بدران ابتسامة جانبية باردة:
«اللي حصل ده سخافة.
اتهامات باطلة،
ملهاش أي أساس من الصحة.»
اقترب الضابط قليلًا وقال بنبرة أخطر:
«أنهي اتهامات بالظبط يا بدران بيه؟
اتهام بقتل اتناشر عامل؟
ولا رشوة قبطان السفينة؟
ولا إنكم اتبلغتوا بالخطر وما اهتمّيتوش؟»
توقف لحظة، ثم أكمل:
«ولما ماتوا،
اتكتب اللي حصل على إنه حادثة…
مع إنه في الحقيقة
جريمة كاملة
تم التستر عليها.»
قال بدران بحده
«كلامك ده اتهامات…
وانت كده بتتهمني يا حضرت الظابط.»
ابتسم الضابط ابتسامة خفيفة لا تحمل أي ود، وقال:
«أنا قبل ما أكون ظابط،
أنا مواطن زي أي مواطن واقف برّه مستنيك تخرج…
عشان يثور عليك.»
رد بدران بثقة متعالية:
«الناس كلها عارفة بدران يعني إيه.
مفيش عمل خيري إلا وأنا موجود فيه،
وأكبر تبرعات باسمي.
يعني هيصدقوا تفاهات
وينسوا كل ده؟»
مال الضابط للأمام وقال بجدية:
«اللي اتعرض مش تفاهات.
دي قضية كبيرة،
اتفتحت بعد ما كانت محفوظة
على إنها حادثة غير متعمدة.
وأهالي الضحايا
أول ما سمعوا كلام شريكك على الهوا
وعرفوا إن عيلتهم ماتوا مش بالصدفة
لكن اتقتلوا…
مش هيسكتوا أبداً.»
قال بدران وهو يضغط على كلماته:
«أنا دافع تأمين مادي
يغطي حياة أهاليهم كاملة.»
رفع الضابط حاجبه وقال:
«التأمين المادي
عمره ما يتقارن بحياة اتاخدت.
ولو ثبت إنك سبب فعلي في موتهم…
ولا فلوس الدنيا كلها
هتنفعك.»
سكت بدران لحظة، ثم قال:
«عايز تقول إيه؟»
رد الضابط بهدوء قاتل:
«لو الناس كانت بتحبك…
حبهم قل.
ومش بس قل،
ده اتكسر.
ولو عايز ترجعه،
لازم تثبت براءتك…
زي ما في غيرك
بيحاول يثبت الجريمة عليك.»
مدّ الضابط إيده،
رفع ملف قال
«الملف ده…
والـ CD…
وصلوا القسم
الصبح شفنا اللي فيه…
واللي اتعرض النهارده كان نسخة منه.
لما عرفنا محتواه اتصدمنا،
بس قررنا ما نقلبش الموازين فجأة
ولا نعمل ثورة.
قلنا نحقق بهدوء،
في السر.»
سكت لحظة ثم أكمل بنبرة أخف «طريقتنا ما عجبتش
اللي بعت الأدلة.
فقرر يذيع الحقيقة
ويطلع بالقضية على الدولة كلها
عشان ما يكونش في أي مفر
ولا أي محاولة كتم.»
قبض بدران على يده بقوة.
أومأ الظابط برأسه مؤكدًا:
«عرفنا مين اللي بعت كل ده
لما اتكلم عنها النهارده
قدام الناس كلها.
ما تخيلناش أبداً
إنه يكون هو نفسه شريكك…
وحسب المقالات
أخوك.»
اقترب الظابط بعينيه من بدران وقال:
«لكن في الآخر
الغدر دايمًا بييجي
من أقرب الناس.
أو…
ممكن نقول
إنه فاق ضميره
وحب يعمل الصح.»
رد بدران ببرود ثقيل:
«على عمره ما عمل حاجة لحد.
ولا عمره عمل حاجة
عشان يرجّع حق الناس
ولا عشان يعمل دور بطولي.»
قال الظابط بحدة:
«تقصد إيه؟»
سكت بدران.
كان يعرف الحقيقة.
هدف علي لم يكن عامًا…كان شخصيً
سرق المخزن،وبدله بعرايس
لكن السؤال اللي كان بيحرقه من جوّه:
إزاي عرف؟
وليه العرايس بالذات؟
ليه الرمز ده يا علي؟
قاطعه صوت الظابط:
«بدران بيه… سامعني؟»
قال بدران وهو يرجّع تركيزه:
«سامعك.»
قال الظابط:
«هنبدأ بإيه؟»
رد بدران ببرود حاسم:
«ولا حاجة.
أنا بنفي كل ده.»
رفع الظابط حاجبه:
«تقصد إن دي مجرد اتهامات كاذبة
وإنك مش معترف بيها؟»
قال بدران من غير تردد:
«بالظبط.
مش هعترف بجريمة
أنا معملتهاش.»
****
وصل يوسف القسم ومعاه المحامي.
اتجه فورًا لمكتب الظابط وقال بعصبية:
«بابا فين؟»
رد الظابط:
«في الحبس.»
اتسعت عيون يوسف بصدمة:
«إنت اتجننت؟!
