
صلوا على الحبيب
وسع عينه فجأة أول ما شاف رحاب واقفة قدام الأوضة اللي جنب أوضة أسيل، وبتتكلم مع شريف!
رجع بسرعة على الأوضة وقفّل الباب وراه وهو مرعوب، وقف لازق فيه وأنفاسه عالية ومتلخبطة، فاستغربت أسيل رجوعه المفاجئ وبصّتله باستفهام.
قالها بصوت واطي بالعافية يتسمع:
"طنط رحاب برا..."
اتخضّت أسيل، وفكرت فورًا إن ممكن تكون رحاب شافته، بس حبت تتأكد قبل ما الشك يجننها، قامت جابت الدفتر وكتبتله:
"شافتك؟"
قرا اللي كتبته وبصّ لها وهو بيهز راسه لا، ولسه هي بتستوعب، سمعوا خبط على باب الأوضة، قلبهم وقع في رجلهم من الخوف والتوتر. يزن قرّب منها وهمس:
"هنعمل إيه دلوقتي؟!"
بصّتله وهي تايهة ومش فاهمة أي حاجة، دي أول مرة في حياتها يدخل راجل أوضتها، ولو رحاب دخلت وشافته مش هتسكت أبدًا، وهتغضب أبوها عليها.
"أنا عملت إيه في نفسي بسبب الأحمق ده... يا ريتني كنت طلعته من الأول."
وفجأة صوت رحاب جه صارم من ورا الباب:
"أسيل افتحي الباب وإلا هفتحه أنا!"
صوتها كان مقرف بالنسبة لأسيل، غمضت عينيها بوجع، وفي اللحظة دي حست بإيده ماسكة دراعها وهو مرعوب وبيترجاها:
"لو دخلت وشافتني ه… هنعمل إيه يا أسيل؟"
بصّتله بضيق، ما هو السبب في المصيبة دي كلها. سابته وراحت على الدولاب، فتحته وبصّتله، وشاورتله يدخل جواه يستخبى.
ما فكّرش ولا ثانية، دخل بسرعة، مفيش وقت للتفكير أصلًا.
قفلت أسيل الدولاب، ولسه بتلف، لقت الباب بيتفتح، ودخلت رحاب وشها كله غضب، وبتتكلم بعصبية:
"إنتِ مش سمعاني كل ده ولا إيه؟! ما إنتِ صاحية أهو!"
أسيل بصّت لها ببرود، وراحت على السرير وتمدّدت عشان تنام ولا كأنها سامعاها، وده ولّع رحاب أكتر. قرّبت منها بسرعة وقالت:
"لولا إن عندنا ضيوف كنت عرّفتك مقامك كويس، وعلمتك إزاي تتجاهليني كده! واحدة صاحبتي كلمتني على عريس ليكي، مفيهوش غلطة، ولو طفشتيه تاني يا أسيل، والله لتشوفي وش عمرك ما شوفتيه، وهرميكي لأحقر واحد أشوفه قدامي! احمدي ربك إني بدوّرلك على ولاد أكابر، سامعاني؟!"
خلصت كلامها وخرجت وقفلت الباب وراها بعنف.
هو مش فاهم ليه اتضايق؟ ليه جسمه ولّع أول ما سمع إن في حد جاي يتجوزها؟ هو مالُه أصلًا؟!
مشاعره اتلخبطت بطريقة غريبة، أول مرة يحس إحساس فيه رهبة، وفيه ضيق، وفيه حتة فرح!
افتكر لمساتها على شفايفه، قلبه دق بسرعة وحس بسعادة…
"إيه الإحساس ده؟!"
فتح باب الدولاب بهدوء وبصلها من طرف عينه، لقاها نايمة ومش عايزة تشوفه، قرّب من السرير وهمسلها بحنين:
"إنتِ كويسة؟"
كانت مغطية راسها بالبطانية، بس حست بإحساس غريب… هو بيطمن عليها؟ حس بحزنها؟
هو في حد في الدنيا دي أصلًا حاسس بزعلها؟
لما ما ردتش، فهم إنها مش عايزة تتكلم، فقال بهدوء:
"هقابلك بكرة… لازم نتكلم. تصبحي على خير يا… أسيل."
القشعريرة اللي جت لها أول ما نطق اسمها!
ليه صوته كان مختلف المرة دي؟ مبحوح شوية، فيه حنين!
ما سمعتش اسمها كده قبل كده… صوته كان مريح، حسّت بالأمان.
إزاي من شوية كانت خايفة منه، ودلوقتي كلمتين منه قلبوا إحساسها؟
رفعت البطانية وبصّت عليه وهو بيخرج… قد إيه كانت نفسها توقفه وما تخليهوش يمشي.
افتكرت هزارُه معاها وكلامه الكتير… كان مزعج، بس إزعاجه حبّته.
افتكرت كلام رحاب، وعينيها دمعت، دي المرة الألف اللي تجيب لها عريس عشان تخلّص منها، وهي كل مرة بتهرب، بس المرة دي؟
هل هتعدي زي اللي قبلها؟
ولا رحاب هتنفّذ تهديدها وتوريها الشر بعينه؟
في الآخر استسلمت للنوم، عقلها تعب من التفكير اللي ما بيقفش.
______________________
كان ماشي في الممر اللي فوق، وسرحان فيها… زي عادته دايمًا.
قابلته رحاب، سلموا على بعض بابتسامة مصطنعة، مع إن الحقيقة إن ولا واحد فيهم طايق التاني.
يزن نزل لتحت، لقى أبوه بيستعد يمشي، أول ما شافه بصله باستفهام كده كإنه بيسأله اتأخرت ليه.
يزن اتكلم واعتذر قدام الكل:
"أنا بجد آسف إني اتأخرت كده، حصلت مشكلة واضطريت أطلع الحمام اللي فوق، واتأخرت شوية… بعتذر مرة تانية."
شريف ابتسم له وقال:
"ولا يهمك، عادي."
رحاب بصّتله بشك وقالت:
"غريبة… إيه اللي يخليك تطلع الحمام اللي فوق مع إن في واحد تحت؟"
الخدامة اتدخلت، من غير ما تعرف إنها كده بتنقذ يزن من ورطة كبيرة، وقالت:
"كان في مشكلة في محبس الميه يا رحاب هانم، ومش هتتكرر إن شاء الله، صلحناه. وأنا عشان ما أزعجش الباشمهندس يزن، عرضت عليه الحمام اللي فوق لحد ما نخلص."
رحاب هزت راسها بتفهم، وبعدها عبد الله ويزن استأذنوا ومشيوا من بيت شريف.
طلع أوضته، غير هدومه، ورمى نفسه على السرير وهو تعبان، وزفر نفس طويل. فجأة ابتسامة هادية ظهرت على وشه وهو بيفتكر ملامح وشها، وابتسامتها أول ما فتح عينه، وإزاي حطت صباعها الصغير على بُقه…
إزاي ينسى إحساس زي ده؟
حط صباعه على شفايفه وعدّى عليه بهدوء، وحاسس بحاجة جواه مخلياه مبسوط.
وفجأة ضرب نفسه على وشه وقال:
"اتخمد."
راسُه لسه بتوجعه من خَبطة المزهرية، بس كدمة بسيطة وهتخف.
افتكر كل اللي حصل النهارده معاها من الأول للآخر، وفضل يبتسم.
اللي حصل كفاية قوي إنه يفضل سهران طول الليل، بيفكر فيها…
إزاي يقدر يخلي البنت الشاحبة دي، الهزيلة جسمًا وروحًا،
تحب الحياة من جديد؟
وتحس بالسعادة؟
______________________
"حبيبي عامل إيه؟"
دعاء كانت مبتسمة أول ما شافت ابنها عمر داخل، بس ابتسامتها راحت مرة واحدة لما لمحت يارا وراه، ضمّت شفايفها بعدم رضا.
يارا دخلت وهي مبتسمة وسلمت عليها، وأول ما علا شافتها جريت عليها حضنتها جامد وبحب وقالت:
"وحشتيني يا يويو! إخص عليكي، كل الغيبة دي ومشوفكيش؟ النهارده مش هسيبك، طول الليل رغى ومفيش نوم، وورانا حوارات قد كده!"
ضحكوا هما الاتنين، وراحت هي وعلا ناحية أوضتها، بس دعاء وقفتهم وقالت:
"استني يا علا، نتعشى الأول وبعدين خديها أوضتك، وبعدين أخوكي علي لسه مجاش."
وفجأة علي ظهر وراهم، كان طالع البيت ولما لقى الباب مفتوح دخل، وقال:
"مين قال علي مجاش؟ فين الأكل يا ماما أنا جع...
(لمح يارا فابتسامته وسعت قوي)
أهلا أهلا يا يارا، عاملة إيه؟ وطنط رحاب أخبارها إيه؟ عمر ده مزعلك في حاجة؟"
عمر ضحك وهو بيشاغب أخوه الصغير، وراح أوضته يغير هدومه. بعد شوية رجع، لقى علا وعلي قاعدين حوالين يارا، بيكلموها وضحكهم عالي كإنهم إخواتها بجد.
يارا حسّت إنها أحسن، ولمحته واقف وبيبتسم لها، فبادلته الابتسامة بخجل وكملت كلامها معاهم.
كان باصص لها وبيتمنا الابتسامة دي تفضل على وشها دايمًا، لحد ما سمع صوت أمه وراه بتهمس بحدة:
"جيبتها ليه؟"
عمر عينيه وسعت وبصلها باستغراب:
"يعني إيه جيبتها ليه يا ماما؟! إنتِ مالك الفترة اللي فاتت مش طايقة يارا كده ليه؟"
دعاء ردت بعصبية:
"رد على سؤالي، جيبتها ليه؟"
عمر زفر بضيق وقال:
"نفسيتها تعبانة قوي، فجبتها هنا تفك شوية، تغير جو مع علا وعلي."
دعاء همست بغضب:
"وإحنا مالنا؟ هو إحنا مبقاش ورانا غير يارا ونفسيتها؟ ركّز في حياتك يا عمر… وبعدين مودة فين؟ أكيد متخانقين، صح؟"
عمر قال بضيق:
"أيوه يا ماما، هي اللي بعدت، وإحنا بنتخانق دايمًا على ولا حاجة. مودة اتغيرت أصلًا."
دعاء ضحكت بسخرية:
"ما أكيد، طول ما الزفتة دي حواليك مش هتسيبك ترتبط ولا تكون حياتك."
سيبته ومشيت، وكلامها عن يارا استفزه.
ليه شايفة دايمًا إن يارا هي سبب المشاكل بيني وبين مودة؟
وهي مش عارفة إن يارا هي اللي دايمًا بتصلّح بينا!
بس المرة دي فعلاً بقى بيعيد حساباته مع مودة، ومش عارف ياخد إيه قرار بخصوص علاقتهم.
دعاء حطّت الأكل على السفرة، وصحّت عدلي جوزها من النوم عشان يتعشوا سوا. عدلي رحّب بوجود يارا، هو بيحبها وبيعتبرها بنته الرابعة، ومبيفرقش بينها وبين ولاده.
عدلي سألها:
"عاملة إيه في الكلية يا يارا؟"
يارا ابتسمت وقالت:
"الحمد لله، خلصت امتحانات."
علا قالت بمشاكسة:
"مش هتفرحينا بقى؟ دي آخر سنة ليكي، أنا عايزة ألبس فستان سواريه، محدش في العيلة بيفرح خالص!"
يارا ضحكت، ودعاء قالت:
"البسيه إنتِ قبلها، بس ميكونش سواريه، يبقى أبيض!"
علا شهقت وقالت:
"يختي تفّي من بوقك يا ماما، وبعدين جوزوا الكبير الأول! ده كل شوية يتخانق مع مودة ومش راضي يفرحنا."
علي قال وهو بيضحك:
"والله مودة دي عسل، أخوكي هو اللي نكدي."
عمر ابتسم وبصّ ليارا، واتصدم إنها سرحانة وبتلف في الأكل في طبقها، فحب يغير الموضوع، وبص لأخوه بمكر وقال:
"سيبكم من مودة دلوقتي… مش بيقولوا نتيجة علي ظهرت؟"
الأكل وقف في بُق علي، ومقدرش يبلعه، وبصّ لأخوه بتوتر.
عدلي كمل بنفس المكر:
"واتقال إنها ظاهرة من أسبوع… مش سألناك وقلت إن النتايج لسه منزلتش، وإن لو نزلت نتيجتك مش موجودة عشان إنت نحس؟"
علي بلع بالعافية وقال وهو متلخبط:
"أه… أه… ظهرت، وأنا فعلاً روحت أشوفها، بس ملقتهاش!"
الكل استغرب، ودعاء قالت باستغراب:
"يعني إيه ملقتهاش؟!"
عمر ضحك وقال:
"سيبيه يا ماما، هو كل سنة بيقول البوقين دول."
يارا كلمته وهي بتضحك:
"هم مستقصدينك؟ مش ده برضو اللي حصل السنة اللي فاتت !!"
الكل ضحك، وعلا كلمت علي وهي ماسكة السكينة وبتلوّحله بيها بتهديد هزار:
"ما تقول جبت كام يا علي ده إحنا أهل يا جدع !"
علي بلع ريقه وبصّ لأبوه ولعمر وهو بيحاول يبرر نفسه:
"أنا روحت هناك وقالولي مفيش نتايج خالص... وبالذات أنت ملكش نتيجة."
الكل شهق بسخرية، وعمر قال بنبرة شفقة:
"تؤ تؤ تؤ يخسارة."
علي كمّل وهو واثق من نفسه:
"أصلا مش هتطلع... بتاعتي أنا مش هلاقيها قولتلكم إني دايما منحوس بص... أنا مش عايزها خلاص... عادي يعني مش نتيجة... مش نتيجة هي اللي تحدد إذا كنت ناجح ولا لا... مش ورقة إمتحان اللي.... "
دعاء قاطعته وهي بترجي:
"لا ونبي حد يسكته لحسن لو فتح مش بيفصل... جبت كام يا علي انطق؟؟"
علي بإصرار:
"يا أمي مش موجودة... معظم النتايج ضاعت في الكنترول وأنا نتيجتي ضاعت معاهم.. فالله يسامحهم بقى."
عمر بنبرة تحذير:
"هتقول جبت كام... ولا أقول أنا درجاتك؟؟"
علي عينيه وسعت وقال بتوتر:
"ت.. تقول إيه؟؟.... بقولك مطلعتش... أنت... جيبتها؟"
عمر طلع الموبايل من جيبه وبصّله:
"اهي الدرجات قدامي... أقول ؟؟"
علي افتكر إنه بيهزره:
"والله؟؟... وياترى جايب إيه بقى؟"
عمر ضحك:
"جايب إيه؟.... قصدك مش جايب إيه ! إيه الدرجات دي !!! "
دعاء قالت بقلق:
"إيه يا عمر... متوقعش قلبي جايب إيه ؟؟"
عمر بصّ في الموبايل وبعدين بصّ لأخوه اللي الخوف باين على وشه:
"بصي ياماما أولا إبنك مش جايب درجات حتى مش مكتوب أي حاجة كان هاين عليهم يشتموه أو يكتبوا منك لله عشان يملوا فراغ الورقة بدل ما هي بيضة كده منغير أرقام."
دعاء شهقت:
"يالهوي !"
عدلي قال بصرامة:
"لا يالهوي إيه... اصبري شوفي درجات إبنك بعديها ولولي براحتك"
وبصّ لعلي بوعيد:
"دنا هنفخك."
علي ارتعش وقال بخوف:
"قولتلك في مشكلة في الكنترول وأكيد دي مش درجاتي يا بابا... أنت عارف إني ذاكرت."
عدلي رد عليه بحدة:
"أه طبعا الكنترول فيه مشكلة...أنت كل ترم على هذا الحال ومتقولناش جبت كام وتخترعلنا أي حجة وتروح وترجع تقولنا إنك ملقتش الجامعة من أصله !"
عمر دخل على الخط:
"أمال كنت بتروح الجامعة طول الترم تعمل إيه بالدرجات اللي جايبها دي !"
يارا وعلا ضحكوا وهما باصّين لعلي، ووشه اصفر، وقال:
"طب ما تقول... أنت كداب يلا وعمال توقع قلبي وخلاص متصدقيهوش يا ماما."
عمر وهو باصص في الموبايل:
"اهو إسمك أهو علي عدلي عز أبو زيد إسمك ده ولا مش إسمك ؟؟فيه مادة جايب فيها تلاته ونص... مش عارف دي فكة ولا إيه !... ومعظم الدرجات لو بصينا عليها هنلاقيها مواقيت صلاة مش درجات! "
الكل ضحك، وعلي ضحك معاهم وهو بيحاول يبرر:
"على فكرة دي خمسة وتلاتين هم تلاقيهم حطوا النقطة دي بالغلط."
عمر قال بسخرية:
"يا راجل ! ده إيه الجمدان ده ! جايب خمسة وتلاتين من عشرين !!"
علي سكت، وباقي العيلة انفجروا ضحك.
علي ساب الأكل وجري في البيت، وعدلي جري وراه، وعمر حاول يمسكه.
البيت كله اتملى بصوت ضحكهم، وقلب يارا اتملى فرحة. كانت حاسة بالانتماء للعيلة دي أكتر من عيلتها الحقيقية، هنا بتضحك بجد من قلبها، مش بتتظاهر.
بعد ما خلصوا، يارا طلعت مع علا أوضتها، وفضلوا يتكلموا ويضحكوا طول الليل، وده حسّن نفسية يارا شوية. بتحاول تنسى اللي شاغلها، وتحاول تفرح ولو شوية، لأن مين عارف الأيام الجاية شايلة فرح ولا حزن؟
______________________
عمر دخل أوضته، وقعد على الكنبة ورمى راسه لورا، وسرحان في مودة حبيبته… يصالحها ولا لأ؟
فضل شوية في صراع جواه، وبعدها مسك الموبايل وبعت لها رسالة وكتب
(أنا آسف ، أنا بحبك)
مستناش كتير، ولقيها ردت عليه برسالة
(وأنا كمان بحبك يا عمر ومش عاوزانا نبعد !)
عمر ابتسم أول ما قرا رسالتها، كل الغضب اللي كان جواه ناحيتها داب بالكلمتين دول. فضلوا يكلموا بعض طول الليل وهو حاسس بسعادة، هي حبيبته، مرة يتخيل اليوم اللي هيجمعهم بيت واحد وياخدها في حضنه، الدفا ده نفسه يحسه في أسرع وقت.
ومرة تانية يفكر في صاحبته، ويفكر لها في حلول… بس هو الموضوع ده أصلًا ليه حل؟
ولا بس بيقنع نفسه إنه هيلاقي حل وخلاص؟
هدير بصّتله بنظرة عدم استيعاب، مش فاهمة هو قال إيه…
هو لسه نايم؟ ولا دي هلوسة؟
هدير وقفت وبصّتله بغضب وقالت:
"كويس إنك فوقت... اتفضل أخرج برا."
واتجهت ناحية الباب عشان تفتحه ويمشي، ومصطفى لسه مش مستوعب اللي حصل…
هو ده مكانش حلم؟
بصّ جنبه، لقى شهاب بيكلمه بسخرية:
"احمد ربنا إنها متدكش قلم فوقتك...."
عينيه وسعت من الدهشة، وقعد على السرير بيحاول يستوعب اللي حصل…
ليه دايمًا الدنيا معاه كده؟ حظه وحش، بس المرة دي اتأكد إن مالوش حظ خالص!
بصّ لشهاب وشاورله يستخبى قبل ما هدير تشوفه، وبصّ لها وقال باعتذار:
"أنا آسف.... فكرتك شخص تاني."
ليه الضيق ده يا هدير؟
هو إنتِ تمنيتِ الجملة دي تبقى ليكي بجد؟
مش وقت حب يا بنت… اللي زينا الحب مش ليهم، فوقي لنفسك، ده وهم.
وقف على رجليه، بس حس بألم جامد في رجله اليمين، فرجع قعد على السرير وهو بيأن بصمت.
هدير جريت عليه بخوف وقالت:
"أنت كويس؟ إيه اللي واجعك.... "
مصطفى كان متوتر جدًا، كلمها بسرعة وشاور بإيده إنها متقربش:
"لا أنا كويس... أنا آسف... آسف... مش عارف إيه اللي حصلي... بس... شكرا إنك جبتيني لحد بيتك."
الخوف كان باين على وشها، بصّتله بعطف وقالت:
"بتشكرني على إيه بس يا أستاذ... أنا اللي المفروض أشكرك على اللي عملته معايا... رجلك فيها حاجة؟؟.... خليني أشوفها."
القلق مسكه، والعرق بدأ يطلع على جبينه، وقف بسرعة تاني:
"صدقيني أنا كويس.... لازم أمشي."
كان بيعرج وبيستحمل الألم، وخرج من البيت وهي وراه:
"أنا بجد آسفة كل اللي حصلك ده بسببي أنا آسفة."
سمع صوتها وهي بتعيط مكتوم، وصوته طلع مبحوح، وحس قلبه بيتقطع…
مكانش عايز يقولها إنه من ساعات كان مستعد يموت لما عرف إنها بخير، وإن نفسه مش مهمة عنده خالص…
طب ليه نفسه مهمة عندها هي؟
هو فقد شغفه بنفسه من زمان، ومبقاش حاسس بيها… هو بس سايبها عايشة لحد ما تخلص مهمتها وترجع لخالقها، مستني اللحظة دي.
مصطفى قرّب منها وقال بحنية:
"كل اللي حصلي ده الجانب منه هو حمايتك وبس وأي نواتج بسببه فهي متهمنيش مادام أنتِ بخير.... بلاش دموعك تنزل على شخص زيي... أنا مستاهلهاش ولو حتى شفقة ! "
ليه بيتكلم بالبؤس ده كله؟
أنا حاسة إنه فقد روحه، واللي عايشة فيه مجرد جسد!
مصطفى:
"الوقت مش مناسب إننا نتكلم في اللي حصل النهاردة وليه...المهم إنك بخير."
رجع خطوة لورا وهو بيبصلها وبيودعها بابتسامة، وبعدين افتكر الطلب اللي دايمًا في باله:
"هو... ممكن اسألك سؤال؟"
هدير ابتسمت وردت عليه:
"طبعا."
ابتسامته وسعت أكتر:
"حضرتك... مخطوبة أو متجوزة؟؟"
ملامح وشها اتغيرت من الدهشة من سؤاله، ومصطفى افتكر إنها زعلت، ففكر ينسحب ويمشي فورًا:
"أنا آسف... عن إذنك."
كان لسه هيمشي، بس هي وقفاه:
"لا استنى... أنا مش مخطوبة ولا متجوزة."
ابتسم ولفّ لها، الفرحة كانت مالية قلبه، وشاور على إيديها:
"أمال الخاتم اللي في إيدك ده؟"
هدير بصّت للخاتم اللي في إيدها. هي كانت قاصدة تلبسه عشان محدش ييجي يتقدملها ولا حد يفكر يطلب إيدها، لأنها أصلًا مش مستعدة للخطوة دي ومش حاطاها في حساباتها خالص.
بس ليه ردّت عليه وصارحته؟
وليه تحديدًا عايزة هو يعرف إنها لسه متجوزتش؟
ردّت عليه بهدوء:
"ده خاتم ورثته عن ماما الله يرحمها ومش بقلعوا لكن هو مش خاتم جواز أو خطوبة."
تنفّس مصطفى براحة، وهي نفسها حست بالإحساس ده!
مصطفى اكتفى بالكلام ده. كان نفسه يسألها عن حاجات كتير، بس فضّل إن المقابلة تخلص على خير ومن غير أي خناقة.
آه الكلام كان قليل، بس بالنسبة له كان كفاية وزيادة.
هو في الماضي كان كل اللي بيتمناه إنها تبصله أو تلاحظ وجوده، دلوقتي بقى بيعرف يتكلم معاها… وده عنده نعمة كبيرة.
سابها ومشي، وهي فضلت متابعاه بعينيها لحد ما اختفى من قدامها.
هي مالها؟
حاسّة بإحساس غريب مالي صدرها، إحساس عمرها ما حسّت بيه قبل كده!
قفلت الباب وراها، ورجعت أوضتها، وقررت تغيّر ملاية السرير، كانت متلطخة بدم مصطفى…
بس فجأة شمت ريحة حاجة…
ريحة عطر!
عطره هو!
ابتسامة صغيرة ظهرت على طرف شفايفها، ونامت بالعافية.
ده أول يوم في حياتها النوم فيه يبقى صعب عليها من كتر التفكير… في راجل!
قلبها النهارده مش زي كل يوم.
افتكرت كلمته، وبقوة، وإزاي قالها بانكسار
(هدير أنا بحبك)
حسّت بذنب كبير، قامت من السرير، دخلت الحمّام، توضّت، وصلت قيام الليل لساعات طويلة، وكل اللي بتردده دعوة واحدة:
(اللهم لا تعلق قلبي بأحد غيرك)
في الصبح بدري، أسيل صحيت من النوم وراحت جامعتها.
مكنتش عايزة تركب مواصلات، قررت تمشي.
وكان جواها يقين غريب… إنها هتشوفه النهارده.
اتعودت تشوفه بيلحقها، وهو قالها امبارح إنه هيقابلها النهارده.
ليه مستنية تشوفه كده؟
هو صحي بدري، لبس هدومه بسرعة ونزل.
خرج من أوضته وقابل أبوه اللي بصله باستغراب:
"الساعة ستة الصبح إيه اللي مصحيك بدري كده؟! أنت لحقت تنام ! "
يزن ما قالوش إنه منمش أصلًا من كتر التفكير، كل اللي عمله إنه غفل ساعة ولا ساعتين، وبعدها صحي عشان يروح لها:
"صباح الخير يا بابا... أنا نازل دلوقتي الشركة."
ملامح عبد الله اتغيرت بعدم استيعاب:
"في مدير بيروح الشركة الساعة ستة الصبح ! طب افطر قبل ما تنزل."
يزن قال بمرح:
"عادي بقى نشاط وكده متقلقش عليا هفطر برا عن إذنك يا بابا."
راح جامعتها، نزل من عربيته، سند عليها وهو مستنيها، رفع إيده وبص في ساعته:
"الحارس قال إنها بتروح الجامعة بدري أديني جيت بدري أهو هبدّر إيه أكتر من كده ! ده الفجر لسه مأذن من ساعة."
وبعد شوية وقت شافها رايحة ناحية بوابة الجامعة.
عينيه لمعت، جري عليها ووقف قدامها وهو مبتسم:
"صباح الخير."
اتفاجأت بيه قدامها… هي كانت بتفكر فيه وظهر فجأة كإنه بيقرا أفكارها.
بصّتله بنظرة إرهاق، هو مش بيتعب من وراها؟
عدّت من جنبه، وهو لسه ماشي وراها بيحاول يكلمها:
"آنسة أسيل... لسه بدري أوي على محاضراتك... ممكن ناكل حاجة سوا أو نشرب حاجة في أي كافيه هنا ونتكلم وياستي هعرفك عليا عشان تبقي متطمنالي أكتر وأنتِ كمان تعرفيني عن نفسك ونتكلم ش......."
قطعت كلامه ودخلت من بوابة الجامعة، ولا كإنها سمعته.
وقف مكانه بإحباط، والغضب باين على وشه.
ليه بتتجاهله بالطريقة دي؟
سمع صوت الحارس وهو بيكلمه بنبرة فيها سخرية:
"ريح نفسك مش بتدي فرصة لحد."
يزن استغرب وسأله:
"يعني إيه؟ "
الحارس رد:
"أنت مش أول واحد تعجب بيها فيه قبليك كتير أوي وكانوا مبياخدوش منها حاجة."
يزن قال باستفهام:
"أعجب بيها؟؟؟ "
الحارس كمل:
"كانوا بيتنططوا زيك كده وراها وفي النهاية تسيبهم وتمشي وهكذا بقى وأهي الدورة بتلف."
يزن غضب جدًا، راح ناحية عربيته وركبها، وكلام الحارس مولّع جواه نار:
"أنا بتنطط !!.... كل ده عشان بس عايز أعرف حكايتها إيه وصعبانة عليا لحسن تكون بتتإذي في البيت.... أنا معجب بيها وبتنطط؟... أنا بتنطط !!! "
ضرب الدركسيون بعصبية وساق العربية على الشركة.
شرب قهوة كتير عشان يفضل صاحي في الشغل، وآخر النهار استأذن ومشي، وراح جامعتها وقت خروجها.
قرر جواه إنها آخر محاولة.
رفع عينه لفوق وكلم ربنا:
"يا رب أنا كده أبقى عملت أقصى ما عندي عشان أساعدها لو رفضت تاني فكده أنا عملت اللي عليا وهبعد خالص ومش هفكر فيها تاني."
أسيل خرجت من الجامعة ماسكة شطيرة حلوى، جعانة جدًا بس مش قادرة تاكلها.
كإن مرار الحياة مخليها مش عارفة تستطعم لا الحلو ولا حتى الأكل العادي.
جسمها كان ضعيف وهزيل، بتحس بدوخة كتير، بس مبتقولش لحد… أصلًا محدش في البيت مهتم.
كانت ماشية ودموعها بتنزل، وكل شوية تبص لرسالة أبوها على الموبايل:
"أنا مسافر أنا ورحاب والأولاد نغير جو شوية كل حاجة محتاجاها هتلاقيها ولو ناقصك حاجة كلمي حد من الخدم.. دي إجازة وموبايلي هيبقى مقفول طول الوقت معرفش هتفضل قد إيه بس لحد ما نفسية يارا تتحسن."
همست جواها بوجع:
"طب ونفسيتي يا بابا؟ "
ليه كل الناس يهمك زعلهم إلا أنا؟
ليه مبتسألش عليا وتقولّي مالك؟
ليه حسستني إني ولا حاجة في حياتك؟
عبء عايز تتخلص منه وخلاص؟
ليه نسيتني زي ما نسيت ماما؟
محيّتني من حياتك وكإني مش موجودة!
كل الأسئلة دي دايمًا في دماغها، نفسها تقولهاله ويسمعها رد يهدّي قلبها.
رد يرجّع روحها تاني، يلزّق قلبها المكسور.
نفسها علي، رجليها مبقتش شايلة جسمها.
انهارت، دموعها نزلت بحرقة، وقعت على ركبتها وحطت إيديها على وشها وفضلت تعيط.
هو كان مستنيها، ولما اتأخرِت راح سأل الحارس وقاله إنها مشيت من شوية.
فضل يدور عليها في الشوارع، دي آخر فرصة.
لو فشل، هيمشي ومش هيفكر فيها تاني.
افتكر إنها يمكن ركبت تاكسي وروحت، وقف يائس وتنهد.
ولما لف يرجع لعربيته، لمحها في آخر الممر قاعدة على الأرض وبتعيط.
عرفها من لبسها.
جري عليها بلهفة…
ليه بتعيط؟
شهقاتها كانت عالية، قلبه وجعه.
نزل على ركبه قدامها وقال بقلق:
"أسيل !... في إيه؟؟... إيه اللي حصل؟... بتعيطي ليه؟... أسيل ؟"
وفجأة رمت راسها في حضنه، وعيطت بقوة.
هو من غير ما يحس، لف دراعاته حواليها وضغطها على صدره وقال:
"اهدي... "
غاصت بوشها أكتر في صدره، وهو بيمسح على شعرها بحنية، ويهديها بكلامه.
وبعد شوية بطلت عياط، وفضلت في حضنه.
يزن قال بهدوء:
"خلاص هديتي شوية؟"
مسك دراعها وبعدها عنه وهو بيقول:
"يلا قو....... "
بس أول ما بعدها، لقاها مغمضة عينيها ووشها ساكن.
عينيه وسعت، وهزّها بقوة:
"أسيل... أسيل !!"
مردتش…
راسها وقعت لورا.
أسيل فقدت وعيها!
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
متنسوش تصلوا علنبي
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.