
كانت تعيش في وكرٍ يعجّ بالأفاعي، أسيرةً لذئبٍ خبيث نسج حولها شِباك مكره بدهاءٍ لا يُضاهى. قيّدها بأغلالٍ من خداعٍ، وغرس في قلبها مخالب الشكوك، حتى باتت عاجزة عن الوثوق بأي إنسان. وعندما عاد إليها محبوبها الذي ظنّت يومًا أنه ملاذها الآمن، وجدت نفسها غير قادرة على تصديقه. كيف لها أن تثق به؟ وهو الذي كان يومًا مصدر أعمق جروحها، يريدها الآن أن تعود كما كانت، نقيةً، خالية من شوائب الماضي، متناسيًا أنه كان السبب في تلك الشوائب.
الخديعة التي عاشتها سرقت منها إيمانها بالناس جميعًا. وكأن ذلك لم يكن كافيًا، جاءت خيانة والدها لوالدتها لتضيف إلى جروحها ملحًا مؤلمًا، وسقوط شقيقها في الفخ ذاته الذي سقط فيه محبوبها ذات يوم زاد المأساة عمقًا. تراكمت الآلام كجبالٍ فوق صدرها، لتسلبها كل إحساسٍ بالحياة، وكأن أجمل سنوات عمرها انزلقت بين يديها، غارقة في بحرٍ لا نهاية له من الخيبات.
أحلامها التي نسجتها بعناية تهاوت واحدة تلو الأخرى، حتى وجدت نفسها أسيرة انهيارٍ عصبيٍ لا فكاك منه. وفي المقابل، كان الذئب الذي أطلق شرارة هذا الخراب يجوب الأرض كالمهووس، باحثًا عن المال الذي سرقه منها، وكأنه لم يكتفِ بما سببه من دمار.
هاتف عثمان هاجر ليخبرها بما حدث مع ساندي، وكان يأمل في أعماقه أن تكون نائمة، حتى لا يجد نفسه عالقًا في دوامة من المقارنات بين حالتهما وحالة ساندي وغسان.
عثمان: هاجر!
كانت تقف أمام المرآة، تنظر إلى انعكاسها وتبتسم في صمت، كأنما تحمل سعادة خفية. صمتها هذا جعله يزفر بحدة وهو يقول:
عثمان: الظاهر إن ساندي وغسان مش هيكملوا مع بعض. أنا مش عارف... هل أنا السبب؟ ولا دي مجرد تراكمات بينهم؟
تفاجأ بردة فعلها؛ فقد كانت هادئة تمامًا، ولم تسارع بالمقارنة بينها وبين ساندي كما كان يخشى. على العكس، قالت بعفوية وصدق:
هاجر: مبسوطة جدًا إنك شايفني جزء من عيلتك، وإنك بتكلمني بصراحة من غير ما تخاف من رد فعلي. كده أنا تأكدت إنك بتحبني.
تسارعت دقات قلبه كأنه يعدو لمسافة لا نهاية لها، خاصة عندما أضافت بثقة:
هاجر: عثمان، أنا واثقة في حبك. حتى لما صدّقت كلام ماما، كنت عارفة إنك هترجع لي. ومش هسمح أبدًا إننا نكون زيهم.
تردد للحظة قبل أن يجيب، محاولًا التعبير عن اضطرابه:
عثمان: مش إنتِ اللي كنتِ دايمًا حاسة إننا زيهم؟ أنا كمان حسيت إني وقعت في نفس الغلط اللي وقع فيه غسان. حتى غلطي أنا... قلب كل المواجع القديمة.
شعرت بخوف يلامس أطراف قلبها، وكأنها توشك أن تفقده. حاولت التماسك، فأجابت بحزم رقيق:
هاجر: بالعكس، أنا طول عمري بهرب من فكرة المقارنة. وصدقني، الحب اللي كان بيني وبين خليل مكنش حب حقيقي. كان مجرد هروب.
ذكرها اسم "خليل" أثار غيظه، وكاد أن ينفجر غاضبًا، لكنها تابعت حديثها برقة تهدئ غضبه:
هاجر: دي حاجة فهمتها لما حبيتك أنت يا عثمان. ولما بعدت عنك، تعبت. وكان لازم أرجعك. فاكر أول مرة شفتك فيها وأنا جاية أشتكي لساندي؟ أنت رجعتني عن كل قراراتي الغلط. حتى لو ساندي كانت موجودة، مكنتش هستشيرها في أي حاجة تخصنا.