إزاي تحط بابا في الحبس؟
إنت متعرفش يبقى مين؟
ولا نسيتوا نفسكم؟»
بان الغضب على وش الظابط،
لكن المحامي تدخل بسرعة،
مسك يوسف من دراعه وقال:
«أنا باعتذر يا أفندم.
أستاذ يوسف متأثر
وعصبي بسبب اللي حصل لوالده.
أتمنى تراعي الظروف.»
قال المحامي بهدوء محسوب:
«بعد إذن حضرتك،
بدران بيه يخرج.
ملوش أي لزوم وجوده في الحبس،
ويروح بيته
وإحنا نكمّل متابعة القضية قانونيًا.»
رفع الظابط عينه له وقال بجدية:
«معتقدش إن الموضوع
بالسهولة دي يا أستاذ.
بدران بيه
هيقعد معانا شوية لأن خروجه دلوقتي
هيحوّلنا إحنا
لموضع اتهام معاكم.الشعب برّه
في حالة احتقان ولو خرج بدران بيه دلوقتي
الناس هتفتكر
إن احنا
متواطئين معاكم
وستّروا على الشركة سنين
زي ما علي بيه قال.»
انفجر يوسف بغضب:
«هو السبب!
هو السبب في كل اللي حصل ده!
إزاي بابا يكون هنا
وهو برّه
مبسوط باللي عمله
وكمان بتثبتوله
إنه نجح؟!»
الظابط
«الأمور مش ماشية
بالطريقة دي
يا أستاذ يوسف.»
قال يوسف بعناد:
«بابا يخرج.
وهو يدخل مكانه.
ده اللي المفروض يحصل.»
تدخل المحامي فورًا،
مسك إيد يوسف وسحبه على جنب:
«بعد إذنك…
اهدَى.
مش عايزين مشاكل
تحصلك دلوقتي.»
يوسفما يقدروش يعملوا حاجة.»
المحامى«يا أستاذ يوسف،
وضعنا الحالي فعلًا حرج.
في ناس قطعت علاقتها بوالدك،
وفي ناس لسه مسانداه،
وده في النهاية
هيخلّي بدران بيه يخرج
بس مش دلوقتي.»
يوسف«الظابط قال مش هيخرج.»
المحامى«هيخرج…
بس بعد شوية ساعات.
لما الأوضاع تهدى،
والبث يتمسح،
ونتأكد إن مفيش حد
هيقرب له
ولا يفتح بقه
عن اللي حصل.»
قال يوسف بثقة:
«أنا اتصرفت من قبل ما تقولّي.
خلّيت حد يمنع ده يحصل.
ولحد دلوقتي الدنيا تمام.
ولا مقال واحد نزل،
ولو نزل
هيتمسح فورًا.»
مرّت ساعات داخل القسم،راح يوسف مع الشاويش الحبس
شاف أبوه قاعد في صمت،
عينه تايهة في الفراغ
كأنه مش موجود هنا.
اتفتح الباب.
دخل يوسف بسرعة:
«بابا.قوم…
هتخرج من هنا.
حد عملك حاجة؟»
رد بدران بصوت ثابت:
«أنا كويس…
متقلقش.»
مسكه يوسف من دراعه
وخرجوا سوا.
في الخارج كان المحامي مستني،
ابتسم وقال بثقة:
«متقلقش يا بدران بيه،
كله هيبقى تحت السيطرة.»
أومأ بدران بتفهم.
مرّت ليلة كاملة
قبل ما يتم دفع كفالة باهظة،
خرج بدران رسميًا،
لكن التحقيق ظلّ مفتوح.
قال الظابط وهو بيبص له مباشرة:
«لو احتجنا أي حاجة
هنستدعي حضرتك تاني.»
رد بدران بهدوء:
«شيء متوقّع…
لكن—لكن علي متقبضش عليه ليه؟»
رفع الظابط حاجبه باستغراب:
«هيتقبض عليه ليه؟!»
قال بدران وهو يضغط على كلماته:
«لما جيتوا القاعه
كان المفروض تيجوا بسببه.
حد استدعاكم بسبب المهزلة اللي حصلت،
قفل باب القاعة،
وجود قنبلة،
ورجالته…
كل ده كافي
يكون قضية لوحدها ضده.»
نظر له الظابط وقال:
«إنت بتتكلم عن إيه؟
مفيش حاجة من دي حصلت.»
قال يوسف «إزاي يعني؟
ده البلد كله شافت!»
الظابط«البث اتقفل كله بعد ما قال أسماء الضحايا
وأعلن نهاية القضية قدّام الكل ومظهرش حصل اى تانى»
اتصدم بدران.
كأنه فهم ان على مش سهل،خلا نفسه بطل قدام الكل وظهر شيطانه ف القاعه بس
************
في الفيلا،كان علي قاعد قدّام التلفزيون
بعين ثابتة،ورجالته حواليه
كأنهم مستنيين إشارة
لبداية ساحة حرب.
قعد رضوان جنبه وقال «الدنيا مولّعة برّه
وإنت قاعد هنا؟»
علي ما ردّش.
