
ممددة على السرير غير واعية لما يدور حولها... بينما يتفحصها مؤمن بجهاز الضغط فقد انخفض ضغطها لما مرت به بسبب كريم واتهامات زوجة عمه، إنما جواد كان يقف أمام السرير عاقد يديه ويتفحصها بعيونه.. يشعر بقبضة قوية تعتصر قلبه وهو يراها راقدة على السرير لا حول لها ولا قوة .
يتذكر حين سقطت فاقدة وعيها بين يديه ودموعها مازالت تسيل على خدها فحملها على السريع وهو يتأمل وجهها بقلق.. بحياته لم يشعر بما شعر به وقت اغماءها من، قلق، خوف، مشاعر كثيرة تتجمع بقلبه .
انتهى مؤمن من فحصها وأغلق جهاز الضغط فإقترب منه جواد سريعًا وهو يسأله بتوجس:
" مالها يا مؤمن؟؟ "
اجابه مؤمن وهو ينهض من جوار ريم محاولًا طمئنته:
" متقلقش يا جواد ريم كويسة بس ضغطها وطي بسبب الموقف اللي اتحطت فيه "
قبض على يديه بغضبٍ مكتوم وهو يتوعد لكريم لما حدث لريم فقط تستعيد وعيها وبعدها سيأتي لها بحقها وأمام عيونها...
راقبه مؤمن بارتياب فقد ظهر على وجهه الغضب، وفهم مؤمن أنه يحاول السيطرة على نفسه كي لا يفعل ما لا يحمد عقباه... فوجد نفسه يضع يده على كتفه ويقول بشك:
" فاهم إنت حاسس بإيه... بس اللي مش فاهمه ليه؟؟ "
سأله جواد وهو يرمقه بعدم فهم:
" ليه إيه؟؟ "
استرسل حديثه قائلًا:
" ليه متعصب للدرجادي؟؟ ليه خوفت لما اغمى عليها.. ليه اتعصبت لما مرات عمي اتكلمت عنها بشكل مش كويس.. ليه؟؟ وصدقني إجابة السؤال ده مش مهمة ليا قد ما هي مهمة ليك "
الحيرة والارتباك هما ما كان يشعر بهما جواد.. لم يستطيع تحديد إجابة لجميع أسئله مؤمن، فأخذ يسأل نفسه لماذا؟؟ لماذا لم يتحمل اتهامات والدة فرح الموجهة لريم؟ لماذا غضب حين علم بمضايقة كريم ذلك النكرة لها؟ كانت جميع الأسئلة تدور بعقله يريد التوصل لإجابة تريحه هو قبل أن يرد على مؤمن .
في تلك اللحظة وأثناء محاولة جواد لتحديد إجابة صريحة لما يشعر به تجاه ريم.. فُتح الباب ودخل شهاب الذي ظهر على وجهه القلق ف نظر إليه مؤمن الذي عقد حاجبيه حين لاحظ ارتباك شهاب وللحق فقد علم مؤمن سبب قلقه .
بينما جواد نظر له بتيه فقد قطع عليه دخول شهاب أفكاره... تقدم شهاب ثم توقف أمامهم وهو يهتف بنبرة يشوبها الارتباك:
" جدي طالبك يا جواد "
أغمض جواد عيونه بتعب وقد علم أن حان الوقت لمواجهة العمدة واخباره بالحقيقة، فهز رأسه بموافقة ثم ألقى نظرة أخيرة على ريم الراقدة على السرير يتفحصها، فوضع مؤمن يده على كتفه ليحثه على الخروج فإنتبه إليه جواد وبالفعل تحرك للخارج وقد سبقهم شهاب وهبط للأسفل .
__________________________
خلع الطبيب نظارته ووضعها على مكتبه بعدما تفحص الاشاعة الخاصة بلين وسط نظرات إياد القلقة، فتحدث الطبيب مخبرًا إياه بحالة لين بنبرته العملية:
" للأسف يا إياد شكي طلع في محله، لين فقدت ذاكرتها.. "
أغمض إياد عيونه بحزن فور سماعه بحالة لين.. لقد حاول يقسم أنه حاول حمايتها بقدر استطاعته لكن للأسف فقد حدث ما حدث دون إرادته ولكن بسببه، تابعه الطبيب بنظرات مشفقة على حالته فماذا سيفعل حين يخبره بباقي حالتها فقال مواسيًا إياه:
" ده مش وقت ضعف يا إياد لين محتاجاك.. وخاصًة في الوقت ده "
فتح إياد عيناه الذي امتلأت بالدموع.. دموع ندم، خوف، ذنب قد اقترفه بحقها فبسبب حبه لها تعرضت حبيبته للأذى، حمحم قبل أن يسأله بصوتٍ متحشرج:
" يعني هي مش هتفتكرني؟؟ "
ألقى الطبيب نظرة على الأشعة التي بيده قبل أن يجيبه:
" لين مش فاكرة أي حاجة عن حياتها غير إن عندها 10 سنين "
سأله بتشوش:
" يعني إيه 10 سنين؟؟؟ "
" يعني تصرفاتها، كلامها، كل حاجة هتعملها هتبقى في حدود العشر سنين... باختصار لين رجعت طفلة محتاجة رعاية شديدة وكمان رقابة فهمتني؟ "
اماء رأسه بحزنٍ واضح قبل أن يقول بتيه وهو ينهض من الكرسي:
" فهمت.. فهمت "
أعطاه ظهره وسار نحو الباب وكلمات الطبيب ترن بعقله.. فقدت ذاكرتها، عمر ال 10 سنوات، طفلة؟؟
رغم اتضاح حالة لين له إلا أنه ما زال متمسك بها لن يتخلى عنها، ليس فقط من شعوره بالذنب تجاهها.. بل بسبب عشقها الساكن داخل قلبه .
بعدما خرج من مكتب الطبيب اتجه لغرفتها المحتجزة بها وهو يخرج هاتفه من جيبه ليتصل بنصفه الآخر فهو في أمس الحاجة له في هذه اللحظة.. ضغط على زر الاتصال ثم وضعه على أذنه منتظر رد الآخر .
_________________________
جالسة بجواره في السيارة بعد انتهاء جولتهم.. فقد اخذها مراد إلى مطعم ليتناولوا الافطار ثم اتجهوا إلى الملاهي كما أرادت هي... بينما مراد لم يستطع رفض أي طلبًا لها فهو يتذكر توصيات إياد له بإسعادها حتى وإن أُجبر على الزواج منها بالتهديد .
ألقت نظرة عليه فوجدته يقود السيارة بانتباه شديد... ابتسمت وهي تتأمل ملامح وجهه الرجولية وذقنه الخفيفة التي تجذب أي فتاة له، ولن تنكر أنها من هؤلاء الفتيات الذين انجذبوا إليه ، حين رأته للمرة الأولى لم تنتبه لملامحه قط فقد كان كل شغلها الشاغل هو الهروب من رجال والدها .
لكن اليوم حين رأت شخصيته اللطيفة التي صدمتها فهي لم تتوقع أن مراد ذلك الرجل الذي توعدها بتحويل حياتها لجحيم هو نفسه الذي عرض عليها اليوم أن يُخرجها وبالطبع هي تعلم سبب مبادرته اللطيفة هذه... وهي محاولته لإخراجها من حالة الحزن التي سيطرت عليها بعد صدمتها بحقيقة والدها .
شعر بعيونها المرتكزة عليه فإبتسم باستمتاع.. لم يكن يعلم أن العمل بنصيحة شقيقه ستأتي بثمارها بهذه السرعة، فهي منذ أن تزوجها اتخذت غرفتها وسيلة للهروب منه والاحتكاك معه.. والآن تنظر له بعيونها المعجبة تتفحص ملامح وجهه والتي هو متأكد أنها جذابة بالطبع.. تسلل الفرح داخله ولا يدري السبب ألأنها لم تعد تخشاه كما كانت؟ أم أن شعور الانتقام بداخله بدأ يتلاشى وحل محله ال... إعجاب!!! .
لا لا لا أنه يتوهم فقط ف مراد عز الدين لن تستطيع أي فتاة سرقة قلبه الذي لطالما حافظ عليه وحاوطه بأسوار تحميه من عذاب الحب ونيرانه، لذا حمحم قبل أن يسألها بنبرة خشنة وعيونه تتنقل بينها وبين الطريق:
" انبسطي انهاردة؟؟؟ "
هزت رأسها وهي تبتسم باتساع حين أتاها سؤاله مما جعل ابتسامة خفيفة تظهر على شفتيه لرؤيتها بهذه السعادة، بينما قالت حياة بفرح وضح بصوتها:
" جدًا.. متتخيلش قد إيه أنا فرحانة وكله بسببك، شكرا يا مراد لإنك حاولت تفرحني و... "
قاطعها حين قال بنبرة حاول جاهدًا أن تكون لطيفة.. تلك اللطافة التي كان يستنكر افتعالها بالماضي لكن مع حياة بدأت أساسيات حياته تتغير واحدة تلو الأخرى فهي غير:
" ده واجبي يا حياة.. طبيعي لما اشوفك زعلانة احاول افرحك مش أنا جوزك بردو ولا إيه؟؟ "
توردت وجنتيها وهي تهز رأسها بإيجاب ثم اخفضت رأسها.. ولم تستطيع الرد فكان الخجل يحتلها بسبب كلماته التي لامست قلبها، إنما ذلك الخبيث فقد كان مستمتعًا بخجلها الذي كان له السبب فيه وقرر اعفاءها اليوم من كلماته التي جعلته يود لو.... لا لا مراد منذ متى وأنت تفكر بهذه الأفكار الخبيثة فقط ركز للطريق أمامك وارحم خجلها وارحم حالك قبل أن تتهور .
بعدما قرر عدم الاستمرار في متابعة حديثه رن هاتفه برقم إياد.. فقطب حاجبه باستغراب فقد تحدث معه صباحًا واطمئن عليه، فمد يده ملتقطًا هاتفه وقبل أن يرد وصل له صوت إياد بنبرته المهزوزة التي أثارت قلقه على شقيقه:
" مراد أنا محتاجك "
فور سماع كلماته ضغط على الفرامل بقدمه سريعًا حتى كادت رأس حياة أن تصطدم بالتابلوه.. بينما سأل مراد بنبرة قلقة دون أن يسأله ما به فهو طلبه ويجب عليه تلبية طلبه والذهاب إليه فورًا:
" قولي إنت فين وهتلاقيني قودامك؟؟ "
تابعت حياة ملامح وجهه المنقبضة وضغطه على المقود كأنه يحاول كتم غضبه بداخله وألا يثور.. شهقت حين ألقى مراد الهاتف بعنف حتى سقط على أرضية السيارة وأعاد القيادة من جديد، لكن هذه المرة زاد من سرعته حتى يصل لأخيه الذي بحاجة ماسة له..
فإبتلعت ريقها بخوف ولم تقدر على سؤاله ما الذي حدث ليغير مزاجه من الهدوء إلى الغضب، فيكفي مظهره الذي أثار ريبتها لذا صمتت وهي تتابع جمود ملامحه، واشتداد يده على المقود، وعيونه الحادة المصوبة ناحية الطريق برهبة من الأتي .
________________________
وقف أمام العمدة بغرفة مكتبه الخاصة الذي اجتمع به رجال العائلة بدءًا من العمدة حتى شهاب اصغر رجل بالعائلة.. تقدم العمدة الواقف بجوار مؤمن حتى وقف قبالة جواد وهو يأمره بنبرة جادة حاول بها كبت غضبه لخداع جواد له:
" بكل هدوء هتفهمني سبب خداعك ليا، وتمثيلك إنت وريم انكوا متجوزين "
ابتلع شهاب ريقه وهو يرمق مؤمن بنظرات مضطربة فبادله الآخر نظرات قلقة.. بينما كان جواد كما عهده الجميع يقف بثبات لم يهتز لنبرة العمدة أو ضغطه على فكه في محاولة منه للتحكم بغضبه، فزفر قبل أن يقول بجمود:
" تمام أنا وريم جينا هنا وو.... "
بدأ يسرد له سبب قدومه مع ريم إلى هنا بالتفصيل الممل فهو لم يحب أن يخفي عنه شيئًا.. حتى يرتاح من ثقل إخفاء الحقيقة عنه وخداعه، اتسعت عينا الجميع مع استمرار شرح جواد لأسبابه حتى انتهى وهو يتنفس بسرعة وينظر بوجوه الجميع منتظر ردة فعلهم على ما قاله .
فسمع الجد الذي قال بغضبٍ مكتوم:
" إنت مش شايف انك غلط وحطيت ريم بموقف وحش قدام الكل.. حضرتك قولتلي أنها مراتك حتى من غير ما تقولها على الخطة.. وهي كملت معاك الكذبة وبقت بنظر الكل مراتك، ده غير انك كنت بتنام معاها في أوضة واحدة، عارف الناس هتقول عليها إيه؟؟ سمعتها هتتشوه في البلد كلها و... "
اعترض جواد قائلًا:
" ومين يعرف بالموضوع علشان سمعتها تتشوه؟؟ "
ابتسم العمدة بتهكم واجابه:
" بالنسبة لأهل كريم دول إيه؟؟ ده غير الخدم الكل عرف إن ريم مش مراتك والخبر هينتشر بسرعة، وقتها مين هيسكت الناس "
رد جواد باندفاع:
" أنا هسكتهم "
" هتسكت مين ولا مين.. الموضوع مش هيتخبى كتير فلازم نحل الموضوع بسرعة قبل ما الخبر يطلع برا السرايا "
اقتنع جواد بحديث العمدة لذا سأله بترقب:
" وإيه الحل؟؟ "
اجابه بثبات وعيونه تتابع وجهه ليرى ردة فعله على اقتراحه:
" تتجوزها "
تشنج وجه جواد وجحظت عيناه من الصدمة وهو يررد بتيه:
" اتجوزها؟؟ "
رد العمدة بإيجاز:
" مفيش حل غير ده علشان تحمي ريم من كلام الناس "
تراجع جواد للخلف وهو يفكر باقتراح العمدة.. يعلم أن موقفهم صعب وخاصًة ريم، فهي فتاة وبالتأكيد ستتأثر بحديث الناس إنما هو فلم يهمه أحد غيرها يخاف عليها أن تسمع اتهامات الناس لها.. لكن زواج؟ هل انتهت حلول الأرض كما يقولون حتى يتزوجها!!
بالنسبة له ليس لديه أدنى مشكلة بالزواج منها طالما سيحافظ على سمعتها.. لكن ريم!
هو متأكد أنها سترفض بكل تأكيد ليس كرهًا به بل حفاظًا على كرامتها أمامه.. لن توافق عليه عندما تعلم أسبابه وأنه مضطر، فحسب معرفته بها فهو يعلم أنها سترفض رفض قاطع على هذا الاقتراح لذا قال بنبرة حاول أن تكون ثابتة قدر الإمكان:
" بس ريم.. "
قاطعه العمدة حين قال بحكمة:
" اقنعها بطريقتك وبإذن الله هتوافق.. المهم إنت موافق؟؟ "
نظر أمامه وهو صامت فشك العمدة برفضه.. إلا أنه ابتسم براحة حين سمعه يقول بنبرة حاسمة:
" موافق.. "
_______________________
شعرت بالملل بغرفتها لذلك قررت التجول بالحديقة قليلًا كي تقضي على هذا الملل.. هبطت للأسفل وخرجت الحديقة فشعرت بالهواء يصطدم بوجهها فارتعش جسدها من برودة الجو.. وفكرت أن تصعد لغرفتها لترتدي أي شال او جاكت ليدفئها من هذا البرد، لكن منعها كسلها احييكي مريم .
سارت بالحديقة وهي تحك ذراعيها بيديها لعلها تدفئ نفسها.. وشردت بما مضى من حياتها، ولم تنتبه لذلك الواقف بشرفة غرفته يراقبها مستندًا بيديه على حافة الشرفة الحديدية.. يراقب سيرها البطئ ومحاولاتها لتدفئة جسدها في هذا الوقت المتأخر من الليل، غبية مريم فالجميع نيام في هذا الوقت ينعمون بدفء اغطيتهم.. وأنتِ تتجولي بهذا البرد!! .
فنفخ بضيقٍ منها فهو مجبر على الهبوط للأسفل في هذا الجو البارد.. دلف لغرفته وفتح خزانته ليخرج لها سترة ثقيلة ليلبسها إياها لتحميها من البرد القارس، هبط للأسفل وخرج للحديقة فإتجه للمكان الواقف به والذي كان أمام نافورة مياه كبيرة بمنتصف الحديقة الواسعة.. لقد شك أنها غبية والآن تأكد، تريد الاحتماء من البرد لتقف أمام المياه الباردة! حقًا هو لا يريد قول ذلك لكنها فتاة حمقاء .
تقدم منها حتى وقف خلفها إلا بمسافة قصيرة تفصل بينهم فلم تشعر به فقد كانت شاردة بالمياه وبذكرياتها بذلك اليوم الذي التقته فيه حين ساعدها على الهروب من ذلك المكان .
شعرت بشيء يوضع على كتفيها وما كان سوى جاكت غيث، التفتت تنظر له بفزع فتفهم خوفها لذا قال بنبرته الهادئة ليطمئنها:
" اهدي أنا غيث "
تمسكت بالجاكت الذي كاد أن يسقط وهي تتنفس براحة.. ثم سألته باستغراب:
" إنت لسه صاحي؟؟ "
ابتسم مجيبًا إياها وهو يضع يده بجيبه ليحميه من البرد:
" ايوا وشوفتك من فوق علشان كده نزلت اشوفك.. ولو متضايقة من وجودي أنا ممكن اط... "
قاطعته سريعًا:
" لاء لاء أنا معنديش مشكلة خليك معايا "
اخفضت صوتها بأخر جملتها فقد شعرت بالخجل لما تفوهت به.. فحاول غيث إخفاء بسمته من الظهور كي لا يزيد خجلها، ثم سألها باهتمام:
" إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟؟ "
اجابته وهي تتحاشى النظر بعيونه من فرط خجلها:
" حسيت بالملل علشان كده قولت أتمشى شوية "
هز رأسه وعيونه تتفحص وجهها ورغم عتمة المكان إلا أنه استطاع رؤية احمرار وجهها ومحاولتها البائسة لتفادي النظر إليه، فسمعها تسأله بعدما رفعت رأسها تنظر له بعيونها الساحرة.. نعم لقد سحرته منذ أن أبصر عيونها للمرة الأولى:
" غيث امتى هتوصل لأهلي؟؟ "
رغم سعادته بنطقها اسمه للمرة الأولى إلا أن سؤالها ازعجه.. يعلم أنها تتوق لرؤية عائلتها لكنه يعلم انها ستتركه حين تعرفهم وستذهب للعيش بينهم، لذا رد حين وجدها تنتظر اجابته على سؤالها بإيجاز يشوبه الضيق:
" قريب بإذن الله "
أهدته ابتسامة شاكرة بعيونها الناعسة فقد شعرت بالنعاس يجتاحها لذا قالت وهي تزيل جاكيته التي لم تلبسه بعد:
" شكرا يا غيث على كل حاجة عملتها معايا من ساعة ما شوفتني أول مرة.. وكمان علشان الجاكت "
مدت يدها الحاملة للجاكت له فأخذه منها وهو عاقد حاجبيه.. فتابعت مريم بصوت ناعس قبل أن تتحرك من جانبه:
" تصبح على خير يا غيث "
اصطدم كتفها بكتف غيث فأغمض عينيه باستمتاع بقربها منه.. بينما اعتذرت منه الأخرى بصوتٍ خافت قبل أن تفر من أمامه بسرعة وهي تشعر بالحرارة تتسرب لجسدها بسبب قربها منه، أما غيث ففتح عيناه ونظر بأثرها وهو يتمتم بإصرار:
" مستحيل اسيبك يا مريم حتى لو لقيت أهلك، مش معقول بعد ما سرقتي قلبي بالبساطة دي اسيبك.. "
اتخذ قراره وعزم على تنفيذه بأقرب وقت.. فقد احتلت مريم قلبه فأصبحت وطنه الذي لا يستطيع الابتعاد عنه..
_______________________
بعد انتهاء جلسة الرجال بمكتب العمدة.. صعد جواد لغرفته المشتركة مع ريم سابقًا فقد بعد معرفة الجميع بحقيقة خداعهم أمره العمدة بالإنتقال إلى غرفة أخرى لحين زواجهم .
دلف الغرفة فسقطت عيونه على ريم التي ما زالت تنام حتى الآن تاركة إياه يواجه الجميع بمفرده، هو يعرف أنه ورطتها بهذه الكذبة لكن ماذا سيحدث اذا ساندته في هذه المشكلة.. هذا ما كان يفكر فيه أو لنقول أنه يحاول أن يخفي قلقه وخوفه عليها .
اقترب من الخزانة بعدما وضع حقيبة سفره الصغيرة على السرير بمسافة بعيدة عن ريم وبدأ يخرج ملابسه لإنتقاله لغرفة أخرى.. فوصل له صوت همهمات منخفضة وقد كانت من ريم التي بدأت باستعادة وعيها، لذا اقترب منها سريعًا للإطمئنان عليها .
بدأت بفتح عيونها ببطء فكانت الرؤية مشوشة أمامها لكنها شعرت بيد تمسك يدها فحركت رأسها للجانب قليلًا كي ترى من الفاعل فرأت جواد الذي يحتضن كفها بين يده.. وينظر لها ب... لم تستطيع تحديد ماهية تلك النظرات لكن حتمًا أنها نظرات قلقة .
سألها بتلهف عندما التقت عيناهم:
" ريم إنتِ كويسة؟؟ حاسة بحاجة انادي مؤمن؟؟ "
لم ترد عليه رغم استغرابها لحديثه بإحضار مؤمن.. فهي لا تعلم بأنه طبيب حتى جواد لم يكن يعلم ذلك إلا حينما اغشي عليها بين يديه، قلق من صمتها لذا ناداها بترقب:
" ريم.. "
أغمضت عيناها حين شعرت بتجمع الدموع بها.. فهي تذكرت ما حدث قبل اغماءها من مضايقة كريم لها، اتهامات والدة فرح، دفاع جواد عنها، واخيرًا فقدانها للوعي، شعرت بيده تضغط على كفها كأنه يخبرها أنه معها دائمًا وابدًا .
فتحت عيناها حين وصل لها صوته المتوعد:
" لو مفكرة اني سيبت حقك تبقي غلطانة.. حقك هاخده تالت ومتلت من الحيوان ده لأنه فكر بس يلمسك أو يبصلك، ده غير انك لسه هتجيبي حقك منه.. "
ترك جملته المبهمة مفتوحة فلم تفهمها.. وقد قصد كي يسمع صوتها الذي أشتاق له، وقد نجحت طريقته حين تسائلت ريم بصوتها الضعيف:
" هجيب حقي إزاي؟؟ "
ابتسم وهو يتذكر عندما أمر شهاب بحبس كريم بإحدى الغرف بعدما حمل ريم الغائبة عن الوعي.. لحين تفرغه له، انزعجت من عدم رده عليها فنادت اسمه بضيق:
" جواد "
" عيونه "
هتف كلمته بدون وعي.. كلمة بسيطة جعلت ريم تشهق بصدمة بجانب احمرار وجنتيها من الخجل، وإن ظننتم أن جواد قد انزعج من نفسه لنطقه هذه الكلمة فقد اخطأتم، ربما كانت زلة لسان لكنها نابعة من قلبه.. هل اعترف لنفسه بحبها؟ ليس بعد لكنه بدأ يدرك حبه لها فقط لأنه نطق بهذه الكلمة الصغيرة التي جعلته يدرك أن تلك الريم الفتاة المزعجة الذي أراد أن يحطم لها رأسها قد استوطنت قلبه بهذه السهولة؟ .
كان يفكر متى وكيف احبها.. بينما عيونه مسلطة عليها يتأمل وجهها بصمت مع بسمة صغيرة تحتل شفتيه لم يستطيع إخفائها خاصًة بعدما اكتشف حقيقة مشاعره تجاهها .
بينما الأخرى رغم خجلها من نظراته تلك إلا أنها دفعت يده بعيدًا عن كفها وهي تعتدل ببطء لتجلس على السرير وسط عيونه المندهشة بفعلتها تلك.. وما كاد أن يسألها فقاطعته حين سألته بنبرة حاولت جاهدًا أن تكون ثابتة لكنها اهتزت فشعر بها جواد:
" إيه اللي حصل بعدما اغمى عليا؟؟ العمدة عمل إيه بعدما عرف اننا خدعناه؟؟ "
ابتلع ريقه بتوتر فهو لم يحضر كلماته بعد.. كيف سيخبرها بقرار العمدة، أو بقراره هو!!!
فإتخذ قراره بأن يلقي كلمته سريعًا بوجهها.. ويستعد لثورانها عليه، لذا قال بابتسامة مضطربة وببساطة كأنه يخبرها عن أحوال الطقس:
" قرر يجوزنا... "
_________________________
طرق على باب غرفتها وهو يستحضر كلماته التي سيقولها.. لقد انتظر كثيرًا وها قد حان انتهاء انتظاره باعترافه لها بحبه، فتحت الباب وهي تنظر له بعيون دامعة ولم تُبدل ثيابها بعد، وقعت عيونه على عيونها الدامعة والتي سادها الاحمرار بالطبع من بكاءها.. لكن لماذا كانت تبكي؟
هل لأن زيجتها قد خُرِبت!! .
غليّ الدم بعروقه عندما أتت له هذه الفكرة.. هل كانت تريد أن تتم هذه الزيجة؟ تريد إيلام قلبه بتركها له، يعرف أنها حتى الآن لم تعرف بحبه لها لكن ألم تشعر به وباهتمامه بها؟ حبه كان واضحًا أمام الجميع إلا هي.. والآن قد اثبتت بحق أنها غبية حمقاء كما يصفها شهاب دائمًا .
استغربت مجيئه لغرفتها بهذا الوقت وقبل أن تسأله عاجلها بسؤاله الذي ظهرت بنبرته الضيق وقد كان مؤمن على حافة الانفجار بوجهها من شدة غيرته عليها:
" كنت بتعيطي علشان الجوازة باظت؟؟ "
انفرج فمها بصدمة، هل يظن أنها تبكي لأجل ذلك الحقير الذي تعدى على ريم؟ حتى وإن لم يفعل فهي لم تكن مرتاحة للقاءه، لذا اجابته بنبرة غاضبة لسوء ظنه بها:
" لاء طبعًا وأنا هزعل ليه على واحد حقير زي ده، كفاية أنه ظهر على حقيقته قدام الكل.. والحمدلله إن ريم فضحته وألا كنت اتورطت فيه "
رغم ارتياحه من رده إلا أنه بادر بسؤالها بشك:
" اومال بتعيطي ليه؟؟ "
نفخت بضيق وهي تجيبه:
" بعيط علشان ريم.. "
صمتت قليلًا قبل أن تتابع بنبرة حزينة فقد تملكها شعور الذنب تجاه ريم.. فهي السبب بمضايقة كريم لها:
" بسببي كريم ضايق ريم.. يعني لو مجاش يتقدملي مكنش حصل كده معاها، علشان كده كنت بعيط لإني حسيت بالذنب بسبب اللي حصلها "
رد باندفاع:
" وإنتِ حاطة الحق عليكي ليه؟ إنتِ ملكيش ذنب باللي حصلها.. علشان كده عايزك تنسي الموضوع ولو فضلتي حاسة بالذنب تجاهها بكره الصبح روحي واعتذريلها "
ابتسم له بامتنان وهي تشعر بالراحة من حديثه فهو استطاع تخفيف بعضٍ من ضيقها.. فقالت شاكرة:
" شكرا يا مؤمن لولا كلامك كنت هفضل اعيط طول الليل "
هز رأسه قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة ماكرة جعلتها تتوجس خيفة منه.. وقال بنبرة خبيثة ظهرت بوضوح على صوته:
" لو عايزة تشكريني بجد اقبلي تتجوزيني... "
يتبع...
الفصل التاسع والعشرون من هنا