في تلك اللحظة، بدأ يفهم حقيقتها. كانت هاجر تسعى للهروب من قيود الماضي التي أحاطت بوالدتها، وكان خليل جزءًا من ذلك الهروب. لكن ظهوره هو غيّر كل شيء. رغم ذلك، لم يستطع طرد القلق الذي استوطن داخله:
عثمان: طب دلوقتي... مش خايفة يا هاجر؟
هاجر: هخاف من إيه وأنا جنبك؟
كلماتها كانت كالسحر، أخمدت شيئًا من قلقه، لكنه لم يستطع مقاومة سؤال آخر:
عثمان: مش خايفة أكون زي غسان أو... زي قدري الناظر؟
ارتجف قلبها للحظة، فقد كانت كلمات والدتها تحذّرها دومًا من أن عثمان قد يكون مثل "قدري". لكنها أجابت بثقة ممزوجة بإيمان:
هاجر: مش خايفة. وواثقة في ربنا، وربنا مش هيختار لي حاجة غلط.
ولتبدد أي شك قد يتسلل إليه، أضافت بنبرة دافئة:
هاجر: حتى لو كنت هتطلع زيه، يبقى أنا هطلع زيها. بس إحنا مش زيهم يا عثمان. ربنا مخلقناش زي بعض.
صمته دفعها لاستغلال اللحظة، فأكملت بابتسامة ذكية:
هاجر: أنا عارفة إنك بتسأل نفسك، "منين جايبة الثقة دي؟" ما هي مامتك كانت واثقة في باباك، والنتيجة إيه؟ بس عايزة أقولك إن الثقة لازم تكون بحدود. مامتك كانت ثقتها عمياء، وأنا مش كده.
ضحك بخفة محاولًا تخفيف حدة الحوار:
عثمان: بتخوفيني منك يا هاجر؟ يعني أمشي جنب الحيط؟
ضحكت بدورها، وردت بمكر:
هاجر: افتح الحيط وادخل جواه. هاجر مش سهلة.
ضحك بصوت عالٍ، ثم قال بمزاح جاد:
عثمان: طب تعالي معايا اليابان بقى.
هاجر: حتى لو رحت اليابان، هفضل أحاصرك. مش هسيبك تهرب.
كانت كلماتها مليئة بالحب، لكنها حملت غيرة واضحة، شعر معها بأنها قد تستنزفه على المدى البعيد. ومع ذلك، لم يستطع إلا أن يعشقها بجنون:
عثمان: اعملي كل اللي إنتِ عايزاه. لأني بحبك يا هاجر. ومسموح لك بكل حاجة.
*********************** عندما تنتهي الاحلام بقلمي مروه البطراوى 💜
عند ساندي، كان الشعور يلازمها بأن غسان لم يكن يظهر على حقيقته، وكأنّه كان يرتدي قناعًا زائفًا طوال الوقت. وأخيرًا، أزاح ذلك القناع وكشفت الأمور على حقيقتها.
ذهبت إليها نهاد لتطمئن عليها، وبعد جلسة طويلة حاولت فيها إقناع ساندي بالعدول عن قرارها أو على الأقل التخفيف من ألمها، إلا أن ساندي لم تقتنع. بل أكثر من ذلك، قامت بجمع بعض أغراض غسان وسلمتها لنهاد لتعيدها إليه. عادت نهاد إلى منزلها، تحمل بين يديها أغراض ساندي، وفي قلبها شعور عميق بثقل ما تحمله ساندي من أحزان وكأنّ روحها قد تحررت أخيرًا من عبءٍ كبير.
دخلت نهاد منزلها، أغلقت الباب خلفها، ووضعت الأغراض في مكان يسهل على غسان رؤيتها عندما يأتي. وبينما كانت تفعل ذلك، تذكرت كلمات ساندي التي أضاءت لها جوانب ما مرت به:
"أول ما قالي إنه هيسكن بعيد عن بيت العيلة كنت مبسوطة، قلت هيحب إننا نكون لوحدنا، نعيش حياتنا بعيد عن أي تدخلات. بس دلوقت فهمت.. هو كان عايزني لنفسه، ميبقاش ليا حد يلجأ له لما أضعف."
