رواية في ظلال القضية الفصل السادس والعشرون 26 بقلم ملك سعيد


رواية في ظلال القضية الفصل السادس والعشرون 26 بقلم ملك سعيد


قبل عدة ساعات...

وصل عدي للمستشفى الموجود بها حسام، اتجه لقسم الاستقبال وسأل عن رقم غرفته وكان 66... فذهب بإتجاه إشارة فتاة الاستقبال حتى وصل إلى ممر يوجد به عدة غرف، لذا أخذ يسير وهو يتحقق من أرقام كل غرفة... فتوقف عندما وجد ضالته، امسك بالمقبض وفتح الباب فتسمر مما رأه....

" بالداخل "

كان رحيم وأخيرًا استطاع الوقوف على قدميه، لكن بصعوبة يتمشى بخطوات بطيئة وتساعده في ذلك كنزي وهي تمسك يده كي لا يتعثر... وهي تهتف بكلمات تشجيعية كي يتابع سيره ولا ييأس .

في تلك اللحظة تمنى رحيم وجود سارة، فهو يريدها معه في كل مكان بل وكل موقف يكون به، يريدها بجانبه دائمًا، فلاحظت كنزي شروده وهو يسير فعلمت ما يدور برأسه فبالتأكيد يفكر بمن سرقت أحلامه بل واحتلتها.... لذا ابتسمت وهي تهتف بنبرة هادئة لا تتناسب مع شخصيتها المرحة:

" تحب اكلمهالك والمرة دي عادي هستحمل نظراتها ليا، بس المهم تشوفك بالتقدم الحلو ده "

توقف عن السير ونظر لها مطولًا ثم قال وهو يحرك رأسه بالنفي:

" لا بلاش دلوقتي... اصلًا مش عايزها تعرف اني وقفت على رجلي "

عقدت حاجبيها باستغراب ثم سألته:

" مش فاهمة ليه مش عايزها تعرف؟؟؟ "

تنهد بتعب وقال بصوت مثقل بالحزن:

" لإني صعب اشوفها ولو عرفت اني بقيت كويس، حجتي لشوفتها هي وجودي في المستشفى... ومش عايز اخسر الحجة دي "

" للدرجادي؟؟ "

اماء رأسه وقال بصوتٍ هامس، غلبه التعب فهو تمشى بالقدر الذي يجعله يتعب وخاصًة أنه ظل فترة لا بأس بها جالس على السرير، لا يضغط على قدمه:

" للآسف "

كادت أن تواسيه، فهي شعرت بالشفقة عليه وعلى قصة حبه الغير مكتملة، لكن فتح الباب أصمتها... واتجهت العيون ناحية الباب لكن بشعور مختلف، فكانت كنزي تشعر بالغضب من ذلك السخيف الذي اقتحم الغرفة دون استئذان، إما رحيم فتحمس وهو ينظر جهة الباب ظنًا منه أنها سارة من اقتحمت الغرفة كما تفعل بكل مرة تأتي بها إليه....

لكن تحطم أمله عندما وجد شابًا طويلًا يطالعه بصدمة، ف شك بنفسه من نظراته تلك ونظر إلى نفسه ليرى ما به كي يُصدم ذلك الغريب من رؤيته، لكن نطقه لإسمه بهذه النبرة المندهشة جعلته يتعجب:

" رحيم!!!! "

نقل بصره لكنزي وهي فعلت المثل، فأعاد رحيم بصره ناحية الشاب الغريب ثم سأله:

" ايوا إنت تعرفني؟؟؟ "

تقدم عدي بخطوات بطيئة وهو مصدوم فالقدر أوصله إلى رحيم دون عناء، غير أنه لولا رؤيته لصورة رحيم اليوم لم يكن ليتعرف عليه ابدًا... فقال بابتسامة مهزوزة:

" إنت... إنت رحيم ابن عمي "

قطب رحيم حاجبيه بإندهاش من تنسيبه له بإبن عمه، فهز رأسه بنفي قائلًا:

" أكيد إنت غلطان أنا معرفكش "

وقف عدي أمامه واحترم جهله بالحقيقة، فأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول بتريث:

" أنا عارف انك متعرفش الحقيقة، ومن حسن حظي اني شوفتك... وأخيرًا جه الوقت اللي هقدر فيه اجمعك مع اختك "

همس بتعجب مختلط بالاستنكار:

" اختي!!! "

هز عدي رأسه بإيجاب، فشعر رحيم بالتشتت فهو ولأول مرة يرى ذلك الغريب... وهو يخبره أنه ابن عمه بل ويريد أن يجمعه بشقيقته... عن أي شقيقة يتحدث!!
إما كنزي فشعرت أن الموضوع الذي سيتحدث به الغريب خاص لذا فضلت الإنسحاب .  

