
في منزل عائلة زمرد الذي يقطن في القاهرة عائلة تتميز بالثراء الفاحش كانت تلك العائلة معروفة بين جميع المنازل والأحياء السكنية فالجميع يتحدث عنها وعن سمعتها ومكانتها المرموقة بين شتى العائلات
كانت تجلس حكمت تشعر بالعجز التام خاصه بعد وفاة زوجها عائلها الوحيد تاركًا كل شئ بيد شقيقه، ذلك الرجل الضخم الذي أخذ يضغط عليها من بعد وفاة شقيقه حتى اكتمال عدتها، وفي أثناء العدة كان ينفذ خطته للسيطرة عليها تمامًا عن طريق وضع لها الأقراص في فنجان القهوة، ليسيطر عليها ويكون صوته هو صوت عقلها الذي يوجهه نحو أهدافه، تسلل إلى عقلها بهدوء قاتم ونجح في السيطرة عليها، خاصة بعد ما علم أن زوجها كتب لها كل شيء، أصبح صوته هو صوت عقلها المباشر، تسلط عليها بإحكام، حتى يكون له كل شيء.
وضعت حكمت أناملها على رأسها تتنهد بصداع شديد:
-خلاص يا شكري.
اكتسح عقلها بلحظة وأصابها بالخلل، ومضت معه في طريق غير أمن وابنتها تشاهد ما يحدث وكأنها أمام مشهد هزلي، لم تتوقعه يومًا.
نظرت إلى ابنتها بقلق ولكنها تماسكت لأجل ما تتعاطاه وحطمت حياتها في جملة واحدة:
-بقولك ايه يا زمرد، أنا وعمك شكري هنتجوز وهو هيعيش معانا هنا هو وابن عمك، ايه رأيك؟
نظرت زمرد إلى عمها نظرة نارية، فرمقها وهو يتصنع عدم الفهم وتنحنح قائلًا:
-هو ايه يا حكمت؟ على أخر الزمن هناخد رأي بنتي دي بنتي، وأكيد عمرها ما هتعترض.
رمقته زمرد بصدمة على ثقته الزائدة: هي مين اللي بنتك؟ أنا مش بنتك يا عمو.
وبعد الصمت الذي تملك حكمت تحدثت في تحدي ابنتها ساعدها: هو عايز كمان يمسك مصروف البيت، وعايز يجوزك ابنه علشان نبقى عيلة واحدة.
قبضت زمرد علي يديها وأردفت بعصبية:
-ابنه مين؟ وبتاع ايه هو يفرض كل قيوده علينا؟ ومين اللي يمسك مصاريف بيتنا ماما أنتِ تعبانة؟
ثم تابعت وهي ترمق عمها بغضب: ولا فراق بابا تعبك خلاكي تسيبي عمي يطمع.
شردت حكمت أمامها وصمتت وبدا الحزن على وجهها: بس أنا وعمك لازم نتجوز، وأنتِ مسيرك لما تخلصي تعليم هتتجوزي ابنه.
زمرد بأرتعاش من التفكير تتصنع القوة في ذلك الأمر: أنسي أني ممكن اتجوز واحد زي ده ثم رمقت عنها بإحتقار الذي نظر إليها بتحدي وإزدراء ثم غادرت من ذلك المكان الخانق.
أخبرت زمرد ابنة خالتها هاجر بعرض زواج خليل ابن عمها، وسرعان ما أبلغت هاجر والدتها بسنت التي أضمرت الحقد لهم، خاصة بعدما علمت بإقدام حكمت على الزواج من شقيق زوجها، فقد كان حلمها الارتباط به بعد وفاة زوجها هي الأخرى، كانت بسنت تعد الطعام حينها، ثم جلست في منتصف الطاولة بين ابنتها وابنها الذي كانت تحثه دائمًا علي الارتباط بزمرد لتزيحها من طريق خليل والاستيلاء على جزء مما تركه والد زمرد، كانت نظرات بسنت نحو ابنها حادة وتأمره أن يفتعل أي شيء لإفشال هذه الزيجة، نظرت إليهما هاجر في استغراب، دائمًا ترى تسلط والدتها على شقيقها ولكن هذه المرة كانت حادة جدًا، لتسألهما هاجر:
في ايه؟ بتبصوا لبعض كده ليه؟
نهض شقيقها يتوجه ناحية غرفته بعصبية ومن بعده بسنت نهضت وراءه لا تريد تركه ليتركا هاجر بمفردها لتجد اتصال من خليل يخبرها أنه يريد رؤيتها: جوجو.
أشاحت بوجهها عنه بحزن لتصلها نبرته الحزينة، وهو يردف لها: أنتِ زعلانة مني يا هاجر؟ ممكن تسمعيني وبعدين تحكمي عليا وبلاش استعجال؟
أغلقت هاجر الخط ثم فتحت النافذة لتجده ينتظرها بالأسفل ارتدت معطفها ونزلت لرؤيته في السيارة وعندما رأته هبطت الدموع من مقلتيها رغمًا عنها ليمسح وجنتيها وهو يقول: أنتِ هتبقي ليا، وهتفرحي صدقيني، وإن كان علي زمرد أكيد هترفض.
رمقته بذهول وهي تقول: للدرجة دي متأكد منها؟ ما يمكن توافق؟
تنهد مطولًا ثم رمقها بثقة: متأكد، أنتِ مش متخيلة هي بتكرهنا ازاي.
عادت إلى حزنها مجددًا وهي تتذكر نبرة خوف زمرد: متقلقش يا خليل، مسيرها توافق طالما خالتي راضخة لأبوك.
عاد برأسه إلى الخلف وأسندها على ظهر الكرسي: طب مش واثقة فيا؟ وعارفة إن اللي جاي لينا احنا وبس؟
أغمضت عينيها في مرارة وهي تهتف بحزن وضياع: خايفة يا خليل.
-خايفة مني يا هاجر؟
ردت بخيبة أمل: مش عارفة ومش ضامنة.
ابتسم بضيق وهو ينهض من جانبها: لو الضمان نتجوز قومي على أقرب مأذون.
خشت من قراره المتسرع لا تعرف إلى أين سيودي بها، فالقادم مجهول بالنسبه لها، دفنت رأسها بين راحتيها: بلاش تسرع يا خليل، احنا منعرفش ايه المستخبي لينا، خليها ماشية كده، أنا مش هعشم نفسي بحاجة أكتر من المقسوم.
أخفض رأسه نحو أذنها يهمس لها: خلاص نبطل يأس ونثق في بعض .
عادت إلى المنزل وهي شاردة، فاندهشت بسنت: هاجر! أنتِ كنتي فين يا بنتي؟ ومالك سرحانة ليه؟
رمقت والدتها بحزن فهي لم تهتم بها: كنت بدور على شغل يا ماما واتمشيت شوية.
ربتت على كتفها بحنو وهي تقول: أنا عايزاكي ترتاحي وتتجوزى العريس اللي متقدم لك.
ابتسمت هاجر بسخرية، وذهبت نحو غرفتها تهاتف صديقتها ساندي لتشكو لها مما يحدث، لم تستطع ساندي تلقي مكالمتها حيث كانت تستمع إلى الطبيب وهو يشرح لها حالة والدها
-أنا أسف، بس حالة الوالد لازمها يسافر يتعالج بره.
ردت عليه قائلة: بس الظروف متسمحش.
في هذه الأثناء دلف زوجها سعيد، فكرت أن تطلب منه المال فحدثت نفسها: أطلب منه ليه وهو أصلا مش مهتم ما هو بابا اللي جاب لينا كل حاجة في جوازنا.
ولكنها وجدته لم يكترث لأمر والدها كعادته
حاولت أن تجذب انتباهه لذلك الأمر:
-هنعمل ايه يا سعيد؟ هنسيب بابا يضيع مننا؟ أنا خايفة.
سعيد بتأفف:
-اهدي يا ساندي، وبعدين هنجيب منين هنسرق يعني؟
شعرت أنه تغير، فليس هذا هو سعيد الذي كان يتودد لوالدها: جرى ايه يا سعيد؟، أنا فكرتك هتضايق علشان بابا وتبيع أي حاجة.
طفح كيله ولم يعد لديه قدرة على احتمالها: مش عارف أقولك ايه؟ بس أنا بعت العربية.
نظرت له بتوتر قائلة: قولي بقى يا سعيد ما هو الحق مش عليك.
فتح عينيه على مصراعيهما بغضب وأردف قائلًا: أنا مضربتش أبوكي على ايده، هو اللي كان عايز يجوزك.
أومأت رأسها بهدوء وهي تردف بحزن: معاك حق، هو اتساهل معاك أوي، لدرجة إنه باعني.
سعيد بعدم اكتراث:
-نحاول نعالجه هنا وخلاص المستشفيات الحكومي كتير.
هزت رأسها برفض قائلة: متشغلش بالك يا سعيد، أنا هدور على شغل.
واستطردت وهي تبتسم بخيبة أمل: ولو خايف الشغل يأثر على جوازنا نتطلق.
ثم نهضت وذهبت نحو الباب تفتحه له لتطرده: واطمن أنا هبريك من كل حاجة، أصلًا مليش حق .
تذكرت المكتب المقيد باسمه كان قد أعطاه والدها لسعيد كهدية فهو كان يحب زوج ابنته: كان نفسي بابا يكتبلي حتى المكتب باسمي.
نظر إليها في ذهول فهو لا يعلم أن المكتب باسمه فاستكملت تحاول أن توضح له الصورة: ما هو كمان كتبه باسمك باعتبارك الراجل بتاعي وسندي.
نهض وسار نحو الباب الذي فتحته ليغلقه مجددًا: أنا مش معترض على شغلك يا ساندي وأهو مساعدة لينا.
أزاحته من أمامها بعنف بينما تجمعت الدموع في مقلتيها وهي تهز رأسها برفض: أنا مش خدامة ليك، ومش هشتغل علشانك ده علشان بابا وبعدين بعد اللي حصل ده يا سعيد استحالة يجمعنا أربع حيطان.
عودة إلى خليل وزوجة عمه حكمت
-وبعدين يا مرات عمي؟ أنتِ عارفة إني بحب هاجر بنت أختك.
أثار الجانب الجيد بداخلها ليصل إلى هدفه فردت بقلة حيلة: باباك مصمم على بنت عمك وأنا تعبت، أعمل ايه مش عارفة؟
انفعل خليل رغمًا عنه: تلحقينا من الضياع مش تبقي سلبية.
تنهدت حكمت بحزن:
-أنا مش عارفة هو مستعجل ليه؟ وعايز جوازنا يبقى في يوم واحد.
خليل بعصبية وحزن:
-أنا قلبي مش معاها، قلبي مع هاجر، ومينفعش أسيب فلوس أمي مش هعرف أعيش هاجر.
وضعت حكمت يدها علي رأسها تتنهد:
-طب ما أنا كمان نفسي بنت أختي تفرح معاك، فاكر إنها سهلة عليا، بس مش في إيدي حاجة.
جائت زمرد من الخارج واستمعت إلى حديث والدتها التي أصبحت ضعيفة: هو أنا ليه حساكي مش مظبوطة يا ماما؟ ايه اللي صابك؟ أنتِ عمرك ما حبيتي عمي.
رد عليها خليل ردًا جعلها تتجمد: قوليلي أنتِ يا زمرد عندك حل؟
عادت حكمت الي رشدها فجأة وازاحت يدها من علي رأسها عندما أتت لها فكرة بإنقاذ ابنتها وخليل من ذلك المأزق:
-الحل إنك تهربي يا زمرد، روحي عند مرات خالك. ساعتها عمك هيدور عليكي ومش هيلاقيكي لأن خالك متوفي ومن ناحيتي هفهم خالتك، كمان هحولك كل الفلوس اللي في البنك باسمك، والحمد لله إنك مش قاصر، كمان أنا كتبت لك تنازل عن نصيبي في البيت والعربية وبكده هو مش هيعرف ياخد حاجة من حقك، مسيره يزهق مني ويرميني، ساعتها هجيلك ونرجع نعيش سوا
ثم توجهت أنظارها ناحية خليل الذي تعجب من تلك الفكرة المفاجأة:
أما أنت يا خليل أنا كتبت لك مكتب عمك بيع وشرا، بيعه وابدء مشروع جديد واتجوز هاجر، متقلقش أختي بسنت هتوافق عليك طالما معاك فلوس.