
شاهدت والدة خير الله شكري وهو يدلف لشقتها، ولكنه لم يراها فسرعان ما هاتفت خير الله وأمرته أن يترك عمله ويأتيها على وجه السرعة، لا يعلم سر مكالمة والدته الغريبة، عادة لا تتصل به وهو في عمله إلا عندما كان يعيش معهم بدر الدين ويفتعل مشاكل، ولكنه تذكر زمرد مما أثار الرعب والقلق داخل قلبه، انتفض سريعًا وقاد سيارته الصغيرة وتمنى ألا تتعطل منه خاصة لأن عمله بعيد عن منزله، وصل إلى أسفل البناية ليحاول تهدئة أعصابه، صف السيارة ونزل منها سريعًا، ولتوتره وقلقه ومخاوفه نسى مفتاح المنزل ولكنه تذكر وجود زمرد وعليه طرق الباب.
علي الجانب الأخر بعد ما قام عثمان بتوصيل هاجر وشردت في الحوار بينهما لتحدث نفسها قائلة: شكله إنسان يقدر يتحمل المسئولية، مجرد ما طلبت منه والدته ينزل من اليابان ويسيب شغله وحلمه ومستقبله، وافق ونزل، لسه في حد كده؟
أخذت تهز رأسها بالنفي دلالة أنه لا يوجد أحد مثله، وتذكرت حديثها معه
-طبعًا أنت دلوقتي بتبص لنا على أننا جهلة وأنك الوحيد المخترع وفي أيدك ثورة التكنولوجيا.
هز رأسه بالإيجاب ليغيظها، مما جعلها تقبض بأصابعها على ذراعيها وهي تعقدهما أمامها
-طب ما تتكلم ولا غرور وعنجهيتك خلوك متردش كمان، وبعدين أنت جيت مصر ليه؟
ابتسم بسخرية وأردف:
-أنتِ مش عارفة ايه اللي نزلني مصر؟
وضعت ساعديها فوق بعضهما أردف بإستعلاء:
-أنا هعرف منين، أنا طول عمري شايفة ساندي وحيدة.
عاود رفع حاجبيها ليغيظها بتعبيرات وجهه:
-وهو أنا اتأخرت عن حد فيهم في يوم؟ ما هما اللي اختاروا.
أغاظها أكثر رده، ظنته سيرواغ في الحديث، لتزفر بحنق: ولما هما اللي اختاروا كده ليه وافقت ترجعلهم بعد اختيارهم؟
تهجم وجهه بعد أن رأي طريقتها في المعاملة وكيف اصبحت متكبرة لا تهتم لأي شيء:
-الظاهر كل اللي اتعاملتي معاهم أخلاقهم مش كويسة، أنا أمي طالما أمرتني بحاجة يبقى لازم تطاع.
رمقته بذهول وهو يتحدث عن أوامر والدته التي تطاع دون خجل لتتذكر أشباه الرجال، وتشيح بوجهها وهي تتنهد: معقول.
ابتسم بتفهم ثم اتجه إلى الجانب الأخر من وجهها حتى تظهر عينيها أمامه: ليه مش معقول؟
أخذ يتأملها كأنه يرى لأول مرة أنثى، ليبتسم بمكر قائلًا: أول مرة تشوفي حد بيعمل كده علشان أهله، طب يا ترى عجبك؟
تظاهرت بعدم الاكتراث قائلة: لا عادي، بشوف منك كتير، بس مش بيبقوا عايشين بره.
ابتسم بمكر مرة أخرى: يعني قابلتي حد زيي قبل كده؟
سرعان ما أدركت أنه سيسألها إن كانت مرتبطة فهتفت: أنت مش هتروحني بقي؟
-مستعجلة على ميعاد مع حد؟
وجدت نفسها محاصرة بأسئلته خاصة عندما استطرد: متخافيش مش هسألك السؤال اياه.
ألقى بحديثه هذا ومن ثم طغى الصمت عليهم حتى أوصلها إلى منزلها.
ما أن فتح خير الله الباب حتى هرعت له زمرد باكية: خير الله أنت اتأخرت ليه؟
-مالك يا زمرد في ايه؟ أمي جرى لها حاجة؟!
-عمي شكري جوه في الصالون معاها.