تسللت الدموع إلى عيني نهاد، وهي تستوعب بمرارة ما كانت ساندي تمر به. شعرت بأن غسان لم يكن يريد إلا أن يترك ساندي وحيدة، ضعيفة، ومحطمة، وكأنّه استمد قوته من انكسارها.
*********** عندما تنتهي الاحلام بقلمي مروه البطراوى 💜
عاد غسان إلى منزل ساندي، يبحث عنها بعد أن أخبرته والدتها بأنها اختفت عقب زيارة نهاد. داخله شعور بالراحة؛ إذ ظن أن نهاد أقنعتها بالعودة إليه. ولكن، حين عاد إلى بيته ولم يجدها، اجتاحه القلق. قرر الذهاب مسرعًا إلى منزل شقيقه غيث، وهناك وجد أمامه أغراضه الشخصية وهداياه التي كان قد أهداها لساندي، مرتبة بعناية وكأنها رسالة وداع واضحة.
نظر غسان إلى تلك الأغراض بصدمة، حينها أخبرته نهاد بما جرى. كانت كلماتها حادة وبرودها لافتًا، وكأنها تؤيد ساندي وتلقي باللوم عليه.
نهاد: اهدى شوية يا غسان. يعني معقول هتسيب بيت أهلها؟ أكيد مستخبية منك في مكان قريب، ومامتها مش عايزة تقولك.
لكن غسان، الذي بدا عليه الغضب والتوتر، رد بحدة وهو يوجه نظراته نحو نهاد وكأنه يعاتبها:
غسان: من إمتى بتدخّل حد بيني وبينها؟ ساندي عارفاني كويس، أنا عمري ما حبيت الأسلوب ده.
حاول غيث تهدئته وربت على كتفه بلطف، رغم حدة غسان معه، إلا أن نهاد لم تصمت وقررت الرد:
نهاد: أنا ما قصدتش أدخل بينكم، كنت رايحة أقنعها ترجع. لكن بصراحة، بعد اللي قالته، كان مستحيل أرجّعها.
انعقد حاجبا غسان وهو يحاول فهم كلماتها، لكن نهاد زفرت بعمق وقالت بحزم:
نهاد: ساندي ورثت منك أهم صفة وهي الكبرياء. لما رفضتها هنا، جَرحت كرامتها قدام نفسها وقدام الكل. فوق ده كله، هي حاسة إنك عزلتها عن الناس عشان تفضل وحيدة ومكسورة، وماحدش فينا يقدر يكون جنبها ويدعمها.
شرد غسان للحظات، وكأنه يحاول استيعاب كلمات نهاد. ثم فجأة، نهض من مكانه وقال بحسم:
غسان: تمام... أنا رايح بيتي. مش برتاح هنا، وغيث عارف السبب.
غادر غسان منزل شقيقه بسرعة، بينما نظرت نهاد إلى أثره بدهشة. عندها قرر غيث أن يشرح لها السبب الحقيقي وراء رفض غسان المجيء إلى منزل العائلة.
غيث: كل الذكريات الموجعة لوالدتنا موجودة هنا. سوء معاملة بابانا ليها خلّت المكان عبء على غسان.
أما غسان، فقد جلس في سيارته يضرب بعنف على المقود، غضبه يطغى على كل شيء حوله، يهتف لنفسه بصوت مبحوح:
غسان: أنا غبي... غبي... غبي! كان لازم أقولها السبب الحقيقي اللي خلاني أقرر نسكن بعيد عن بيت العيلة.
استرجع في ذاكرته اللحظة التي اتخذ فيها قرار السكن بعيدًا، وتذكر كلمات ساندي حينها، تلك التي بدت بريئة لكنها الآن ثقيلة كالأحجار على صدره:
ساندي: مش عارفة ليه مصرّ إننا نعيش بعيد عن غيث ونهاد؟ واحد غيرك كان هيبقى مبسوط أننا قريبين منهم، عشان تبقى مطمن عليا. بس أكيد نفسك نكون لوحدنا، صح؟
غسان: أكيد عايز نبقى على حريتنا. أنا مش هقدر أكون على راحتي إلا وأنا معاكِ أنتِ وبس.