رضوان بصّ للشاشة
واكتشف إنها مش قنوات…
دي كاميرات مراقبة
للقسم
وبيـت بدران.
رفع رضوان عينه لعلي:
«بدران هيخرج.»
قال علي بهدوء محسوب:
«شيء أكيد.
بدران مش قليل برضه.»
قال رضوان:
«يعني دي بالنسبة لك مش ضربة؟»
على من غير ما يبعد عينه عن الشاشة:
«أنا مش مغفّل…ده تمهيد ليهم.»
بصّ علي لرضوان فجأة وقال بهدوء تقيل:
«الفلاشة دي كانت معاك من إمتى؟»
رضوان سكت.
قال بعد لحظة:
«لما لقيتها…
ادّيتهالك.»
رفع علي حاجبه «يعني مكنتش معاك،
ولما لقيتني هتنازل لوعد
ظهّرتها؟»
رد رضوان بثبات مصطنع:
«أكيد مش هخبيها بعد ما عرفت حقيقته هو وعيلته
أنا مستني اللحظة دي عشان نبدأ ندمّر بدران.»
ميل علي راسه شوية وقال:
«ممك كنت مستني حاجةوبعدين تدمّره.»
اتوتر رضوان:
«حاجة إيه؟!»
قال علي وهو مركز في عينه:
«رانيا… مثلاً.»
سكت رضوان للحظة
وسرعان ما حاول يلمّ نفسه.
علي ما كانش غبي.
بالعكس…
كان أذكى بكتير مما رضوان توقّع.
برغم النيران العمياء اللي في عينه،
فهم اللعبة كاملة:
الفلاشة ظهرت
في اللحظة اللي كان فيها ضعيف بسبب وعد.
واللي حصل ده
كان لأن بدران حسّ
إنه ممكن يخسر علي.
استناه يبعد.
استناه يسيب.
ويرجع بدران يكمّل
كأن مفيش حاجة حصلت.
رضوان قال بصوت منخفض:
«بدران مش هيسكت.
أتوقع يهاجمك…
مش من النوع اللي يستنى موته
ويتفرّج.»
ابتسم علي.
ابتسامة باردة…
غريبة…
كأن الخطوة الجاية
اتحسمت خلاص
*************
في الفيلا
كانت رانيا رايحة جاية بعصبية،
ونادين قاعدة بتبص في الساعة كل شوية.
الصدمة كانت مسيطرة على المكان…
والسكوت تقيل، خانق.
فجأة صوت عربيات.
رفعت رانيا راسها:
«جهم…»
وقفت العربية.
نزل بدران ويوسف،
الحراس اتحركوا تلقائي.
جريت رانيا ناحيته:
«بدران… إنت كويس؟»
ما ردّش.
دخل الفيلا مباشرة،
قعد على الكرسي
وساب الصمت يطبق على الكل.
قال يوسف بعد تردد:
«بابا… ناوي على إيه؟»
رد بدران وهو باصص قدامه:
«أوضاع الشركة إيه؟»
قالت نادين بسرعة تطمّنه:
«تمام، متقلقش.
طالما خرجت يا بدران
كل حاجة هتعدّي.»
قاطعها يوسف بانفعال:
«لا مش تمام!
أسهم الشركة نزلت جامد،
غير اللي حصل في القاعة.
اللي جوّه واللي برّه
كلهم تنازلوا عنّا.
العقود بتتلغي واحد ورا التاني.
يا بابا…
إحنا خسرنا صورتنا كمؤسسة
في يوم وليلة.
بقينا قضية رأي عام.»
سكت بدران.
ولا حركة.
رانيا انفجرت:
«كله بسبب الزفت
اللي اسمه علي!
نسي نفسه يبقى مين.
واحد ملوش أصل ولا فصل.
إنت اللي ربطته بالعيلة
وقلت أخوك.وبقى ليه اسم
نسي ده كله
وطلع يقول عدوك
قدّام الدنيا كلها!»
قالت نادين «علي كان متستّر على القضية من الأول… لحدّ امبارح. كتمها، وهو الوحيد اللي كان معاه أدلة تفضحنا، بس عمرنا ما تخيّلنا يعمل كده».
بصّت نادين لبدران، صوتها اترجّف:
«مين اللي كان امبارح في القاعة؟ إزاي ده يكون علي؟ إزاي يعمل كده؟ إزاااي؟»
بدران كان ساكت، ملامحه جامدة.
رانيا انفجرت:
«ده ندل حقير! لازم يتعلّم الأدب يا بدران… لازم يندم».
قال بدران بهدوء تقيل:
«كلكم مستغربين اللي عمله… إنما أنا؟ أنا مستغربتش».
يوسف قرب خطوة:
«إزاي يا بابا؟ إنت متوقّع منه يغدر بينا بالشكل ده؟»
رد بدران وهو ثابت:
«علي اللي كان معانا زمان… مش هو علي اللي ظهر امبارح. عشان كده ما استبعدتش اللي عمله. إحنا في الحقيقة ما نعرفش علي. أول يوم عرفناه بجد كان امبارح».
قالت نادين بحدة مكبوتة:
«وبعدين؟ هنسكت؟»
بدران هز راسه:
«أكيد لا… بس لازم أعرف حاجة الأول».
رنّ تليفون نادين. ردّت بسرعة.
يوسف سأل بقلق:
«في إيه؟»
وشّ نادين اتغيّر فجأة، عينيها وسعت:
«إزاي؟!… إزاي ده يحصل؟»
بصّوا لها كلهم.
بدران شدّ نظره عليها:
«في إيه يا نادين؟»
بصّت له بخوف وتردد، وبعدين قالت:
«بعد اللي حصل امبارح، بعثنا أمر نمسح أي صورة أو فيديو عن العرض… وكل حاجة كانت تحت السيطرة فعلًا، بس—»
قاطعها بدران بنبرة حادة:
«بس إيه؟ اتكلمي».قالت نادين بقلق:
– في صحفي نزل مقال وسرّب كل اللي حصل… حتى الحاجات اللي كانت اتمسحت رجعت تنزل تاني.
يوسف اتفاجئ:
– إيييه؟! مش المفروض الكلام ده محظور أصلاً على شركات التواصل والانترنت كله؟
نادين – الحظر اتفك، وبقى متاح ينزل أي مقال في أي وقت عن شركتنا وضد بدران. واتقال كمان إن الصحفي اللي بدأ الكلام قال معاه حصانة كبيرة.
يوسف بعصبية:
– ده استهبال! هو فاكر نفسه مش هيتجاب؟
بدران قال بهدوء تقيل:
– علي.
الكل بصّ له أول ما نطق اسمه.
رانيا
– معقول هو اللي عمل كده؟
نادين ردّت بسرعة:
– مفيش غيره. علي علاقاته كتير، ووضعنا قدامه حرج. واللي عمله ده إدّى فرصة إن الموضوع مايتقفلش، ويفضلوا يتكلموا عنه.
رانيا بان عليها الغضب:
– هو عايز إيه بالظبط؟! مش كفاية اللي عمله؟ إيه الجرأة دي؟ مش خايف؟
بدران قال بنبرة ثابتة:
– مش خايف… ده واحد داخل حرب معندوش حاجة يخسرها.
لفّ بدران وبصّ لنادين:
– كلمي شركات الإعلام حالاً. كل شركات الإعلام اللي في مصر.
شدّد على كلامه:
– أي صحفي يكتب عن الموضوع ده… ممنوع منعًا باتًا. مفهوم؟
بدران– لو علي فتح لهم المجال يتكلموا بعد ما كنا حابسينهم، إحنا هنكتم بقهم عن الكلام.
طلع بدران، دخل أوضة علي، اللي كان قاعد فيها وسطهم من شوية.
فتح الدولاب وبقى يقلب في الهدوم بعصبية، يرمي قطعة ورا التانية على الأرض.
دخل يوسف بسرعة:
— بابا؟
بدران ما ردّش. كان بيقلب في كل حاجة، كأنه بيدوّر على دليل.
قلب السرير، شال المرتبة، حتى اللحاف ما سبهوش…
بس مفيش.
ولا أي حاجة تمسك طرف خيط.
رَمى اللحاف على الأرض بضيق مكتوم وقال:
— باين إنه واخد حذره قوي.
قال يوسف — أكيد… وإلا كان اتكشف من زمان.
وسكوت لحظة، كمّل:
— وكون إنه كشف نفسه بنفسه، يبقى هدفه قدامه.
بدران وقف، وبص لابنه:
— وانت عارف هدفه إيه؟
يوسف هز راسه:
— معنديش فكرة.
وبص في عيون أبوه:
— في حاجة يا بابا؟
دخلت نادين:
— كلمت شركات الإعلام. هيعملوا اللي يقدروا عليه ويسكّتوا صحافيينهم،لسه ليك تقدير كبير يا بدران، وفي مساندة لينا.
بدران— لأن الكل عارف إني مبقعش… وهقوم أقوى من الأول.عشان كده بيكسبوني.
نادين بصّت للأوضة المتبهدلة.
بدران — حضّروا لقاء صحفي كبير…عايزه يتذاع على كل القنوات
يوسف:— هتظهر تاني يا بابا؟
بدران— لازم نطلع ننفي اللي حصل في أقرب وقت. هنرمي كل الأخطاء على شخص واحد… اللي فاكرينه بطل، وهو في الحقيقة مجرد شيطان متخفي. الجريمة دي من افتعاله، وهو كان سبب كبير إن القضية تتقفل على إنها مجهولة.
قال يوسف — هبلغ أكبر شركات الإعلام حالًا، وكل حاجة هتتنظم زي ما إنت عايز.
أومأ بدران بصمت. مشيو وفضل بدران قاعد لوحده.
افتكر كل كلمة قالها علي، كل نظرة كانت واضحة في عينه… نظرة عداء، كره، وشر.
رفع سماعة التليفون، طلب رقم مجهول.
استنى لحد ما جاله الرد.
قال بدران — نفّذ النهارده. هبعتلك بياناته وتفاصيله… وعايز الموضوع يخلص فورًا.
جاله الرد — اعتبره تم.
قفل التليفون ورماه على السرير.
فلاش باك
قال بدران بسخرية خفيفة:
– لو كان عندي أخ، ماكنش هيبقى زيك يا علي.
ضحك علي ورد بهدوء:– أنا وفيّ بزيادة.
بدران – … في قربك إنت أقربلي من نفسي، حتى من غير ما يكون في بينا صلة دم.
على– اللي بينا أكبر من الدم. تقدر تعتمد عليّا لانى مش هسمح لحد يأذيك.
بادله بدران الابتسامة – وأنا طول ما عايش، هحميك بروحي… الروح اللي مديونلك بيها.
علي– الدين بيفضل دين… عشان كده ما يتنساش.
ضحكوا سوا، ضحكة بريئة، ماكانش بدران فاهم وقتها مغزى الكلام.
باك
معقول كل ده كان كدب؟
افتكر اليوم اللي المجرمين لحقوه فيه.
ظهر علي من العدم.
ساعتها بدران خاف… خاف يكون واحد منهم.
العربية كانت على كوبري مكسور، خطوة واحدة وتطيح بيهم في الهوا.
وفي اللحظة الأخيرة، امتد حبل من فوق…
إيد علي.
كان بدران بيصرخ، صوته مكسور:
– مش هعرف أمسك! هات إيدك… أرجوك!
لكن علي ما تنازلش عن رفض لمس بدران،
كأنه لو لمسّه مرّة،
هيثور في لحظة ويخلي الدنيا كلها تختفي.
كان ماسك الحبل بإيديه،
لفّ الحبل حوالين يده بإحكام.
وفي اللحظة اللي بدران حسّ فيها إنه هيموت فعلاً،
سحب علي كرجل بكل قوته
ونزله على الأرض الصلبة
كان بياخد نفسه بصعوبة،
«أنا مديونلك بحياتي.»
ردّ علي بهدوء، نظراته ثابتة:
«افتكر إن الدين ثابت.»
بدران ماكنش فاهم…
لما اختفى بدران دور عليه
ما كانش علشان الدين نفسه…
لكن لأن دي كانت أوّل مرّة
يشوف حد يدافع عنه بروحه الكاملة،
كان معجب بيه…
وبيخاف يفقده.
اتأكد إن علي ما لهوش علاقة بالمجرمين اللي حواليهم…
وعايز يقف جنبه.
وبالفعل…
علي بقى المثال اللي بدران يمشي وراه،
وزيه كأنه درعه البشري
اللي بيتحامي بيه
اتولدت ثقة عمياء،
خليته يقول:
«علي علي… ده أخويا.»
ويدخّله عيلته باسمه ده.
لكن…
نظر بدران لهاتفه فجأة،
ماكانش يتوقّع إنهم يومًا هيبقوا أعداء
ويسعوا للتخلّص من بعضهم.في هدوء الليل،
***********
كانت فيلة علي محاصَرة برجالة واقفين قدّام البوابة.
وسطهم كان في راجل باين عليه القوه، وقفته ثابتة ونظراته حادة.
رفع إيده بإشارة واحدة.
الدخول تم فورًا.
بس الفيلا ما كانتش فاضية…
رجالة علي كانوا جاهزين.
أول ما شافوا الدخلاء، الاشتباك ولّع في ثواني.
القائد قال بصوت واطي لكن قاطع:
«ما تسيبوش حد عايش.»
الهجوم كان شرس،
أسلحة في الإيد…
بس من غير إطلاق نار.
الرصاصة لو خرجت، علي هيسمع.
وده هدفهم الوحيد
قسم منهم طلع لفوق،
يفتحوا الأوضة ورا التانية،
بهدوء قاتل…
السلاح مرفوع، النفس محبوس.
وقفوا قدّام أوضة،
واضح إن فيها حد نايم.
قربوا ببطء،
والراجل معاهم.
وفي لحظة واحدة
اتضربت طلقات سريعة
كفيلة تنهي أي حاجة.
بس…
ما كانش في أثر للدم.
القائد قرب،
رفع اللحاف…
مخدة.
وفي اللحظة اللي ظهر فيها الفخ،
كان علي واقف ورا الحيطة.ظهر وطلقات خاطفة،
والرجالة وقعوا واحد ورا التاني.
القائد لف بسرعة،
ضرب نار ناحية علي،
لكن علي تفاداها
واستخبى ورا الحائط.
القائد ما استناش.
نط في ثانية،
مسك عصاية
ورفعها عشان ينزل بيها على دماغه.
قبل ما العصاية تلمس الهوا…
السكينة كانت سبقت.
طعنة مستقيمة في صدره
وقفته مكانه.
العصاية وقعت،
وسلاحه ما لحقش يتمسك.
وعلي…
كان واقف،
نَفَسه ثابت،
وعينيه ما فيهاش أي تردد.بصّله بشدّة وهو بيتألّم.
عينيه كانت مليانة حقد، ونَفَسه متقطّع.
قال علي، وصوته ثابت وعينيه جامحة:
«بدران بعتك.»
ابتسم الراجل بغلظه وقال
«… ولازم آخد روحك معايا.»
مدّ إيده يطلع سلاح تاني،
بس علي كان أسرع.
بوكس واحد
وقعه على الأرض قبل ما يلحق يعمل أي حاجة.
*********
في الصبح…
بدران كان قاعد،
بيبص في الساعة كل شوية،
صوت الجرس قطع الكلام.
الخدامة راحت تفتح.
ثواني…
صمت غريب.
رجعت وقالت:
— في… طرد.
بدران استغرب:
— طرد إيه؟!
قام بنفسه.
قدّامه كان في صندوق.
بص له لحظة،
وبص حواليه.
— مين اللي باعتُه؟
الخدامة هزّت راسها:
— معرفش يا فندم…
مافيش مندوب، لقيته بس قدّام الباب وجبته.
مشيت الخدامه،بدران فتح الصندوق
انطلقت صرخه من رانيا
نادين شهقت ووقفت مكانها،
ويوسف…
عينيه اتملت صدمة،
مش قادر ينطق.
أما بدران…
فوقف ساكت.
ولا كلمة.
كانت رأس الإنسان في الصندوق مليانه د.م، قشعر بدران من المنظر
رانيا شعرت بدوخة، كادت تقع، لحقها يوسف وقال:
— ماما…
نادين قالت بخوف:
— لازم أبلغ البوليس فورًا.
بدران — ده القاتل المأجور اللي بعته لعلي بالليل.
رانيا ونادين بصّوا له بدهشة، بينما يوسف لم يصدق عينيه.
قال بدران، ببرود:
— فشل في مهمته… وده الرد.
يوسف تمالك نفسه بصعوبة وقال:
— علي… ده مجنون أكيد.
نادين همست:
— ده مجنون فعلاً… أكيد مجنون.
يوسف قفل الصندوق فورًا، محاولًا يحجب المنظر عن أعينهم.
في نفس اللحظة، رن هاتف بدران.
رفع تليفونه بحنق، نظر للرقم، ثم رد:
— الو…
صوت علي وصلهم من الطرف الآخر، هادئ لكن مليان تهديد:
— وصلتك الهديّة.
بدران قبض على التليفون بشدة، صوته يخرج بنبرة تحذير:
— هتندم أوى يا علي…
رد علي بثقة لا تُخفي أي توتر داخلي:
— إنت مش في وضع كويس عشان تهددني… كفاية نظرات الخوف اللي بتحاول تنتجها فيك أنت وعيلتك.
بدران بص حواليه، كأنه حاسس إن علي شايف كل حركة،
على قال:
— الخوف مش بيليق عليك يا بدران… لكن أنا شايفه لأول مرة في عينك، وتحاول تخبيه… محاولاتك فاشلة.
قال بدران بغضب مكبوت، صوته كان شبه بيصرخ:
— بتعمل كده ليه؟! عايز فلوس؟!
ضحك علي ضحكة قصيرة، مفيهاش أي مرح:
— عمر ما الفلوس كانت تهمني.
سكت لحظة، وبعدين كمل بنبرة أهدى… وأقسى:
— حتى حمايتي ليك، وتغطيتي لكل وساختك، مكنتش إخلاص. أنا قلتلك وقتها إني مش هسمح لحد يأذيك.
ثم تغيّرت نبرته فجأة، بقت مظلمة:
— محدش ياذيك غيرى
بلع بدران ريقه، وقال بحدّة وهو يحاول يسيطر:
— إنت عايز إيه؟ فهمني… عايز إيه؟
قال علي بهدوء مرعب:
— اتصلت بيك عشان أديك فرصة.
بدران— فرصة؟!
على— تطلع وتعترف بجريمتك… إنت وعيلتك.
قطّب بدران حواجبه بسخرية مصطنعة:
— جريمة إيه؟
قال علي كلمة واحدة…— منى.
الاسم وقع على بدران زي الصاعقة.
جسمه اتخشّب، أنفاسه اتلخبطت.
اللعنة… هو فعلًا يعرف.
العرايس مكانتش وهم.
منى… كانت المفتاح.
قال علي، وكأنه شايفه قدامه:
— مش ناسيها، صح؟
قال بدران بصوت متحشرج:
— إنت مين؟
— هتعرف يا بدران… بس مش دلوقتي.
قالبدران-انكق انت مين بقولك ازاى تعرف عنها
قال على-اتصدمت ان ملفها هيتفتح بس هو مكنش اتقفل اصلا ولا عشان كنت حريص تنهى حياة اى حد يعرف عن القضيه عشان تتدفن معاها
اتصدم بدران من معرفته-مستحيا
على بلهجة لا تقبل نقاش:
— تنفّذ. تطلع حالًا وتعترف بكل اللي عملته وقتها. كل حاجة. وساعتها بس… هخفف من انتقامي منكم.
بدران بابتسامه ناشفه، فيها غضب وبرود:
— إنت شكلك شارب حاجة يا علي.
وقرب من التليفون، صوته بقى قاسي:
— عايزني أطلع أفضح نفسي قدام الناس؟ أدمّر اسمي في لحظة؟ إنت بتحلم… وبتحلم قوي كمان.
قال علي ببرود:
— متستهالش تتطلّع وتبرأ اسمها.
وقف بدران صامت، عينه ثابتة،على بيبص ف الشاشه يحاول يقرأ أي إحساس بالذنب على وجهه
قال بدران-متستهالش بعد كل ده اجى هنا واضحى بالى عملته
جمع علي قبضته، صوته صار أشبه بالتحذير:
— فرصتك خلصت يا بدران. استنى مقابلتنا.
بدران، متمسك بغضبه، أخرج يده من خلف التليفون وقال:
— اطلع من ورا التليفون وريني نفسك!
أغلق علي المكالمه في وجهه ببرود، ليهتز قلب بدران دقات سريعة، صوته يتلعثم قليلاً:
— على…
كان قلب بدران يدق بشدة منذ اللحظة التي نطق فيها علي باسمها:
— منى…
يوسف، بصوت خافت:— بابا… قالك إيه؟
بدران، — على يعرفها منين… يعرفها منين ومهتم بيها ليه…
يوسف — هي مين؟
بدران بصوت مبحوح ومرتجف، كأن الزمن توقف عنده:
— م… منى…
تجمدت نادين، بمجرد ما سمعت الاسم التفتت لهم بذهول، عيونها تتسع.
يوسف صامت، صوته بالكاد مسموع:
— م… منى؟
بدران، عينيه صارتا سوداويتين، وقال بحدة:
— بيهددني عشان أطلع وأعترف باللي عملناه فيها… وأبرأ اسمها.
نظر إلى يوسف ونادين:
— يعرف الحاجات دي منين؟ يعرف أي تفاصيل عشان يتملم عنها؟ ده يبقى مين أصلاً عشان يعرفها؟
اللحظة شعرت وكأن الزمن عاد للوراء، كلهم عادوا لتلك الصدمة الأولى، وكأن المشكلة التي ظنوا أنها انتهت… لم تنته أبدًا. كانوا الآن واقفين هناك، في مواجهة نفس المشهد، نفس الخوف، نفس السؤال: هيعملوا إيه دلوقتي؟
جلس يوسف على الكنبة، غارق في جريمته، عرق يتصبب على جبهته، قلبه يدق بعنف. فجأة، قفزت صورة منى في ذهنه، بيقولها— "يوسف… ده اسمي."
فى داخله وكأنه يسمع صداها— "يوسف…"
أغلق عينيه ومسح جبينه المتعرق، حاول يلتقط أنفاسه، لكنه شعر بالصدمة تتجمد داخله:
— على يعرفها منين… ومن امتى؟
نظر إليه بدران بعينين ثابتتين:
— انت اتكلمت عنها مرة قدامه؟
تنهد يوسف، بضيق — أنا مش مغفل يا بابا… عمرى ما جبت سيرتها قدام أي حد، حتى لو صدفة… عمرى ما نطقت اسمها بالغلط.
بدران— على مش بطل… لو مكنش يعرفها، مكنش هيسعى لينا بسببها.
نادين، بعينين متسعتين وخوف واضح:
— يعني إيه هو عمل كده عشان منى؟ في علاقة بتربطه بيها؟
بدران، بصرامة مطلقة:
— مفيش غير كده.
فجأة، تذكر يوسف كل اللحظات الأخيرة مع منى، قلبه اهتز:
— قالت… على…
بصوله من الى قاله، تذكر آخر مرة كانت معه فيها، كل لحظة وكل كلمة تقولها كانت معلقة في ذاكرته، وكأنها طيف يطارده، لكن صوتها كان ينطق باسم علي "على… على… عللللللي…"
التفت يوسف إلى بدران بنظرة حادة، صوته يخرج مشوشًا:
— إزاي مخدتش بالي؟
رد بدران، متعجب قليلًا:
— مخدتش بالك من إيه؟
قال يوسف، كأن الحقيقة تنهال عليه فجأة:
— بابا… على يعرف منى من زمان أوي…
نادين، مذهولة، همست بصوت منخفض:
— إزاي؟
يوسف، عيناه ممتلئة بالصدمة والرهبة:
— منى كانت بتنادي باسم على… باسم على…
نادين صمتت للحظة، عينيها مفتوحتين على وسعها، قالت بدهشة:
— إزاي ده يحصل؟
يوسف، صوته مختنق بالدهشة والقلق:
— منى كانت بتنادي باسم على… باسم على بس.
نادين شعرت بقشعريرة، همست:
— معقول… يعني على يعرفنا من زمان عن طريقها؟
بدران، محاولًا استيعاب الموقف، صوته منخفض لكنه حاد:
— على معرفناش أصلاً إلا بسببها…
بص بدران إلى يوسف، وفهموا فجأة الحقيقة: من البداية، كان على مزروع بينهم، يراقبهم، ويختار اللحظة المناسبة لضربتهم.
بسرعة، قام بدران، يوسف ركض خلفه وهو يقول:
— خليكي مع ماما، نادين!
خرج لقى ابوه بيركب السيارة كان سريعا وبدون أي كلام زائد
يوسف— بابا… رايح فين؟
رد بدران بنبرة حادة ومركزة:
— السجل… دلوقتي.
مشي قبل أن يستوعب يوسف، أخذ بودي جارد ومشي هو كمان، تليفونه يرن بلا توقف… المكالمة الخمسين كانت من سهير، عشيقته، لكنه تجاهل كل شيء، كل تركيزه على الحقيقة التي تتكشف أمامه.
وصل بدران السجل، قابله شخص واقر فى بدلته:
— لما كلمتني استغربت من استعجالك.
رد بدران بسرعة وحزم:
— مش وقت نضيع، لازم أعرف كل حاجة.
دخلوا القاعة الكبيرة مليانة ملفات ورفوف عالية، الهواء تقيل من كثرة الأوراق والسرية. الرجل نظر لبدران وقال:
— بدور على مين بالظبط؟
رد بدران بهدوء حاد:
— سمعت عن العرض اللي حصل… مش كده؟
سكت الرجل، ثم أكمل بدران:
— على خليل الشافعي…؟ عايز اعرف كل حاجة عنه.
الراجل
— ده محتاج مجهود كبير جدًا… الموضوع مش بسيط.
خرج بدران دفتر الشيكات، ووقع على شيك كبير:
— خلي موظفينك يجيبولي كل أصله وفصله.
نظر الرجل للشيك، واتفاجأ بالمبلغ، لكنه نفذ الأوامر بسرعة
. الموظفين بدأوا يدوروا في الملفات، واحد واحد، يبحثوا عن ملف على. بدران قاعد، عينيه بتلف هنا وهناك، منتظر كل معلومة.
جالهم ملف شهاده ميلاد على. بدران التقطها، وبص فيها بعناية: اسمه، تاريخ ميلاده، اسم عائلته. فجأة، وقعت عيناه على اسم عائلة أمه… نظر له بتأمل، قلبه اتسارع. الاسم مألوف… كان كأن سمعه قبل كده، كأنه جزء من ذكريات غامضة.
الراجل رجع، وحط قدامه أكوام الملفات:
— دي كل التقارير عن على.
بدران نتش الملف، فتح واحد واحد. كل صفحة كانت تكشف جزء من حياة على:
— وحيد… أهله ماتوا من زمان في حادثة…
— تربى مع جدته، لكنها توفت بعد خمس سنين…
— الحكومة تكفلت به بعد كده هو وعيلته…
— اشتغل بجانب دراسته رغم إنه ما كملهاش.
بدران قاعد، عينيه متسعة… كل معلومة كانت بتكشف له جانب من شخصية على، اللي حتى قصته مأساوية لكنها فيها صلته العميقة بالقوة والسيطرة اللي شايفه دلوقتي.بدران كان واقف، عيناه مركزة على ملفات على، بيفتح صفحة صفحة، يقرا تفاصيل حياته كاملة.
الراجل قال بصوت هادي:
— فلوس جدته كانت تكفي معيشته، بس مش كتير. استأجر بيت صغير عشان ما يتشردش هو وأخته… ومع تقديرات عالية في دراسته، لكنه كان بيشتغل في سوبر ماركت.
بدران فجأة توقف، قلبه خبط جامد:
— ثانية ثانية… أنت قلت أخته؟!
الرجل إومأ برأسه:
— ايوه.هى دى عيلته
بدران شد نفسه، عينه بترقص بين الملفات:
— فين ملفها؟ هاتهولي حالا.
الراجل، مستغرب من إصراره، مد له الملف بين كومة الأوراق. بدران فتحه، قلبه بينقلب كل ثانية.
لما بص على الصور الشخصية، صدمة أصابته في الصميم… هذه العينان، هذا الشعر، هذا الوجه… قلبه بدأ يدق بعنف، وكأن كل شيء انهار فجأة، وكأنها لحظة القيامة.
ورغم كل الصدمة، نظر للأسفل، وقرأ الاسم مكتوب بشكل واضح:
— "منى خليل الشافعى".
الهواء اختنق حوله، عقله مش قادر يستوعب… كل تفاصيل حياته، كل تحركاته، كل المؤامرة، فجأة اتجمعت في هذه اللحظة الواحدة.بدران نتش الملف بتاع على بسرعة، حطو جنب ملف منى، وعينه بتتسع من الصدمة… كل شيء اتلخبط في دماغه، الكنيات، الملامح، التشابه الغريب بينهم.
قال بدران، بصوت متقطع، كأنه مش مصدق:
— مستحيل…
قطع نظراته من صورة على لصورة منى، حس إنهم بيبصوا له… كأنهم مواجهينه بملوك الموت
تخيل على قدامه، وفجأة، منى تجسدت قدامه… ملامحها كانت مطابقة لملامح على تمامًا… قلبه اتجمد، رقبته تلاشت كل حركاته…
تراجع بضربة صدمة، رجع ورا، عقله مش مستوعب… اتخبط ووقع على الأرض، وصوت قلبه كان يدق جامد…
قال بدران، بكتم أنفاسه:
— ...اخته ؟!
اتسعت اعينه قال-منى تكون اخت على
الفصل العشرون من هنا