قطب جبينه وهو ينظر إلى غرفة الصالون ثم سألها: وأنتِ مش قاعدة معاهم ليه؟
-أول ما جه مامتك رفضت إني أقعد معاه، ضايفته وقالتله إن الكلام معاك علشان كده اتصلت بيك.
كانت تتحدث وهي تمسح دموعها الجارفة وجسدها ينتفض بخوف
حاول أن يطمئنها :
اهدي، أنا جيت خلاص وهتصرف معاه، متقلقيش وثقي فيا، مش هرجعك ليه.
دلف خير الله إلى الصالون لمقابلة شكري بعد ما أمرها هو الأخر بالتزام غرفتها.
أخذت زمرد تحدث نفسها بخوف:
-يا ترى هيقوله ايه؟ وفعلًا مش هيرجعني؟! طب ازاي وهو نفسه مش طايقني؟! أكيد ما هيصدق.
لديها الحق أن تسيء الظن به، فخرجت من غرفتها ووقفت في منتصف الردهة تستمع إليه وصعقت منه وهو يقول: أنا وزمرد بنحب بعض وكتب كتابنا قريب جدًا، وأنت هتكون وكيلها، لو مش حابب هفتح قضية موت والدها دي حادثة مدبرة.
شهقت وهي تضع يدها على فمها وتتسع عينيها بذهول، وهي تقول بصوت خافت: بنحب بعض وهنتجوز!!
لتنتفض عندما ربتت والدة خير الله على كتفيها: ايه يا زمرد اللي خرجك من أوضتك دلوقتي؟
هرعت إلى غرفتها وهي تبكي لتذهب من خلفها والدته: في ايه يا زمرد؟ بتعيطي ليه؟ خير الله وعدني إنه مش هيرجعك.
هزت زمرد رأسها بالنفي لتقول والدته: ايه هيرجعك؟ والله ما هوافق حتى لو هخرج من البيت.
ذهبت والدته مسرعة للخارج :
-أنا هدخلهم دلوقتي وهشوف خير الله ابني قال ايه وأعدله .
أمسكت زمرد بيدها ومنعتها ثم سردت لها ما استمعت إليه، لا تنكر أنها سعدت ولكنها علمت أنه قال ذلك لحمايتها فقط وليس حبًا، ولكنها هيهات هيهات فهذه ليست نهاية الأحلام، وحتى لو كانت نهايته، فهي بداية أحلام أخرى.
بعد ليلة صعبة قضتها ساندي بجوار سعيد مرة أخرى، وهي ترى الفرق الشاسع بينه وبين غسان، وتمنيها السابق أن غسان يرضخ لوالدها، إلا أنها علمت النتيجة، فغسان أصر على بناء نفسه، بعكس سعيد المتسلق، استيقظت من نومها وذهبت إلى والدها قدري، هلل عندما وجدها تطل عليه: حبيبة بابا فطرتي ولا تفطري معايا؟
ابتسمت له فهو الوحيد الذي يستطيع إسعادها: هحضر أجمل فطار وهفطر علشان خاطرك.
قدري بابتسامة هادئة:
-أنا قلت لأمك تحضره، تعالي اقعدي جمبي ولا لسه زعلانة؟!
أومأت له واتسعت خطواتها وصعدت إلى الفراش تجلس بجانبه: أنا عمري ما أزعل من حضرتك.
عودة إلى زمرد بعد أن هدأت ونامت، وعاد شكري يجر أذيال الخيبة بعد ما هدده خير الله. ذهبت والدة خير الله له لتوبخه على ما قاله للضيف: ايه اللي أنت عملته ده؟، رايح تقوله بنحب بعض وهنتجوز، وطبعًا مش هيحصل، مش هينوب الغلبانة غير إنك هتوقف سوقها.
شعر أنه بالفعل أذنب ولكن لم يدري لما قال ذلك، كل الذي شعر به أنه طفل لا يريد أن تبتعد عنه: بصي يا ماما، أنتِ عارفة لما بسيب شغلي بتوتر وببقى مش عارفة بقول ايه ولو على كده، عادي هسافر.
صدمت والدته مما سمعته وأخذت تندب حظها:
-الله الله الله، يا ميلة بختي، أنت وبدر الدين هتسيبوني، الله يرحمك يا حبيبي، سبت اتنين رجاله عديمي المسئولية.