قبض على يديه بعصبية حتى أبيضت مفاصله وبرزت عروقه. قاد سيارته بسرعة وهو يصرخ في نفسه:
غسان: لا يا ساندي، لا! أنا مش وحش للدرجة دي. لازم تعرفي الحقيقة. أنا مش هسيبك تصدقي إن ده السبب، ومش هستسلم المرة دي.
كان قراره واضحًا. سيعود إلى منزل العائلة، وسيفعل كل ما بوسعه لإصلاح ما أفسده صمته وغروره.
********** عندما تنتهي الاحلام بقلمي مروه البطراوى 💜
قدري: أنتِ مش هتبطلي عادتك السيئة دي؟ البنت هربانة منه، وأنتِ برضه مصرة تعرفيه طريقها؟! أنتِ إيه؟!
كان صوته مليئًا بالغضب، بينما سحر، كالعادة، لا تفقد هدوءها، بل تلوّت شفتيها بسخرية وردّت:
سحر: كنت عايزني أعمل إيه؟ أرميها جمبي زي ما أنا مرمية جمبك؟ ولا أخوها اللي ضاع أمله بسببك؟ لسه بتحقد على غسان، عشان عارف إنه الوحيد اللي عرف ياخدها منك؟
نظر إليها بصدمة، وكأنه لم يصدق كلماتها. اقترب منها بغضب وسألها بحدة:
قدري: بتقولي إيه؟!
ابتسمت سحر بسخرية لاذعة، وقد كانت تعلم مدى عمق غيرته المريضة على ساندي، فقالت:
سحر: أنت بتغير عليها من كل الرجالة، وعشان كده اديتها لسعيد، لأنك متأكد إنه عمره ما هيحبها زي الباقي.
شعر قدري أن كلماتها أصابت قلبه، لكنه رفض الاعتراف. يعلم أنها لم تغفر له ما فعله بابنتهما، لكنه لم يكن يريد أن تصلهما الصورة الحقيقية عنه.
قدري: وعشان كده رجعتي غسان، ودلوقتي عايزة ترجعيه تاني، صح؟!
سحر: أيوه، أيوه يا قدري، هرجعه تاني وتالت ورابع. أنا مستحيل أوقعها زي ما أنت وقعتني.
شعر قدري بثقل كلماتها عليه، يعلم أنها كانت تقصد خيانته لها. سحر، التي كانت تعيش معه حياة طبيعية، سقطت بسبب ثقته الزائدة في نفسه. اقترب منها بنبرة مترددة:
قدري: حياتنا بقت مستحيلة يعني، يا سحر؟ مبقتيش قادرة تستحملي وجودي؟ قولي صح. يا ريتك ما عطتيني الثقة المطلقة دي.
أومأت سحر برأسها، وبدون وعي، انهمرت دموعها. لأول مرة يبدو الحزن واضحًا عليها، حزنٌ خفي كانت تخفيه منذ سنوات.
سحر: ثقتي فيك كانت بدون حدود يا قدري. حتى لما الناس قالوا لي إنك ممكن تغلط، كنت دايمًا أدافع عنك. حكمت وذكية لما قالوا إن بسنت لعبت عليك، قلتلهم مش قدري الناظر اللي يتلعب عليه. لكن، كنت غلطانة. كنت لازم أحس إنك ممكن تعملها. من يوم ما جمدت قلبك وطردت ابني بعيد عني وأنا مش سامحة لك.
وضع قدري يده على صدره، على ذراعه الأيسر تحديدًا، وقد شعر بثقل يكاد يخنقه. تردد صوته ضعيفًا كأنه ينهار:
قدري: يعني لسه مش مسامحاني يا سحر؟ أرجوكِ سامحيني... يمكن تكون آخر مرة أطلب فيها السماح.
نظرت إليه بعينين غارقتين في دموعها، لكن حزمها كان أقوى من أي عاطفة:
سحر: وهفضل مش مسامحاك طول عمري يا قدري. لو الموضوع متعلق بيا، يمكن كنت سامحتك. إنما ابني وبنتي؟ لا. ده مش حقي بس، ده حقهم.