نظرت لعيون عدي وهي تحثه على امساك يد رحيم ففهم عليها، لذا اقترب منه في حين تركت كنزي يد رحيم الذي شعر أنه سيسقط أرضًا لولا يد عدي الذي التقطها سريعًا، نظر له رحيم بتيه بينما انسحبت كنزي من الغرفة مغلقة الباب خلفها .

" إنت مين وعايز مني إيه؟ واخت مين اللي عايز تجمعني بيها "

أسنده عدي وهو يتجه ناحية السرير واجلسه عليه، ثم قرب إحدى الكراسي الموجودين بالغرفة جانب السرير وجلس عليه، ثم تنهد وقال:

" عايز تتمالك نفسك وتهدى وأنا هفهمك كل حاجة "

شعر رحيم أن الموضوع الذي سيسمعه كبيرًا، فقال بترقب:

" قول اللي عندك "

نظر له عدي بقلق، خائف من ردة فعله بل يشعر بالخجل مما سيخبره إياه فوالده هو السبب الرئيسي لبعده عن عائلته الحقيقية، ورغم ذلك زفر بقوة ثم أخذ يقص عليه كل ما عرفه بالفترة الماضية وسط صدمة رحيم مما يسمع بجانب شحوب وجهه لمعرفته بالحقيقة...

________________________

" احنا مضطرين نمثل اننا أعداء "

نظر له باستنكار وهو يهز رأسه برفض قائلًا:

" مستحيل اللي إنت بتقوله ده، عايزنا نبقى أعداء؟؟ "

هتف مبررًا:

" لاء طبعًا بقولك نمثل مش هنبقى أعداء بجد "

سأله بتهكم:

" وكل ده ليه انشاءالله؟ علشان حبيبة القلب "

نهض إياد من الأريكة المقابلة للكرسي الذي يجلس عليه مراد صائحًا به بحدة:

" إلزم حدودك يا مراد، إنت عارف اني بحبها ومستعد أعمل أي حاجة علشان متتأذاش "

نهض مراد هو الأخر يقول بغيرة حقيقية على أخيه بل توأمه من حبيبته التي لا تعرف بحبه بالأصل:

" بس مستعد تخسرني عادي؟؟ "

اقترب إياد منه ووضع يده على كتفه ثم قال بحنان أخوي:

" مستحيل أفكر ابعد عنك، مراد إنت توأمي عارف يعني إيه توأمي؟؟... إنت نصي التاني إياك تفكر اني ممكن أتخلى عنك في يوم من الأيام "

عبث وجهه بطفولية رغم أنه على مشارف الثلاثينيات، وهو يقول بتذمر وغيرة واضحة:

" بس متنكرش انك بتحبها، صح؟؟ "

ابتسم وهو يهز رأسه بيأس من غيرة أخيه عليه وقال محاولًا اقناعه بحبه له:

" والله بحبك اكتر من أي حاجة في الدنيا، وإياك تقارن حبي ليك بحبي للين لإنه ميتقارنش ابدًا.... إنت ليك معزة خاصة وهي كذلك، افهم بقى "

ازاح يده الموضوعة على كتفه ورغم تأثره بحديث شقيقه إلا انه قال باعتراض:

" تمام عرفت انك بتحبني وبتحبها وكمان عايز تحميها، بس إيه دخل تزييف عدواتنا بحمايتها؟؟ "

مسح على وجهه بتعب ثم قال وهو يرتمي على الكرسي الذي كان جالسًا عليه مراد:

" حسين الطوخي اخو يحيي الطوخي قتال قتلة وتاجر مخدرات قبض عليه من 10 شهور واتحكم عليه بالإعدام، فظهر حسين علشان ينتقم من الضابط اللي خسره اخوه واللي هو أنا، راقبني لفترة طويلة ولاحظ مراقبتي للين طوال الفترة الأخيرة، ف عرف انها مهمة بالنسبالي وبدأ يهددني بيها... علشان كده فكرت بخطة علشان اقدر احميها بيها، وملقتش غيرك يقدر يساعدني "

شعر أن الموضوع بالفعل خطير وأن حياة لين بخطر رغم أنها لا تعلم بحب إياد لها ولا حتى مراقبته المستمرة لها في العامين الماضيين، فجلس بجانبه وهو يسأله بترقب:

" وأنا هساعدك إزاي؟؟ "

اعتدل إياد بجلسته وهو يجيبه بحماس:

" هنمثل اننا أعداء وإنت هتخطف أهلها بمساعدة مجموعة رجالة من فريقي ومتقلقش دول ثقة و.... "

قاطعه مراد الذي تحدث بصدمة:

" استنى كده... إنت عايزني ابقى خاطف "

" كده وكده مش حقيقي "

اجابه بلامبالاة، فقال مراد باستنكار وهو يرفع إحدى حاجبيه:

" إنت مستوعب بتقولي إيه؟ هخطف أهل حبيبتك، إنت مجنون ولا بتستعبط؟؟ "

صاح به بتحذير:

" ولا احترمني أنا الكبير "

صك على أسنانه وهو يقول بسخرية:

" كبير وأهبل، قال اخطف قال.... ده أنا اخري اهش دبان "

تجاهل إياد سخريته وهو يتابع حديثه قائلًا:

" وبعدين هتتصل بلين وتهددها بيهم، وطبعًا هتيجي تقدم بلاغ بخطفهم وأنا هساعدها بصدر رحب... "

قاطعه مراد مرة أخرى قائلًا بتذمر:

" وكله على قفايا "

رد الآخر بابتسامة مستفزة:

" فدايا... المهم هترجع تتصل بيها مرة تانية وتهددها انها لو موافقتش تتجوزك هتأذي أهلها "

" هتجوزني حبيبتك؟؟؟ "

كان سؤاله أبله بمعنى الكلمة فرمقه إياد بنظرات حارقة، ثم استرسل بحديثه:

" بعدين أنا هتصرف واتجوزها بحجة دوري كضابط وإن مهمتي اني ارجعلها أهلها، وبس يا سيدي ها قولت إيه هتساعدني؟؟؟ "

رغم عدم اقتناعه بخطة أخيه الغبية، إلا انه اضطر للموافقة فقال باستسلام:

" هخطفها امتى؟؟؟؟ "

عاد من ذكرياته على صوت وصول رسالة إلى هاتفه الموضوع أعلى مكتبه الخشبي، ف التقطه وفتح الرسالة فهب واقفًا كمن لدغه عقرب وهو يرى صورة للين ملقاة على الأرض غارقة بدماءها واسفل الصورة مكتوب....

( مفكر لما تتجوزها هتحميها مني، بس شكلك نسيت إنت بتلعب مع مين... ده أنا حسين الطوخي يا حبيبي، و متنساش تسلملي على السنيورة ده لو كانت عايشة اصلًا )

قبض على الهاتف بقوة وهو لا يصدق ما يراه، صورة لين الغارقة بدماءها جعل الهواء يضيق من حوله، فأخذ يتنفس بعنف من خوفه عليها وغضبه من الحقير حسين، فوجد نفسه يركض للخارج وهو يجري اتصالًا لرقم لين الذي لم يأتيه منه الرد، فهو يتذكر أنه منعها من الخروج من المنزل... لكنها عنيدة ولم تسمع منه وخرجت مما جعل حسين يستغل الفرصة ويأذيها غبية لين غبية....

________________________

كانت والدة فرح تسير بالسرايا وهي تلقي أوامرها على الخدم، فاليوم سيأتي عريس ابنتها لخطبتها ويجب أن يكون كل شيء على أكمل وجه... 

كانت تصعد على الدرج وهي مقررة التوجه لغرفة فرح لإعطاءها بعض النصائح التي ستمشي عليها اليوم، فلا مجال لرفض العريس الأتي فهو يعمل مهندس معماري، فلا يجب عليهم خسارته، اصطدمت في طريقها بجسد مؤمن الذي كان ينزل الدرج ويتفقد هاتفه، فتراجعت للخلف وهي تنظر له بضيق، وقابلها مؤمن بالاعتذار .

فلم تهتم باعتذاره وهي تقول له بصيغة التحذير:

" انهاردة عريس فرح جاي، علشان كده مش عايزة مشاكل يا مؤمن إنت فاهم؟؟ "

قطب حاجبيه باندهاش وهو يسألها:

" وإنت بتقوليلي ليه الكلام ده؟؟ "

ابتسمت بتهكم واجابته وهي تتابع صعودها على الدرج:

" إنت فاهم قصدي كويس.. "

التفت خلفه ليراها تصعد للأعلى ولم تهتم بمتابعة حديثها أو توضيح سببه، فلم يهتم كثيرًا وهو يتابع هبوطه للأسفل محدثًا نفسه بمكر:

" قال معملش مشاكل قال؟؟... أنا طول حياتي محترم مبعملش مشاكل، بس لو الموضوع يخص فرح مش هعمل مشاكل وبس... ده أنا هقلبها سواد على الكل... "

______________________

طرق على باب غرفتها وهو متحمس لإخبارها بأنه توصل لعائلتها الحقيقية، هو بالحق لم يصل لهم لكنه علم هوية والدها، وقريبًا جدًا سيجد مكانه و.... ستذهب مريم لتقيم معم!!
لما لم يفكر بالموضوع من هذه الجهة، فمعرفته بمكان عائلتها بالتأكيد ستذهب كي تعيش معاهم، بالتأكيد لن تظل مقيمة معه طوال حياتها، إلا لو.... حقق هدفه القادم وهذا قريبًا بمشيئة الرحمن .

" بالداخل "

كانت مريم جالسة تقرأ بإحدى الكتب التي قدمتها السيدة نغم لها مع مجموعة أخرى من الكتب لتسليتها، ولتقضي على أوقات الملل التي تعيشها، وقطع اندماجها بالقراءة صوت الطرق على الباب، فوضعت الكتاب على السرير وهي تنهض وتتجه ناحية الباب لفتحه .

اندفع غيث ناحيتها عندما فتح الباب مما جعلها تتراجع بارتباك، ولم يهتم لذلك بل سألها بنبرة سعيدة، أثارت تعجبها:

" قوليلي إيه أكتر حاجة بتتمني أنها تتحقق؟؟ "

رغم دهشتها من اندفاعه ذلك إلا انها اجابته بدون تفكير، فهي لديها أمنية واحدة فقط وهي:

" اجتمع مع عيلتي... "

هتف بنبرة متفائلة:

" وقريب جدًا هتتحقق أمنيتك "

شعرت بدقات قلبها تتسارع عندما حلل عقلها ما قاله، ثم سألته بتلعثم:

" ق... قصدك تقول إيه؟؟؟ "

اجابها وهو مبتسم باتساع:

" قصدي اني عرفت اسم ابوكي... "

ارتسمت ابتسامة رقيقة على شفتيها، ولمعت عيونها بالدموع وهذه المرة لم تكن دموع الحزن بل الفرح، فتأثر غيث بدموعها ومع ذلك تركها لمشاعرها ووجدها تسأله بصوتٍ هامس:

" ب.. بابا اسمه إيه؟؟؟ "

" عزام.... عزام الدمنهوري "

ضحكت بخفوت وهي تضع يدها على فمها، وهي غير مصدقة أن موعد لقاءها بعائلتها قد اقترب، تمتمت بإسم والدها بسعادة طفلة صغيرة، بينما كان غيث يتابعها بابتسامة صغيرة على فمه وهو يراها بتلك الحالة السعيدة، فكادت تطير من السعادة لمعرفتها بإسم والدها فقط... فما سيحدث عند لقائها معهم .