خير الله بحزم:
-هاخدك معايا، وبعدين بدر الدين هو اللي جابلي الشغل.
وضعت والدته يدها علي خصرها بعناد:
-لا والله! ده أنت مرتب كل حاجة بقى وأنا نايمة على وداني.
كانت تتحدث بسخرية ليعبس قائلًا: ايه بقى المشكلة بعد كده؟ ما احنا مش هنسيبك.
تنهدت والدته بسخرية:
-طب أنا ممكن أشتغل هناك طباخة بقى، ما هي بلاد بره.
كانت تسأله حتى يرضخ بذهاب زمرد معهم حيث أنها خريجة اقتصاد منزلي.
امسك خير الله بيده والدته يمازحها:
-طبعًا ممكن تشتغلي أحلى شيف أكلات شرقية، بس احنا عايزينك ترتاحي، أنتِ يا ما عملتي في البيت.
أردفت والدته بحزن:
-معاك حق أنا لازم أرتاح بس حلمي أفتح مطعم، زمرد تشتغل بقى ما هو تخصصها ونفتح المطعم ونديره.
خير الله باستنكار لما تقول والدته:
-ايه؟ بقولك أنا هسافر لما الوضع يهدا وشكري يبعد عنها وهي تعيش حياتها، هتفضل مربوطة بينا ليه؟
أردفت والدته بحزم:
-زى ما أنت ربطها بكلامك مع عمها شكري، وأنا مستحيل أخليها توطي راسها، دي مش أمانة أمها وبس، لا دي أمانة أبوك.
أثارت والدته بداخله مشاعر لا يريد الشعور بها مطلقًا، فقال: طب خلاص هكتب عليها وخليكي معاها وأنا هبقى أجي إجازات.
والدته بغضب:
-لا، حوار الإجازات ده مش هياكل معايا، هتعيش معانا، يا نسافر معاك.
أنهت حديثها وهي ترمقه بمكر ليجز على أسنانه قائلًا: ماشي، بس عرفيها إن جوازنا على ورق، وإننا أخوات بلاش تتعشم.
هزت رأسها تتظاهر بالموافقة، وهي متيقنة أنه سيقع في حبها: ها هتلغي عرض بدر الدين؟
-أيوه.
ابتسمت بداخلها لأن يقينها تأكد أنه لا يوجد عرض، هو فقط أراد الهروب.
عند ساندي
أنهت فطورها مع والدها واستمعت إلى نصائحه جيدًا بخصوص غسان، خرجت من عنده شاردة لتنتبه والدتها وتسألها: ساندي! مالك يا بنتي؟ سرحانة في ايه؟
ألهذا الحد كانت أفعالها تفضحها، تخشى أن يتفهم سعيد أمرها
-كنت بفكر في كلامكم امبارح وكلام بابا النهارده، وقررت هسيب الشغل.
تضايقت والدتها، هي تريد قربها من غسان أكثر: معنى كلامك إنك هتكملي مع سعيد، وهتبعدي عن غسان؟
-أيوه يا ماما، أنتِ عارفة سعيد لو شم خبر اني بشتغل مع غسان هيحصل ايه؟
-هيحصل ايه؟ سعيد عبد القرش، مش هيهمه مين كان غسان في حياتك، مش بعيد يروح يشتغل عنده.
نعم والدتها محقة
-لا يا ماما، سعيد لو فهم ممكن يرفع عليا قضية طاعة أو زنا.
-كويس أوى يبقي نخلص منه وتطلقي، مش فاهمة أنتِ وأخوكي لسه مخلصتوش ليه؟
وكأن والدتها تصرخ بما في داخلها فهي الأخرى تريد الخلاص عاجلًا ليس أجلًا
-مش عارفة والله يا ماما، أنا مبقتش طايقة أنفاس سعيد معايا في البيت، وخايفة أتهور.
إن تهورت وخنقته ستصبح حينها قاتلة على يده
-يا ساندي اتلحلحي أنتِ ومتستنيش أخوكي، أنا ما صدقت إن غسان رجع.
-حتى لو خلصت من سعيد أنا محتاجة أرتب عقلي وتفكيرى قبل ما أخوض تجربة جديدة.
-خدي راحتك يا حبيبتي، بس اوعي تفضلي فاكرة الماضي، وفاكرة اللي عمله غسان لأنه كان على حق.
أومأت برأسها وهي تلوي شفتيها تزفر بحنق قائلة: كان على حق! وأنا اللي غلطانة، واتسرعت بجوازي من سعيد.
عاد عثمان من الخارج وجلس مع والدته يخبرها بما في داخله منذ لحظة رؤيته لهاجر، اعتقد أنها سترفضها لقلة مستواهم المادي، ولكنها أثنت على أخلاقها وعرضت عليه أن تقرب بينهما عن طريق ساندي، ولكنه رفض نظرًا لانشغال ساندي بمشاكلها، وأراد أيضًا دخول البيت من بابه، طلب من هاجر أن ترتب له موعدًا مع شقيقها.
-هاجر قالتلي إنك عايزني، بص اوعى تكون مسلطاك عليا علشان أشتغل.
نظر عثمان إلى هاجر ليجدها تلكز شقيقها في ذراعه ليرد عليه قائلًا: بالعكس أنا اللي ليا طلب عندك، أنا طالب القرب منك في الأنسة هاجر.
انتفضت هاجر من مكانها لأنها كانت تعتقد مثل شقيقها، ولم يخطر ببالها أن هذا طلبه
-ايه يا جماعه هو أنا طلبت حاجة غريبة؟ لو هاجر مرتبطة أمشي.
تعالت ضحكات شقيقها، لتهز هاجر رأسها بذهول، ثم تتحدث بصوت خافت سمعه عثمان فقط
-بلاش هزار.
أيعقل أنه يستدعيهم في هذا الوقت للمزاح، هل يعقل أن صاحب الخمسة وثلاثون عامًا المقبل علي الأربعين وبعمره هذا يمزح في هذا الطلب؟ كانت متضايقة من طلبه حتى أشعرها بالراحة حين قال: أبدًا ده مش هزار، لا سني يسمح بكده، ولا ده وقت هزار.
انتهت وصلة الضحك لدى شقيقها الذي كان يعتقد أن الاستدعاء للعمل ليقترح عليه: طب وجايلي أنا تطلبه؟ بذمتك ده ينفع؟ ده بوسي لو عرفت هتعمل معايا ومعاك الجلاشه.
رد عليه عثمان بصوت حازم: محدش يقدر يعمل معايا كده، وبعدين أنا قلت إنك الراجل.
أي رجل هذا بصوته المزعج تتسائلون عن ماذا أبحث، أنا أبحث عن الأمان فقط.
ذهب شقيقها وتركهما بمفردهما لتزفر بقوة ليرد عليها بسخرية: ايه يا هاجر؟، لسه هتمثلي عليا إنك عمرك ما اتعاملتي مع أشباه الرجال؟
لما تتجدد به المراهقة بالرغم من كبر سنه
- أنا مش بمثل عليك ولا حاجة، أنا كنت بحاول أخلي أخويا بصورة الراجل اللي في خيالي.
ابتسم قليلًا وحاول إنهاء الحديث معها: طالما الكلام مع والدتك يبقي أكيد مفيش راجل في حياتكم، جهزوا نفسكم وأنا هجيب والدتي كمان يومين وأطلب ايدك رسمي.
نهض ليغادر المكان لتلوي شفتيها ترد عليه بسخرية: مين قالك إني هوافق أصلًا؟، مش تسأل قبل ما تيجي؟
التفت اليها يسألها وهو يرمقها بابتسامته الجذابة: هعتبر نفسي ما سمعتش قولتي ايه، حتى لو كررتيه تاني.
ثم استطرد بهدوء: أشوفك على خير.
وبدون شعور ردت عليه: وأنت كمان بخير يا عثمان.
علمت ساندي بطلب عثمان، وأخبرها أيضًا أنه تمم عملية تحويل كل ما يملكه سعيد إلى حسابه في اليابان، وقام برفع قضية خلع لتصبح حرة، وعليها افتعال أي مشكلة معه حتى يتم الطلاق، جائها الخبر فلملمت أشيائها وذهبت إلى بيت والدها لتبشرهم، كان الوقت متأخر فقطبت والدتها جبينها بقلق عندما شاهدت بيدها حقيبة ملابسها: عمل فيكي ايه يا ساندي؟
-أنا خلصت من سعيد يا ماما.