تركته يواجه ثقل كلماته وحده، بينما كان يشعر أن طلبه للمغفرة لن يجد مكانًا في قلبها.
******************************عندما تنتهي الاحلام بقلمي مروه البطراوى 💜
عادت زمرد إلى عملها في المطعم، وكانت تحت أنظار خير الله الذي لم يتركها لحظة دون مراقبة. لم يكن الأمر يخفى على بدر الدين، الذي كان دائمًا يحاول تهدئة شقيقه قائلاً بنبرة حانية:
بدر الدين: اهدأ يا خير الله، وسيبها على راحتها. يمكن فعلاً مش بتحبك. لو بتحبك، هترجعلك لوحدها. وبعدين هي مش بتعمل أي حاجة غلط.
التفت إليه خير الله بغضب مكتوم، وكأن الكلمات تثقل على صدره:
خير الله: أنت شايف إنها مش بتحبني، صح؟ طب ليه أنا مصمم أحاصرها؟ أنا عمري ما توقعت أعيش موقف زي ده.
كاد أن يهم بالدخول إلى المطعم لمواجهتها، لكن بدر الدين جذبه من ذراعه قائلاً بسرعة:
بدر الدين: طب مامتك مش قالت لك تسيب الموضوع عليها؟ هي أكيد بتحبك، بس خليها تاخد وقتها.
هز خير الله رأسه وهو يزفر بغضب واضح:
خير الله: يا بدر الدين، مش أمي اللي هتقنع زمرد! دي دماغها ناشفة... ناشفة على الآخر. اسألني أنا!
رآه بدر الدين غارقًا في توتره، فأخذ نفسًا عميقًا محاولًا تهدئته مجددًا:
بدر الدين: طب طالما قلقان كده أوي، ومش واثق إنها بتحبك، سيبها بقى. البنات على قفا من يشيل يا أخي!
ضحك بدر الدين في محاولة للتخفيف، لكن خير الله لم يضحك. كان عالقًا بين حبه لزمرد وشعوره بأنها تفلت من بين يديه، وكأنها غيمة لا يستطيع الإمساك بها.
***************عندما تنتهي الاحلام بقلمي مروه البطراوى 💜
عاد خير الله إلى منزله غارقًا في أفكاره، كلمات بدر الدين الأخيرة تدوي في رأسه، وكأنها طنين لا يتوقف. بالكاد دخل المنزل ليجد والدته في انتظاره.
ذكية: أهلًا يا خير الله، أهلًا يا بدر الدين. اتأخرتوا ليه على الغدا؟ شغف طبخت من بدري.
رفع خير الله يده متعبًا، وكأن الكلام بات عبئًا ثقيلًا عليه:
خير الله: لا يا أمي، مليش نفس. عايز أنام، اتغدوا أنتم بألف هنا. ماما، عملتي إيه في موضوع زمرد؟
ذكية (بهدوء): كل خير يا حبيبي. هي حرة، بس أنا أم ومحتاجة أفرح بيك. شوف عثمان، أهو أخيرًا هاجر دماغها لانت وهتجوزه.
خير الله (بصوت خافت): تمام يا أمي، ألف مبروك لهاجر وعثمان. وبدر الدين، أهو لسه عريس جديد، اعمليله فرح، وبكره يجيبلك أحفاد تفرحي بيهم.
ابتسمت ذكية، لكنها لم تتخلَّ عن خطتها:
ذكية: على فكرة، في عروسة عجبتني ليك. النهارده روحتلهم بعد ما زمرد صدرت لي الوش الخشب. بنت واحدة صاحبتي من زمان، والبت فرحت لما عرفت إنك هتخطبها.
ارتجفت عيناه غضبًا من حديثها، لكن بدر الدين، الذي كان يراقب الموقف بصمت، انحنى نحو أذن شغف هامسًا بسخرية:
بدر الدين: يا ختاااي، البيت هيولع يا شغف! أه منك يا بومة، يا اسم على مسمى. قعدتي تحسدي فيهم وتقولي عمرك ما شفت مامتك جامدة على خير الله. قابلي يا ستو أنا.
لم يستطع خير الله السيطرة على غضبه فانفجر بصوت مرتفع:
خير الله: عروسة إيه وتخاريف إيه يا أمي؟!
ذكية (بحزم): مش تخاريف يا ابن بطني، دي عروسة بحق وحقيقي.
أحس خير الله وكأن الشيطان يوسوس له بحماقات لا تُغتفر. للحظة فكر بتهور، بأن يدمّر نفسه وزمرد وكل ما يحيط به. لكنه كتم غيظه وقال بصوت مشحون بالانفعال:
خير الله: حاضر يا ماما. أنام بس، ولو ليا عمر وصحيت، أروح أشوف العروسة.
ثم تركهم متجهًا إلى غرفته بخطوات ثقيلة.
أما بدر الدين، فجرَّ شغف بيده باتجاه غرفتهما، وهو يغمغم بحذر:
بدر الدين: شكل خير الله مش بيبشر بالخير يا شغف. أنا خايف بعد ما ننام يروح يعمل مصيبة مع زمرد.
انفجرت شغف ضاحكة، لكنها سرعان ما شعرت بيد بدر الدين تغلق على فمها حتى لا يصل صوتها إلى والدته.
***************عندما تنتهي الاحلام بقلمي مروه البطراوى 💜
بعد أن خيم السكون على المنزل ونام الجميع، قرر خير الله أن ينفذ ما يدور في رأسه. تسلل بخفة إلى منزل زمرد عبر نافذتها المفتوحة. دلف إلى الداخل ليجدها جالسة على سريرها، تعبث بهاتفها وتضحك بخفوت. اشتعلت عيناه غضبًا، وزفر بحنق جعله يثير انتباهها. رفعت عينيها إليه، ورغم المفاجأة، شعرت بقليل من الطمأنينة لرؤيته هناك.
نظر إليها بحدة، وقال بسخرية يملؤها الغيرة:
خير الله: كملي، ولا كأني جيت! كنت فاكر هلاقيكي نايمة، خصوصًا إن الوقت متأخر. بس الظاهر في حد دمه خفيف مسهرك معاه.
وضعت الهاتف أمامها بارتباك، لكنه خطف نظرات نحو شاشته، ليكتشف ما كانت تفعله. كان حسابًا لشيف لبناني مشهور تراسله وتبدي إعجابها بوصفاته. عاد بنظره نحوها، وبصوت خافت يحمل غضبًا مكبوتًا قال:
خير الله: بالليل في الوقت ده؟ بتراسلي الشيف اللي معجبة بيه؟ لا وكمان بتشكريه على الإفادة! ده هو اللي رفضتيني علشانه؟ عندك حق.
حاولت الدفاع عن نفسها، لكنه قاطعها بحدة:
خير الله: مش عايز أسمع منك حاجة. أنا خلاص فهمت. هرجع من مطرح ما جيت، وأنا اللي أستاهل إني أفكر في واحدة مش عايزاني. أمي طول عمرها كانت صح. أنا هفرحها بيا بدل ما أقهرها.
بقيت زمرد صامتة، لكنها شعرت بغصة في قلبها. كلمات والدته التي أخبرته بها سابقًا باتت تثقل صدره الآن، وهي بحضورها أكدت له أسوأ مخاوفه.
خير الله: للأسف، مكنتش أعرف إنك عمرك ما حبتيني. أنا الغبي اللي كنت موهوم أنك بتحبيني. طلعت أنا اللي سايق التقل.
نظرت إليه ببرود لم تكن تقصده، وقالت بجفاء:
زمرد: أنت راجل زي أي راجل، شفت نفسك عليا شوية. لكن ما شفتش عذابي ولا مرة. دايمًا شايفني غلطانة، حتى لو حبيتك، حبك هيقل لما ألاقي حبي مكتوم جواك بإرادتك.
توجه إلى باب الغرفة بخطوات مثقلة، وقبل أن يخرج استدار قائلاً:
خير الله: إن شاء الله، أنا مسافر بدل بدر الدين. على الله تكوني مبسوطة بعدم وجودي في البلد.
ابتسمت زمرد بسخرية، وقالت بلا تردد:
زمرد: طب ما تخليك، أنا كمان مسافرة لبنان. ما أنت عارف حلم حياتي، وأكيد هتتمنالي الخير.
لم يتحمل خير الله المزيد، خرج من منزلها وهو يشعر وكأن شيئًا ثقيلًا يسحق صدره. كانت كل كلماته التي أراد أن يقالها تقف كجمرة تحرق حلقه. هو الذي ظن أنها تعشقه، اكتشف أنه وحده من يعاني من هذا الحب، بينما هي لا تبالي.
***********عندما تنتهي الاحلام بقلمي مروه البطراوى 💜
هبط خير الله إلى الطابق السفلي بخطوات ثقيلة، وكأن الغضب يجتاح كل كيانه. لمحته ساندي بالصدفة، إذ كانت تجلس في زاوية الصالة بناءً على طلب والدتها سحر، التي أرادت أن تبقيها لديها حتى تهدأ أعصابها. توقفت أنفاس ساندي للحظات، إذ بدا خير الله كالعاصفة، ملامحه متجمدة ويداه تضربان بقوة على الدرابزين الخشبي للسلم. ساقاه تتحركان ببطء، بينما جسده يترنح كأنه يقاوم الانهيار. عيناه المتجمدة كانت تحمل نظرات قاسية كعيني قناص يبحث عن هدف.
تسمرت في مكانها تحدق به محاولة التأكد أنه هو، وبحدسها أدركت أنه كان قد أتى لرؤية زمرد، مدفوعًا بقيد الحب الذي يخنقه. سرحت لوهلة، ولكنها سرعان ما انتفضت لتقاوم إحساسًا مشابهًا يغزوها، الرغبة الجامحة بأن يكون غسان هو الآخر هنا مثل خير الله، يقتحم عالمها بحثًا عنها. رغم ذلك، شعرت بالخوف من تلك المواجهة، فهي لم تعد ترى غسان كشخص يمكن أن يعوضها، بل كذئب عاد لينتقم لا ليحتوي.
قطع شرودها صوت زمرد، التي خرجت فجأة لتعتذر لها بصوت يحمل خليطًا من الهدوء والتوتر:
زمرد: معلش، يمكن قلقنا راحتك. مهما كان، أنتِ ضيفة عندنا، وميصحش تشوفي حاجة زي كده.
شهقت ساندي بخفة وهي تحدق في ظل زمرد، ثم قالت بصوت غلب عليه التوتر:
ساندي: تفتكري إني مش متعودة على كده؟ على فكرة، أول ما شفته فكرته غسان... وأتمنيت يكون هو.
شعرت زمرد وكأن كلمات ساندي كانت سكينًا يغرز في قلبها. رأت العذاب يطفح من عينيها، ذلك الألم الذي تعرفه جيدًا، لكنها لا تتمناه لأحد. اقتربت زمرد منها ببطء، وتحدثت بصوت يحمل مزيجًا من الحنان والتردد:
زمرد: أقولك حاجة؟ لو بتحبيه، حققي أمنيتك بإيدك. روحي المكان اللي ممكن يلاقيكي فيه، أو حتى خليه يعرف إنك هنا.
نظرت إليها ساندي بعينين فقدتا أي بريق للأمل، وهمست بصوت خافت متحشرج:
ساندي: معرفش... مش متأكدة. يمكن... بس مش عارفة أعمل ده.
لم تكن زمرد قد استلطفت ساندي يومًا، لكنها شعرت أن عليها أن تقترب أكثر، تربت على كتفها بحنان، وتقول بصوت يشوبه النصح:
زمرد: اسمعي كلامي. أنتِ مش هتقدري تستغني عنه، مهما كانت عيوبه. يمكن كمان متعرفيش هو بيعاني من إيه. اديله فرصة. اسمعيه للمرة الأخيرة، وبعدها قرري.
ابتسمت ساندي بحزن، وقالت بصوت متكسر:
ساندي: يا ريتني أقدر أقتنع بكلامك... لكن للأسف، عمري ما قدرت أقتنع بأي حاجة بتقوليها.
*****نهاية الحلم العاشر من عندما تنتهي الاحلام بقلمي مروه البطراوى 💜
وبعد ما استمتعنا بالقراءة عاوزة الايك والكومنت والريفيو💃💃 القمر اللي زيكوا هتوحشوني للحلم الجاي😘😘