" شكرا... شكرا يا غيث أنا أنا مش عارفة اقولك إيه بس بجد أنا ممتنة لتعبك معايا وانك بتحاول توفي بوعدك ليا "

" متشكرنيش يا مريم ده واجبي قبل ما يكون مجرد وعد بحاول أوفيه "

نظرت له بإعجاب واضح لم يخفى عن عيون غيث الذي حاول مداراة ابتسامته كي لا تخجل منه، رغم أنه يريد قضاء يومه معها بل أيامه كاملة إلا انه قرر أن ينسحب قبل أن يتهور و يخبرها بمشاعره المدفونة التي لا يعلم منذ متى شعر بها و منذ متى احتلت قلبه وحطمت أسواره، لذا حمحم وهو يقول:

" طب اسيبك أنا تكملي اللي كنتي بتعمليه "

انهى حديثه وخرج سريعًا وهو يشعر بقلبه سيخرج من بين اضلعه بقربه منها، بينما نظرت مريم بأثره وهي ضامة يديها لصدرها وتبتسم بخجل، فهي شعرت بملاحظته نظراتها المعجبة به، تبًا لكي مريم أين كان عقلك وإنتِ تنظري له بكل هذه الجرأة.... غبية .

______________________

كان يقف بشرفة غرفته ويتحدث بالهاتف مع شقيقه غيث الذي أخذ يتذمر له نسيانه طوال فترة إقامته بالصعيد:

" جاي تفتكرني دلوقتي؟؟؟ ما لسه بدري يا باشا "

زفر جواد بتعب ولكن غيث معه حق فهو قد اهمله بالفترة الماضية وليس وحده فقط، حتى مروان ووالديه وعمه صلاح.... لا ينكر انه اهملهم جميعًا، لذا قال معتذرًا بصدقٍ نابع من قلبه:

" عارف اني مقصر معاكوا وحقك تزعل مني... ومش إنت لوحدك بس لاء كل العيلة، بس إنت عارف لما اكون في مهمة عقلي مبيبقاش معايا "

سخر منه غيث فهو يعلم أنه مع تلك المحامية الذي أخبره والده بها؛ بل أخبر جميع العائلة والجيران ونستطيع القول أن والد جواد قد فضح أمره للجميع:

" مهمة إيه بس؟؟ تنكر انك ناسي المهمة اصلًا ومش فاضيلها من أساسه... وقاعد جنب سيادة المحامية اللي سرقتك منا!! "

ابتسم جواد بيأس من حديثه فهو نفس حديث والده، وبالطبع استنتج أنه أخبر غيث بأمر ريم... التفت خلفه فوجدها تجلس على السرير ومنشغلة بوضع طلاء اظافرها ذو اللون الأسود الذي وبسببه 
خرج ليتحدث مع غيث في الشرفة لشدة سوء رائحته... فقال مغيرًا دفة الحديث:

" بطل هبل وقولي فين الزفت مروان اللي مفكرش يعبرني اليومين دول؟؟ "

" في المديرية مشغول بقضية زفت شاكر ده، ده غير أنه كان خاطف غرام امبارح وقدرنا نرجعها ومقولكش يا جواد البت غرام دي طلعت جبروت... ده أنا قولت إن شاكر هيقتلها ولما نوصل عندها نلاقيها رناه علقة محترمة... وكان شكله مسخرة "

ابتسم جواد رغمًا عنه وهو يتذكر غضب ريم منه وردة فعلها عند سخريته عليها بكل مرة؛ فقال بخبرة اكتسبها من معرفته بريم:

" ميغركش ملامحهم البريئة ولا قصرهم، البنات دول عليهم حاجات محدش يتوقعها "

سأله غيث بنبرة خبيثة:

" وإنت تعرف امتى في مواضيع البنات دي؟؟؟؟؟ "

نطق جواد بتحذير:

" اتلم يا غيث... وقولي قاعد في البيت ليه ربنا فاضيك؟؟ "

شهق غيث بصدمة مصطنعة وهو يقول بفخر:

" فاضي مين يا خويا؟؟ ده أنا انهاردة قدرت اوصل لإسم ابو مريم؟؟ "

كاذب.. فمن الذي توصل لإسم والد مريم؟ إحدى رجاله لكنه نسب ذلك لنفسه أنه لرجلٍ خبيث، بينما جواد قطب حاجبيه وهو يسأله باستغراب:

" مريم مين؟؟ "

ضرب غيث جبهته بتذكر فهو لم يخبر جواد بأمر مريم بعد، لذا أخذ يقص له ما حدث منذ أن رأها للمرة الأولى حتى الآن... فنظر جواد أمامه وهو يدير ما سمعه برأسه ف قصة مريم نفسها قصة شقيقة ريم الصغرى التي اختفت في الملاهي منذ 15 عام تقريبًا... بالطبع هذا التشابه ليس عابرًا بالتأكيد يوجد علاقة بين مريم وريم ومن الممكن أن تكون مريم هي ذاتها شقيقة ريم المختفية وعليه أن يتحقق من الأمر .

أخرجه عن تفكيره صوت غيث المتسائل عن سبب صمته، فأخبره جواد متحججًا بأن أتاه اتصال هام لذا هو مضطر لإنهاء المكالمة معه... فتفهم غيث الأمر وأغلق معه المكالمة، بينما ظل جواد يربط بين حديث غيث وحديث ريم يوم انهيارها التام بين أحضانه، وأتخذ قراره أن يتحقق من الأمر كي يجمع بين ريم وشقيقتها المختفية...

_____________________

كان يقف أمام غرفة العمليات وهو عاقدًا يديه، ينظر على الباب ينتظر خروج الطبيب ليطمئنه على حالة لين، فجلس على إحدى الكراسي وهو يتذكر عندما رد عليه إحدى المارة الذين شهدوا على حادث لين التي كانت تمر الشارع وصدمتها شاحنة كبيرة، وفر سائقها دون أن يهتم بمن صدمها وهي لين... فأخبره انهم طلبوا لها الإسعاف واخذوها إلى مستشفى..... فأغلق إياد المكالمة على السريع وركب سيارته وقادها إلى المستشفى وهو يدعو أن تكون بخير .

في تلك الأثناء خرج الطبيب الذي أنهى عمليته للتو، فنهض إياد وركض ناحيته سريعًا وهو يسألها بلهفة ممزوجة بالخوف:

" لين كويسة؟؟ "

نزع الطبيب كمامته ثم اجابه بنبرته العملية:

" المريضة اتعرضت لخبطة قوية في دماغها ونزفت كتير، احنا عملنا اللي علينا والباقي على ربنا "

شحب وجهه من حديث الطبيب.. وسأله بهمسٍ ظهر به نبرة صوته المتألمة والخائفة من رد الطبيب على سؤاله:

" يعني إيه هتبقى كويسة مش كده؟؟ "

هز الطبيب رأسه وهو يطمئنه مراعيًا لحالته تلك:

" متقلقش هتبقى كويسة، احنا هنحطها تحت المراقبة الساعات الجاية... ولما تفوق هنقدر نقرر إن كان في أي تغيرات أو تضررات اتعرضتلها بسبب الخبطة... إنت بس ادعيلها "

أنهى الطبيب حديثه وهو يربت على كتفه وسار بعيدًا عنه، تاركًا إياه ينظر لباب غرفة العمليات وعيونه تلمع بالدموع من خوفه عليها، فهو يخشى خسارته يكفي أنه اضطر أن يصطنع عداوته مع أخيه لأجل حمايتها من الأذى.. وقد باتت محاولاته بالفشل وها قد تأذت حبيبته وبسببه هو فقط...

______________________

" مساءً "

خرجت فرح من غرفتها فور خروج ريم من عندها بعدما انتهت من مساعدتها بتحضير نفسها للقاء العريس.. سارت بالممر المؤدي للسُلم وهي تفرك يديها بتوتر ملحوظ، بدأت تهبط على الدرج بخطوات بطيئة ولم تنتبه لذلك المتصنم بالأسفل عند رؤيتها .

فكان مؤمن يراسل شهاب الذي رفض ملاقاة ذلك العريس لأنه أتى ليسرق حبيبة شقيقه... ولم ينتبه أن من سيُسرق سيكون حاضرًا مثل باقي أفراد العائلة، لكن ليس كغرضهم بل بغرض إفساد هذه الزيجة بطريقته الخاصة لإزاحة ذلك العريس الذي دعت عليه والدته في ساعة استجابة .

فوقف متسمرًا مكانه عندما رأها تتهادى بخطواتها البطيئة على الدرج.. بفستانها ذو اللون الأزرق ذو أكمام واسعة بطوله الذي يصل لكاحلها... وشعرها المنسدل على ظهرها بينما تمردت عدة خصلات فداعبت وجهها اللطيف الذي وضعت عليه بعضٍ من مستحضرات التجميل .

ف سُحِر من جمالها الأخاذ رغم جمالها الطبيعي.. إلا أنها بعيونه كانت اجمل بنات حواء، في هذه اللحظة التقت عيونهم بنظرة طويلة.. نظرات خجلة و معجبة فكادت عيون مؤمن أن تُخرج قلوب من شدة إعجابه بها الواضح الذي جعل الأخرى تشعر بالخجل مما أدى إلى تورد وجنتيها من الخجل .

وأخيرًا انتهت من هبوطها على السلم وتوقفت أمامه وقلبها يكاد يخرج من مكانه من شدة خفقانه لخجلها من نظراته المصوبة تجاهها، بينما لم يستطيع مؤمن أن يقف بعيدًا عنها فإقترب منها حتى وقف قبالتها وهو يقول بغزل لم يحاول كتمه:

" سبحان من صورك.. من يومك بتسحري اللي حواليكي، وخاصًة لو كان من الأساس مسحور بيكي فإنتِ بتزيديها على قلبه.. ف رفقًا بقلبه المسكين "

اتسعت عيناها مما تسمع... ووضعت يدها أعلى قلبها وهي تستشعر زيادة خفقانه وبدأت تتنفس بعنف غير مصدقة ما سمعته للتو ف مؤمن قد غازلها بكلمات من الممكن أن تكون بسيطة لكنها لمست قلبها من الداخل... فسألته وهي مأخوذة بكلماته بتلعثم:

" ق.. قصدك إيه؟؟؟؟ "

مال على أذنها فكادت أن تتراجع لوضع مسافة امان لكن ذلك الماكر لم يسمح لها وهو يقربها منه بإمساكه كفها الصغير بين يده... فشهقت فرح بصدمة لكنه لم يهتم وهو يقول بنبرة عاشق عانى من هجر محبوبته:

" ارحمي قلبي اللي تعب من حبك... "

انهت قدرتها على التماسك وكادت أن تسقط فأمسكها من حصرها مقربًا إياها منه وهو يقول بمشاكسة رفقًا بحالتها الذي تسبب بها:

" شكلي حسدتك بس أعمل إيه مقدرتش اخفي اعجابي بيكي "

" إيه اللي بيحصل هنا؟؟؟ "

دفعت فرح مؤمن بعيدًا وهي تنظر خلفها لصاحب الصوت الذي لم يكن سوى شهاب الذي هبط مجبرًا لإصرار مؤمن بوجوب وجوده معه.. فصُدم من رؤية أخيه المحترم وهو يحاصر فرح بين ذراعيه ويهمس لها ببعض كلمات لم يستطيع سماعها للآسف... فشعر بالأسى على حاله، فهو طوال فترة رفقته بالفتيات لم يصل لهذا الحد من التقارب معهم.. لكن أخيه الذي ظنه تربى قد فاقه بمراحل .

عندما وجدت فرح شهاب أمامها شعرت بالخجل مما جعلها تفر هاربة من أمامه، بينما مؤمن ولأول مرة يتخلى عن خجله فهو قد أتخذ فرح ملكية خاصة، ونظر إلى شهاب ببرود وهو يقول بغيظ:

" خربت عليا المشهد اللي ياما حلمت بيه، ربنا ينتقم منك "

ألقى حديثه ثم استدار متجهًا نحو البهو الكبير الذي سيستضيفوا فيه ذلك العريس.. تاركًا شهاب ينظر بأثره بإندهاش واضح وهو يقول بصوت متحسر:

" بقالي ٣ سنين بشقط بنات بس عمري ما وصلت للمرحلة دي... إما مؤمن اخويا المتربي سبقني، جاب منين الجرأة دي ده كان بيتكسف يبص لنفسه في المرايا.. حسرتي عليا أنا أكيد اتحسدت وهو اللي حسدني.. "

صمت ثم تابع بتوعد:

" ماشي يا مؤمن أنا هعرفك إزاي تحسدني... عيل بايظ بصحيح "

يتبع....



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة