رواية عشق يحيى الفصل الواحد والثلاثون 31 والاخير بقلم سلمى جاد


رواية عشق يحيى الفصل الواحد والثلاثون 31 والاخير بقلم سلمى جاد



أركان القصر كلها اتهزت على صرخة ليلى، وفي ثواني كان الكل متجمع قدام باب جناحها. منال وعائشة دخلوا بسرعة وهما في حالة ذعر، وشافوا ليلى واقعة على الأرض والمية حواليها ووشها غرقان دموع وعرق. منال بلهفة حاولت تسندها وعائشة جابت الحجاب ولبستهولها وهي بتترعش وسط صرخات ليلى اللي مكنتش بتوقف
.
عمر دخل وشالها بين إيديه بسرعة رهيبة ونزل بيها على السلم، ومن وراه منال وعائشة بيجروا، وركبوا العربية وطاروا على المستشفى. طول الطريق، ليلى مكنش على لسانها غير اسم واحد، كانت بتنادي بصوت مبحوح ووجع يقطع القلب: "يحيى.. متسبنيش يا يحيى.. يا رب هاتهولي بالسلامة".

أول ما وصلوا المستشفى، الممرضين أخدوها على الترولي بسرعة، لكن ليلى كانت متبتة في إيد منال وبتقول بانهيار:
"مش هيدخل.. مش هدخل العمليات غير لما يحيى يجي! استنوا شوية.. هو وعدني إنه هيكون جنبي".

منال حاولت تهديها وهي بتمسح على راسها ودموعها نازلة: "يا حبيبتي اهدي، عمر اتصل بيه وهو جاي في الطريق مبيقفش، زمانه على وصول يا ليلى، بس إنتي لازم تسمعي كلام الدكاترة عشان ولادك".

الدكتورة جات وشافت حالة ليلى، ولقيت إن النبض بدأ يضعف والولادة مأزمة، فرفضت تماماً أي تأخير وقالت بحزم:
"مفيش وقت للانتظار، الحالة بتسوء وممكن يحصل خطر على الأجنة، لازم تدخل العمليات حالاً!".

رغم توسلات ليلى وضعفها، سحبوها لغرفة العمليات، وهي بتبص للباب بلهفة وأمل أخير إن يحيى يظهر في اللحظة دي. انقفل باب العمليات، وساد الصمت في الطرقة، مفيش غير صوت دقات قلب منال وعائشة وهما بيدعوا إن ربنا يخرجها هي وولادها بالسلامة.

_______________________

في الناحية التانية، كان زين قاعد مع ضحى في مطعم هادي على النيل بيتعشوا كعادتهم بعد ما وقت ما بقوا مخطوبين. زين كان بيتأمل ضحى بابتسامة ، وهي كانت بتحكي له عن يومها، وفجأة موبايله رن برقم يحيى.

زين رد بتهريج: "يا عم المأمور، إيه اللي فاكرك بينا دلوقتي؟". لكن ملامحه اتغيرت تماماً وبقت جادة لما سمع صوت يحيى النهجان واللاهث وكأنه بيجري ماراثون:
"زين.. اسمعني كويس.. ليلى بتولد دلوقتي وفي طريقها للمستشفى، وأنا لسه واصل المطار".

زين وقف فجأة وخض ضحى: "إيه؟ ليلى بتولد؟ مش لسه قدامها أسبوعين؟ وأنت إزاي في المطار دلوقتي؟".

يحيى رد عليه بلهفة وصوت مقطوع:
"مفيش وقت للشرح يا زين.. قلبي كان حاسس فخلصت الشغل وركبت أول طيارة، أنا هحاول أوصل بأسرع وقت، بس أرجوك.. خد ضحى وروحوا لها المستشفى حالاً".

زين قفل السكة وبص لضحى اللي كانت وقفت هي كمان وقالت بقلق: "فيه إيه يا زين؟ ليلى جرالها حاجة؟".
زين مسك إيدها وسحبها بسرعة للخارج: "ليلى في المستشفى بتولد

_____________________________

بعد مرور ساعات طويلة ومرهقة في غرفة العمليات، كان القلق والتوتر هما سيد الموقف في طرقة المستشفى. زين وضحى وصلوا وانضموا للينا وريان وعمر ومنال والجد، والكل عينه على باب العمليات بيدعي لليلى والتوأم. وفجأة، ساد الصمت لما سمعوا صوت خطوات سريعة وأنفاس عالية بتتردد في الممر، وظهر يحيى في آخر الطرقة؛ كان لابس بدلة مأمورية سودة وعلى راسه كاب، وعلامات الإرهاق والسفر باينة على وشه المخطوف.
يحيى قرب منهم بلهفة وقلق قاتل: "هي لسه مخرجتش؟ كل ده جوه ليه؟".

عمر قرب منه وحط إيده على كتفه يهديه: "لا لسه، الدكاترة بيقولوا إن الولادة متعسرة شوية لأن جسمها ضعيف، وولادة التوأم في ميعاد بدري بتكون صعبة ومحتاجة وقت". 

الجد اتقدم بخطوات رزينة وربت على كتف يحيى بحنان: "متخافش يا يحيى واجمد، ده إنت الصياد.. خليك قوي عشان ليلى وولادك لما يخرجوا يلاقوا سندهم واقف على رجله". يحيى هز راسه وهو بيحاول يبلع ريقه ووجعه، وعينه مش بتتحرك عن الباب.

وفجأة، الباب اتفتح على مصرعيه، وخرجت ممرضتين في إيد كل واحدة "لفّة" صغيرة لبيبي. العيلة كلها اتجمعت عليهم بفرحة وزغاريط مكتومة، إلا يحيى؛ وقف متصنم مكانه، مش عارف يفرح بولاده ولا يفضل مرعوب على ليلى. بص على غرفة العمليات وبعدين بص لولاده اللي مش عارف يميز ملامحهم من وسط الزحمة، لحد ما خرج السرير اللي عليه ليلى.

يحيى جرى عليها ووقع على ركبه جنب السرير وهو بيمسك إيدها، بيتأمل ملامحها المرهقة وقطرات العرق اللي على جبينها. ابتسم بحب ودموع، وباس جبينها بهدوء. الممرضات استأذنوا ينقلوها غرفتها، ويحيى سألهم بخوف: "هي ليه نايمة كدة؟ اتبنجت كلي؟". الممرضة طمنته: "لا يا فندم، الولادة كانت طبيعية تماماً، بس هي أخدت وقت ومجهود كبير، وأول ما الأجنة خرجوا نامت من كتر الإرهاق، وشوية وهتصحى وتبقى زي الفل".

يحيى راح معاهم ودخلوا الجناح اللي كان متجهز بالكامل؛ سرير كبير في النص، وسريرين صغيرين قريبين منه للتوأم. لسه الممرضين هيشيلوا ليلى، يحيى منعهم وقال بامتنان: "شكراً، أنا هنقلها بنفسي". قرب منها وشالها برفق شديد، حاطط إيد تحت راسها والتانية تحت خصرها، ونيمها على السرير كأنها أغلى جوهرة في العالم.

مسك إيدها وباسها، لكنه اتصنم لما أمه (منال) قربت منه وهي شايلة طفل من التوأم: "شيل ابنك يا يحيى.. إنت لسه مشوفتهمش، يلا يا حبيبي عشان تكبر في ودنهم".

يحيى شال الطفل برفق، وحس برعشة غريبة في جسمه كله؛ طفل صغير جداً، بشرته بينك وملامحه رقيقة. قربه منه وقفل عينيه بتأثر وهو بيشم ريحتهم اللي سكنت روحه، ودموعه نزلت لما الطفل فتح عينيه ببراءة. يحيى ابتسم وقبله من راسه، وقرب من ودنه وبدأ يكبر بصوت رزين ورجولي: "الله أكبر.. الله أكبر..".

بعد ما خلص، زين جاب له البنت اللي كانت لابسة "بينك" بينما الولد كان لابس "أزرق". شالها يحيى ودقات قلبه زادت لما لقاها مفتحة عينيها وبصالة. مد صباعه، والطفلة مسكت فيه بإيدها الصغيرة جداً وطلعت أصوات لطيفة أسرت قلبه. يحيى باسها بهمس: "انتي بالذات اللي مسموحلك تسكني قلبي.. بس متنسيش إن أمك ساكنة قبلك"، وعمل معاها زي أخوها وكبر في ودنها.
_______________________________________

بعد شويه ..

بدأت ليلى تفتح عينيها ببطء، والرؤية مشوشة قدامها لحد ما وضحت صورة يحيى اللي كان ساند راسه قريب منها ومثبت نظراته عليها بلهفة. أول ما شافها فتحت عينيها، ارتسمت على وشه ابتسامة حب صافية، وهي همست بصوت واهن ومبحوح: "يحيى..".

يحيى رد عليها بنبرة كلها عشق: "قلب يحيى.. روح يحيى.. نين عين يحيى من جوه ". 

ليلى سألته بإرهاق وهي بتحاول تستوعب وجوده: "أنت جيت إمتى؟". 

يحيى بدأ يحكيلها اللي حصل، وإزاي عمر كلمه وإنه ركب أول طيارة ونزل فوراً، وباس جبينها بحب واعتذار وهو بيقول: "أنا آسف إني مكنتش جنبك في لحظة زي دي.. أنا بذلت أقصى مجهود وحرفياً كنت بجري عشان ألحق أكون هنا قبل ما تفوقي".

ليلى بصت للسريرين الصغيرين اللي جنبها وعينيها دمعت بتأثر: "ولادي.. فين ولادي يا يحيى؟". 

يحيى قام ببطء وجاب لها أول طفل، وكانت البنت، وبعدها جاب لها الولد وحطهم بين إيديها. ليلى شهقت بدموع وهي بتتأملهم: "حلوين أوي يا يحيى.. مش مصدقة إنهم بقوا في حضني". يحيى هز راسه وقال: "البنوتة شبهك أوي يا ليلى"، ليلى ردت بابتسامة: "والولد نسخة منك أنت".

بعد شوية لفتت نظرها إن الأوضة هادية، فسألت: "أومال العيلة فين؟". 

يحيى طمنها: "خليتهم يروحوا يرتاحوا وهيجوا بالليل، وماما روحتها بالعافية.. وخليت زين يروح يسجل أسامي الولاد". 

ليلى اتنفضت بقلق: "طيب هو زين عارف الأسامي اللي اتفقنا عليها؟". 

يحيى بصلها بصدمة وحط إيده على راسه: "ده أنا كنت ملهي فيكي ونسيت أقوله خالص.. وحتى زين مسألش!".

ليلى بخوف: "ربنا يستر.. اتصل عليه نلحقه بسرعة!".

لسه مخلصتش كلمتها والباب اتفتح ودخل زين بوقفته المعتادة وملامح الفخر باينة على وشه، ووراه ضحى اللي كانت بتبص لهم بإحراج وقلق. 

يحيى قاله بلهفة: "زين! كنا لسه في سيرتك.. ها سميت الولاد إيه؟ افتكرت الأسامي اللي قلتلك عليهم زمان أيام ما ليلى كانت حامل؟".

زين رفع راسه بتكبر وقال: "وهي دي أسامي يا يحيى؟ دي أسامي صايصة! لازم الأسامي تكون عظيمة عشان يطلعوا عظماء زيي". 

يحيى قام ومسكه من لياقة بدلتها بغضب مكتوم: "زين.. لو اللي في دماغي صح هطلع عينك!". 

زين هز راسه بابتسامة سمجة: "بالظبط اللي في دماغك".

ليلى سألت بجهل: "أنا مش فاهمة حاجة.. سميتهم إيه؟".

زين قرب بنبرة فخر: "سميت الولد أعظم اسم في التاريخ .."زين"،
والبنت سميتها مؤنث زين .. "زينة". يحيى اتجنن وجري وراه في الجناح وزين بيجري ويضحك، وضحى بتحاول تهدي ليلى من الصدمة. وزين وهو بيجري خبط في سرير ليلى من غير قصد، ليلى اتوجعت وصرخت: "آه!".

يحيى في ثانية ساب زين ورماه على الأرض وجرى على ليلى: "إنتي كويسة يا روحي؟ أنا آسف.. البهيم ده خلاكي تتوجعي". 
ليلى مثلت الوجع بزيادة عشان يحيى يسيب زين يهرب، وقالت: "آه يا يحيى.. خليك جنبي متسبنيش"، وبالإيد التانية شاورت لزين يهرب بسرعة. زين اتسحب وقام وفتح الباب وطلع يجري، يحيى حس بحركة الباب وفهم اللعبة، ولسه هيقوم يلحقه،

ليلى وقفته "خلاص بقى يا يحيى.. والله الأسامي جميلة أوي".

يحيى اتنهد بهدوء وقال: "أنا خوفت إنتي اللي تضايقي". ليلى هزت راسها بنفي وهي مبتسمة، ويحيى بدأ يكرر الأسامي كأنه بيتذوق طعمها: "زين يحيى الصياد.. وزينة يحيى الصياد..

__________________________________

بعد مرور شهر كامل، كانت الحياة في قصر الصياد بدأت تاخد رتم جديد مليان حب وهدوء. ليلى تعافت تماماً وبقت بتمارس حياتها الطبيعية، وفي يوم دخلت الجناح بتاعها وهي بتتسحب، واتفاجئت بألطف وأجمل منظر ممكن عينيها تشوفه.
يحيى كان نايم على السرير، عاري الصدر، ومستسلم للنوم بعمق من تعب الشغل، وعلى صدره كان "زين وزينة" نايمين في منتهى اللطافة والسكينة، كأن صدر أبوهم هو أأمن ملجأ في الكون.

ليلى مقدرتش تقاوم جمال المشهد، سحبت موبايلها بسرعة وفتحت الكاميرا وسجلت اللحظة دي فيديو وهي بتبتسم بدموع فرحة، واتنهدت بحب وهي بتهمس في سرها: "ربنا يحفظكم ليا يا أغلى ما في حياتي، ويخليك لينا يا يحيى يا سندي."

وفي جناح تاني خالص في القصر، كانت الأجواء مختلفة تماماً. عائشة كانت واقفة ورا باب الحمام، دموعها نازلة بغزارة وإيدها على بوقها من الصدمة وهي بتبص "لاختبار الحمل" اللي في إيدها واللي نتيجته طلعت إيجابي بوضوح.

عقلها بدأ يرجع لورا.. افتكرت اتفاقها مع عمر من أول يوم بقوا فيه زوجين حقيقيين، انهم يأجلوا الحمل عشان تركز في ثانوية عامة ومستقبلها. وبعد ما خلصت الامتحانات، وقفت البرشام من ورا عمر، وبالفعل بقالها كام يوم حاسة بإرهاق وتعب غريب، وده كان تالت اختبار تعمله والنتيجة واحدة: هي حامل.

فاقت من صدمتها على صوت خبط قوي وقلقان على باب الحمام:
"مالك يا عائشة؟ قومتي من جنبي فجأة ليه؟ وأنتي قافلة على نفسك كدة ليه يا حبيبتي؟"

عائشة مسحت دموعها بسرعة، وحطت الاختبار في جيب بيجامتها، وفتحت الباب. 
عمر بصلها بشك وقلق: "عائشة.. أنتي كنتي بتعيطي؟ وشك ماله مخطوف كدة ليه؟"

عائشة هزت راسها بفرحة غلبت خوفها، وطلعت الاختبار من جيبها وعرضته قدام عينيه وهي بتترعش. عمر بص للجهاز بهدوء وهز راسه بجهل تام: "يعني إيه؟ إيه ده يا عائشة؟"

عائشة قربت منه وشبت على طراطيف صوابعها لحد ما وصلت لمستوى ودنه وهمست بصوت مرعوش: "أنا حامل يا عمر.."

عمر اتسمر مكانه، مفيش أي رد فعل، ملامحه جمدت والتزم الصمت التام، وفجأة سابها واداها ضهره. عائشة بلعت ريقها بارتباك، وقلبها وقع في رجليها من الخوف.. "
معقول مش عايز الحمل ده؟ معقول زعلان إني اتصرفت ووقفت البرشام  بدون ما أخد إذنه ؟". 

قربت منه ولمست كتفه بأطراف صوابعها وهي بتنادي بصوت مهزوز: "عمررر..".

وفجأة، عمر لف بسرعة وشالها بين إيديه ولف بيها في نص الأوضة وهو بيصرخ بفرحة هستيرية:
"آاااااه يا عائشة! مش مصدق يا روحي! معقولة فيه حتة مني ومنك بتتكون جوه بطنك دلوقتي؟ أنتي بتتكلمي جد؟"

نزلها على الأرض، وعائشة دموعها نزلت تاني بس المرة دي من الراحة: "أنا افتكرت إنك مش مبسوط.. افتكرت إنك هتمسك في موضوع التأجيل وتزعل مني."

عمر مسك وشها بين إيديه وباس جبينها بعشق: "أنا مكنتش مصدق يا عائشة، تفكيري اتشل من كتر الفرحة.. ده أجمل خبر سمعته في حياتي."

عائشة ابتسمت وجريت في حضنه، وعمر بادلها الحضن بقوة وعشق زاد أضعاف، وهو حاسس إن الطفل ده هو الرباط اللي هيخلي علاقتهم أقوى وأمتن من أي وقت فات.

_____________________________________

بعد مرور سبع سنين

قصر الصياد مبقاش مجرد جدران، بقى شاهد على حياة كاملة اتجددت. ديكورات القصر اتغيرت، الألوان بقت أهدى وأرقى، والتحف القديمة اللي كان الجد بيحبها اتوزعت بلمسة عصرية تناسب جيل جديد طالع. لكن التغيير الأكبر كان في القلوب؛ وفاة الجد الصياد كانت كسر كبير لكل ركن في البيت، شهور من السواد والسكوت خيمت على المكان، وكان "يحيى" هو العمود اللي شايل الكل رغم جرحه، كان بيداوي "ليلى" اللي اتكسرت بوفاة الجد،، لحد ما الحزن هدي وبقت الذكرى هي اللي عايشة.

يحيى الصياد بقى هيبة تانية، النضج زاده وسامة وقوة، وليلى جنبه زي الوردة اللي بتنور حياته، والنهاردة يوم استثنائي، يوم عيد ميلاد "زين وزينة" السابع.

القصر كان غرقان في الأنوار والورد، الفخامة في كل زاوية تليق بأحفاد الصياد. زين الصغير كان واقف ببدلة "سموكن" صغيرة، نسخة طبق الأصل من يحيى في كاريزمته، عينيه حادة وصقرة رغم طفولته، وجنبه أخته زينة اللي كانت لابسة فستان أبيض زي الأميرات، خجولة ورقيقة بس عينيها فيها شقاوة ليلى وتمردها.

في ناحية تانية، كان عمر واقف وشايب في إيده كاس عصير، عينه مش بتنزل من على بنته "جوري" اللي بقت عندها خمس سنين، نسخة مصغرة من عائشة بجمالها ورقتها. عمر كان بيعشقها لدرجة المرض، وبيغير عليها حتى من الهوا، وخصوصاً من "الميني يحيى" زي ما مسميه.
عمر بص بعيد لمح زين الصغير وهو ماسك إيد جوري وبيرقصوا سلو وسط القاعة، وبسبب إن جوري قصيرة، زين كان مقربها منه أوي وحاضنها بتملك غريب على سنه. 

عمر وشه احمر ونفخ بضيق، وعائشة جنبه لاحظت وقالت بلطف:
"عمر.. حبيبي اهدي شوية، بطل تعمل عقلك بعقل طفل، دول بيلعبوا."

عمر بصلها بغيرة وقال بنبرة حادة:
"بيلعبوا؟ أنتي مش شايفة شايل البنت إزاي؟ والواد ده باصص لها نظرة أنا عارفها كويس!"

عائشة ضحكت: "يا حبيبي دول أطفال، وبعدين زين بيحبها من صغره، سيبهم يفرحوا."

لسه عائشة بتكمل جملتها، عمر شاف زين وهو بيبوس جوري من خدها برقة، جوري ضحكت بكسوف ودارت وشها في كتف زين. هنا عمر "شاط" وفقد أعصابه، ساب عائشة وجري عليهم، شال زين من ياقته ورفعه لفوق وهو بيزعق:

"أنت يا واد يا ابن يحيى! إيه اللي بتعمله ده؟ بتبوس البنت ليه يا قليل الأدب؟ أنت فاكر نفسك في أمريكا ولا إيه؟"

زين الصغير فضل معلق في الهوا، بس ملامحه متهزتش، بص لعمر ببرود وبرود رهيب وقال بصوت واثق:
"عايز إيه يا أنكل عمر؟ دي بوسة بريئة، إيه المشكلة؟ جوري دي بتاعتي ومحدش له دعوة بيها."

عمر صرخ فيه: "بتاعتك مين يا ابن يحيى! ده أنا هعلقك أنت وأبوك على باب القصر، هو أنا هستنى لما تكون بوسة مش بريئة، أنا هعمل منك شاورما!"

يحيى كان واقف بعيد شايل بنته زينة وماسك إيد ليلى اللي كانت بطنها بارزة خفيف في بداية حمل جديد، لمح الخناقة فقرب وهو بيضحك، نزل زينة وراح لعمر، وبخفة إيد يحيى المعتادة، شد جوري من إيد عمر وقال:

"سيب الولد يا عمر.. فك التشنج ده شوية. وبعدين تعالى هنا، خد حاجتك وهات حاجتي، نظام المقايضة ده أعدل."

عمر نزل زين بغضب وأخد جوري من حضن يحيى، وبص لزين نظرة تحذيرية وهو بيشاور بصوابعه على عينيه: "أنا مراقبك يا زين.. والله العظيم مراقبك، أي حركة تانية وهحبسك في المخزن.
"
اللحظة دي، هدوء القاعة انكسر بصوت فتحة الباب الكبيرة، ودخلت "لينا" وهي منورة بابتسامة غايبة عنها من سنين، وجنبها "ريان" اللي كان ماشي بوقار وفرحة واضحة، وشايل بين إيديه "آدم".. الحلم اللي اتحقق بعد صبر وألم وعمليات وتعب ملوش آخر.

ميادة أول ما شافته، ملامحها اتغيرت تماماً؛ الست القوية الحادة مابقاش ليها أثر، وبان مكانها ندم السنين اللي غسل قلبها وخلاها إنسانة تانية خالص. جريت عليهم بلهفة وحنين، وبقت الجدة اللي مشتاقة لحتة من ريحة ولادها عشان تعوضهم عن كل لحظة وجع سببتها ليهم زمان.

ميادة كانت رجعت القصر قبل وفاة الجد الصياد بسنة واحدة، بقرار منه هو شخصياً.. الجد بحكمته لاحظ إن بنته انكسرت فعلاً، وشاف في عينيها ندم حقيقي وتوبة عن كل اللي فات، فقرر يلم الشمل قبل ما يقابل وجه كريم، وكإنه كان حاسس إن أجله قرب، ومحبش يسيب الدنيا وهي بعيدة ومنبوذة.

قربت ميادة من ريان بدموع بتلمع في عينيها، ومدت إيدها برعشة:
"هات يا ريان.. هات يابني أشيل حبيب تيتا.. بسم الله ما شاء الله، شبهك أوي يا لينا، كأنه نسخة منك وأنتي صغيرة."

لينا بصت لأمها بحنية، وسلمت عليها بحب حقيقي بعد ما القلوب صفيّت:
"أهو يا ماما.. آدم وصل أخيراً عشان ينور دنيتنا، وعشان يتدلع على إيديكي."

يحيى نادى بصوته الجهوري: "يلا يا جماعة، الكل يتجمع، وقت الشمع!"
اتلمت العيلة كلها حوالين التورتة اللي كان عليها صورة زين وزينة. يحيى واقف في النص، ليلى جنبه، عمر وعائشة ناحية، وريان ولينا ومنال وميادة حواليهم. النور انطفى وصوت الغنا علا "هابي بيرث داي تو زين وزينة".

أول ما الشمع انطفى والنور اشتغل، عمر بص جنبه لقى زين الصغير مش موجود، لف عينه في القاعة واتصدم لما لقاه تاني شايل جوري وبيلعب في شعرها وبيضفر لها خصلة رقيقة وهي بتضحك له. عمر جرى عليه وهو مذهول:
"أنت يا ابني اتهد بقى! اتهد يا حبيبي! أنت بتجيب الباور دي منين؟ أنت مش كنت لسه معلق في الهوا؟"

زحيى وليلى بصوا لبعض وضحكوا من قلبهم، ويحيى حضن ليلى من خصرها وهمس لها:
"تفتكري يا ليلى، زين وجوري هيكملوا حكاية عشق الصياد زينا؟"

ليلى سندت راسها على كتفه وبصت للعيلة اللي اتجمعت بعد شتات، وقالت بيقين:
"العشق في البيت ده ملوش نهاية يا يحيى.. العشق هو اللي بنى القصر ده من جديد."

___________________________

بعد ما الاحتفال الصاخب خلص والهدوء رجع يسيطر على جدران القصر، وكل الضيوف مشيوا، طلع يحيى وليلى لجناحهم. ليلى كانت نايمة على صدر يحيى، مغمضة عينيها بتعب وإرهاق من مجهود اليوم، لكنه كان تعب حلو.. تعب فيه طعم السعادة.

الصمت كان هو سيد الموقف، بس مكنش صمت موحش، كان صمت راحة وطمأنينة بعد ما سفينة حياتهم رست أخيراً على بر الاستقرار. ليلى رفعت عينيها وبصت ليحيى اللي كان سارح في ملامحها وبيلعب في خصلات شعرها وبيهمس لروحه بريحتها اللي بيعشقها.

ليلى سألته بتوتر فجائي ونبرة مرعوشة:
"يحيى.. أنت لسه بتحبني بعد السنين دي كلها؟"

يحيى فضل باصص لها بعشق وصمت لثواني. هو عارف إنها الفترة دي "حساسة" بزيادة بسبب الحمل، هرموناتها مش مستقرة وأي كلمة ممكن تخليها تعيط، والدكتورة كانت منبهة عليه إنها محتاجة احتواء مضاعف.

ليلى استغربت سكوته، وبلعت ريقها بحزن وبدأت دموعها تلمع:
"ياااه يا يحيى! للدرجادي الإجابة صعبة ومحتاجة منك التفكير ده كله؟"

يحيى ابتسم بابتسامه تدوّخ، وقرب وشها لإيده وهو بيقول بصوت هامس ورخيم:
"بفكر .. بفكر إيه الكلمة اللي في قاموس اللغة العربية ممكن توصف اللي جوايا ليكي! هل فيه كلمة توصف هيامي بيكي؟ تمن سنين جواز وليه لحد دلوقتي بحس بقلبي هيفتح صدري ويخرج من دقاته كل ما عينك تيجي في عيني؟"

سكت شوية وبص للفراغ وهو بيفتكر:
"ليلى.. أنا عشقتك وانتي لسه في اللفة. من أول ما فتحتي عيونك وأنتي طفلة وأنا عرفت إن قلبي مبقاش ملكي، مكنتش فاهم معنى الإحساس ده وقتها، كل اللي كنت عارفه إني عايز أحميكي وأخبيكي عن كل الناس. ولما تميتي خمس سنين، أقسمت بيني وبين نفسي إنك مش هتكوني لغيري."

صوته بقى فيه نبرة شجن وهو بيكمل:
"فاكرة يوم عيد ميلادك الخامس؟ يوم ما كنا رايحين نجيب التورتة، وباباكي ومامتك قدام، وأنا وأنتي وماما ورا.. كنا طايرين من الفرحة لحد ما العربية اتقلبت بينا. أنا كنت واخدك في حضني باستماتة، وصحيت في المستشفى قالوا لي إن عمي ومراته ماتوا، وماما اتصابت جامد.. وأنتي اختفيتي! قالوا إنك موتي لأنهم ملحوظكيش في العربية. وقتها دخلت في حالة نفسية وحشة، ورفضت أتكلم لشهور، وحلفت أطلع ظابط زي باباكي عشان أجيب حقك."

مسح دمعة نزلت من عين ليلى وكمل:
"وأول ما عرفت إنك لسه عايشة بالصدفة وأنا في المأمورية.. أول ما فتحتي لي الباب وشفتك، قلبي رجع ينبض تاني، وكأنه كان واقف السنين دي كلها. كان نفسي أحكيلك كل ده وإحنا راجعين في العربية للقصر أول مرة، بس خوفت.. خوفت من هوسي بيكي يخليكي تخافي مني."

قرب وباس إيدها بحرارة:
"حتى يوم ما أخدتي المنشط ودخلتك أوضتك، كنت خايف عليكي من نفسي، وخايف أأذيكي ومتسامحنيش. ويومها لما عرفت إن عمتي ميادة هي اللي عملت كدة، كنت عايز أشكرها رغم إن غرضها كان شر، بس بسببها اتجوزنا وربنا أداني الفرصة إن عشقي ليكي يكون حلال."

بصلها وقال بشجن :" طيب انتي تعرفي أنا مسمي علاقتنا إيه ؟"

ليلى كانت بتسمعه ودموعها نازلة بغزارة من فرط المشاعر اللي حاسة بيها، وهي بتمسح دموعها:
" مسميها ايه ؟"

يحيى ابتسم وقال:
"أنا بقى مسميها (عشق يحيى).. عارفة ليه؟ في النحو فيه حاجة اسمها الممنوع من الصرف، وجوا العلم ده فيه (ما جاء على وزن الفعل) .. أنا اسمي يحيى، وفي نفس الوقت هو فعل بمعنى (يحيى ويدوم).. فإحنا (عشق يحيى).. عشق هيدوم ويحيى بينا لآخر العمر."

ليلى اترمت في حضنه وهي بتبكي فرحة، ويحيى ضمها بقوة وكأن العالم كله اتلخص في اللحظة دي.. لحظة العشق اللي بدأ بدمعة وانتهى ببيت عامر بالحب.

                     تمت بحمد الله.❤


تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة